في منتصف الليل على متن القارب وقفت رنا تودع نيمار الذي ابتسم لها قائلاً: -إلى اللقاء، آمل أن نتقابل مجدداً. -تصل بالسلامة إن شاء الله. -هل سنتقابل مجدداً؟ تنهدت رنا وصمتت. لو سُئلت نفس السؤال من أشهر قليلة لكانت أجابت بنعم، فهي كانت على استعداد للسفر والمغامرة والتعرف على بلاد جديدة بثقافات جديدة. لكن الآن لقد تغير كل شيء، ما عادت تحلم سوى بالعودة إلى أرضها القبطية، تقسم ألا تغادرها مطلقاً.
صفارات الإنذار تخبره أن السفينة قد رست وعليه المغادرة الآن، فالتفت على أثر الصوت، لكن عاد ينظر إليها متسائلاً ينتظر رداً على سؤاله. فقالت: -لا أعتقد، أقسم ألا أغادر مصر مرة أخرى، لأعود إليها فقد باتت تلك أعظم أمنياتي. ارتفع صوت آخر إنذار يعلم الركاب بانتهاء الوقت وستتحرك السفينة من الميناء. فقال نيمار بتعجل: -سنتقابل يا رنا، سنتقابل من جديد.
وإلتف مغادراً، ثم وقف على أرض الميناء يلوح لها بهدوء وابتسامة جميلة تزين ثغره، إلى أن ابتعدت السفينة وبدأت رنا تختفي معها. لا تعلم كم مر من الوقت وهي تقف تحتضن نفسها كأنها تهدئها وتخبرها أنها اقتربت من خط الأمان. مازالت تنظر لنقطة وهمية وعيناها مدمعة، تفكر ماذا كانت ستفعل لو لم يساعدها الطبيب. بالتأكيد كانت ستقضي عمرها كله جارية في فراش الملك راموس. جهزت جبينها حين تذكرته، وهي تفكر هل ستفتقده؟
لم يملها الوقت فرصة، فقد انتفضت على يد أحدهم يلكم كتفها بقوة. أغمضت عيناها والتفت لترى رجلاً في منتصف الأربعين، نحيل الجسد، طويل الجذع، بشرته حنطية، يبدو أنه ليس من أبناء الجزيرة. وكان ينظر لها بغلظة وترقب. فسألته هي الأخرى بترقب: -ماذا؟ -ماذا أنتي؟ أريد مال. -ماذا؟ أي مال؟ ولما قد أعطيك؟ من أنت بالأساس؟
-أنا من ساعد الطبيب في هروب ثلاثتكم، وقد نزلت الجارية في مدينتها، والطبيب وصل لأقرب مدينة بها مطار سيوصله إلى برازيليا، ولم يبق سواكي. -لقد أخبروني أن السفينة ستصل بي لميناء الإسكندرية. -ماذا؟ إنها آخر نقطة في رحلة السفينة، وما دفع من مال لا يكفي مطلقاً. سرت رجفة في جوف رنا، تسأل بهلع: -وما العمل إذاً؟ -ادفعي ثمن المتبقي من الرحلة. -أنا لا أملك أي مال. -إما المال أو تغادري مع أول يابسة نقترب منها، أي أن كانت ظروفها.
غزى الرعب أوهامها، تسأل بهلع: -يابسة جديدة بأهوال جديدة وقصة مشابهة لجزيرة الذهب؟ لا لا هذا مرعب. ليلة صيفية ساهرة على الملك العظيم الذي غلبه الشوق. ابتسم بصفاء. الليلة غريبة وعجيبة، يشعر بجسده وكأنه يئن، يميل إليها مطالباً بها، ورائحتها كأنها تحيطه. عض على شفتيه وهو يغمض عينيه وقرر. هو بحاجة لها. تعجبه جداً، هي سليطة اللسان، مندفع ومتهورة، لا تصلح بتاتاً لأن تصبح ملكة.
عادة الملوك الزواج من شخصيات ذات سمات معينة، تخضع قبلها الزوجة المستقبلية لكشف شامل وكامل، بداية من نسلها وأصلها ونسبها وصولاً إلى سلوكها ودراستها والشهادات التي نالتها. كل هذا لا يكفي، فهي يجب أن تكون حكيمة وعاقلة، لبقة في الحديث، هادئة، ذات عقل رزين وتصرفات واعية. ورنا ماشاء الله عليها، حدث ولا حرج، لا تمتلك أي صفة مما سبق.
زم شفتيه بيأس، فعلى ما يبدو أنه معجب بفتاة لا تصلح لأن تصبح ملكة، ولا تقبل أن تصبح خليلة، وهو لا يمكنه الزواج منها بسبب سلوكها، ولا يقبل أخذها غصباً، وغير قادر على إبعادها عنه. رجع يعض على شفتيه مع إغماض العينين، وقد سرت رجفة اللذة والاشتهاء لجسده، وهو لا يملك الحل. تباً لكل شيء، وليذهب المنطق للجحيم!
سيصالحها رغم كونها كتلة من العيوب، لكن لها طعم مختلف. ربما ذاك هو السر الذي لطالما سمعه عن المصريات. كان يسمع دوماً عن خفة ظلهن المتوارثة جينياً، وجمال المصريات الفريد، وقوة شخصيتهن، لكن لأول مرة يراه ليعرف أن الكلام والوصف كان أقل حتى من الحقيقة. سيطلبها لعنده، يصالحها ويتنعم بقربها. هو يريد ذلك، وسيتغافل عن أفعالها المتهورة. وقف عن عرشه بعزم مقرراً:
-فليتنحى الملك جانياً قليلاً، ولا بأس بأن يذهب راموس الرجل للفتاة التي تعجبه. شجع نفسه لدرجة كبيرة، يخبرها أنه لا بأس ولا حرج في ذلك، ألا يحق للملك أن يعيش حياته كشاب عادي، يظهر حبه ويستمتع به، ولو لمرة؟ مرة واحدة فقط بحياته، لا ضرر في ذلك. خرج بخطى ثابتة كلها عزم على ما أراد، بل تشكلت ابتسامة مرتاحة على وجهه ولمعت عيناه.
وصل لغرفتها بعد المشي سريعاً، فتوقف لثانية يسحب نفساً معبأ بالسعادة، ثم دفع الباب يفتحه بلهفة، ولمعة غمرت وجهه، وقد تشدق بابتسامة تعبر عن: "ساقني الشوق لعندك لأصالحلك وأراكِ رغم أخطائك الكارثية". فجأة انمحت الابتسامة وتلاشت اللمعة وتجهم وجهه، وهو يرى خلو الغرفة رغم تحديده إقامتها. فهل كسرت أوامره وخرجت؟ هل تمادت لهذا الحد؟ التفت بغضب أهوج استحوذه، وهتف بحدة: -يا حراس! -أمر مولاي. -أين ميرورا؟ -...
صمت الحارس وتألمه كان كارثة في حد ذاتها. فصرخ بغضب عظيم: -لماذا لا تنطق؟ أين ميرورا؟ ألم أحدد إقامتها؟ كيف تخرج من الغرفة ولم تُمنع؟ ما فائدتكم؟ زم الحارس شفتيه، بينما يواجه تلك الثورة الغاضبة من الملك، وهو يظنها قد خرجت من الغرفة فقط دون وعيهم. فماذا لو علم أنها خرجت من القصر وربما المملكة كلها. ماذا ظنت هي؟ هل فقدت صوابها؟ أم اعتقدت أنها لا ضابط أو رابط لها!
وحاول تهدئة غضبه المتفاقم، ينتظر قدومها لعنده. بقى جالساً على كرسيه، لكن تنبه بصدمة وهو يدرك أنها تجاوزته ومرت من أمامه، وليتها لم تفعل. ما هذا القميص الضيق وتلك الجونلة الحمراء؟ ألم يخبرها مراراً ألا تخرج على الناس بذلك اللون اللعين؟ قميص من القماش الأبيض المنقط بدوائر سوداء صغيرة، على جوانبه حمراء، كل هذا مع وجهها الأبيض المستدير وجمالها الفتان، كي تصبح كارثة تسير على الأرض، تغوي من حولها دون مجهود.
سحق أسنانه بغضب ووقف عن كرسيه مندفعاً لعندها، يقبض على عضدها بيده الغليظة كأنه ينتشلها. لتلف له وهي تشهق من المفاجأة: -آآه... في إيه؟ -في إن ليلتك سوداء. اهتزت عيناها ما أن واجهته مباشرة. هل اشتاقت له؟ تباً، كيف يتقابل المطلقون؟ كيف ينمحي من مخيلتهم منظرهما وهما عاريان؟ هي للآن تتذكر كيف كان معها. سبت نفسها ألف مرة. فيما تفكر هي؟
لكن على ما يبدو أنها لم تكن كذلك وحدها، فزيدان هو الآخر كان يفكر في الشيء ذاته، ويسأل كيف سيتعامل معها وهو لا يزال يتذكر كيف كانت بين ذراعيه كما ولدت، حين عزم على إتمام زواجه منها، وليته فعل. سريعاً ما جمدت قوتها متذكرة ما فُعِل بها، فقالت بملامح وجه ثابتة: -ليلة مين اللي سوداء؟ في حاجة يا معلم؟ -معلم؟!! ماشي وماله؟ إيه اللي أنتي لابسااه ده؟ امشي اطلعي غيري.
اقتلها الضيق وهي تستشعر خوفها منه، تجاهد كي تجابهه، وبصعوبة تصنعت القوة، دافعها التغيير. اتسعت عيناه وهو يرى كفها الصغير يوضع على يده، الذي ضعف قوته ما أن شعر بملمس يدها الرقيقة المناقضة له، فنجحت في إبعاد يده عنها، وقالت: -ايدك يا معلم، وخلي بالك بعد كده. ماذا؟!!!! هل أنذرته للتو؟
أخذ الأمر منه وقت حتى يستوعب أن من فعلت ذلك حورية، حورية التي يعرفها. رمش بأهدابه وارتدى على كرسيه تائهاً من صدمته برد فعلها. مرت دقيقتان كاملتان حتى استوعب أنها تحركت بالفعل بما ترتديه، فتحرك مهرولاً خلفها يحاول اللحاق بها.
انقلب القصر رأساً على عقب، والخبر السري وصل للجميع بعدما واجه ساكنيه ثورة الملك وهو يأمرهم بالبحث عنها. جلس على كرسي العرش بغضب لا يخلو من الشموخ، يضع كفه على فخذه وهو ينتظر نتيجة من الحرس، وإلا قطع رؤوسهم كما هدد. حتى دخلت عليه أنجا بخطوات ثابتة قوية، تعلم هدفها وكيف ستحرزه بعد تخطيط وتدقيق، فقالت: -عذراً مولاي. -ماذا هناك أنجا؟ -بلغني ثورة جلالتكم وتهديدك بقطع رؤوس الحراس، والخطأ ليس بخطئهم مولاي. -خطأ من إذاً؟
-خطئي أنا مولاي. -كيف؟ -أنا من تكتمت على الأمر خوفاً من غضب جلالتكم، اعتقدت أنه يمكن السيطرة على الأمر، وما حدث ما هو إلا مجرد تمرد جديد من تمرد السيدة ميرورا الذي لا ينتهي. ابتسمت ابتسامة جانبية وهي تستشعر تحفز الملك من حديثها، بعدما انتقيت كلماتها، تدس السم في الكلام المنمق المعسول، مذكرة الملك بتمردها وشطحاتها المتكررة. ثم أكملت:
-ظننتها تتدلل لتختفي عن عينيك بعد الخلاف الأخير بينكما كي تثير خوفك عليها، لا أكثر، فأمرت الحراس بالبحث عنها في تكتم كي نحل القصة، متجنبين إغضاب جلالتك أو حتى إشغال وقتك الثمين الذي تكرسه دوماً لخدمة رعيتك، ولا تحب أبداً توجيهه للاهتمام بالدلال الزائد للفتيات. رقصت داخلياً وهي تراقب تجهم ملامحه، فأكملت: -لكن اتضح أنها فعلت ما كدنا أن ننساه، فكما تعلم جلالتك أنها لم تكف عن محاولات الهرب حتى نجحت بالنهاية.
خفضت رأسها منحنية باحترام، وهي ترى الملك يقف بصدمة: -ماذا؟ هربت؟ -مع الأسف مولاي، يبدو أنها أذكى مما تخيلنا. أنا نفسي قد اعتقدت أنها بدأت تعتاد وتسلم بالأمر الواقع، لكن يبدو أن كل ذلك كان تمثيلية كي تستطيع خداع جلالتك وتغفل عيوننا عنها، فاقتنعت أول فرصة وهربت بالفعل. دوى حديث أنجا في أذنه، يفكر: هربت...
هربت مجدداً منه. كانت تخطط وتجتهد كي تبتعد عنه، بينما هو يجاهد كي يحولها لفتاة تصلح لأن تصبح ملكة. فهل عشق فتاة لم تعشقه؟ هل اشترى واحدة كل همها الهرب منه؟ إنها وجيعة... بل ووجيعة كبيرة جداً في حق أي رجل، فماذا لو كان ملكاً!
صف سيارته جانباً بعدما وصل بصعوبة، يراها تتلفت وهي تقرأ من هاتفها شيئاً كأنها تتأكد من العنوان، ثم هاتفت أحدهم ودلفت داخل صرح كبير. تحرك بسرعة كي يلحق بها ويوقفها محققاً معها، لكنها كانت قد اختفت بالداخل. حاول الدخول هو الآخر، لكن منعه الأمن من ذلك. فتحرك لعند السيارة، لا يرغب في افتعال المشاكل، على الأقل حالياً، وفضل أن ينتظرها ويتفاهم معها بهدوء، يحاول تجنب تضخيم الموقف بينهما وتعقيده أكثر مما هو عليه بالفعل.
بينما في مكتب عاصم، كان يجلس يتابع بعض التقارير، إلى أن دلفت وفاء لعنده تحمل القهوة، فسأل بضيق: -إيه يا بنتي؟ قلتي ساعة وعدى اتنين. وضعت وفاء قدح القهوة، ثم بسطت يدها لها كأنها تطلب المعلوم: -ايدك الأول. -انتي إيه يا بنتي؟ النفس عندك بمقابل. -ابجني تجدني. -ده أنتي كلبة فلوس. فردت مؤكدة: -أنا كلبة فلوس. أخرج مالاً من جيبه ووضعه في كفّها، فلمعت عيناها وأخذت تعده، وهو يردد: -ده أنتي بتعترفي... لأ وفخورة ماشاء الله.
-الحلو زمانه طالع في الأسانسير. لمعت عيناه وزادت دقات قلبه، فيما تلتفت له وفاء مرددة: -كلبة فلوس مش شتيمة. افتكر الكلب أد إيه وفي. -في دي عندك حق. قولي للسكرتيرة تدخلها بقا بسرررعة. -عينيا. ثم غمزة قائلة: ربنا يوفق الدنيا على بعضها. -يارب. دلت حورية بتخبط، تتلفت حولها تبحث عن وفاء، لم تكن تحبذ فكرة العمل في نفس المكان الذي تعمل فيه رنا، خصوصاً وأنهم حتى الآن لم يطمئنوا عليها. في ثوانٍ، كانت ترى وفاء
تقبل عليها كعادتها بحبور: -يا أهلاً يا أهلاً، المكان نور يا جميل. -أنا مرتبكة جداً على فكرة. -لأ اجمدي كده، أنتي خلاص خرجتي من البيت وبرا البيت في دنيا تانية خالص، غير الدنيا اللي أنتي فاكرة إنك عارفاها. -بس هشتغل في نفس المكان اللي شغالة فيه رنا، واحنا لحد دلوقتي مش عارفين جرى لها إيه؟ وبعدين هقابل المدير ده إزاي بعد ما خالتي بلغت عنهم؟ -بقولك إيه، أنا ما أفهمش كل ده، اللي أفهمه إنه شغل وأنا كلمته، والراجل ما رفضش.
-بس هتلاقيه مش طايقني. -لو مش طايقك هيوافق ليه؟ ماسكة عليه ذلة ولا كان حد ضربه على إيده؟ وبعدين يطيق ولا ما يطقش، هو إحنا هنناسبه؟ اتعلمي تشوفي فين مصلحتك وتمشي وراها، حاكم الخيبة اللي أنتي فيها دي ما تأكلش عيش وهتخليكي ملطشة، وأديكي شفتي اللي جرى. -عندك حق، أنا لازم أجمد عن كده. -يالا الراجل مستني. ابتسمي وأفردي وشك ده عشان يبقى فيه القبول. ابتسمت حورية قليلاً وسألت: -كده كويس؟ -زي الفل. يالا خشي عليه.
-طب مش نستأذن من سكرتيرته؟ -هو على علم إنك داخلة، يالا خشي جيبي جون. فتحت لها الباب وهي تغمز لعاصم خفية إنها قد أدت المهمة على أكمل وجه، لكنه لم يرى أو يلاحظ، فأهتمامه وعيناه قد تعلقا بتلك المنيرة التي هلت عليه. تتقدم بحرج وتوتر، وهو يردد داخله: (طاقة نور فتحت في المكان، يخربيت جمالها) . سحب نفساً عميقاً وذكر حاله: (أهدى وامسك نفسك)
. ابتعل ريقه، يمسك على نفسه، يحاول الظهور بثبات أمامه حتى تبدو الأمور عادية. أقبلت تمد يدها للسلام، فمد يده، فتكنفته لحظة من اللذة، فطراوتها تجلت حتى في ملمس يدها. ابتسم يصبر نفسه، وقال بهدوء متقن: -اتفضلي يا آنسة حورية. تغضن فمه بابتسامة رضا مرتاحة، وهو يراها تجلس بلا تعقيب على مسمى "آنسة" الذي حشره في الحديث كاختبار بسيط. لاحظ فرك كفيها ببعض، فحاول تخفيف توترها قائلاً: -تحبي تشربي إيه؟ لمون كويس؟
-شكراً مش محتاجة. و... على أنا كنت عايزة أعتذر لحضرتك عن اللي خالتي عملته، بس هي معذورة أصل. قاطعها قائلاً بتفهم:
-مش محتاجة اعتذار خالص يا حورية. اسمحي لي أقول لك يا حورية، وأنتي قولي لي عاصم على طول، أصلي مش بحب التكليف في الشغل بيعمل حواجز. أحمم. أنا متفهم جداً قلق خالتك، بس اللي حاصل مع رنا طبيعي، وإحنا فعلاً مش بنقدر نتواصل بشكل مستمر مع الفريق بتاعنا، سواء اللي رنا فيه أو الفرق اللي في مناطق تانية. + إن رنا ماضية على إقرار بكل مخاطر وعواقب الشغلانة، وهي مش قاصر ومسؤولة عن نفسها، عشان كده البوليس ما قدرش يفيد والدتها بحاجة.
نظرت حورية أرضاً تشعر بالذنب والتقصير، ثم قالت: -واضح إن في تطورات كتير أنا معرفهاش. أنا قصرت فعلاً معاها، بس كان غصب عني. تصنع الجهل يسأل بتمثيل: -في مشاكل عندك ولا إيه؟ -الحمد لله. ثم غيرت الموضوع سريعاً: -هو أنا ممكن أشتغل إيه؟ حانت منه ذلة لسان، وهو تحت تأثير جمالها، يردد وهو مغيب: -اللي تأمري بيه. -هااا؟ استفاق سريعاً يردد: -في العلاقات العامة، إحنا محتاجين حد ذوق ووجهه كده زيك. -نعم؟ وجهه؟ -أه وجهه. أكذب يعني؟
الحق حبيب الله، وأنتي بسم الله ما شاء الله يعني. هي شتيمة ولا حاجة؟ تذكرت على الفور كلمات وفاء عن الدنيا خارج المنزل. ربما حان وقت التغيير، ما تنتظر أن يُفعل فيها حتى تتغير بالفعل؟ يجب أن تواكب خطوات الحياة الراكضة. ابتسمت بصعوبة وقالت: -ممكن أستلم شغلي امتى؟ -وقت ما تحبي. -دلوقتي. -اوكي. تعالي معايا أعرفك على مديرك المباشر وتشوفي مكتبك.
وقفت تتقدمه بخطوات متوسطة، وهو خلفها يظهر بمظهر الثابت، قد وقف يضع يده على قلبه، يصرخ داخلياً: (آآآآه هتموتننننني) . سار يوازيها في الخطوات، يعرفها على المكان، وعقله يهتف: (لمبة ألاوز ماشية في المكان، ياما نااااس) تململ زيدان في جلسته بالسبت، فترجل منها يمشي قدميه، حين وردته اتصال من والده، فجاوب على الفور: -صباح الخير يا حاج. -أنت فين؟ -طب رد الصباح يا حاج حتى. -أنت فين بقولك؟ -في مشوار. -مشوار إيه؟
-شغل. شغل يا حاج. -شغل إيه؟ طيب سيب الشغل وتعالى عايزك. -حاضر يا حاج، هخلص اللي في إيدي وأجي. أغلق المكالمة وعينه على نفس المبنى الكبير الذي لم تغادره حورية بعد. هز قدميه، يفكر. يتقلب الفكر برأسه، كانت بيده، وهو من أقدم على فتح الباب للفراق، لما لم يثبت على موقفه حتى النهاية؟ إن كانت تريده ستعود. وفي دقيقة كان قد أشعل السيارة وتحرك مغادراً، يفكر أن ما يفعله هو الصواب رغم صعوبته. صرخت رنا بهلع ترفض الفكرة برمتها،
وقالت: -أرجوك لا تتركني في أي يابسة، أنا أريد العودة لمصر. نظر لها الرجل بضيق يردد: -لكل شيء ثمن يا حلوة، وما دفع لي لا يكفي. كيف ستدفعين وقد غادر الطبيب ومن قبله زميلتك الجارية في أول ميناء؟ أنتي هنا وحدك، هل تملكين مال؟ -لا. طالعه بمكر ثم قال: -لا بأس، فأنتي تكفين. -ماذا؟ -نعم يا حلوتي. فساعات من المتعة تكفيني. هيّا انزلي لتلك الغرفة معي ولا تتذمري.
بدأت تهز رأسها بهيستيرية، وهي لا تتخيل أن شرفها الذي جاهدت للحفاظ عليه، وكادت أن تفقد حياتها لأكثر من مرة بسببه، سيهدر هباءً هكذا على مركب في وسط المحيط، ثمن للعودة على يد هذا الرجل القذر، وهي التي رفضت ملكاً. انتابها الهلع وبدأت تصرخ بجنون، فيما تقدم الرجل يدفعها لتنزل معه. استمر في دفعها بحيوانية، وهي تصرخ والجميع يشاهدها، لكن لم يتدخل أحد. دفعها لأحد الغرف، وهي تحاول ضربه مع الصراخ المتواصل، لكنه مد يده يمسك فستانها الثمين كي يشقه، متلهفاً لرؤية جسدها. إنها على بعد خطوة واحدة من الاغتصاب.
قذف الله لعقلها جملة واحدة من رحمته، فصرخت: -أنا مريضة إيدز. ابتسم الرجل على سذاجتها، فظهرت أسنانه الصفراء غير المتساوية، وردد: -تظنيني أبله كي تمرؤ علي تلك الحيلة الساذجة؟ تعالي يا حلوة، أنتي مكافأتي الليلة. -لك ما أردت، إن كنت ترغب في الموت. كاملة موت، نجحت في إخافته، فتراجع بجسده، لتكمل: -لقد كنت جارية عند أحد الوزراء في البلاط الملكي، وهو مريض بالإيدز، لكنه يتكتم على الأمر كي لا يفضح.
-هممم، لكن تمنعك، تمنع عذراء. -وهل بالحرملك يتركون فتاة عذراء يا رجل؟ كلامها كان مقنعاً، من حسن حظها، فخاف الرجل على نفسه وابتعد، لكنه عاد يقول: -ربما كنتي محقة. لكن ما زلت لم آخذ ثمن حملك لمدينتك. -لا أملك مال. نظر الرجل للقرط المتدلي من أذنها، يردد: -سآخذ هذا. -ماذا؟ إنه من أبي. -جيد، انزلي إذا لأول جزيرة. -لا لا، موافقة. ثم حاولت خلع القرط وأعطته له. نظر له بتقييم، ثم قال: -لا يكفي. -لا أملك غيره.
-هممم. أعطيني ملابسك الثمينة هذه، فستانك وحده ثمن بقرة وبلدتها. -وماذا سأرتدي؟ -ليست مشكلتي، ولكن... خذي. أعطاه زوجين من أكياس الخيش الذي يوضع فيه القطن، مردداً: -لتعلمي فقط كم أنا رحيم. بعد دقائق، كانت رنا متكورة من البرد في أحد الأركان، وقد شقت رأس شوالين من القطن ليدخلا من رقبتها، ويساعد تضاعف الطبقات على مدارات جسدها، لكن لم يمدوها بأي دفء، لكن عليها أن تتحمل حتى تعود للديار من جديد تحت أي ظرف.
جلس الملك يتجرع كأسه بمرارة، يشعر بالهزيمة والحزن والهزال. لقد أهانته... إهانة نكراء. ووقف أمامه كبير الحراس يخفض رأسه، وهو يخبره: -لقد جمعت مجموعة من خيرة رجالي، وهم مكلفون بالبحث عن السيدة ميرورا. -أوقف كل هذا. -ماذا؟ صدم كبير الحراس، بينما يستمع لأمر الملك، فقال راموس: -لا تبحثوا عن أحد، يوجد بمملكتنا أمور أولى بكثير من البحث خلف جارية هاربة. لا أريد الحديث عنها مطلقاً. نظر كبير الحراس أرضاً يردد: -أمر مولاي.
وانصرف. بينما رفع راموس كأساً جديداً يتجرعه بمرارة، وهو يكبت الدموع في عينيه. ليست هي من سيبكي عليها الملك، وسيمنع ذكر اسمها أو سيرتها في البلاط كله، فلتذهب للجحيم. وبعد مرور أيام، جلس على مكتبه بغضب، فبرغم الوقت الذي مر، وبرغم منعه ذكر سيرتها أو التحقيق في هربها، إلا أنها لا تفارق عقله. دق الباب، ثم دلفت أنجا بخطوات ثابتة واثقة من هدفها، وقد عزمت على إنهاء هذه القصة من جذورها: -مولاي. -ماذا هناك أنجا؟
-ميرورا يا مولاي. قاطعه بغضب، رغم انتفاض قلبه لذكر سيرتها، لكنه قال: -لا أريد سماع شيء. -لكن يا مولاي، ربما يجب أن تعلم كيف خرجت من هنا، كي تنهي القصة بالفعل. رفع الملك رأسه عن الأوراق التي يتصنع الانشغال فيها، لتقول أنجا بفحيح: -لقد هربت مع عشيقها مولاي. هل الملك واقفاً، بينما أنجا تكمل: -هربت مع الطبيب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!