هل جربت يوماً إحساس الطعن بخنجر من الظهر؟ أم انك قد سمعت عنه فقط؟ إنه يشق عظم الصدر نصفين ويخترق القلب، يحتاج لقوة وغل شديد حتى يفعل. فبينما هو كان يحميها وينقذ حياتها وهو يموت رعباً من أن يمسها مكروه أو تشعر بأي ألم أو إهانة، كانت هي تعشق غيره وتخطط معه للهرب من الملك المغفل. سيطرت عليه شياطينه وتلبسته نيران متقدة لن يطفئها نهري دجلة والفرات معاً. وقف عن عرشه يردد بأمر: أحضروهما لعندي، أريدهما تحت قدمي بغمضة عين.
حاولت أنجا التدخل لتصرف تفكيره عن تلك النقطة فأمره هذا لم يكن بحسبانها: مولاي .. أهدأ أرجوك.. صحة جلالتك أهم بكثير من هذان الخائنان... مملكتك ورعيتك بحاجة لك مولاي خيراً بكثير من الاهتمام بأمر فتاة لم تهتم بك. نظر لها بحدة فأحنت رأسها بخضوع ثم بدأت تتحدث فيما فعلت كل ذلك لأجله حتى تصل لهدفها:
مملكتك ورعيتك بحاجة لك وهي أولى باهتمامك سيدي حتى أنك ستجني ثمار تعبك ومجهودك و وقتك بخلاف ما ستجنيه إن انشغلت بأمر تلك الفتاة البيضاء التي لم تعد على جلالتك سوى بالتعب والحزن والإنشغال، وربما.... ربما قد حدث كل ذلك من عند الله كي يعطيك درساً وينذرك ألا تسعى وراء قلبك، فجلالتك كنت ترفض كل الفتيات اللواتي نعرضهن عليك سواء جواري أو بنات النبلاء والعظماء أو أميرات و مِلت فقط لتلك البيضاء.
رفع راموس عيناه لها بضعف، هو بالفعل لم يمل سوى لها فماذا جنى سوى ذلك الوجع المسموم الذي يخترق أضلعه. ابتسامة خبيثة تشكلت على جانب فم أنجا وهي تشعر بأنها قد أحسنت إصابة الهدف وأوشكت على الفوز فأكملت: ربما ما حدث كان جيد بل جيد جداً لتتعلم يا مولاي. ناظرها بقوة فشعرت بأنها قد أخذت حريتها في الحديث أكثر من اللازم مع الملك، فأخذت تقترب منه وهي تتحدث بلطف:
عذراً جلالتك إن كنت قد تخطيت حدودي، لكن أنا الآن أتكلم بلسان الأخت والشقيقة ورفيقة الصبا لجلالتك، لست مجرد أخ في الرضاعة بالنسبة لي، أنت رفيق طفولتي. نجحت في الضغط على الوتر الحساس لديه وربما كانت تتكلم بصدق نابع من قلبها هذه المرة. وضعت يدها على كتفه كأنها تؤازره ثم همست:
صدقني مولاي مذ أول دقيقة رأيت فيها تلك الفتاة لم تعجبني ولم أرتح لها، لكنني آثرت الصمت ما أن لاحظت إعجابك لها.. قلت إن الملك رجل ومن حقه التنعم بحياته مع الفتاة التي تعجبه، لكنها لم تكن كذلك وخذلتك. ابتعدت خطوة ثم أكملت بصوت رخيم: لقد كان درساً قاسياً راموس.. قاسياً جداً لكن جيد، فأنا متأكدة أنك قد تعلمت منه ولن يمر مرور الكرام... من يدري ربما ما جرى كان بمصلحتك لتعلم أن حياة الملوك لها قوانين لا يسمح باختراقها.
هز راموس رأسه إيجاباً، فحديث أنجا رغم قسوته إلا أنه صحيح مئة بالمئة. *** جلس محمود في شقته أمام أحد زملاء تعرف عليه مؤخراً وقد ظهرت عليه أمارات عدم الرضا، ينظر للهاتف قليلاً ثم ينظر لصديقه: إيه يا عم طارق ده الفيديو مش مكمل خمسمية لايك، نصهم أصلاً من الأكونتات المضروبة اللي عندنا. عبس طارق مردداً بنزق: أعملك إيه يعني. هؤ: آيه اللي تعمل أي ما تتصرف يا عم طارق. أعملك إيه هو أنا ساحر.
امال فين كلامك أنا طارق كابو أنا عمهم في السوشيال وفي الآخر مافيش ولا فيديو طالع إكسبلور. أعملك إيه أنت اللي ريشتك واقع. هو إيه اللي واقع أنا ترند مصر وصوتي مزلزل السوشيال كلها، أنا نجم اليوتيوب يا عم كابور. ترند خناقة يا حبيبي لما كنت في المسابقة أياها والناس تابعتك على حسها حبة، ولولاها لا كان حد سمعك ولا حس بيك، أنت صوتك ده كله جعير واحنا عارفين. ما كلها بقت بتجعر يا عم، هي يعني جت على محمود عصفورة وهتقف؟!
وقف طارق بملل قائلاً وقد نفدت طاقته: اهو حتى جعيرك مش مقبول، قابلين جعير الكل وأنت لا. هقول إيه؟ ... قِرف... سموعليكو. فوقف محمود على الفور يقول: أستنى بس ياعم كابو، احنا لسه بنتكلم. كلامي خلص سلام... كفاية مضيعة للوقت. غادر طارق وترك خلفه محمود ينظر على صفحاته على كل التطبيقات وهي بالنازل وحالها لا يسر مطلقاً، يسأل هل ضاعت كل أحلامه وآماله؟ ألن يصبح نجماً كما أراد؟! لقد ضحى بالكثير في سبيل ذلك ولن يصل في النهاية؟!!!
لا ... لا يمكن. *** لحظات صمت ومتابعة طالت من طرف فردوس وزوجها وهما يناظران ابنهما البكري وهو يتناول طعامه بمضض، يتناوله فقط ليظهر بمظهر الناجي بينما الحقيقة أنه غارق في حزنه حتى لو حاول التظاهر بغير ذلك. لم يستطع شداد أن يصمت وينتظر بل تحدث بشيء من الغضب: هو أنت فين يا ابني كده؟ مش عارفين نتلايم عليك. أبتلع زيدان كسرة الخبز بصعوبة في حلقه الناشف ثم رد: ليه بس، ما أنا موجود اهو. هو فين اللي موجود ده؟
أنا بقالي كام يوم متصل عليك وقلت لك عايزك ضروري؟ وأنت من ساعتها عامل فيها مشغول ومش عارف أشوفك، إيه الحكاية بالظبط؟ احمم... حقك عليا يا حاج.. أنا معاك أهو، قول.. في حاجة في الشغل؟ تنهد شداد بغضب، فأبنه مُصِر على المراوغة لذا تحدث بحسم في صلب الموضوع: طلقت البت ليه يا زيدان. ترك زيدان الطعام من يداه التي انهبدت على الطاولة من شدة الغضب والحزن والشعور بقلة الحيلة حين يتعلق الحديث لعندها. سحب نفس عميق يتجنب الرد،
فهتف شداد: ما ترد عليا. فرد زيدان بعدما صر على أسنانه وأغمض عيناه: عشان هو ده الصح. تدخلت فردوس حينها وقالت برفض تام: صح إيه يبني اللي بتقول عنه؟ هو خراب البيوت بقى صح دلوقتي؟! حقك بطلو ده واسمعوا ده.. ما تقول كلام يتعقل يابني. ساعات بيكون صح. مين قالك كده؟ هو الطلاق بقى بالساهل كده إمتى وإزاي؟ هانت عليك البنية؟ أنت بقيت كده إمتى يابني؟ وقف عن كرسيه يهتف بتعب عبر، وأخذ يشيح بيديه يعبر عن غضبه ويخرجه: أيوه هو ده الصح؟
ما شفتوش محمود؟ اهو رجع، ما عملتوش حساب رجعته.. هنعيش إزاي معاه في بيت واحد مع اللي كانت خطيبته وحب عمره.. ده رجع وبقى بيطالبني بيها كمان وشوية شوية كنا هنتخانق عليها... طب بلاش... قولولي كانت هتطلع إزاي وتنزل وهو معاها في نفس البيت ولا كل شوية نمسك في خناق بعض؟! ولا كنت هعيش إزاي مع واحدة مغصوبة عليا ولولا اللي حصل ما كنتش إضطريت تتجوزني ولا أنا يعني عشان عنست زي ما بتقولوا ف ما صدقتوا؟؟ وقف شداد عن كرسيه بتروي حتى
وصل ووقف أمام ابنه يقول: ماشي... يمكن عندك حق... بس قولي ذنب البت إيه عشان تفضل سنين مخطوبة لواحد يسيبها في الكوشة فتجوز أخوه اللي بيطلقها بعدها بكام شهر ومن غير سبب... ده كده الناس تقول إن الحكاية فيها إن خصوصاً إنك ما طلقتهاش إلا بعد ما محمود رجع... الناس كلها مغلطانا وإحنا تجار وصنايعية يعني راس مالنا إسمنا... خدنا البت لحم ورميناها عضم وبقى شكلها زي القطران وسط الحارة. صمت شداد يسحب نفس عميق ثم أردف:
أنت ابني أنا اللي مخلفك مش أنت اللي مخلفني، ويقولك لو كنت عملت كده عشان تخيرها وترجع لك بس بمزاجها فأحب أقولك إنك طينتها، ولو بتموت فيك عمرها ما هترجع لك، دي لو عدت من قدام بيتنا حقها ما ترمي السلام حتى وأنت قاعد مستنيها ترجع!!!!! وقف زيدان مبهوت مما سمعه دفعة واحدة وكان رد فعله: ؟!!!!؟!!!!!! *** دفعت حوريه الأوراق من أمامها والإحساس بالفشل والغباء يسيطران عليها لدرجة أنها تحبس دموعها بقوة ترد: بقرة في بحر.
أسندت بذقنها على كفّها وبدأت تفكر في التراجع والهرب، أن تتقوقع مجدداً في منطقة الراحة لتهمس لنفسها: وارجع أقعد في البيت وأستنى العدل... لأ وألف لأ.. شدي حيلك وعافري شوية بشوية هتوصلي. رفعت أنظارها لتجد شاب رشيق يجلس على مكتبه المقابل لمكتبها، فتنحنحت بحرج قائلة: أحمم.. أستاذ مصطفى. رفع أنظارها له فقالت: ممكن تقولي أكمل الشيت ده إزاي؟ يرد ببرود: هو مش مستر ياسر فهمك.
أأيوة بس أنا متلخبطة في الخانات قوي ومش عارفة أعمل أي حاجة. نظر في ساعة يده ثم قال: اه... طيب حاضر هجيب بس قهوة من البوفيه وأجي. خرج من الغرفة وهو يتمتم: جايبين واحدة مش عارفة لا ورد ولا إكسل وعايزين يشغلوها وتقعد على مكتب، لأ وعايزاني أعلمها كمان.. أصلها كانت ناقصة هم.
مر الوقت وحوريه تجلس على مكتبها تنتظر لكن لم يعد، وقد أوشك الوقت الذي أعطاها إياه رئيسها المباشر أن ينفد، فخرجت خلف مصطفى تبحث عنه وذهبت للبوفيه حيث ادعى أنه ذاهب له. دخلت للغرفة لتجد وفاء تقف أمام مكينة الإكسبريسو تصب القهوة في أحد الأكواب، وما إن رأت حوريه حتى سألت: إيه حورية الشركة بتدور على حد ولا إيه؟ أيوه ماشوفتيش مصطفي. مصطفى مين؟
زميلي في المكتب، طلبت منه يعلمني حاجة وخرج من نص ساعة قال لما يجيب قهوة هييجي يعلمني ومن ساعتها مارجعش. ومش هيرجع يا حبي، ولو رجع هيصدر لك الطرشة ومش هيعلمك حاجة.. ماحدش بيعلم حد يا حوريه، والقديم المتودد بيسيب الجديد يتبش وبيقول سيبه يعك، أنا هتعب نفسي وأعلمه ع الجاهز ليه؟ أنا كان مين علمني... كله هيقف يتفرج عليكي وهو متمزج وقاعد كمان مستني لك غلطة.
بهت وجه حوريه وهي تستشعر أنها في عالم غريب غير العالم الذي تعرفه.. عالم لا تفقه عنه شيء ولا تعرف كيف تجاريه ولا كيف ستكمل فيه.. هل تستلم من الآن أم ماذا؟ فهمست بضياع: طب والعمل؟ ردت وفاء على الفور تنصحها: تتبش يا غرقتي يا وصلتي. أكملت وفاء وضع القهوة على الصينية ثم التفتت مغادرة: هوصل القهوة دي وأجيلك. تركتها بثبات واتجهت ناحية مكتب عاصم الذي سألها: وفاء أيه الأخبار؟ حورية بتعمل إيه؟ ماشي الحال. أضاء عقلها
بفكرة فألتفت له تسأل: الشوق غلاب.. تلاقيها وحشك... صمت عاصم متنهداً فهتفت بحماس: واللي يجيبها لحد عندك؟ أشتعلت عيناه بالأدرينالين وهتف: أدي له عنيا. مدت يدها تبسط كفّها أمامه مطالبة وقالت: هعمل إيه بعينك أنا مش بتاجر في الأعضاء، أنا عايزة فلوس. أنتي إييييه يا بنتي... مابتشبعيش؟ منشار؟ كل شوية عايزة فلوس. فصرخت في وجهه: إييييييه ..مانا على وش جواز... بجهز، إنت عارف التلاجة واحد وعشرين قدم بقت بكام دلوقتي؟
ناظرها بزهق ويأس ثم أخرج مال من جيبه وأعطاه لها مردداً: أظن دول كفاية. لأ. بصراحة أنا عيني من التلاجة أم حنفية. اللي بتتزلج صح. إسم الله عليك... عارفها؟ عارفها.. خدي حار ونار في جتتك. هبشت منه المال ثم غمزه له: هبعتهالك لحد عندك. اتجهت ناحية الباب وقبلما تغلقه همست: ربنا يوفق الدنيا على بعضها إن شاء الله. ارتمى على كرسيه يهمس: منك لله. ثم دار حول كرسيه وهو يهمس: بس كله يهون عشان خاطر حوريه. ***
تمشت في الرواق تعد المال الذي أخذته من عاصم بفرحة كبيرة، لمحت حوريه مازالت تجلس وهي تنظر للأوراق أمامها بقلة حيلة وتعب، فدست المال بجيبها وتقدمت منها قائلة: أنتي لسه واقفة محتارة. حاسة إني غرقانة وعبيطة وجاهلة، مش عارفة جبت منين قوة القلب إني أنزل أشتغل وأنا ماعرفش الألف من كوز الدرة. من الخبطات اللي أخدتيها. اجتاح حوريه شعور بالحزن والضيق ما إن ذكرتها وفاء بما حدث معها، فنظرت أرضاً بحزن وشرود، لكن وفاء لم تترك
لها الفرصة وهتفت بحماس: ما تزعليش، ولو اللي اسمه مصطفى ده مارضيش يساعدك روحي للي أحسن منه. مين؟ مستر عاصم. مين؟!! إيه وقعتي على ودنك... بقولك مستر عاصم. المدير؟ هو. بتهزري مش كده؟ لا بتكلم جد. بس.... مابسش، أنا كنت لسه عنده بدخله القهوة وبصنعة لطافة كده فتحت معاه الموضوع وبصراحة الراجل كان متفهم جداً وقالي أخليكي تروحي له ومعاكي اللاب بتاعك وهو هيفهمك كل حاجة واحدة واحدة. بجد؟!
بس ده المدير يا وفاء يعني المفروض ما حستش أبداً إني مش عارفة أ ب شغل. ياستي ده بدل ما تحمدي ربنا إنه موقعك في مدير عسلية. عسلية؟! ضيقت وفاء عينها تردد: الصراحة هو عسلية عسلية يعني ده كفاية ريحة برفانه يخربيت أمه. نظرت لحوريه وأكملت بإندفاع: حد يبقى قدامه فرصة يقعد مع مز زي ده ويقول لأ... أنتي غاوية فقر ليه.
تقدمت بخطوات مترددة من مكتبه تشجعها كلمات وفاء الحماسيّة، ففتحت الباب بخفة ودلفت بتوتر، ليتهلل وجهه ما إن رآها، للحق حوريه تمتلك هيئة تشرح صدر كل من يراها وذلك هو تأثيرها على الجميع وليس عاصم فقط. تقدمت بحرج تقول: ممكن أسأل حضرتك على كام حاجة في الشغل. ممكن طبعاً.
شجعت نفسها تخبرها أنها لابد أن تتعلم وتجتاز كل الحواجز حتى تفهم الشغل وكيف يدار وتتكون لديها خبرة ولو مبدئياً متواضعة حتى تستطيع التحول لفتاة قوية يمكنها الاعتماد على نفسها. شردت لثواني تتخيل نفسها مثل الفتيات اللاتي تراهن على إنستغرام ترتدي ملابس رسمية وتحمل لاب توب تتقن التعامل معه، تمشي بخطوات قوية ثابتة حتى تصل لسيارتها الفارهة، تفتح الباب ثم تقودها بخبرة وثبات.
عادت من شرودها على صوت عاصم يناديها، فنظرت له وقررت التمادي لتتعلم وتصل لما تريد وتخرج من تلك البوتقة التي وضعت فيها منذ ولدت بسبب خوف والدتها عليها. التف عاصم من خلف مكتبه وجلب أحد الكراسي يضعه بجوار كرسيها كي يجلس بجوارها ثم قال: ها إيه اللي واقف قدامك.
قررت حوريه استغلال الفرصة التي ربما لن تسنح لها كثيراً وبدأت تسأل وتستفسر عن كل ما تجهله مستغلة حلمه وطول باله معها، وعاصم يجيب ويعلمها بهدوء تام وبعينه نظرة إعجاب واضحة لأي فتاة وقد تعمد في إظهار ذلك. *** استيقظت من نومتها على أرضية سطح السفينة على صوت تهليل وصياح قادم من حولها، انكمشت عيناها من أشعة الشمس واستغربت، فهي وكأنها تعرفت على تلك الأشعة الخاصة من الشمس، تشبه شمس بلادها.
وكأن حتى الشمس وأشعتها تفرق من بلد لبلد، فقد تهلل أساريرها ما إن علمت باحتمالية صدق حدثها وهي تستمع لترديد اسم الإسكندرية وسط هتاف الركاب، فهل وصلت إلى ميناء الإسكندرية؟ أسرعت تستند بيدها على حافة المركب كي تقف فقوى جسدها باتت لا تسعفها، فعّلت بلهفة وقد أشرقت أخيراً الحياة بداخلها من جديد وهي ترى بوضوح ملامح عروس البحر الأبيض المتوسط التي تحفظها جيداً، فقد سافرت لها مراراً.
ساعدتها الفرحة على الانتصاب على قدميها جيداً رغم هزالها الشديد وبدأت تتنفس بسرعة رهيبة وهي تبكي من شدة الفرحة. وبعد دقائق نزلت من سلم السفينة وأرتمت على أرضية الرصيف وشرعت تبكي.... تبكي بقوة وهيستيريا، إنها بأمان الآن، إنه الشعور الذي لطالما استمعت عنه ولم تفهمه سوى الآن، جملة شاملة يقولها الأجانب تجسد تشعر به حالياً بالضبط "back to home". ***
جلس على كرسيه أمام ورشته ينفث دخان أرجيلته بشرود لا يخلو من الحزن، ليتفاجأ بصديقه يجلس بجواره بلا سلام أو كلام، فقط جلس لجواره بصمت تام ثم مد يده والتقط مبسم الأرجيلة منه يشاركها معه. ظل زيدان على صمته ينتظر حديث صالح المتواصل، أن يلومه وينهره على ما فعل ويعبر عن غضبه ورفضه الشديد لما جرى، لكن لم يحدث. نظر له زيدان ثم قال: غريبة، ساكت يعني. مستنيني أقولك حاجة ولا حاجة، كفى الله الشر! ما عرفتش يعني اللي حصل.
نفس صالح دخان الأرجيلة ثم أردف ببرود: لا أزاي بقا ده حتى الحتة كلها مالهاش سيرة غير اللي عملته أنت وأخوك في حورية بنت الحاج سعيد. تحفز زيدان وتململ في جلسته ثم سأل: بيقولوا إيه؟ تجاهله صالح ورد ببرود: يا عم ولا يشغلك، هو مش أنت عملت اللي أنت عايزه واللي يريحك، سيبك من أم الناس أهم حاجة راحتك يا معلم زيدان، مش أنت مرتاح بردو ولا إيه؟ صااالح.
عايز إيه يا زيدان، مالك كده، هو أنت كنت فاكر إيه ولا دماغك كان فيها إيه وأنت بتاخد قرارك لأ وكمان بتنفذه من غير ما ترجع لحد.. وأنا قاعد وعارف إنك بتغلي دلوقتي وندمان ومستني بقا أنصحك... لا مش هنصحك، ما أنا ياما نصحتك، خليك بقا كده... الدنيا اختيارات يا زيدان وأنت اخترت تعيش مغلوب على أمرك، هعملك إيه... ده لا أنا ولا مية زيي يقدروا يعملوا لك حاجة طالما أنت من جواك مش عندك نية للتغيير.
لم يكد صالح ينهي كلماته حتى وجد حورية تتقدم في الشارع بخطوات متوازنة لا مبالية، فأبتسم صالح بمكر هاتفاً: أوبااااا.. المزة بتاعتك جت أهي. رفع زيدان عيناه ليجد أنها هي بالفعل، بينما وضع صالح يده على فمه يقول مصححاً بسخرية: اه صحيح نسيت، ما بقتش بتاعتك خلاص. زجره زيدان بعيناه غاضباً في نفس اللحظة التي مرت فيها حورية من أمامهما وتجاوزتهما دون أن يرمش لها جفن. فلم يتحمل زيدان وقف عن كرسيه وذهب خلفها
بخطوات واسعة وهو يناديها: حورية. كانت تمشي عادي... لكن ما إن استمعت لصوته يناديها سرت رجفة خوف في جسدها وبدأت تزيد من سرعة خطواتها بطريقة مرعبة ملحوظة، أجفل هو شخصياً منها فزاد من سرعة خطواته أكثر وناداها مجدداً: حورية... استني بقولك. لكنها لم تمتثل لأمره بل تحولت خطواتها الواسعة إلى الركض ناحية البيت بطريقة مجنونة، فأضطرته أن يركض هو الآخر خلفها وانتشل ذراعها يوقفها أمام باب منزلها بغضب وعافية هاتفاً:
هو أنا مش بنادي عليكي. التفت تنظر له وقالت برفض قاطع: سيب إيدي. ولو ماسبتهاش. سيبها أحسنلك. حورية؟؟؟ أيه الطريقة اللي بتكلمني بيها دي؟ أنا زيدان. زيدان مين؟ أنت بالنسبة لي راجل غريب ماسك إيدي. أوجعته الكلمة في صميم قلبه وهمس: غريب. والله؟! أمال أنت مفكر إيه؟ قلت لك سيب إيدي. تؤهز رأسه رفضاً ومازال ينظر لها بإشتياق وحنين ثم قال: وحشتيني قوي يا حورية.
زلزلتها نظراته والطريقة التي تحدث بها كانت لحظة ساحرة ربما لن تنساها طوال حياتها. في نفس اللحظة همس طارق لمحمود قائلاً: هو ده الوقت المناسب. اعترض محمود بخوف: بس. مابسش.. ريتش بتاعك واقع.. أنت بتضيع وأخوك واقف يحب في خطيبتك وأنت لسه هتبسبس.... اسمع مني دي فرصة العمر أكتر حتى من المسابقة اللي سبت خطيبتك في الكوشة بسببها.. الناس بتموت في الفضايح والخناقات وترنداتها.. ده أنت هتفضل ترند سنة كاملة...
يالا دوووس.. ماحدش بينفع حد. بالفعل تشجع محمود وتقدم منهما يضع كفه على يد زيدان التي لازالت تقبض على ذراع حورية ثم قال: هي مش قالت لك شيل إيدك؟ إيه هو بالعافية؟ اشتعلت الغيرة بقلب زيدان وقال له: أنت إيه اللي جايبك هنا وايه اللي مدخلك بينا أصلاً؟ نعم؟ شكلك ناسي إنها خطيبتي وكنا يومين وهنتجوز لولا أنك استغليت الظروف وخطفتها ليك... طمعت فيها لنفسك. حاول زيدان كظم غيظه وقال من بين أسنانه وهو يكرر قبضة يده:
خد بالك من كلامك يا محمود أنا مش عايز أتغابى عليك. خد أنت بالك عشان دي خطيبتي وانطلقت منك عشان ترجعلي ولا أنت مش واخد بالك ولا إيه، ولا أقولك أهي قدامك أهي ردي عليها يا حورية وقولي له. احتدمت عينا زيدان وقال: مالكش دعوة بيها. لأ ده أنا أكلمها زي ما أنا عايز، أنت سامع ولا لاء. نظر محمود لحورية التي تقف بينهم تهتز بصمت وترتعش من الرعب وهتف بصوت عالي: ردي عليه يا حورية، قولي له أنتي مختارة مين أنا ولا هو؟ محموووووود...
أنا بحذرك لأخر مرة مش عايز أمد إيدي عليك، إحنا أخوات. إيه يا حبيبي مش عايز تسمع الحقيقة وأني أول ما رجعت جريت تطلب الطلاق منك عشاني ولا تكونش مش واخد بالك مثلاً. نقحت على زيدان كرامته فهتف على الفور: مش هي اللي طلبت الطلاق، أنا اللي طلقتها من نفسي. نظرت له حورية مصعوقة مما تفوه به وكأنه يتفاخر بأنه هو من فعل. واجتاح زيدان الشعور بالندم الكبير على ما تفوه به بسبب نظرتها التي لن ينساها طوال حياته.
لم يمهله محمود الفرصة لأي شيء وحاول إزاحة يده عن حورية بعنف: شيل إيدك عنها بقولك. لم نفسك يا محمود وماتدخلش بينا. لكن محمود لم يعتبر لحديثه وبادر بلكمه لكمة عنيفة جعلت زيدان يردها له دفاعاً عن نفسه، وبدأت حورية تضع يدها على أذنيها تصرخ بهلع شديد جعل أهالي الحي يجتمعون سريعاً، من بينهم شداد وفردوس، وأحدهم يسأل: هو في إيه من بيتخانق. ليجيب آخر: دول ولاد الحاج شداد....
ماسكين في خناق بعض عشان حورية بنت الحاج سعيد الله يرحمه. زادت حدة المشاجرة ونزلت فردوس وشقيقتها فوزية مفزوعين على صوت العراك، كذلك فردوس وزوجها شداد يحاول الفصل بين ولديه ومعه صالح الذي لم يقدر على زيدان، وبالخلفية يقف طارق يسجل في بث حي كل ما يحدث. فيما توقفت سيارة بيضاء وهبط منها شاب وسيم يرتدي ثياب أنيقة ومعه فتاة جميلة، يسند بذراعيه "رنا" بسبب هزال جسدها، فصرخت فوزيه: رنااااااا.... بنتي...
توقف العراك، عم الصمت المكان، وهرولت فوزيه تجاه ابنتها لتحتضنها، لكنها سقطت مغشياً عليها بين ذراعي ذلك الوسيم، وأحدهم يهتف مطالباً بطبيب في الحال.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!