بعد تلك الحادثة عاد الصمت يلازم زهرة مرة أخرى. توقفت عن الكلام وعادت لتشاهد شارداً، حزيناً، وكئيباً. حاولت ميمي أن تخرجها من حالتها بلا فائدة. بدت الفتاة مصممة على عزلتها ووحدتها. في المدرسة كانت تجلس بمفردها ولا تختلط مع أي شخص. لا تعرف نرجس ما حدث لزهرة، لكنها متأكدة أنه أمر خطير. عرضت زهرة على أكثر من دكتور نفسي. استخدموا معها حيل الأطباء، لا شيء. زهرة قررت أن تبقى فمها مغلقاً.
كانت ميمي تتحدث مع زهرة رغم ذلك، ولم تتوقف عن الكلام عن عالمها. من حيث أتت ومغامراتها، لكن زهرة لم تبدِ أي اهتمام. "اسمعي يا فتاة! "من حيث أتيت يعتبر عدم الرد على شخص يحادثك وقاحة لا تغتفر." ثم شردت ميمي لبعيد. "أتعرفي يا زهرة؟ لقد كان لي حبيب قبل أن أحضر لهنا." "كنت أحبه جداً يا زهرة، وأتمنى أن أقضي بقية حياتي معه." "لكن تخيلي ماذا فعل بعد كل ذلك الحب؟ "قبضت عليه متلبساً بخيانتي مع هرة سمراء اسمها فاتي."
"كان يقول لها كلام الحب الذي لم يقله لي وحاول أن يقبلها." "شعرت أن قلبي انفطر. صفعته على وجهه وهربت. لم يكن لدي مكان ألجأ إليه، لذلك ركضت في كل مكان." "بت في مقلب قمامة وبيت مهجور." "وسكنت في منزل امرأة مسنة، لكن كل ذلك لم ينسيني إياه." "كان عليّ أن أهرب مرة أخرى، وربما أواصل الهرب إلى ما لا نهاية." "حتى رأيتك في الحديقة، حينها قلت: ما خطب تلك الفتاة النحيلة؟
"تابعت محاولاتك الحسيسة للتقرب مني بلا مبالاة، لكن أنا أيضاً أشعر بالوحدة وكنت أحتاج صديقة." "زهرة... "لكل واحد منا ماضٍ يهرب منه. أنت لست وحيدة في ذلك." "عندما ترغبين في التحدث عن ماضيك، ستتخلصين منه. لا تجعلي الماضي يقتلك يا زهرة." بعد يومين فتحت زهرة فمها. تحدثت إلى ميمي: "صباح الخير." "مساء الخير." "كيف حالك؟ "ما حال المدرسة؟ لكنه لم يكن حديثاً عميقاً، مجرد كلام فارغ. "زهرة...
" قالت ميمي، "كنتِ على وشك التحدث لوالدك. ماذا حدث؟ قالت زهرة بشرود: "رأيت والدي." "إذا كان لديك والد آخر؟ " همست ميمي، ثم رفعت عينيها. "وهذا البابا غير موجود الآن." "أتفهم حزنك يا زهرة. ربما نزور قبره في يوم ما." "لا قبر له." همست زهرة بغضب مكبوت. "أنا لا أعرف أين قبره." "كل ما أعرفه أنه لم يعد موجود." "لديك أب آخر يا زهرة الآن." "والد يهتم بك، ووالده تحبك." بكت زهرة، نزلت دموعها. "أنت لا تعرفين ما حدث يا ميمي."
"لا تعرفين أي شيء. أنت مجرد هرة حمقاء مثقفة." رفعت ميمي ذيلها. لم تغضب. لم تثور. "لديك حس فكاهي إذاً يا زهرة." "لكني صديقتك، وأعدك أن نصل إليها. قد أكون مجرد هرة، لكنني أفي بوعودي." تحسنت زهرة نوعياً. بدأت تفرغ ما في داخلها. فكل شخص يحتاج أن يتقيأ ذاكرته بين الحين والآخر. بدأت تلعب في المدرسة، تكتشف أصدقاء. وأخيراً بعد شهر، عندما ظهرت نتيجة المدرسة. حملت زهرة ورقتها ودخلت على والدها وهمست: "تفضل بابا. لقد نجحت."
كانت أول مرة يسمع فيها صوتها. نعم، كان يتجسس عليها. لكن الآن، إنها تقف أمامه وتهمس: "بابا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!