جلست ثريا على الكنبة تراقب وحيدتها وهي تفرك الأرض بقدميها جيئة وذهاباً. تضرب كف يد بقبضة اليد الأخرى، تتميز بغيظ. "بردو بعد كل ده ولسه بيفكر فيها، ورايح يجري وراها بردو، وأنا الي قولت طلقها بمزاجه وزبالها لكن لسه بردو باله فيها... أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ تطلعت لوالدتها التي تنظر لها بإستياء وصمت، ثم هتفت: "ما تردي عليا يا ماما هو أنا بكلم نفسي؟
"لا مش هرد وسبيني ساكته أحسن عشان لو رديت عليكي زي ما أنتي عايزه كلامي مش هيعجبك." تخصرت رشا في وقفتها وسألت: "ليه بقا ان شاء الله؟ "عشان مش عاجبني الي بتعمليه، خلاص حلي في عينك فجأة ولا هي الكحة في إيد حوريه عجبه؟ ماهو ده زيدان الي أتقدم لك بدال المرة اتنين وكنتي ترفضي وتقولي لا يعني لا دلوقتي بقا عليه سكر؟!
في إيه قليتي قيمتنا ومخلينا في الطالعه والنازلة متربصين له على الباب عشان نوقفه وننكشه، عيب بقا وأختشي على دمك." ربعت رشا يديها حول صدرها وهتفت بعناد: "وفيها إيه؟ ماكنش عاجبني ودلوقتي عاجبني أنا حرة." "وصاحبتك؟ "أنا وحورية عمرنا ما كنا صحاب هي اللي كانت تملي تناديني أقعد معاها وتقعد تحكي وتتحاكى عن سي محمود بتاعها وبعدين بدل ما تقوليّ كده فكري معايا في حل أنا الي بنتك مش هي." جفلت ثريا من حديث ابنتها ثم سألت:
"يعني إنتي لسه مصممة على الي في دماغك؟ "أيوه." جلس راموس على عرشه بشموخ يناقش قضية هامة جدا مع مجلس وزراء المملكة وبحضور أنجا. أفضى بهم هذا الاجتماع إلى بعض القرارات السياسية والاقتصادية الهامة جداً. "لقد قررت مد شبكات الاتصالات داخل المملكة." صمت تام خيم على الجميع. وقفت أنجا مصدومة مما تسمع وقد شردت متذكرة يوماً ما.
كانت على وشك الدخول لجناحها لولا أن لمحت تلك البيضاء وهي تسير بعجالة ناحية الغرفة الملكية بكامل زينتها التي لم تعتد المبالغة فيها كما فعلت وقتها، مما حفز أنجا على تتبعها. بالتأكيد كل هذا التأنق يخفي خلفه طلب ما. فسارت تتجه لأحد الأركان الخاصة التي لا يعرفها سواها هي وراموس بحكم صداقتهم. ووصلت لنافذة صغيرة تظهر ما يجري في غرفة الملك.
فكان راموس يجلس على أريكته المفضلة وبيده كالعادة ملف مهم يقرأه، حتى دلف الحارس يخبره أنها على الباب تنتظر الإذن. فسمح لها بذلك ودلفت تطل عليه وقد تزينت وتعطرت واقتربت تتهادى في خطواتها الخفيفة حتى دنت منه تسأل: "مساء الخير." سقطت الورقة من يده لا إرادياً وقد فتنته هيئتها التي أججت رجولته. وبحركة سريعة خطفها لتجلس على قدميه ومالت رأسها وهو يميل عليها كذلك مقترباً.
تأملها عن قرب بوله شديد وإعجاب وقد تملكه شعور رائع وهو يرى لمعة عينيها تلك. مرت يداه تسرح على طول جزعها فأرتعشت بين ذراعيه ليضحك بخفة ثم قال: "يبدو أن صغيرتي لديها طلب مهم." رمشت بأهدابها تشعر بالحرج والغباء وهمست: "هل أنا مكشوفة لهذا القدر أم أنك ذكي جداً وشديد الملاحظة؟ رفع إصبعيه أمام عينيها ثم أضاف: "ضيفي على ذلك أنني بت أحفظك." زمت شفتيها كالاطفال تشعر بخيبة الأمل فقال: "هيّا أكملي صغيرتي، لما توقفتي؟
"أكمل ماذا؟ "محاولة إغرائي لقد راق لي كثيراً." حاولت النهوض من حجره لكنه كان يحكمها بذراعيه وأحضانه التي بدأت تتخبط فيهم، وهو يقهقه مردداً: "حتى غضبك يجعلك لذيذة قابلة للعض والأكل." لا تعلم لما ابتسمت معجبة بضحكته التي أظهرت غمازتيه. فرفعت إصبعها بتردد ونظرت له كأنها تسأل هل لها أن تتجرأ وتفعل. فابتسم على فعلتها وليس على براءتها، بل لأن شخصيتها العصبية الحدية المتهورة بدأت في التراجع.
باتت تعلم أن هنالك حدود رسمت قوانين تحكم بعض الأمور. الملوك لهم طريقة خاصة في التعامل. فهم يده يسحب يدها بنفسه لتغرس أصبعها في إحدى غمازتيه. فهمست: "وااااااو.. حلوة قوي." ضحك بخفة ليعلم صدق قولها فهي ما إن تتعصب أو تثور أو تندمج في إحساس صادق تتفوه بلهجتها التي بات يعلم عنها. مال بهدوء يخطف قبلة حب جميلة من شفتيها وهي منسابة بين ذراعيه تشعر بالخيبة بسبب تسرب شعور اللذة إليها ما إن يقترب منها.
تباً أنها على وشك التجاوب ولولا أنه هو من رفع رأسه عنها لكانت تبادله الآن. نظر لها داخل عينيها وابتسم بإنتشاء ثم أكمل: "ماذا تريد صغيرتي؟ حمحمت تحاول استحضار صوتها المسلوب مع أنفاسها تتذكر ما جاءت من أجله بالأساس ثم همست: "أريد الاطمئنان على والدتي." "لكن المملكة لا يوجد بها شبكة اتصال." سحبت نفسها من بين ذراعيه واعتدلت لتتحدث معه، فلم يروقه وعبث بوجهه. لكنها أكملت: "ولما ذلك؟ "إنها قوانين المملكة."
"لكن كيف تعيشون هكذا أنتم منعزلون عن العالم؟ صمت ينتظر لها دون إبداء أي رد يعني لا استجابة لديه على ما قالته. فوقفت على الأرض تدبها بقدميها مرددة: "هل أتحدث إلى نفسي أم ماذا؟! أنا أحدثك." "أخفضي صوتك صغيرتي أفضل لكِ... تلك قوانين المملكة منذ عقود ولن تتغير." "لكن التغير سنة الحياة." "العمل هو سنة الحياة وليس مضيعة الوقت في التفاهات."
"دخول شبكة اتصال داخل المملكة سيفيدها كثيراً، وسيتصل شعبك بباقي العالم بدلاً من تلك العزلة التي يعيشونها وكأنهم مازالوا في العصور الوسطى، ألا يكفي نظام القصر ووجود جرملك للسلطان ونحن بالقرن الواحد والعشرين؟! وقف هو الآخر أمامها ثم أخذ يتقدم منها خطوة فأخرى حتى اقترب منها وهو يرفع حاجبه الأيسر يرفض مردداً: "لا." "غضب شديد" وولت مغادرة وهو يقهقه عالياً يهتف: "ماذا صغيرتي هل انتهت فقرة الإغراء؟
عادت أنجا من شرودها على صوت راموس القوي الحاسم الذي صدح ينهي الجدل الدائر في مجلسه من الوزراء بين مؤيد ومعارض وقال: "من حق الشعب أن يتصل بالعالم من الخارج ويرى الدنيا خارج حدود المملكة، تلك هي أبسط حقوقه، أريد من الغد العمل على ذلك المشروع وإنجازه في أقصر وقت ممكن." جفلت أنجا من الحسم الواضح في صوته ورعبت تلك اللمعة التي رأتها في عينيه، إنها لمعة حنين، مازال يتذكرها، بل هو لم ينساها بعد.
جزت أسنانها بغل واضح وهي تكتشف أن المصرية تحكم حتى بعدما رحلت نهائياً. وبدأت تسأل بضياع: "ما العمل؟ كيف أقضي على سحر تلك القبطية؟ عجت شقة فوزية بأهالي الحي الذين حضروا ملتفين حول فوزية وابنتها. البعض يدفعه الفضول والكثير يدفعهم الواجب والعشرة بما فيهم زيدان ووالديه ومحمود وحورية ووالدتها. ومن وسط الجمع صدح صوت أحدهم: "وسعوا يا جماعة للدكتور." ثم اقتحم الطبيب الجمع يشق طريقه وسطهم نحو الغرفة الشبه مغلقة.
تولى الحاج شداد أمر صرف الناس وفض ذلك الجمع يخبرهم أن الفتاة بحاجة للراحة ويمكنهم القدوم للاطمئنان عليها فيما بعد. وما إن انفضوا حتى التفوا جميعاً لذلك الشاب الذي لا يزال واقفاً وقال: "كتر خيرك يابني على معروفك ده مع بنتنا... إلا اسم الكريم إيه؟ "مصطفى يا حاج." "عاشت الأسامي، هو إيه اللي حصل؟ تردد الشاب لثواني ثم تفوه أخيراً: "أبداً أنا قابلتها في المينا عندنا في إسكندرية وكانت أختي معايا ثم أشار
على فتاة تقف لجواره وأكمل: والأنسة كانت واقعة على الرصيف مغمي عليها ومش معاها أي حاجة خالص لا موبايل ولا بطاقة ولا أي حاجة. حاولت أنا وأختي نفوقها على قد ما نقدر وهي دلتنا على المنطقة هنا." شداد يصغي بإنتباه وتركيز. لكن زيدان مشغول البال، فهو طوال عمره كان رجل وقور شديد الثقة بنفس، يقدر الرجال ويعلم أن معرفتهم كنوز. لكنه الآن يقف يشعر بالغيرة. ولأول مرة تنتابه فكرة المقارنة.
يقارن نفسه بذلك الوسيم، يريده أن يغرب عن وجههم الآن وإلا تراه حوريته. جز على أسنانه ما إن دمغ اسمها بياء ملكية وهو يحدث نفسه. يدرك أنه بات يراها خاصته وهو قد بادر بنفسه وطلقها، أي فعلة حمقاء قد أقدم عليها؟! وأين كان عقله حقاً؟! غبي... غبي... هكذا نعت نفسه. ولم يستطع الانتظار فأقترب من الوسيم يشكره على عجالة قبلما تخرج من الغرفة قائلاً:
"متشكرين جميلك ده على راسنا بس أنا بقول يادوب تلحق تمسك الطريق عشان توصل إسكندرية قبل المغربية." نظر له شداد بطرف عينه وكذلك فردوس التي بادلت زوجها النظرات المتنمرة وصمتت. وفي ظل الصمت وتوتر الأجواء هذا انحرج الشاب وانصرف مغادراً مع شقيقته. مرت دقائق من الصمت خرج بعدها الطبيب وخلفه فوزية وفوقية وحورية التي سألت: "خير يا دكتور؟
"خير إن شاء الله.. هي عندها ضعف عام وسوء تغذية كمان أعصابها تعبانة وفي إرهاق شديد. أنا هكتب لكم شوية محاليل ضروري النهاردة ومن بكرة نقدر نوقفها ونعتمد على الأكل بس لازم محاليل النهاردة عشان تقوم الدنيا معاها شوية وهكتب لكم على كورس علاج ياريت نلتزم بيه لحد ما نشد حيلها وياريت نبعد عن الإرهاق والزعل." "حاضر يا دكتور." ابتسم لها الطبيب ابتسامة جعلت زيدان يعتدل في وقفته بتحفز شديد. فيما أكمل الطبيب:
"ياريت يا آنسة حورية تواظبي معاها على الأدوية وده الكارت بتاعي كلميني لو في أي تطورات." "حا... كادت أن تجيب إلا أن ذلك الواقف هناك لم يستطع التحمل وتقدم لعندهم يخطف الكارت. فنظرت له حورية على الفور بحدة ليرد عليها بنظرة قوية حاسمة. ومن ثم خطف روشتة الدواء أيضاً ثم قال للطبيب: "شكراً تعبناك معانا أتفضل معايا." نظر له الطبيب بعدم رضا لكنه وكأنه آثر الصمت وتقدم ليخرج مع زيدان الذي ذهب يحضر الدواء.
ومن بعد محمود الذي وردته اتصال مجهول فغادر من فوره. نظرت حورية حيث غادر زيدان بغضب في اللحظة التي خرجت فيها فوقية من غرفة ابنة شقيقتها فوجدت شداد وزوجته مازالا متواجدان فقالت بضيق: "منورين." تبادل شداد مع زوجته النظرات المتوترة ومسح على وجهه ثم قال بحلم: "تعالي اقعدي يا حاجة ست فوقية خلينا نتكلم." "هنتكلم في إيه يا حاج شداد هو عاد في حاجة نتكلم فيها، آه صح...
تكونش عايز تتكلم في العاركة اللي كانت دايرة تحت ولا فضيحتكوا لبنتي الوحيدة؟ صمت شداد بحرج. فوقية سيدة شديدة وهو يعلم، قذفت الكلام في وجهه بلا مواراة أو حرج وهو لا يملك ما يقوله فببساطة تلك هي الحقيقة. حاولت فردوس التدخل للتخفيف من الوضع وتقدمت تمسك بذراع حورية وهي تقول: "طب اقعدوا بس يا جماعة نتكلم، تعالي اقعدي جنبي يا مرات ابني." نجحت فردوس في إحراج حورية ولم تستطع الاعتراض وكادت أن تجلس لولا صوت والدتها الرافض:
"ما بقتش مرات ابنك يا ست فردوس، خلاص فضناها." "فضناها إزاي بقا؟ هو خراب البيوت بالساهل؟ "ست فردوس... كانت خالتي وخالتك واتفرقوا الخالات خلاص خصوصاً بعد اللي حصل من شوية، أنا بنتي مش لعبة في إيد عيالكم." ثم نظرت لحورية وقالت بحسم: "ادخلي يا حوريه اعملي شاي لعمك الحاج ومراته خليهم ياخدوا واجبهم." هز شداد رأسه يفهم مغزى كلامها ووقف قائلاً: "لا ماتتعبوش نفسكم واجبكم وصل... يالا يا حاجة... سلام عليكم."
امتثلت فردوس لأمر زوجها وغادرت معه وحورية تقف مبهورة فأخيراً اتخذت والدتها موقف معها. بينما ذهبت فوقيه تغلق الباب خلفهما واستدارت تنظر لابنتها الصامتة ثم قالت: "مالك؟ زعلانه من اللي حصل؟ "لا أنا بس اتفاجئت من رد فعلك وطريقة كلامك معاهم." تقدمت فوقية تربت على كتف ابنتها ثم قالت: "أيوه شوفتي... شديت لك عليهم جامد أهو... كان لازم اعمل كده عشان يعملوا لنا ألف حساب عشان لما نقعد للصلح يوافقوا على كل شروطنا."
اتسعت عينا حوريه... وهي التي ظنت أن والدتها قد تغيرت خصوصاً بعد حديثها معها. فردت ببهوت: "يا نهار أبيض." "جرى إيه يابت.. امال هتسيبي بيتك يتخرب؟ لم تتحدث معها حورية ولن تجادلها هكذا عاهدت نفسها. انسحبت بصمت تلقي نظرة على رنا العافية في غرفتها وفوزية تجلس لجوارها تحرصها يبدو أنها لن تبرح مكانها حتى تفيق ابنتها. فجلست لجوارها تمسد على كتفها وبعد دقائق ارتفع صوت جرس الباب فخرجت مستغربة لما لم تفتح والدتها.
يبدو أنها ذهبت لشقتهم. فتقدمت تفتح هي الباب لتجد نفسها في مواجهة زيدان وحدهما. الذي ما إن رآها حتى أصبح قبض على ذراعها ودفعها للداخل يدخل معها هو الآخر ويغلق الباب بقدمه مردداً: "الي حصل من شوية لو اتكرر تاني هعلقك سامعة ولا لأ." "هو إيه اللي حصل من شوية وبتكلمني كده ليه أصلاً؟ "نعم ياختي؟ بتقولي إيه ماسمعتش؟! بكلمك كده ليه؟ أنا أكلمك زي ما أنا عايز... فوقي لافوقك... أنا زيدان.... هتخيبى ولا إيه."
استفزتها طريقته في الحديث وحاولت نفض يدها من ذراعه لم تنجح لكن المحاولة في حد ذاتها استفزته فقال: "أتظبطي أحسنلك يا حوريه.. أنا قولت أهو." نظرت له بصمت تسأل لما قد تصمت له وأين تلك الشخصية الجديدة التي أقنعت نفسها أنها أصبحت تمتلكها وهي ما زالت تخشى مجابهته. قررت اختبار قوتها وتجلدت ثم قالت بقوة متوسطة مبدئية: "أنت اللي تتظبط وأنت بتتكلم معايا ... أنا ماسمحش لحد يعدي حدوده معايا." اتسع بؤبؤ عينا زيدان من تلك الحورية
التي تحدثه الآن وردد: "الله... حلو ده... أنا بقيت حد." "شيل إيدك عني.... وخد بالك اللي حصل تحت ده مش هيعدي على خير وهتتحاسبوا كلكوا عليه. اللي نجدكوا حالياً هو رجوع رنا وتعبها بس الحساب يجمع يا زيدان." "أنتي بتحاسبيني على إيه؟ أنا ليه هشيل ذنب محمود وتصرفاته وغلطه؟ أنا كنت جاي أتكلم معاكي عشان نتصافى زي أي واحد ومراته هو اللي تدخل. هحاسب أنا على مشاريبه ليه؟ هو محمود ده أتب فوق ضهري؟!!! تركت كل حديثه،
لا يعنيها هي فقط علقت: "نعم؟! واحد ومراته؟ ده اللي هو إزاي يا معلم. إحنا أطلقنا خلاص." "ممكن أردك أي وقت إنتي بس قولي أه وإنك عايزاني مش مغصوبة عليا." عصبها حديثه ماذا يظن هو: "ترد مين؟ مش تعرف دينك الأول وبعدين نتكلم. أنا لسه بنت بنوت يعني ماليش عدة." "اعرفي أنتي دينك... تمتعت عيناه واقترب منها يحتجزها بين جسده والحائط ثم تحدث من بين أنفاسه الساخنة وقد ارتفعت يداه تداعب وجنتها: "أنا إختليت بيكي ولا ناسيه؟
مرت عيناه عليها برضا وهو يستشعر أنه مازال يملك تأثير عليها حين شعر بارتجافها وتوترها بين ذراعيه فأكمل: "لو أنتي نسيتي أنا مش بقدر أنسى ولسه فاكرك وأنتي في حضني كأننا لسه مولودين." هم ليقطف قبلة منها لكن رنين الجرس أنقذها وأوقفه. ففرت من تحت ذراعيه تتمسك بالباب تفتحه كأنه درع حمايتها. فهول خلفها ليوقفها ويلتقط قبلته التي يتطلبها بجنون لكنها استنجدت بالباب وفتحت لتدرعه.
وبالفعل ارتدع وهو يرى فوقية هي من تقف على الباب تحمل صينية طعام كبيرة وتنتظر له بنزق مرددة: "زيدان.. هيء حماتك بتحبك تعالى أتغدى معانا." نظر لحورية نظرة خاصة جداً ثم قال: "شكراً.. أنا جبت الدوا." "كتر خيرك... ما تتفضل معانا." علم أنها تطرده بالذوق فصان الباقي من كرامته وغادر على الفور. فالتفت فوقية لابنتها تقول: "شوفتي طردته هو كمان أهو.. عشان تعرفي أن أمك هتجيب لك حقك.. بسويهم لك على الجنبين أهو كلهم."
ناظرتها حورية بصمت... لا تملك أي كلام هي فقط اقتربت تجلس على أقرب كرسي تحاول السيطرة على مشاعرها التي هزها ما ذكرها بيوم خلوتهما معاً الذي يراودها كل يوم تشعر أنه قد حدث منذ دقائق فقط وليس أيام. صباح يوم جديد. دلت حورية لمقر عملها الجديد تحاول التأقلم. نظرت لذلك الشاب السمج بتحدٍ ثم دلفت تجلس على مكتبها. نظر لها بسخرية واستخفاف ثم قال: "حورية.. مش معقول كل ده تأخير ههههههه."
تشكلت على فمه ابتسامة خبيثة وهو يراها محرجة أمام مديرها ليزيد العيار مردداً: "وياترى بقا على التأخير ده كله خلصتي الشيت المطلوب منك من أول إمبارح ههههههه." عبثت بوجهها ورددت: "هؤ إيه اللي هههههه؟! إيه اللي بيضحك في اللي بتقولوا مش فاهمه؟! واه ياسيدي خلصت الشيت أصل أنا شاطرة قوي وبتعلم بسرعة ربنا يخلي لنا يوتيوب. وبعدين يعني لما أتأخر الصبح عشان المواصلات أحسن من اللي لابد في كافتيريا يشرب كوفي ولا انت إيه رأيك."
نفذت كل ما اقترحته عليها وفاء وعلى ما يبدو أنها قد نجحت. أضجعت على كرسي مكتبها بانتشاء وهي ترى مصطفى زميلها يتحاشى النظر إليها. فرددت داخلها: (وأخيراً هعرف أبقى بت كيادة ده طلع إحساس حلو قوي) في مكتب عاصم. جلس خلف مكتبه يراجع الموازنة الجديدة للشركة بحيرة وتعب وإرهاق. قلب عينيه مجهداً وهو يستمع لصوتها المزعج يردد: "واحد قهوة مانو لمديرنا اللي مسيطنا ومسيطرة." مسح على وجهه وقال بإجهاد:
"شششش أسكتي شوية انتي إيه يا بنتي." "جرى إيه مالك بس يا جميل... الأمور مش ماشية حلو ولا إيه." جعد عاصم مابين حاجبيه وسأل: "أمور إيه؟ "يعني الحب.. اللاڤ.. العشق." "حب إيه وعشق إيه سبيني في حالي واطلعي برا يالا." "لأ لا لا... أنا كده اتوغوشت عليك... مالك يا كبير حد علم عليك؟ إنسحبت في دخلة المريوطية ولا إيه." وضع عاصم كفيه على رأسه وصرخ: "خلااااص كفاية صدعت." اختفت الابتسامة من على وجهها وانمحى الحماس المعهود عنها.
فالتفت تغادر بصمت. أنب نفسه على فعلته وقال ببعض اللين: "أستني حقك عليا." عادت تنظر له فقال: "عندنا مشكلة في الشغل الميزانية ولازم أقفلها النهاردة قبل ١٢ بالليل ولحد دلوقتي مش لاقي حل." نظرت له بطرف عينها وهي لم تسامحه بعد ثم تقدمت تقول: "فسح كده شوية." "نعم؟! "فسح إتاخر خليني أشوف يمكن أساعدك." ضحك ساخراً ثم قال: "تساعديني... بس يا ماما وروحي اعملي لي قهوة بدل اللي بردت."
سحبت نفس عميق تتفهم إهانته ثم تقدمت تضغط بأناملها تعيد ترتيب الأرقام في بعض الخانات وتعدل خانات أخرى. وكلما فعلت خطوة وصححت نتيجة كانت عينا عاصم تتسع بإنبهار. حتى اطمئن نسبياً وأفسح لها المجال كما طلبت وألتقط قهوته يرتشفها وهو يتابع ما تفعله حتى انتهت من موازنة قسم كامل بنتيجة صحيحة. رفعت رأسها له بفخر تسأل: "همممم... إيه رأيك." "طب ازاي؟!!! قوليلي إزاي؟!! المفروض انك بتاعت قهوة ونسكافيه."
"أنا خريجة تجارة أصلا ولحد قبل ما أجي شركتك بيوم كنت بشتغل في مكتب محاسبة." "وايه اللي يخليكي تشتغلي في البوفيه وأنتي أصلاً شغالة شغلانة أحسن." "لأن شغلانة البوفيه هنا مرتبها أحسن من شغلانة المحاسبة في شركة في شقة صغيرة في وسط البلد... ده كنت بدفع المرتب يادوب مواصلات وقطار." ذم شفتيه يردد: "لأ بس انتي شاطرة بجد." "تشكر... سلام بقا." همت لتتحرك فهتف بلهفة: "خدي يابت استني." "بت أمك يابت ما تلم نفسك."
"تعالي اقعدي هنا كملي الموازنة." "مقابل؟ "أنتي يا بنتي مافيش حاجة بتعمليها لوجه الله." "بجهز قولت لك." "إيه لسه ماجبتيش التلاجة أم حنفية؟! ابتسمت ببلاهة وسعادة حقيقية ترد: "لأ جبتها... تحفة.. تحفة." لكن عادت تعبس من جديد وقالت: "بس محتاجة أجيب اير فرير." "اللي بيقلي من غير زيت ده مش كده." سحب نفس عميق ينظر لها بيأس ثم قال: "هديكي اللي انتي عايزاه بس تعالي نكمل." "ماشي." تقدمت أنجا تسير بمحاذاة الوزير
الأعظم وهي تسأل بإستنكار: "ماذا يعني حديثك؟ "حديثي واضح سيدة أنجا؟ ماذا جرى لكي لقد كنتي مثال للنباهة والفطنة ولا أعلم سبب استنشارك وقد سمعتي الملك وهو يقر بنفسه منع عادات وأد الفتيات في كل القبائل وسن قوانين تحافظ على حقوق المرأة في جميع أنحاء المملكة." جزت على أسنانها بغيظ مرددة: "ظننت أنه حديث مقترح أو مجرد حالة خاصة ستطبق على تلك الفتاة صاحبة الحادث لم أكن أظن أن الأمر قد يصل لسن قوانين...
إنها تلك اللعنة التي حلت علينا منذ قدومها... هي السبب... هي السبب." توقف الوزير وقد تجعد ما بين حاجبيه وسأل بغرابة: "أنا مستغرب وضعك جدا سيدة أنجا، كنت أعتقد أن خبر مثل هذا قد يفرحك لأنه يخص جنسك الناعم." هزت أنجا رأسها بأسى ويأس ثم قالت: "ليست تلك هي المعضلة، الأمر أكبر من ذلك بكثير... إنها كارثة... لن تفهمني.. لن تفهم."
"ومنذ متى وأنتي مفهومة سيدة أنجا.. أنتي لغز كبير صعب حله.. على كل لنا حديث طويل بعد عودتي مع الملك بعد عشرين يوماً إن شاء الله." "ولما كل هذه المدة؟ "زيارات سياسية هامة، الملك منذ شهور لم يذهب في جولة سياسية، ويجب الترتيب لها جيداً." هزت رأسها بتفهم لكن بداخلها قلق كبير جداً لا تعلم سببه. وفي منتصف الليل غادرت طائرة الملك تحمله إلى أول دولة في جدول جلالته.
تأخر الوقت بهما كثيراً لدرجة أن عاصم قد غفى على كرسيه بينما وفاء ما زالت تعمل على الحاسوب وقد أصابها الإجهاد. وحينما لاحظت غفيان عاصم لكزته بقوة توقظه: "إحنا هناااااااام؟! انتفض بهلع: "إيه في إيه؟ "أصحي يا نوغة مش كفاية بعملك شغلك والوقت إتاخر." "ما قولت هدفعلك وكله بتمنه وايه نوغة دي لمي نفسك أنا المدير هنا." رفعت إحدى حاجبيها تقول: "ده قبل ما تبوظ الموازنة وأنا أعدلها لك ولا بعدها؟
حمحم بحرج في الوقت الذي ارتفع فيه صوت هاتفها برقم والدتها فجاوبت: "ألو يا ماما... ألو... مالك يا ماما.. ألو... انغلق الهاتف الاتصال وهي تهرول للخارج وعاصم يسألها: "في إيه؟ "ماما شكلها تعبانة قوي." "طب استني هاجي معاكي أوصلك الوقت إتاخر." في أحد الاستوديوهات جلس محمود مقابل طارق يسأله: "انت هتنزله أمتى؟ "دلوقتي." "دلوقتي إيه احنا الساعة واحدة بالليل مانخليها بكرة."
"ده أحسن وقت في الريتش والناس السهرانه وبعدين مالك يا عم كده جبت ورا ولا إيه." "لأ ذيع... ما خلاص بقا.. كل واحد بقا بيدور على مصلحته خلاص وطالما دايرة مصالح مش هطلع أنا الوحيد الخسران." "تعجبني... هو ده الكلام." بخفة وسرعة ضغط طارق على زر التحميل وبعدها ضغط نشر. ولجت وفاء مندفعة للداخل تصرخ منادية على والدتها تحمل بيدها بخاخ للصدر قد ابتاعته لها وهي في طريق العودة.
ولج خلفها عاصم بنفس السرعة واللهفة ليجدوا سيدة في منتصف الستين من عمرها ملقاة على الأرض في حالة سيئة تلتقط أنفاسها بصعوبة شديدة. لتسرع وفاء مقتربة منها ورفعتها بأحضانه تردد: "ماما ماما أنا جيت اهو وجبت لك البخاخ." جثى عاصم بجوار تلك السيدة يحاول مساعدة وفاء على إسنادها إلى أن نجحت وفتحت فمها تلتقط رزاز البخاخ ليدخل صدرها وتبدأ في التقاط أنفاسها رويداً رويداً. وما إن استفاقت حتى صفقت خد وفاء: "الله؟!!
"ساعة يابنت الجزمة عشان تجيبي لي الدوا." دخل عاصم: "ليه بس كده يا حاجة دي جايه جري عشانك." صفقته هو الآخر على خده: "الله؟!! "وأنت مين انت كمان؟ "أما أنتي ست قليلة الأدب صحيح." ثارت وفاء: "الله الله أنت هتلبخ." "مش شايفة دي ضربتني بالقلم." تدخلت الأم: "واضربك بالبلغة كمان." "هي حصلت يا ست انتي ماتخليش أتعصب." "هتتعصب تعمل إيه مثلاً... ده مين ده يابت ... اااااه."
قالتها وهي تمسكه من ياقة قميصه وتبدأ في مطوحته يميناً ويساراً: "تكونش أنت الولا اللي غاويها ومخليها ترفض العرسان عشانك.. هو ده ياختي؟ فصرخت وفاء معترضة بشدة: "نعم نعم وده مين ده اللي أبص له ليه كنت اتعميت؟ "اتعميتي مين يا كلبة الفلوس انتي.. ماتحسني ملافظك يا بيئة." "كلم بنتي عدل يالااا." "لا ماهي قلة الأدب مافيش أسهل منها." فضربته وفاء بغيظ: "لا بقولك إيه أتكلم مع أمي عدل." خلع عاصم جاكت بدلته وهو يردد بغل:
"لا ده انتو عيلة قليلة الأدب والأدب مش نافع معاكم." بعدها دخل في معركة غير معروفة النتيجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!