الفصل 27 | من 29 فصل

رواية فراشة المقبرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مونت كارل

المشاهدات
15
كلمة
2,273
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

فتحت عيني بعد مدة قليلة. كنت مقيداً بالمقعد، وتقييدي لم يكن محكماً. بكل قوتي، صدمت المقعد بالجدار، فتهشم جزء منه. قبل أن أرتطم به مرة أخرى، حل قيدي. هل تعمدت تقييدي بذلك؟ دفعت باب غرفة القبو وخرجت. عبرت الشارع للجهة الأخرى في اللحظة التي دلف فيها ثروت وشخصان آخران إلى داخل الغرفة. بحثت عن سلاحي، الطبلية. لم أجدها. كانت تحت قيدي، ولكنها أخذتها قبل رحيله. تواريت خلف شجرة، وكنت لا أزال أشعر بالصداع.

خرج ثروت بعد دقيقة وهو يسب ويلعن. ركب سيارة ربع نقل وهو يصرخ: "أمرؤ، رجليه! أحضروا لي تلك السافلة! هاتفت مديحة في محاولة بائسة قد تبدد شكوكي. كمن يتعلق بابتسامة فتاة خائنة قد تجعل صباحاته أجمل. أنين، سعال، آهات. آهات بلا كلام. لا تحتاج لعين لترى كل شيء، بل قلب كبير يسع كل حماقات العالم. تخيلتها غارقة في دمائها، منبطحة على الأرض، تصارع الموت. ينفر الدم من عروقها.

ركضت نحو سيارتي التي تعمدت إخفاءها في مكان بعيد. ألقيت بجسدي المترنح خلف عجلة القيادة وانطلقت. كان باب الشقة مفتوحاً. جارة جميلة لمديحة، منحنية عليها تبكي. دفعت نحوها، وانحنيت رأسي حتى انطبقت على صدرها. أتاني نبض ضعيف يترجى الحياة. حملتها بين يدي وهبطت درجات السلم. كانت عيناها مفتوحتين، مستسلمة، تحدقان بوجه مرتعب هربت الدماء منه.

كافحت حتى رفعت يدها وأزاحت شعرة بأناملها من على جبهتي قبل أن تبتسم. "ابتسامة حمقاء لعينة! لكن أرجوكِ لا تموتي! " صرخت وأنا أرقدها في المقعد الخلفي. انطلقت بسيارتي، أزعج المارة ببوق السيارة، أسب وألعن كل من يعترض طريقي. "حمالة!

" زعقت على آمن المشفى وأنا أخرج مديحة من السيارة. حملتها مرة أخرى بين يدي، وضعتها على الحمالة، ودفعت بكل قوة نحو المصعد. لحظات ووصلنا. ممر طويل. كنت أصرخ حتى هرع الأطباء نحوي. أدخلوها غرفة الجراحة، وصكوا الباب في وجهي. من خلال الزجاج، رمقتها فاقدة للوعي، تحقن بالمحاليل. وأنا أدعو: "لا تموتي، لا تموتي." تهالكت على مقعد ووضعت رأسي بين يدي. ضربتها بقسوة أفزعت طفلاً كان في حضن والدته.

يمر الوقت. لا يمر الوقت. لكنها تمضي رغم قسوتها. زرعت الرواق مئة وخمسين مرة جيئة وذهاباً قبل أن تخرج ممرضة تركض نحو إحدى الغرف وتعود مسرعة. أمسكت بتلابيبها من الخلف. كانت الدموع تنهمر على وجهي. قلت: "لا تسمحي لها بالموت، أرجوكِ." نحت الممرضة يدي جانباً. أجلستني على المقعد بلطف. قالت: "لا تقلق، إنها بخير." قلت: "اللعنة! ماذا تعني أنها بخير؟ إننا بخير. إنها لا تعني أي شيء."

"لا، أننا لسنا بخير ولن نكون بخير أبداً. رغم ذلك، نحن بخير رغم عنا." "حقيقي؟ هل يكفي أن تكون بخير؟ قالت: "أرجوك اهدأ، أنت تعطلني عن عملي. ما تفعله ليس له معنى." "ما يأتي متأخراً لا يعني أي شيء." استسلمت، تكورت على نفسي. أخرجت لفافة تبغ وأشعلتها تحت يافطة تقول: "ممنوع التدخين! دهست عقب لفافة التبغ بحذائي على البلاط الذي ينضح بالمعقمات. تحت مراقبة عيون عامل نظافة يحرك مساحته بآلية مملة. وأخرجت واحدة أخرى قبل أن أشعلها.

خرج طبيب خمسيني، عملي الملامح. قال وهو يخطو نحوي: "أطفئ السيجارة من فضلك، أنت تخالف التعليمات! "كيف حالها؟ " سألته وأنا أمج من سيجارتين. نزع لفافة التبغ من فمي، سحقها بالجدار. حدق بي وقال: "ستكون بخير." "قتلك نفسك بلفافات التبغ لن يساعدها." أفرغت دفعة من دخان أزرق في وجه الطبيب. كانت في رئتي. حملقت به. "قل إنها ستعيش؟

قال: "ستعيش. حالتها مطمئنة. تعرضت لضرب مبرح، كسر بعض الضلوع. كان هناك نزيف داخلي وشبهة ارتجاج في المخ، لكننا تداركنا الأمر." "يمكنني رؤيتها؟ فكر الطبيب لحظة، ثم نادى على ممرضة وقال: "من على الباب! "طوال عمري أرمق الأشياء من على الباب، ولا مرة تجرأت ودخلت." "لن تكون أول مرة." كانت مضجعة، صدرها يرتفع ويهبط بسكون. جسدها ثابت لا يتحرك. قالت الممرضة: "إنها تحت تأثير التخدير، لا تقلق." "حبيبتي؟ " سألتني.

قلت: "إنني لا أحب، لم أحب، لن أحب. إنها تعني لي أكثر من الحب." قالت مستفسرة: "هل هناك أكبر من الحب؟ قلت: "أجل، هناك أجل من الحب وأنقى. الحب مجرد لعنة تجعل بعض البشر الضعفاء يعتقدون أنهم بحال أفضل، قبل أن يتخوزقوا." "أنت غريب جداً! "لست أكثر غرابة منك. من يحب يرى الأمور بطريقته ويرغب من كل العالم أن يتبعه."

حدقت بوجهها. "أنتِ مثلاً تحبين ذلك الطبيب هناك." وأشرت لشاب يخرج في ردائه الأبيض من غرفة مديحة، متعرق الوجه، كأنه كان في ماراثون ركض، لكنه لا يبالي بك." امتعضت قسمات الممرضة. قالت بغضب: "أنت وقح! ثم كيف تفكر في تلك الأمور وحياة أحدهم على المحك؟ قلت: "لأنني إنسان غريب جداً." "وأنتِ مخدوعة." "اذهب، أنت لا تُطاق! " صكت باب غرفة العناية الفائقة وأمرتني بجلافة أن أرحل.

قالت: "إذا لمحتك تدخن مرة أخرى هنا، سأطلب من الأمن أن يلقي بك خارج المشفى." قلت: "رويدك يا مخدوعة، أنا راحل. راحل إلى بعيد بلا مشاكل." تعصبت الممرضة، صرخت: "هذا ليس منصف! ليس من العدل أن تصب لعناتك وعقدك على شخص آخر لمجرد أنك منزوع الأمل أو تشعر بالقرف؟ أومأت برأسي. قلت: "معك حق. اعتذر، أنا آسف. علينا أن نحتفظ بأوجاعنا داخلنا ولا نزعج بها الآخرين مهما كانت درجة قربهم منا." "مع ذلك، أنت مخدوع."

"لا فائدة." قالت وهي تهرول مبتعدة. قبل أن تدلف غرفة الممرضات القريبة، سمعتها تشهق. "قمة اللا إنسانية إذا كانت تشعر أنك لست بخير وأنك لست على ما يرام، أن تحول يوم شخص آخر لنفس الحالة." "لكني كنت أحتاج ذلك. أن أفرغ كتل لهب الإحباط التي تتلوي داخلي وتلسعني قبل أن أنهار. أن أحمل شخصاً آخر خطيئتي الكبرى، حماقاتي، هزائمي." فتحت مديحة عينيها بعد أربع ساعات. بدت بحالة جيدة فعلاً بعد أن ضمّدوا جراحها وجبروا كسور جسدها.

كانت في غفوة عندما لكزتني الممرضة التي أهنتها للتو. قالت بنبرة صارمة: "إنها تطلبك. لماذا لم تخبرنا أنها زميلتنا؟ قبل أن تشرع في وصلة فلسفتك الحياتية المملة؟ "تفضل." فتحت الباب وتركتنا بمفردنا. سحبت مقعداً وجلست جوارها. قلت وأنا أعاينها: "أنتِ بخير؟ قالت مديحة: "الحمد لله. أخبروني أنك كنت منهاراً بالخارج." ابتسمت. "أنا لا أنهار أبداً يا توحا. إذا أخبروكِ بذلك وكان حقيقياً، عليكِ أن تدركي أنني حينها سأكون ميتاً!

"تعلمين لماذا؟ لأنني أمرء وحيد، متمرغ في الوحدة. ليس لدي أي شخص أتعلق به أو يمد لي يده. أنا شخص لا يُطاق يا مديحة، ولا نية لدي أن أمرغ شخصاً آخر في بركة وحدتي." قالت مديحة: "لن أجادلك الآن، فأنا متعبة جداً. أرجوك لا تغضب عفاف مرة أخرى؟ "عفاف؟ "الممرضة يا محمود، إنها غاضبة جداً منك! أردت أن أفتح عينيها قبل أن يتكبد قلبها خسارة فادحة، فمذابح الحب لا يعاقب عليها.

"تبدين مثالية جداً يا محمود، لدرجة مهينة. أنت تعلم أنك خلاف ذلك؟ "لست مثالياً ولا أحرز أن أكون مثالياً، لكني أقول الحقيقة التي يرفضها البعض، فلتتعفن المثالية في بطون الأوغاد." "سأعتذر لها. تستحق ذلك. لن أفتح عينيها رغم أنفها." "تفتح عيني على ماذا؟ استدرت. كانت الممرضة عفاف واقفة على باب غرفة العناية الفائقة تستمع لمحادثتنا. "تتسللين علينا؟ "أقوم بعملي. شخص مثلك لا يمكن توقع أفعاله. ربما تقتلها؟

"لا أستطيع الضحك." قالت مديحة. "محمود! " وغمزت بعينها. "يعني حان الوقت لتبدو كائناً بشرياً طبيعياً." قلت لعفاف: "اعتذر، أنا آسف. تعديت حدودي معك. كانت محادثة هلامية لا محل لها. أبدي ندمي وأعدك أن لا أتطفل على قلبك مرة أخرى أو أتسكع في طرقه." "هل فعلت ذلك بطريقة صحيحة؟ " سألت مديحة. قالت: "نوعاً ما، لكنك لا تزال وقحاً. أنت بارع جداً في فعل الشيء وضده في نفس الوقت." سألت الممرضة: "هل هذا كاف؟

قالت: "ليس قبل أن تطلعني، كيف استنتج عقلك الفذ أنني أحبه؟ وكيف سمح لنفسه التسكع في طرقات قلبك؟ رفعت يدي بتذمر. "علينا أن نتفق أن ما تطلبينه ليس أمراً هيناً، وأنك قبلتي اعتذاري السابق، وأن أي توضيحات أخرى ستكون نابعة من داخلي أنا ولست مجبراً على ذلك؟ "قبلت اعتذارك."

"بريق عينيك وأنت تحملقين به كأنه أينشتاين. رقتك وأنت تدفعين إليه مشارط الجراحة وغشوميتك مع الآخرين. انحراف بؤبؤ عينيك بدرجة تسعين درجة وأنت ترمقينه بطرف عينك. وقفتك المضطربة، تحميلك على القدم اليمنى واهتزازها، رغبتك في توقع كلامه قبل أن ينطق. ملاحقة عينيك له في كل حركة يقوم بها. لمسك طرحتك كلما نظر إليك نابع من رغبتك في الإحساس أنك جميلة بقدر كافٍ في عينيه. شرودك، توهانك في تفاصيله."

"أنتِ بقيتِ لم تكوني قلقة علي فعلاً؟ كنتِ تراقبين عفاف وأنا ملطخة بالماء على وشك الموت وعظام جسدي مكسرة؟ "تعلمين يا مديحة أن لي عاداتي التي لا تتبدل مهما كانت الظروف. انتظري يا مديحة، ماذا أيضاً؟ "كيف أدركت أنه لا يحبني؟ "ليس الآن، آنسة عفاف." قلت وأنا أغادر الغرفة. "أحتاج لفافة تبغ." "أعطني بمديحة من أجلي، ولا تسمحي لأي شخص غيري، حتى لو كان والدها، أن يدلف لغرفتها."

"هذه قصة لعينة، مهلكة. عليها أن تنتهي بأي شكل قبل أن ينفجر عقلي." الشارع خالٍ من المارة. الساعة تشير لمنتصف الليل. قدت سيارتي تجاه المقابر التي دفنت فيها عائلة ثروت. كانت قريبة، مسافة نصف ساعة وكنت هناك. قلت لحارس المقبرة: "هل ترغب بألفي جنيه نظير خدمة بسيطة؟ قال الحارس الذي استيقظ من النوم: "لن أبيع أي جثة." وضعت النقود في كفة يده لإسعاده على الاستيقاظ. "لن آخذ أي جثة." "قدني لمقبرة آل عبد الحميد."

"العائلة التي احترقت." سحب الحارس قنديل ومشى أمامي في درب يخترق المقابر حتى وصلنا لمقبرة تنحت جانباً عن الصف. قال الحارس: "لم أفتحها منذ وقتها." قلت: "حان الوقت أن يشتموا الهواء." أحضر الحارس معوله وفتح المقبرة. قال: "لن أنزل معك. سأنتظر هنا." "تتذكر كم جثة؟ " سألته. قال: "أربعة." حملت القنديل لتحت. كانت الأكفان مرصوصة إلى جانب بعضها. بقايا حياة لأناس لا أعرفهم.

قلت وأنا أفتح الأكفان: "التعدي على حرمة الأموات جريمة. من حسن حظي لا يمكنهم الاعتراض." أول كفن كان الوالد، على ما يبدو. الثاني الوالدة. الثالث والرابع لشابين. الآن تأكدت أنه لم يقفز من القبر على الأقل. هذا الملعون لم تلتهمه النيران ولم يدفن أصلاً. كان من الصعب تحديد ملامحهم بعد طول تلك المدة. الحل الوحيد للتثبت من هويتهم إعادة تشريح الجثة، وهذا أمر مستحيل. صرخ الحارس: "اخرج بسرعة من عندك!

حملت القنديل وخرجت من المقبرة. قال الحارس: "أنت مراقب." كان يقف هناك وأشار بيده لنقطة خارج المقابر. "من متى؟ " قلت. "منذ حضورك. ظننته في البداية تخيل، حتى تحرك ببطء فأدركت أنه شخص." "كم كان عمره؟ "من الصعب تحديد ذلك، لكنه فتى، ربما في العشرين من عمره." "ارحل من فضلك قبل أن يبلغ الشرطة." غادرت المقابر وأنا أفكر في كلام الحارس. "فتى في العشرين من عمره، ماذا يعني ذلك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...