الصمت كان حليفها الوحيد وهي تجلس على الفراش لم تبرحه إلا للذهاب للمرحاض الذي لا تحتاجه كثيراً، فهي لم تأكل أو تشرب شيئاً منذ غادرت بيته. آخر ما نزل لجوفها كان من بيته بماله. ضغطت بأسنانها على شفتها السفلى تحاول منع دموعها وألا تبكي فقد تعبت عيناها. للآن لا تستطيع أن تنسى تلك اللحظة التي ألقى عليها فيها يمين الطلاق. عودة بالزمن قليلاً للخلف...
كانت لاتزال بين ذراعيه تبتسم بكشوف والفراشات تغزو صدرها ومعدتها تطرب من الفرحة، إلا أن تلك البسمة تلاشت وتبدلت لصمت استحال لصدمة. صدمة جعلت عقلها يتوقف ويسأل: هل ما سمعه كان صحيح أم ماذا؟ حتى لو صحيح، فكان لدى قلبها رغبة قوية بعدم تصديقه. لكن ثبات وتجهم ملامحه زاد الشك بداخلها أنه ربما صحيحاً. ومع ذلك فضلت ألا تصدق وسألت: -زيدان أنت بتقول إيه؟ بتهزر صح؟ جوابه كان ثابت، جامد ومن جحوده كان مختصر حين قال: -لأ.
فسألت بضياع وأعين شفافة من الدموع: -هو إيه اللي لأ.. أنت أكيد بتهزر معايا ومطلقتنيش بجد. -لأ طلقتك بجد وقريب ورقة طلاقك هتكون عندك في بيت والدتك. قالها بهدوء وقد لف بجسده لا يرغب حتى بالنظر إليها. فظلت خلفه لثوانٍ لا تتحرك، تشعر بالضياع التام ولا تستطيع تحديد معنى لما يحدث. وضعت يدها على ظهره المقابل لها بعدما ولاها جسده وحاولت التحدث معه تناديه مستجدية: -زيدان.
لتصدم بتشنج عضلاته وابتعاده عنها خطوة كأنه يرفض أي حديث بينهما، بل وينفر من لمستها. فاتسعت عيناها وسألت بتيه: -هو إيه اللي حصل طيب أنا عملت حاجة غلط؟ بس حتى لو عملت حاجة غلط مش كان المفروض تيجي تتكلم معايا؟ -لأ أنتي ما عملتيش حاجة. بكت بحرقة وسألت: -أمال إيه اللي حصل؟ -أنتي كنتي مستنية إيه يحصل؟ أنتي ناسيه إحنا إتجوزنا إزاي أصلاً؟ وليه؟ شهقت بصدمة: -إيه؟
لم تتوقع هكذا رد منه. حركت قدميها الملتصقة بالأرض تحمل جسدها المثقل بسرعة تدفعها عزة نفسها وكبريائها المحروج وهرولت للغرفة تفتح دولابها وهي تفتح الحقيبة الكبيرة في نفس اللحظة تجمع ثيابها بعشوائية هوجاء ودموعها لا تتوقف لم تستطع إخفاء إنهيارها أمامه. وهذا ما يفرق معها للآن... أنها إنهارت أمامه وظهر تمسكها وحدها به. عادت لواقعها وهي تخبط رأسها بظهر السرير الخشبي من الحزن والندم فدلفت أمها بسرعة
إثر سماع الصوت تشهق بفزع: -بت يا حورية بتعملي إيه؟ لكن حورية كانت مغيبة مستمرة فأقتربت منها تضمها بسرعة وهي تضع كفها كحاجز بين رأس حورية وخشب السرير، تربط بيدها الأخرى على كتفها تردد: -بس يا بنتي بس ماتعمليش في نفسك كده. قالت حورية بضعف وانهيار: -صعبان عليا نفسي قوي يا ماما. أنا رخصت نفسي قوي... قوي يا ماما. قعدت أعيط له وأسأله طب أنا عملت حاجة غلط في حاجة وهو ولا هو هنا.
ضمتها والدتها بحزن وحورية تبكي وتشهق بصورة موجعة تتمنى لو فقدت الذاكرة من شدة كرهها لتلك الأحداث التي مرت فيها. في بيت شداد على سفرة الطعام. وضعت فردوس آخر صحن على الطاولة أمام شداد الذي لم يمتثل للشفاء التام بعض، مازال يعاني ثم سأل: -عاملة كل الأكل ده لمين؟ هو حد له نفس للأكل. في تلك اللحظة دلف محمود بأبهى حلة يرتدي ملابس سينييه باهظة الثمن وتقدم بخيلاء يردد: -ماحدش له نفس ليه؟ إيه اللي حصل؟ نظر
له شداد بعدم رضا ثم قال: -روحي صحي زيدان يا فردوس. -مش هيرضى وهيقولي ماليش نفس. -جربي ولو قالك كده زني عليه لحد ما يوافق. فسأل محمود بجهل شديد: -هو في إيه؟ ليتفاجأ وكذلك والديه بخروج زيدان من غرفته القديمة وتقدمه لحد الطاولة ثم جلوسه بصمت رهيب فتبادل شداد وزوجته النظرات بتعجب وتفاجئ قد زاد وهما يرانه قد جلس بلا عزيمة بل ومد يده التقط رغيف العيش وقضم كسرة يغمسها في صحنه ثم تناولها مردداً بهدوء:
-البامية محتاجة لمون يا أمي. أتسعت عينا فردوس التي نظرت لزوجها بصدمة ثم غادرت بسرعة تحضر الليمون قائلة: -عينيا حاضر. لكنه كعادته أوقفها يمنعها وقال: -عنك أنتي هجيب أنا. إنتي رجلك وجعاكي. ذهب ليحضر الليمون وفتح المبرد يقف أمامه وهو يغمض عينيه يضغط على نفسه بطريقة غير عادلة كي يخرج عليهم بتلك الهيئة الغير مبالية. وتقدم ليجلس يعصر الليمون على صحنه كأنه يعصره على نفسه حتى يأكل. كل هذا ووالداه ينظران له بترقب فسألت الأم:
-أنت كويس يا بني. رد باقتضاب وهو يقطع لقمة جديدة من الرغيف: -الحمدلله. فسأل محمود: -هو في إيه؟ -زيدان طلق جورية. رفع محمود عينه المتسعة بتفاجئ على زيدان الذي وضع ملعقة من الأرز في فمه وهو ينظر في صحنه فقط لا يريد النظر لأي شخص منهم يمثل أن ما حدث عادي. وبينما كان محمود في حيرة من أمره وقف زيدان بهدوء قائلاً: -الحمدلله. -رايح فين يا زيدان؟ تحدث الأب بعدم رضا فرد زيدان: -شبعت الحمدلله ونازل الورشة.
-أقعد عايز أتكلم معاك. -بعدين يا حاج أنا عندي شغل متأجل وأنت لسه تعبان. -أنزل يا زيدان وأنا نحصلك على الورشة. غادر زيدان بالفعل وصمت الأب يرى أنه من الأفضل أن يتحدثا بمفردهما بعيداً عن محمود الذي يجلس الآن متخبطاً يشعر بالتيه التام. وقفت أنجا في الغرفة الفارغة والتي كانت مخصصة للفتاة البيضاء تنظر في أرجاء المكان ثم سألت الجواري من خلفها: -هل سأل عنها الملك؟ -حتى الآن لا. -منذ متى وهي مختفية؟
-منذ أمس. لم تبت ليلتها هنا ولم تبرح الغرفة حتى. وحين أتت الخادمة بطعام العشاء لم تجدها رغم تحديد الملك إقامتها هنا والملك كان في الديوان وقتها يعني أنها ليست عنده. -هل بحثتوا عنها في كل نواحي القصر؟ -نعم سيدتي ولا أثر لها. فكرت لثوانٍ ثم قالت بصوت صارم:
-حسناً. لا تبلغوا الملك الآن. إنها مسؤولية كبيرة وسيغضب الملك كثيراً إن علم. دعونا نبحث عنها في المدينة وحول القصر حتى نجدها دون التعرض لغضب مولانا أو اتهامه لنا بالتقصير. هزت الجواري رأسهن بهدوء فغادرت أنجا الغرفة مع خادمتها التي بدأت تهرول خلفها كي تجاري خطواتها المسرعة وهي تسأل: -سيدتي هل أنادي كبير الحرس؟ -لماذا؟ -كي تأمريه بالبحث عن الفتاة البيضاء كما قلتي.
-لا أتركها. أدعو أن يوفقها الحظ وتتمكن من الهرب بالفعل وأظن أنها ستستطيع فمن تتمكن من الهرب من قصر الملك راموس يمكنها مغادرة المملكة كلها. تنهدت أنجا بسعادة ثم قالت: -آه... وأخيراً. سأتنفس... آه. ثم تحركت تباشر باقي مهامها وهي تشعر بالسعادة والخفة. بينما في غرفة الملك.
فقد جلس على مكتبه منكب على بعض الأوراق الخاصة بالديوان يتابعها ليبتسم رغماً عنه وقد تجلت صورتها أمامه بمخيلته فأغمض عينيه يتذكر حضنها ورائحتها حينما كانت بأحضانه وسحب بأنفه نفس عميق يتذكر رائحتها المميزة الممزوجة برائحة جسدها صانعة مزيج لن يتكرر.
قلب الصفحة راغباً في التوقف عن التفكير فيها والتركيز على شؤون رعيته فأخذ صفحة أخرى لكن عادت صورتها بذلك الفستان الأحمر الذي رآها فيه آخر مرة حضرت لعنده وكم كان بديع عليها لأول مرة يحب اللون الأحمر على أحدهم. بل لأول مرة يحب اللون الأحمر بالأساس. وأقشعر جلده بلذاذة حين تذكر احتضانها له من ظهره وكم جاهد نفسه على ألا يلتفت إليها ويأخذها بقوة فتصبح ملكه. كان يريد معاقبتها قليلاً حتى تتهذب وتتوقف عن أفعال الفتيات الطائشة تلك.
بتلك اللحظة توقف الملك عن التفكير وسأل نفسه منذ متى وهو صبور هكذا؟ واجه نفسه متسائلاً: هل وقع في الحب؟ كان يظنها فتاة جميلة حركت رغبته فقط. وقفت رنا بتعب على سطح أحد المراكب التجارية تنتظر للبر بتخبط ولم تشعر بالراحة إلا بعدما تحركت السفينة بالفعل من الميناء تغادر الشط فتنظر على الأرض التي ذلت فيها وتجردت من حريتها وكادت أن تشنق بلا ذنب لولا أن لحقها الملك... الملك!! تنهدت بتعب تعلم أنها ربما تفتقده...
لكن عادت ملامحها تتحول للجمود من جديد حين تذكرت كيف كانت في قصره فتاة للرغبة وقد تم نعتها بأنها فتاة للفراش فقط. جلست على عقبيها تبكي تتذكر كل ما مرت به من أهوال منذ تركت مصر. إنها قصة مروعة لو قصتها على أحد تقسم أنه ما كان ليصدق. حتى أنها للآن لا تصدق ما حدث معها ولا كيف هربت لولا تلك الخادمة التي حكت لها عن ما فعلته أنجا. عودة بالزمن قليلاً.....
خرجت رنا من غرفة الملك وهي تبكي بحرقة واتجهت لغرفتها حيث أمرها بالمكوث فيها ولا تغادرها. إرتمت على الأريكة وأخذت تبكي إلى أن دلفت لعندها تلك الخادمة تقول: -من رأيي أن تتوقفي عن البكاء فهو لن يفيد. فكري في خلاصك من هنا. -لا أرى أي أمل. تنهدت الخادمة ثم قالت: -الهرب هو سبيلك الوحيد. -كل محاولاتي باءت بالفشل. -لا تقلقي. تلك المرة ستفلح أنا متأكدة. الحسم والحماس اللذان كانا بصوتها جعل رنا تنتبه لها
وتنظر لها بترقب متسائلة: -أراكِ تتحدثين بثقة. -لو لم أكن متأكدة لن أفعل فأنا لن أخاطر بحياتي. شهقت رنا: -هل ستهربين وتأخذيني معك؟ -بل أنتي من ستفعلين... ستهربين وتأخذيني معك. أندهشت رنا تسأل: -ماذا؟ جاوبت الجارية بكلمة واحدة: -الطبيب. -من؟ -نعم، هو... طبيب الملك هو من يريد مساعدتك وقد أرسلني لكي. -ولما قد يساعدني؟ -النبلاء فقط من يعلمون قيمة الحرية. -ولكن...
-لا تترددي، فالفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة. هذه المرة وجدنا رجل نبيل ك الطبيب يساعدنا لأنه تعاطف معك. لو ضيعتي الفرصة ربما لن تجدي رجل مثله مرة ثانية. يجب علينا اغتنام الفرصة. وقتها سيتحرك بنا ليلاً، يعني مع شروق شمس يوم جديد تحصلين على حريتك. وقتها أنجا والملك سيكونان بالديوان معهم كبير الحراس ورجاله وسيسهل وقتها إخراجنا من هنا. فكري، فالفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة، إما تقتنصيها أو تصبحي جارية ذليلة طوال عمرك.
عادت من شرودها منتفضة على يد الطبيب التي وضعها على كتفها قائلاً: -أتشعرين بالندم؟ صمتت رنا ولم تجب، فقال نيمار: -لقد عدتي حرة من جديد... ماذا كنتي تتوقعين بربك؟
كنتي ستظلين طوال عمرك جارية محتقرة دوماً، مسلوبة الحرية والحقوق. ربما إعجاب الملك بك قد ولد لديكي بعض الطموح، لكن لتعلمي أنه مجرد إعجاب لتفردك عن غيرك زاده تمنعك، لكن ما إن يحصل عليكي ستصبحين عادية والملوك تمل سريعا. وجواريهم كثر. كنتي ستصبحين مجرد ليلة جميلة من ليالي الملك خصوصاً. الملك راموس فهو يمل سريعا. وستصبحين بلا حق في المطالبة به إن عشقتيه، وهو شيء وارد الحدوث إن لم يكن قد حدث بالفعل. وقتها ستصبحين مملة وتتحولين لجارية حقودة كل همها اليومي هو إبعاد أي جارية جميلة عن عينا الملك. وأنجا لم تكن لتسمح لكي. ولا تتخيلي أو قد يسرح بكي الخيال أنه قد يتزوجك الملك. الملوك لا يتزوجن سوى بأشخاص معينة وليس بالجواري. عودي...
عودي لوطنك ولحياتك أفضل. فقالت: -أشكرك معروفك الذي لن أنساه. أنت حقاً نبيل. ولكن ماذا ستفعل، هل ستترك الجزيرة؟ -لقد انتهى عقدي هنا، سأعود للبرازيل وربما قد آتي زيارة لمصر، هل ستستضيفها؟ -بالطبع أفعلها، أنت فقط وسترى. المصريون لا ينسون المعروف. -أعرف. والآن سأذهب للنوم، تصبحين على خير. أستأذن منها نيمار وتركها شاردة فيما قاله.
حديثه كان قوي وحاسم، ذكر رنا بكل ما جرى لها وجعلها تتوقف عن النظر للخلف. وتقدمت تجلس على أحد المقاعد تسأل كم بقى من الوقت على العودة لبلادها وهل ستعود إلى مصر؟ أيعقل؟ تقدمت فوقيه تجلس بجوار حورية على الفراش وحاولت احتضانها قائلة: -هديتي؟ جاوبت حورية بسكون: -أنا هادئة الحمد لله. -أنتي بصحيح زعلانة مني يا حورية؟ وشايفة إني السبب؟ صمتت حورية ولم تجب، فقالت فوقيه: -أنا فكرت في كلامك، يمكن كان عندك حق، بس أنا...
المفروض تعذري جهلي. زمانا ما كانش فيه وعي زي زمنكم، وأنا ربيتك زي ما أمي ربيتني. يمكن كانت طريقتي غلط، بس أنا كنت بخاف يا حورية عشان إنتي حلوة، كنت بخاف تتغري في نفسك وعيارك يفلت وما أقدرش عليكي وأبقى بوظتك بأيدي. وفي نفس الوقت كنت بشوف فوزية أختي بتربي بنتها إزاي ومدلعاها إزاي، وأديكي شوفتي النتيجة، فكان خوفي يزيد. -تقومي تطلعي مهزوزة مش حاسة إني حلوة وإني أستحق كل حاجة حلوة؟
أنا بسأل نفسي إزاي عجبني واحد عاطل ومن غير شخصية مستقلة زي محمود؟ مع أني شوفت وقابلت ناس كتير جامدين معجبين بيا. كنت ببعد عنهم بقول ده بيلعب بيا. هو معقول واحد زي ده هيبصلي حتى لو حلوة؟ ما الحلوين كتير، وكنت أرجع اللعب في المضمون اللي هو محمود اللي وقت الجد استكتر نفسه عليا وفضلها وراح شاف مصلحته وهو متأكد إني هفضل قاعدة مستنية أنا...
قطع استرسال حديثها صوت جرس الباب المتعالي، فنهضت فوزية وذهبت للباب تفتحه لتتفاجأ بفتاة تقبل عليها محتضنة إياها بحرارة وهي تقول: -قلبي عندك يا طنط، هو اللي سمعناه ده بصحيح؟ -سمعتوا إيه يا وفاء؟ -مالك متاخدة كده يا طنط؟ هو الطلاق عيب؟ هما الخسرانين، هو أصلا المعلم زيدان في واحدة تتحمله؟ هي حورية فين صحيح؟ آه أكيد في أرضيتها، خليكي أنا هدخل لها، ماتتعبيش نفسك.
ثم تقدمت تقتحم غرفة حورية ومن خلفها فوقيه مصدومة من جرأة تلك الفتاة. دَلفت تفعل مع حورية نفس الشيء، تغمرها بالكلمات والحديث، ثم التفتت لفوقيه تردد بابتسامة عريضة: -سكر زيادة يا طنط. -شكراً يا حبيبي. -هههه الله يخليكي، قصدي إني بحب العصير سكره زيادة. -هااااه؟ -ويا ريت يكون فراولة أو مانجا قطع. -إيه؟ -إيه يا طنط مانجا يا مانجا، أنتي يا مسكرة.
نظرت لها فوقيه بتعجب شديد، لكنها وجدت نفسها تتحرك باتجاه المطبخ تبحث لها عن مانجو مفرز لتصنعه عصير وتقدمه لها. بينما التفت وفاء لحورية تقول: -ولا تزعلي نفسك، هو المعلم زيدان كده، اللي بيتقال عليه صح. -بيتقال إيه؟ -إنه عصبي وأيده طرشة وما حدش يتحمله. آمال هو كان قعد كل ده عازب ليه؟ ولا تزعلي نفسك، بكرة يجيلك سيد سيده. إنتي كمان لازم تفكي كده وتسيبك من ركنة البيت دي وتنزل تشوفي جامعتك، ويا سلام لو تشوفي لك شغلانة.
-شغل!!! بتهزري يا وفاء؟ -آه عادي، ياما بنات بتشتغل جنب الدراسة. أقولك شغلك عندي وفي شركة كويسة كمان، ومن بكرة... قولي بس إنك موافقة وأنا هتصرف. خرجت وفاء من منزل حورية، ثم هاتفت عاصم الذي رد من أول اتصال، فقالت: -مساء الخير يا باشا. -مساء النور... خير؟ -عايزة حلاوة... حلاوة كبيرة قوي قوي. -ده بأمارة إيه؟ مش كفاية شغلتك وأنتي لسه ما عملتيش أي حاجة. -بأمارة الخبر اللي بمليون جنيه اللي جايبهولك دلوقتي. -خبر إيه؟ -حورية.
تلهف عاصم ما إن استمع لاسمها وسأل: -مالها؟ -اتطلقت. -إيييه؟ انتفض عاصم في جلسته من شدة الفرح: -أنتي بتتكلمي بجد، اتطلقت ولا إشاعة؟ -يا باشا، أنا لسه نازلة من عندها عشان تعرف بس إني شايفه شغلي ومن غير ما تقول لأ، وأيه خدت الكبيرة بقا؟ -هاتي. -شجعتها تنزل تشتغل وقولت لها إن شغلتها عندي، بس اتسحبت من لساني وقولت ها نزلها بكرة في الشركة عندك، وأنا مش عارفة ليها وظيفة ولا لأ، ولا ممكن تشتغل إيه أصلا. صرخ عاصم بفرحة:
-نشغلها رئيس مجلس إدارة، بس هاتيها لي أنتي بس. دار حوله بجنون من شدة السعادة، ثم قال بحبور: -بت يا وفاء ليكي عندي حلاوة كبيرة... كبيرة قوي، بس تجيبيها بكرة. -بكرة يا باشا... سلام. ثم أغلقت الهاتف متعجبة، لكنها ابتسمت متذكرة المكافأة التي ستحصل عليها. جلس على أحد الكراسي أمام ورشته يتطلع على شرفتها التي لم تفتح منذ عادت هناك، وذاكرته تعود به لذلك اليوم الأخير بينهما.
كان يضمها بقوة كأنه رافض لقراره وللواقع أو ما فعله. يتطلع لجمالها الذي أدمنه، يراها مصدومة. سيقال عنه مختل إن صرح، لكن للحق صدمتها أسعدته. فهل هي غير مجبرة على تلك العيشة، أم أنها صدمة الطلاق عند أي فتاة؟ همست بضياع: -زيدان أنت بتقول إيه؟ بتهزر صح. حاول استجماع نفسه وألا يضعف ويتراجع بسبب قلبه. فتحامل على نفسه وقلبه لدرجة غير عادلة وحاول إخراج صوته مجيباً: -لأ. فسألت بضياع وأعين شفافة من الدموع: -هو إيه اللي لأ...
أنت أكيد بتهزر معايا ومطلقتنيش بجد. -لأ طلقتك بجد، وقريب ورقة طلاقك هتكون عندك في بيت والدتك. رؤيتها هكذا تضعفه. إن ظل ينظر لها بالتأكيد سيأخذها لأحضانه يسترضيها ويرضي نفسه ولن يتركها إلا بعدما يمتلكها. هو يعلم نفسه جيداً. وقد أخذ قراره بشق الأنفس، لذا ولاها ظهره كي لا يضعف لتزيد عذابه. حين وضعت يدها على ظهره المقابل لها بعدما ولاها جسده، فتصاعدت حرارته مستجيباً لمساتها التي يتوق لها بالأساس، ثم نادته من جديد:
-زيدان. أغمض عينيه هو على حافة الانهيار، ما عاد قادر على إلجام نفسه عنها أكثر. فلم يجيب، وتشنج جسده مستجيباً يطالب بها. فسألت: -هو إيه اللي حصل طيب؟ أنا عملت حاجة غلط؟ بس حتى لو عملت حاجة غلط، مش كان المفروض تيجي تتكلم معايا؟ -لأ أنتي ما عملتيش حاجة. بكت بحرقة وسألت: -أمال إيه اللي حصل؟ رغب في إفاقتها أن يذكرها إن كانت قد نست كي لا تندم فيما بعد: -أنتي كنتي مستنية إيه يحصل؟ أنتي ناسيه إحنا اتجوزنا إزاي أصلاً؟ وليه؟
شهقت بصدمة: -إيه؟ بعدها تحركت تجمع كل أغراضها، وهو يتابعها بأعين تبكي لأول مرة. ثم دلف لأحد الغرف وأغلقها، لن يتحمل تلك اللحظة التي ستخرج فيها من بيته. ظل مكانه قرابة الساعة أو أكثر، إلى أن انتفض جسده على صوت إغلاق باب شقتها، فعرف أنها غادرت بيته نهائياً. بعدها انخرط في بكاء جعل جسده كله يهتز معه. لو كان طفلاً، ما كان ليبكي هكذا. وبالصباح كان مرغماً على أن يخرج على الجميع بهيئة المعلم زيدان الذي يعرفونه.
عاد من شروده وهو يراها تخرج أخيراً من بيتها، ليشرق وجهه من جديد. لكن مهلاً... ما هذا الذي ترتديه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!