فوق، في العلية، جلست لورا على مقعد محمود الجلدي المميز. جلس محمود على مقعد خشبي آخر. كانت الكتب مرصوصة بعناية على الطاولة. لوحة رسم منتصبة تحتها فرشاه وألوان زيتية، كان محمود قد أحضرها مع أنه لا يرسم، كديكور يدل على تبحره وثقافته. كانت اللوحة مغطاة بمقماشة بيضاء، كأنه يخفي رسمة بورتريه غير مكتمل. فوقها مصباح يشتعل ليلاً، وجهاز الموسيقى يجلس على طاولة واطئة مغلفة بالقطيفة. أسندت الصينية على الطاولة وحاولت أن أجد لنفسي مكان أجلس خلاله. انتهيت أن أتكئ على إفريز السطح في مواجهتهم.
فعلت لورا قرص الموسيقى، كانت مبتسمة. تفتح فمها كبقرة. محمود يحدق بها بتركيز يتعدى كونها شيء هامشي. تناول محمود فنجان قهوة ومده للورا، والتي احتضنت يديه بعفوية وهي تتناول قهوتها قائلة: "شكراً لك." ارتشف محمود جرعة من قهوته المركزة ودون سبب قال: "تسلم إيدك." قابلته بابتسامة متفهمة لا تخفي امتعاضًا. "أوه، تسنيم، لقد نسيتي قهوتك؟
كنت قد صنعت فنجاني قهوة فقط. بررت ذلك بعدم نيتي البقاء فترة طويلة. إلا أن محمود أصر أن أصنع قهوتي، وأن الجلسة لن تكتمل دون وجودي، وأن لورا بلا شك ترحب بذلك وليس لديها ما يدعوه للشك أنها غير مرحب ببقائي. وأنه في نهاية الأمر الغريب بيننا. وإن كان على شخص أن يستأذن للانصراف فسيكون هو وليس شخص آخر.
قالت لورا إنها ترغب بمناقشته في بعض الأعمال الموسيقية، وأنه يسرها وجودي وأنا أتابع تلك المناقشة المبرئة من أي غاية قد تبدو مريبة.
ما كان علي إذاً إلا أن أستجيب لتلك النداءات وأن أهبط درجات السلم بلا رغبة لأعد فنجان قهوة وأعود مرة أخرى. عندها كان محمود قد أمسك بتلابيب الحديث، غائصًا في تاريخ موسيقى أوروبا الوسطى القديمة، يغدق أذني لورا بمقتطفات ومعلومات غامضة عن سترافنسكي، كيف ظلم ولم ينل حقه، ومقارنة بينه وبين شونبرغ. بدت لورا، التي لم أرها مرة تستمع للموسيقى، مستمتعة بحديثه، تحني ذقنها لحدود صدرها النافر الذي يكاد يخترق قميصه.
تركت حديثهم خلف ظهري ولا أعلم لماذا استحوذت علي تلك اللوحة المغطاة بقماشة بيضاء تتدلى أطرافها على الأرض، مع أنني بكامل اعتقادي أنه لم يضرب فيها خط واحد. اقتربت من اللوحة ولم تفتني عيون محمود التي تتبعني. "ماذا ترسمين هنا؟ " سألت محمود بنبرة جدية. قال: "لا شيء مهم. ربة الرسم تتنزل علي أحيانًا في بعض الليالي التي يجافيني فيها النوم وترسم بيدي بعض المناظر الطبيعية." قلت:
"لكني أشك أن هذه اللوحة عارية، وأن ربة الرسم لم تكن تحبك أصلاً." وأردفت بنبرة مزاحية: "أرغب برؤية تلك الرسمة." كانت لدي رغبة جامحة لإذلاله. ولم أمنحه فرصة للرسم. وتصورت أنني عندما أقترب من اللوحة أن محمود سيركض نحوي ويمنعني من تعرية فشله. لكن محمود لم يفعل. واكتفى بابتسامة مقيتة. تجولت داخلي وأنا أزيح القماشة بعنف. صرخت لورا: "الله، الله! بينما رفع محمود كتفيه بطريقة تمثيلية غير مبالية، وارتسم على محياه الخجل.
"إنه رهيب! " زعقت لورا.
كانت اللوحة ترسم بحيرة جافة تأكل فيها أوزات برية سمك نافق. تحلق بعض الطيور تحت سماء رصاصية. في الخلفية غروب يجر كفنًا من سحب حمراء. على طرف البحيرة فتاة هزيلة عارية الكتفين، منحنية، في يدها غصن يابس وشعرها جديلة تعانق ظهرها. خلفها تنتصب أشجار غابة برتقالية اللون تحتضن منزل ريفي، على ما يبدو منزل تلك الفتاة الواقفة على جانب البحيرة. كانت اللوحة بديعة، مكتملة، حتى أنا نفسي لم أفلح بإزاحة عيني عنها. بينما كانت لورا تحدق في اللوحة بصمت بعد أن اقتربت هي الأخرى من مكان وقوفي. محمود يحتسي قهوته بمزاجية معتدلة ويتابع لورا المنبهرة بطرف عينه.
اختلطت الموسيقى ببدأتها. روحانية اللوحة متسقة مع تلك المشاهد التي طبعها محمود بدقة ومهارة عاجزة عن الوصف. "إذًا أنت رسام أيضاً؟ " قالت لورا وهي تداعب كتف محمود بإعجاب قبل أن تجلس بجواره. قال: "لا، لا. جلسة واحدة لا تكفي. في يوم ما عليك أن تعلمني الرسم يا محمود. لطالما كانت رغبتي أن أصبح رسامة لكن ظروف زواجي قتلت كل شغف داخلي." كانت تخاطبه محمود الآن بعد أن مسحت كلمة "أستاذ" التي حرصت عليها طوال الجلسة.
"لا يتوقف ذلك الوغد عن إبهاري، سواء كان هو الذي قام بتلك الرسم أو ابتاعها لسبب أجهله، فإن له مخيلة رهيفة وجميلة. كل يوم أكتشف شيئاً جديداً في زوجي. بلا عناية يخطف قلب مخاطبه الآن. أدرك غموض التفاف الفتيات حوله في كل مكان يذهب إليه. كان لي وحدي. تصعبت، لكني لم أكن قادرة على قراءته. اغتظت، كدت أنفجر باكية." قال لي بتلك النبرة التي يستخدمها لينسب للآخرين مشاعر كان يرفض الاعتراف برؤيتها في نفسه:
"مع ذلك أنا حزين. الألم الأصدق هو الذي نعيشه بمفردنا." خرج محمود وغل يده في جيب السترة. قالت لورا متأثرة: "لست وحيداً." قلت: "لا تأمل مني أن أتألم لأجلك." وإذا أدركت قسوة كلماتي، أردفت: "أنت حقاً رائع ولن تكون وحيداً أبداً." "أجل." قالت لورا. "شخص بمواهبك عليه أن يبتعد عن الحزن ولا يسمح له أن يتخلله. البشرية تحتاجك! "كيف أفعل ذلك؟ " تسأل محمود وهو يشعل لفافة تبغ. قالت لورا وكانت مستغرقة في حالة من التأثر:
"نحن حولك، معك. أنا معك." وأدركت أن لورا ستبكي. "أعرف تلك الفتاة وطيبة قلبها." قلت: "نعم، نحن حولك. والدتك هنا وأنا أيضاً، حتى لو كنت تعتبرني غريبة فإننا نقيم في نفس المكان." قالت لورا: "تقولين ذلك رغم أنك تنوين الرحيل؟ انهض محمود جزعًا وحدق بي قائلاً: "أحقاً ذلك؟ قالت لورا:
"أجل، حدثتني تسنيم عن رغبتها في استئجار شقة والعيش بمفردها. ترى أنه لا جدوى من بقائها في منزلكم فترة أطول وأن عليها أن تشق طريقها، ولا تسمح لحياتها أن تتوقف." قال محمود: "فعلاً من حقها. من جهتي لن أبخل بأي مساعدة ترغب بها تسنيم." ثم تهلل وجهه واردف: "تسنيم فتاة رائعة." قلت: "أنتم تتحدثون عني كأني قد رحلت فعلاً؟ كنت أفكر في الرحيل فعلاً لكنه لم يكن كلام جد. أنا سعيدة هنا رفقة والدتي وأقضي أيام سعيدة." قالت لورا:
"لكننا رأينا مجموعة من الشقق بالفعل وتناقشنا مع أصحابها في قيمة الإيجار!؟ كانت لورا تدفعني دفعاً نحو الحضيض. شعرت أن دموعي ستنفجر. لم أرغب أكثر من تلك اللحظة من البقاء بجواره حتى لو كانت علاقتنا منعدمة. يكفيني حضوره، صمته، سعاله، أنفاسه في الغرفة الملاصقة لي ورؤيته يذهب للعمل كل يوم. ستنتهي حياتي إذا غادرت ذلك المنزل. قالت لورا: "الوقت تأخر؟ حدقت لورا بالساعة. كانت الوقت تأخر فعلاً. قالت:
"لكني لا أرغب بالرحيل. انظر لذلك المسكين، راقب وجهه الكئيب، قلبي لا يطاوعني تركه بتلك الحالة! تريث محمود قليلاً. كان الظلام مطبقاً على الشارع. قال: "لا تقلقي، أنا معتاد على العزلة. يمضي العالم بعيداً وتافهاً خارج حجرتي." أشرقت لورا بإحدى ابتسامتها الفتاكة. كان لها وجه طفلة مستدير. "لن تمضي وحدك." قالت.
"حقاً." وربتت على كتف محمود. "عليك أن تفهم، تدرك، أنك اكتسبت صديقة حقيقية اليوم. حليفة يمكنك الاعتماد عليها، لن تترك يدك بسهولة حتى تصل بر الأمان." مستغرقاً في تأملاته وهو يحدق باللوحة قال محمود: "أنا وحيد مثل تلك الفتاة." بدا لي صوته هشاً وفزعاً وشعرت بقلبي يتقطع. قلت: "مخطئ أنت إذا شعرت أنك وحيد ولا أحد مهتم بك؟ كنت أخرقاً، هداماً، منفراً، غير مفهوم. أنت من جررت ذلك على نفسك." قال: "أو حقاً؟ قلت:
"عذراً." ولوحت بيدي في الهواء. "هل تعاني من فقد ذاكرة لعين؟ "الأمر... " وصمت محمود. "إنه يمكنك أن تعتقدي ما تعتقدي، لكن... وحدق بلورا: "ذلك لا يعني مطلقاً أن يكون ما أشعر به أو ما يعبر عني." "احترم آلامك، وأتمنى أن تتحلى باللياقة لتحترم آلامي." قلت مندفعة: "وأي آلام تشعر بها أصلاً؟ قال: "لا يمكنك رؤية ذلك، إنها المعضلة الكبرى وسبب كل المشكلات. لا ترى، لا ترى." ولوح بيده ودعس لفافة تبغه. انحنى ملوحاً بيده أمامه،
قال للورا: "أتمنى ملاقاتك في ظروف أفضل. أعني بعيداً عن تلك المشكلات." قلت مبتسمة: "لا وجود للمشكلات، اختلاف وجهات نظر. لورا تتفهم ذلك." "نعم أتفهم ذلك." على كل حال... وصمتت لورا. "أتوقع أن تجمعنا جلسة في وقت قريب." قال محمود وهو يحلق بي: "أتطلع لذلك." وطبع قبلة على يد لورا. "هل سأكون حاضرة؟ " استفهمت بلا مبالاة. قال محمود: "يسعدني ذلك."
بيننا هبطت لورا درجات السلم دون أن ترد، وأن أودعها على الباب كانت عيونها مغرورقة بالدموع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!