من حياة في البرية وسط الزواحف والوحوش، أدرك ناصر أن أمام زهرة عدة دقائق محدودة قبل أن تخور قوتها. "زهره؟ " صرخ ناصر. "لو مقدرتيش توصلي هنا خلال دقيقة أعصابك هتنهار وهتسقطي على الأرض." نظرت زهرة تجاه الأرض البعيدة وشعرت بوجع السقطة في عظمها. شهقت زهرة، أغمضت عينيها وتسلقت بكل قوتها. مع تحرك الحبل، وصلت فتحة المغارة في اللحظة الأخيرة. قشطت رصاصة كاحلها. هوت زهرة على الأرض تلهث، متعرقة، منتهية. ناصر صوب البندقية.
"خدوا يا ولاد الـ... دفقة من الرصاص أجبرت الرجال على الاختباء. ثم بسرعة، ألقى البندقية وشق بيده جلبابه وربط به ساق زهرة. قبل أن يغرس أسنانه داخل ساقها وزهرة تصرخ وتبكي. امتص ناصر السم وبصقه على الأرض. حمل زهرة وأرقدها على فراشه داخل الكهف. كان الغضب تملكه، وعندما يتملك الغضب إنسان يائس، لا يمكنك أن تعرف ما بأمكانه فعله. اختفى داخل المغارة وأحضر أربيجيه كان احتفظ به عندما سكن الجبل. وضع القذيفة بداخله وصوب.
دوى الانفجار المرعب وارتفعت الصرخات. ركضت السيقان المرتعبة بعيداً عن الجبل. ترنح ناصر، لم يعد قادر على نصب طوله. انتابته نوبة فقدان وعي وغشاوة، ثم هوى بكل جسده على الأرض. وقفت ميمي وسط الجسدين الممدين على الأرض. لذا لم تفعل شيء. سوف ينتهي بهم المطاف قتلى داخل الكهف.
ظلت ميمي بين الجسدين تغمض عينيها برهة، ثم تفتحها ببطء، وهي تهمس بكلمات ليست من لغة البشر، بل من لغة القطط القديمة، التي تتناقلها الأمهات إلى صغارهن في همسات منتصف الليل. "يا ليلُ يا حامل الأسرار، يا ظلَّ السكون في دار الأقدار، باسم المخالبِ المُخبَّأة في الظلام، وباسم العيونِ التي تبصرُ ما وراء الأوهام، أدعوكَ، أيها الجنيُّ الضرير، يا من تُسمعُ النداءَ وإن حُجِبتَ عن النظر، تعالَ إلى ميمي، وافتح لها بابَ القدر!
بمجرد أن نطقت الهرة ميمي آخر كلمة، ارتجف الريح في الكهف كأنها تتنهد، ثم ساد صمت ثقيل. بعد لحظات، تصاعد من الظل همسٌ خافت، كصوت أوراق تتلاعب بها الرياح، ثم ظهر الجني الضرير. عيناه فارغتان، كأنهما حفرتان من الليل نفسه، لكنه يرى بطرق لا يفهمها أحد. تحرك من الظلام وجلس أمام ميمي، وأمال رأسه قليلًا، وكأنه يسمع ما في قلبها أكثر مما يسمع صوتها. "لكل هرة أمنية،" قال بصوت كالصدى العميق، "فما هي أمنيتك يا ميمي؟
"أريدك أن تشفي جروح زهرة وناصر." همس الجني الضرير رأسه. "لكل هرة أمنية واحدة." "شخص واحد." ترددت ميمي لحظة ثم همست: "زهرة." وضع الجني الضرير يده فوق ساق زهرة، ضغط عليها وأطلق تهويدة، ثم اختفى ببطء وهو يقول: "لكل هرة أمنية واحدة." "أمنية واحدة يا ميمي بنت راخ." فتحت زهرة عيونها بعد لحظات، كان ساقها سليمة بعد أن اختفى الجسم من جسدها. "ميمي؟ "أنا هنا يا زهرة." "إنتي عملتي إيه؟
نظرت ميمي إلى جسد ناصر. "أظن إنك طبيبة حتى لو مكنش عندك أجهزة طبية." عاينت زهرة الكهف بسرعة، أشعلت نار ووضعت داخلها سكين ناصر حتى لمعت من اللهب. نزعت ملابس ناصر، حددت مكان الرصاصة، ثم غرست السكين. وحتى أثناء فقدانه الوعي، صرخ ناصر من الألم. أخرجت زهرة الرصاصة وقامت بكي الجرح. قبل أن تتكئ بظهرها على الصخر، كانت متعبة، ومنهكة، ومصدومة، تموت وتغلق عينيها، لكنها سمعت صرخة ميمي: "هناك رجال قادمون تجاه الكهف."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!