مع أذان العشاء عادوا للحارة وعلى رؤسهم الطير. فأكبر من مصيبة الفيديو المسرب مصيبة أكبر، وأن محمود هو صانعه، بل وقد تم الترتيب لكل ذلك. زيدان يجاهد على كبت دموعه، وشداد يشعر بالضياع. فهل عمره الذي أفناه في تربية أولاده قد ذهب سدى؟ كيف ربى ولد بتلك الأخلاق؟ متى انحرف محمود ونسي الأصول وبلا مبدأ؟ حتى أنه بات لا يصون العرض ولا يبالي بالشرف. هل تهاون معه؟ هل قصر؟ كيف ولما؟
خسارة والف خسارة. هو طوال حياته كان سعيد لأنه أنجب أخين سيساند كل منهما الآخر، ولكن ما حدث كان على العكس تماماً. تقدم بخطوات هزيلة، يجلس على الكرسي المتروك أمام باب ورشته. وبقى زيدان لجوارِه يحاول مواراة حزنه وغضبه الشديد، ويظهر بمظهر المبالي. فتحدث بصوت مغاير: -قوم معايا اطلع تريح فوق، احنا من صباحية ربنا واحنا برا وتلاقيك تعبت. لكن شداد لم يجيب.
رفع عينيه ونظر له نظرة متخبطة بين الحزن والاعتذار، وكأنه يعتذر بلا حديث لأنه لم ينجب له الشقيق الجيد الذي يقف لجواره، بل أنجب أخ نهش في لحم أخيه حيًا، ولم يكتفِ بل سمح للناس بالنهش فيه معه وعلى العلن. زيدان كان متفهمًا نظرات والده ومحتواها، رغم الغضب الناشب بداخله. فربت على كتفه وردد بابتسامة باهتة: -قوم معايا يلا يا حاج خليك ترتاح. مد كفه لشداد، فبادله شداد ووقف بجواره متقدمًا: -مش طالع البيت.
-يا حاج بالله عليك تريحني. -لازم نروح لمراتك الأول نطمنها. زغرد قلبه من وقع كلمة "مراتك" العائد على حورية حيهم، وأنها لازالت تدعى امرأته وتنتسب له. فيما أكمل شداد: -لازم نطمنها إن كل حاجة بقت تمام وتعرف إنها متجوزة دكر وفي حمايته وماحدش يقدر يهوب نواحيها طول ما هو عايش عشان تفضل كبيرة في نظرها العمر كله. على الله كل ده يهديها هي والولية حماتك عن الي الخناقة والي حصل قبلها.
ردت الدموية في وجه زيدان بمجرد الفكرة. هناك فرصة لإصلاح الأمور ولو قليلاً بعدما سدت في وجهه كل النوافذ مع حورية وأمها، وسيحيى على أمل. لكن توقف شداد بانتباه مرددًا: -احنا نطلع ناخدهم في دكة ونبلفهم بكلمتين ونقول إنها لازم ترجع معاك بيتكم عشان نخرس الناس ونلم الموضوع. إيه رأيك؟ تهلل وجه زيدان ورد بفرحة بيّنة: -عين العقل يا با. يسلم عقلك. ضحك شداد بعد عبوس وقهر وهو يرى تحول ملامح ابنه والفرحة الصارخة بعينيه،
فضرب على صدره يلكزه بمكر: -جرى إيه امسك نفسك مش كده. حمحم زيدان يلملم طرفي ياقة قميصه وردد: -أنا عامل على الفضيحة مش أكتر. -مانا واخد بالي. تعالى ورايا تعالى. فسار خلفه بالفعل وقلبه يرقص طربًا، فما عاد بينه وبين حوريته سوى بضع دقائق، وبعدها لن ينجدها أحد من بين يديه. هو يقسم وينوي على ذلك. ***
تأهبت الحاشية وجميع العاملين بالقصر الذي ينزل فيه راموس بلندن. الكل يحزم أمتعته، لقد انتهت الزيارة وأتت بثمارها وعليهم الآن الرحيل للمغرب. بعد القليل من الدقائق المحسوبة، كان الملك يجلس بهيبته في طائرته الملكية متجهًا للرباط. الكل مشغول بالتجهيز للزيارة والمراد من ورائها، يجلسون في حلقة متجمعين يفكرون كيف سينجحون في تغيير تفكير جلالته وإقناعه بالذهاب للقاهرة.
بينما جلس راموس ممددًا على كرسيه يغمض عينيه يحاول نيل قسط من الراحة، يهرب من الضغوطات والمقابلات والخطط. وعبثًا كان التفكير فيها. وتخيلها وهي بأحضانه لهو متنفسه الوحيد، يعيش معها أحلام اليقظة. أطبق جفنيه بغضب، فكم كان ذلك مهينًا له ولشخصه ولمكانته. عاطفته تصارع عقله؛ إنه يشتاق لتلك الخائنة. كم ود لو أدخل أصابعه يغلغلها داخل عقله فيتنزعها وينزع ذكراها وطيفها من مخيلته.
مد أصابعه يمسد المنطقة أعلى أنفه وما بين عينيه، وهو يتذكر أنه لا يمتلك ولا صورة لها. فتنهد بحزن واستسلم لأحلامه المخله بالأدب معها. *** -خيييير. تفوهت بها فوزية بنزق وهي تجلس مقابل شداد وابنه. فنظر لها شداد بضيق، بينما زيدان يبحث بعينيه عن جميلته التي اشتاقها بجنون وهي تحرمه الوصل والنظرة. سحب شداد نفسًا عميقًا يدعو الله أن يلهمه الصبر وطول البال على تلك السيدة، وأردف بحذر:
-كل خير يا ستي فوزية. زيدان جاي يقولك إنه وعد ووفى. كل الصفحات الي نزلت الفيديو ده شالته، وكلها كام ساعة ويتحذف من الموقع الكبير ده اللي اسمه جوجل. رمقتهم فوزية بعدم رضا، ثم تفوهت برفعة: -والله. طب كويس إنكم عرفتوا تصلحوا غلطتكم الكبيرة.
تجهم وجه كليهما. هذه المرأة صعبة للغاية، فهي تتعمد تسمية الأشياء بمسمياتها الصحيحة وتضع النقاط فوق الأحرف، تعلمهم أن ما قاموا به ليس بتفضّل أو عمل بطولي، هما فقط أصلحا ما افتضحوه من أفعال ولا فضل عليهما. وفي ظل ذلك الصمت، تسلل الشعور بالخطر لقلب زيدان، وكالعادة بدأ في فقدان أعصابه. فيما أجلّى شداد حنجرته متحدثًا: -حمم. وماله يا ستي أدم أنتي شيفاه كده. -وهو له اسم غير كده يا حاج ولا أكونش بتبلى عليك أنت وعيالك.
زم شداد شفتيه. لا يملك حق الجدال، وزيدان يشعر بتسرب الأمل من بين كفيه، فهو قد منى نفسه أنه لن يخرج من ذلك البيت إلا وزوجته بيده ويعود بها لعشهم، يعلمها أصول وقواعد المتزوجين حتى الصباح. عض شداد باطن فمه بغضب يحاول لجمه، وقال بعدما اخشوشن صوته: -ماشي يا ستي فوزية، بس احنا مش جايين عشان كده وبس، احنا من الآخر كده جايين عشان نلم باقي الليلة. اعتدلت فوزية في جلستها وكأنها تتأهب متحفزة للرد عليه:
-ليلة إيه بقا اللي تتلم، لا مؤاخذة؟ -النوش اللي حصل ده لازم نلمه. -الله، مش قلت إنكم مسحتوا كل حاجة خلاص؟ -أيوه، بس لازم نخرس لسان الناس. -آه. ودي تتخرس إزاي بقا؟ كور زيدان قبضة يده يحاول كظم غيظه من تلاعب تلك السيدة بهم وبرودها معهم، بينما شداد يردد من بين أسنانه (اللهم طولك يا روح) ثم صرح: -بأن حورية لازم ترجع معانا على بيت جوزها. -جوزها اللي هو مين، ما علش؟
-ما جرى إيه بقا يا ستي فرزية، مش كده أمّال. قولنا لك عايزين نلم الليلة. عادت فوزية بظهرها للخلف تتكئ بذراعيها على مساند الكرسي، ثم قالت بترفع: -لا يا حاج، الليلة دي احنا مش هنلمها. تؤ. احنا هنفضها. هب زيدان من جلسته ملسوعًا وهتف بتعصب: -فضها إزاي بقولك إيه يا حاجة؟ أنا كل ده ساكت وبقول ست كبيرة واعتبرها زي أمك، لكن تيجي لحد كده ولا...
حورية مراتي وهتفضل مراتي وأنا مش متنازل عن حقي فيها. مش زيدان شداد اللي مراته تتخد منه أو تتطلق بالغصب. ضحكت فوزية ساخرة وقالت: -هيهي. ضحكتني وأنا ماليش نفس. -أنا مش هطلق يا حاجة، ولو السما انطبقت على الأرض. -أنت طلقت واللي كان كان يا عين أمك، ولا كنت شارب حاجة ساعتها. -أنتي هتجيبي سيرة أمي؟ لجمتهم اثنينهم وجلست تناظرهما من علو. فتدخل شداد:
-يا ستي فوزية الكلام أخد وعطا. عيب تكلمينا كده واحنا ضيوفك، وبعدين خلي خلافاتنا دي على جنب دلوقتي، احنا في حكاية وعايزين نلمها. بقولك عشان نسكت الناس. وقفت فوزية تردد بصوت عصبي وقد تخلى عنها برودها المستحدث:
-هو أنت كل يوم والتاني هتيجي تبلفني بنفس الكلمتين دول ونفس الحجة، وأنا أتساق وراك أنت وعيالك. كل ما تغلب تيجي تقولي عايزين نلم الليلة عشان كلام الناس، وأنا زي الهاطلة أمشي وراك وأعمل اللي على هواك أنت وعيالك، وطظ بقا في أي حد تاني مش كده. بقولك إيه يا حاج شداد ومن الآخر كده، أنا غلط والجوازة دي كانت غلطة، ما كانش يصح أبدًا نجوز واحدة لأخو خطيبها. إحنا عشان نغطي على غلطة عملنا غلطة تانية أكبر. إيه اللي كان هيحصل يعني، كانت الناس هتتكلم شوية وتسكت، لكن ادينا مشينا ورا كلام الناس. إزاي الحال دلوقتي؟
صمت شداد بعجز. هي محقة بكل ما قالته. وما كان صمت شداد إلا موافقة ضمنية على كلامها، مما هز زيدان داخليًا وأشعره بالخطر. فوقف يسأل باستعجان وترقب: -يعني إيه الكلام ده؟ أنا عايز أفهم. ومالك سكت كده يا حاج كأنك موافق. لم يتلق ردًا، فزاد غضبه وعلى صوته: -ماحد يرد عليا. خلاص يعني حكمتوا إن الجوازة دي كانت غلطة وخلص الموضوع يعني ولا إيه؟ مش فاهم؟ ومع صوته العالي هتفت فوزية: -شايف ابنك يا حاج وعمايله. أهو ده من ضمن...
جه بردك من يومين زعق وقل أدبه، ولا أكمننا يعني ولايا من غير راجل يقف له؟ هي دي الأصول يا حاج؟ فصاح زيدان وقد فقد صبره وباله: -هو زيدان ده إيه؟ صلصال ولا لعبة في أيديكم؟ اتجوز يا زيدان. لأ، لا، إحنا كنا غلطانين في اللي عملناه. أنت هترجع تطلق يا زيدان. إيه؟ هو أنا على كيفكم؟ -ده هيعملنا فيها ضحية يا ابني يا حبيبي. أنت اللي سابق ومطلق. ماتستعبطش، عملت إيه لبنتي عشان تلاقيك مطلقها كده من الباب للطاق؟
-يا ستي كانت ساعة غضب وعصبية. الشيطان عمى عنيا. وعشان كده الشرع حلل إني أردها. في إيه بقا. سدت فوزية باب النقاش وقالت موجهة الحديث لوالدتها: -حاج شداد، أنا كلامي خلص. فوقف شداد يقول لابنه: -يلا بينا دلوقتي يا زيدان. -هو إيه اللي يلا؟ أنا مش ماشي من غير حورية. -يا ابني كل شيء بالخناق إلا الجواز بالاتفاق. صمت زيدان عاجزًا عن الرد، إلا أنه سحب نفسًا عميقًا ثم قال: -حلو. وأنا مش متجوز الحاجة فوزية. -يعني إيه بقا؟
-يعني صاحبة الشأن هي اللي تقرر. بقي يناظر فوزية بقوة، رغم أن بداخله خوف كبير. فقد تمسك بآخر أمل وهو غير واثق في رأيها تجاهه. يتذكر بداية علاقتهما وكيف كانت تخاف منه، ثم ما فعله لاحقًا، ختامًا بتطليقه لها بتلك الطريقة التي فهم مؤخرًا أنها كانت مهينة، وهو قد فعلها ظنًا منه أنه هكذا يعطيها حرية الاختيار. فنادت فوزية على ابنتها التي خرجت عليهم بأعين مغرورقة بالدموع. على ما يبدو أنها كانت تستمع لما يدور.
لحظة توق وشوق مرت على كلاهما وهما يتطلعان لبعضهما. هو يعترف ويعرف أنه قد اشتاق لها، لكن حورية لم تسعها الفرصة لتسأل نفسها هل اشتاقت له؟ هل تريد الانفصال فعليًا؟ فقد مرت الأحداث تباعًا ولم تختلِ بنفسها كثيرًا، وربما حانت لحظة المواجهة مع النفس. بقت عيناه مثبتة عليها بشغف وشوق. رؤيتها تريح وتطيب نفسه. حورية جميلة جمال مريح للعين. هو يعدها نصيبه الحلو. فهل ستظل نصيبه؟
مصيره معلق الآن بكلمة منها، وقد شرح لها شداد الموقف برمته لتعرف أن الحل والعقد بكمله منها الآن بعدما حلت المشكلة الأخيرة وتم مسح جميع المقاطع التسجيلية المصورة. فوقفت حورية متخبطة والصمت هو سيد الموقف، لكنها كانت تتحاشى النظر له وهو يطالعها بإلحاح كأنه يردد (انظري لي) . ربما لعلمه أنه بات يملك تأثيرًا عليها أو يرجو ذلك.
والنظرة له كان لها مردود قوي هزها. ليتها لم تفعل، فقد أيقنت أنه يملك تأثيرًا عليها وكبير، ليس بما يمكن تجاهله. أحيانًا النظرات تخضع، فنظرتها الخاطفة له ثم إشاحتها السريعة لعينيها عنه هزت قلبه وأوقعته بين قدميه. تفسيره الوحيد أن ما حدث ما هو إلا رفض صريح. والخوف حينما يتلبس البعض يحول أفعاله لمالا يمكن توقعه أو تخيله.
تحدث شداد بتروٍ. خبرته وسيطرته على أعصابه. رأت القبول في عيني الفتاة، هي فقط تحتاج المهاودة والصبر. فقال بتروٍ: -بصي يا بنتي، هو يا إمساك بمعروف يا تسريح بإحسان. وزيدان ابني صحيح، لكن أنتي بردو بنتي والجواز ما فيهوش غصب. شوفي لو عايزة تكملي ياريت، مش عايزة خلاص أمر الله. وأنا اللي هطلقك منه كمان. فاندفع زيدان في الحديث بعدما انتفض واقفًا: -هو إيه اللي الجواز ما فيهوش غصب؟
لا، هو غصب، وإحنا بقا جوازنا جواز مسيحيين ما فيهوش طلاق. فوقف شداد بسرعة يضع يده على فم ابنه المتهور، يحبس باقي تصريحاته العنترية في جوفه، ثم ردد بكياسة: -شوفتي حتى زيدان موافق على كلامي. مافيش غصب. مش عايزك لا تخافي ولا تقلقي وخدي قرارك براحتك. مش كده يا زيدان؟ هز زيدان رأسه برفض وهم بالحديث الناري، لكن حرمه والده الفرصة وهو ينسحب، بينما يزيحه بقوة كي يتحرك:
-زيدان كمان موافق. يلا بالأذن إحنا بقا، وإن شاء الله الرد يكون خير. سلام عليكم. *** استقبال مهيب يتلوه عدة مقابلات واجتماعات خاصة، كلها أنهكت الملك الذي وصل للتو غرفته الخاصة، يقف في شرفتها يحاول سحب نفس عميق. ويبتسم. خدعة نفسية يحاول خداع نفسه بها. يتظاهر أنه توقف عن التفكير فيها. يكفي أنها خانته. صك أسنانه. فها هو يفكر فيها، وها هو من جديد يعترف لنفسه بأنها خانته يعني أنها تعنيه ولم تكن مجرد جارية. تباً لها.
نفض عن رأسه التفكير ونظر خلفه حيث رأى مساعده الشخصي قد غفى على كرسيه من شدة التعب وهو يعمل بجهاز اللابتوب. فدلف داخل الغرفة ليأخذه من على قدميه، ثم عاد للشرفة يجلس على أريكة مريحة تطل على الحديقة الغناء، وبدأ بتصفح الجهاز. ظل هكذا قرابة الربع ساعة، يده تقلب بلا اهتمام الأخبار والمقاطع التسجيلية المنتشرة. إلى أن توقفت يداه عن التقليب وجعد ما بين حاجبيه مستغربًا، ثم اتسعت عيناه وهو يدرك حقيقة ما يرى. ***
في مطار القاهرة، وصلت طائرة منسية تقل أفرادًا منسيين من مديرهم ومن الجميع. كانوا ينظرون لبعضهم بقلق ورعب. تكاليف باهظة وميزانية رهيبة، وفي النهاية عادوا بكفي حنين. لكن غضبهم ونظراتهم جميعًا منصبه على "منه". هي من ظنت نفسها ريسة ويمكنها قيادة مهمة كبيرة كالتي ذهبوا إليها. وقفوا في صالة المطار لاستلام الحقائب وهم يتبادلون النظرات، إلى أن سألت إحداهن برعب:
-هنجيب كل حاجة على دماغ ست الريسة. مش هي دي الحقيقة. إحنا يادوب بننفذ تعليماتها ورؤيتها، وإلا هنبقى خالفنا الأوامر. البت دي لازم تلبس أسود، وإلا كلنا هنشيل الطين. ليتقدم آخر ويقول: -عمالين أنتوا تفكروا في حاجات تفاهة وناسيين المصيبة الكبيرة. -إيه؟ -إحنا راجعين ناقصين. رنا مش معانا. هنقولهم إيه؟ -بردو دي مسؤولية منه مش مسؤوليتنا. والنبي كل واحد بقا يشيل شيلته.
كل ذلك يحدث تحت أنظار منه التي تتابع كل ما يجري منهم وتلاحظ همسهم، ترى الغدر وتبييت النية في عينهم، ولكنها كذلك تنوي لهم إن فعلوا فعلت. *** عاد زيدان مع والده ودقا الباب لتهرول رشا سريعًا وهي على علم بأنه الطارق. توقف فردوس من تقدمها البطيء: -خليكي أنتي يا طنط عشان رجلك. أنا هفتح. -الله يباركلك يا بنتي. أنا والنبي رجلي مش شيلاني.
فتحت الباب لتتسع ابتسامتها وهي تبصر أمارات الخذلان والإرهاق على ملامحه التي باتت تراها وسيمة، لتتأكد أن الأوضاع في سوء مستمر بينه وبين حورية. دلف بعد والده الذي ألقى السلام بتعب وهم، فيما جلس زيدان على أول كرسي بصمت تام. فقالت فردوس: -طمنوني عملتوا إيه. -عرفنا نحذف الفيديوهات بس ما عرفناش نرجع حورية. تهلل وجه رشا، بينما هتفت فردوس بحزن: -ليه بس؟ -أمها. ست صعبة وشديدة. دي خدتنا غسيل ومكوة.
-ما كنتش عارف تلين دماغها بكلمتين يا شداد يعني. خلي بالك فوزية من الجيل القديم اللي الطلاق عنده زي الموت. -دي ولية صعبة. صعبة ولسانها معاها ومتبري منها. -طب... كادت أن تكمل حديثها لولا جرس الباب. فهمت لتقف وتفتحه، لكن من جديد أسرعت رشا تردد بحنو مستحدث: -خليكي يا حبيبتي عشان رجلك. ذهبت لفتح الباب، بينما شداد يتابعها بعينه وهو يسأل زوجته مستعجبًا: -هي رشا بتعمل إيه هنا؟
-بنت حلال وفيها الخير والله جت تساعدني. عارفة إن الزعل بيأثر على رجلي. -يا سلاااام. وماله. بتلك اللحظة كانت رشا قد فتحت الباب لتبصر والدتها أمامها تناظرها بغضب شديد، ثم قالت: -سلام عليكم يا جماعة. فردت فردوس: -وعليكم السلام. تعالي يا أختي اتفضلي، خطوة عزيزة. -يعز مقدارك يا حبيبتي. أنا جيت أنادي رشا أصلها اتأخرت واحنا عندنا مشوار. قالت جملتها الأخيرة وهي تناظر ابنتها بنظرات تردي الحي قتيلاً، لكن رشا سألت بوقاحة:
-مشوار إيه؟ -مشوار مهم، يلا قدامي. سلام إحنا بقا يا جماعة. همت فردوس ترد متشكره: -الله يسلمك يا حبيبتي وشكراً يا رشا. عملت الحوض والرز مكاني، ربنا يكرمها. نظرت تحية لأبنتها وهمست بغل: -والله. من امتى الشطارة دي. ثم رفعت صوتها تردد السلام من جديد وسحبت ابنتها بغضب ورحلت. تشيعهم نظرات شداد إلى أن عاودت فردوس طرح الأسئلة من جديد. ***
ظل يعيد تشغيل المقطع المصور، لا يفهم ولا يدري ماذا يرى، لكنه متأكد أنها هي. والله هي. قبطيته الملعونة. أنفاسه أصبحت عميقة طويلة وتمهيداته عالية تهد الحيل. الآن فقط أدرك لأي درجة قد اشتاق لها. عيناه لمعت. سرحت بحنان وشوق. طوق لها ولمستها له. يتذكر لحظاتهم سويا. عادت عيناه تتتبع الفيديو وبدأ يحاول فهم ما يدور. والآن فقط خطر بباله السؤال الأول بالطرح: أين هي ومن هؤلاء وماذا تفعل بينهم؟ أهذه برازيليا أم ماذا؟
وأين الطبيب عشيقها. تباً له ولها. هب من مجلسه وتحرك ناحية مستشاره الخاص يوقظه ويأمره بتتبع الأمر، وقد أبلغه أنه في غضون ساعة لا أكثر عليه أن يعود له بالخبر اليقين. *** جلسة عائلية بامتياز ضمت كل من فوزية وابنتها بشقة فوقية، ورنا بعد العشاء وجلسن يتابعن مسلسلهن المفضل. إلى أن جاء فاصل إعلاني مطول فانخرطتتا الشقيقتان في الحديث، وبالطبع الحدث الأهم والمستولي على كل الاهتمام حاليًا هو خلافهم مع منزل شداد.
وبين وجهة النظر وعكسها، كانت حورية تتابع بصمت حزين. والآن فقط سألت نفسها سؤال واحد وهو المهم: هل تريد العودة لزيدان أم لا؟ وانحرفت بعقلها تفكر، هل كانت ستعجب في يوم بالأيام بزيدان لو لم يحدث ما حدث؟ لو لم يكن شقيق محمود؟ الإجابة أنها ما كانت تنتبه له رغم القلق الذي يصنعه في الحي بسبب طباعه الحادة وعصبيته المبالغ فيها. هي بالفعل كانت تخف منه. لحظة... هل صرحت بأنها كانت؟! ... كانت ولم تعد؟!
بللت شفتيها وهي تستشعر ولادة بسمة جميلة على شفتيها مع تسرب شعور لذيذ بداخلها، بينما تتذكر أنه كان لينًا ولطيفًا جدًا معها، بل كانت تشعر أحيانًا أنه يستجدي إعجابها، يحاول أن يخبرها بأنه ليس عصبيًا أو صعبًا كما يشاع عنه، كأنه كان يقول لها: أنا جيد، أرجو أن تتقبليني. لكن لما طلقها؟ لما فعل ذلك وبدون حتى أخذ رأيها؟ أوليس ذلك من حقها هي الأخرى؟
هو من تخلى عنها، لا مبرر لما فعله. ما فعله زيدان زاد الطين بلة وأوسع الجرح الغائر الذي تسبب فيه محمود يوم تركها بفستان الزفاف. تصرف زيدان كان وكأنه أزال القشرة التي تكونت فوق الجرح عنوة وتركها تنزف. عزز لديها الشعور بالدونية وعدم الاستحقاق، وأنها لا تستحق سوى الهجر والترك.
مازالت تتذكر لهفته عليها البائنة في عينيه كالشمس في السماء، لكنها غير مبررة ما فعله بها. لقد أدمى قلبها وسبب لها صدمة نفسية كبيرة ما كانت ستستشعرها بعد ترك محمود لها ليلة الزفاف. تخلي زيدان عنها كان أهوج، مجحف وبلا سبب. يخبرها أنها لا تستحق أن يتمسك بها أحد، هي معرضة للتخلي في أي وقت. وانتبهت على صوت خالتها تقول:
-خلاص بقا يا فوزية، صلي على النبي. البيوت ياما بيحصل فيها. سيب الجدع يرجع مراته، بلاش تركبي دماغك وبطلي عند. بادلتها فوزية النظر بتردد مابين الرفض والاستجابة، وكادت أن تسأل حورية رأيها. لكن حورية قطعت عليها الفرصة ووقفت مقررة: -أنا هرجع شقتنا، عايزة أنام بدري وأرجع تاني أروح شغلي. تصبحوا على خير. خرجت سريعًا لا تريد الحديث. هي بالأصل مذبذبة ومتوترة. تنهدت فوقية تردد:
-هربت عشان مانفتحش معاها السيرة. البت دي استوت ياحبة عيني ومابتلحقش تفرح. تنهدت بحزن وأكملت: -آآآه. قال على رأي المثل: رايح فين يا حظ؟ رايح لعفانتهم. طب والحلوين يا حظ؟ قال كفاية عليهم حلاوتهم. بتلك الأثناء كانت رنا تجلس تستمع وتتابع بصمت. على غير العادة كانت لا تمتلك رأيًا بتلك القصة. لقد تغيرت رنا تمامًا. فرنا القديمة كانت صاحبة رأي وشخصية، مقدامة ومبادرة، هي الفعل دومًا ولم تكن يومًا رد فعل.
على عكس تلك الساهمة الصامتة التي تجلس الآن. تتمنى أنها يكن كل ما هي به الآن لهو مجرد شعور ما بعد الصدمة، وأنها فترة وستطيب وتعود لسابق عهدها. أغمضت عينيها تجاهد ألا تبكي. هي تشعر أنها حطمت من الداخل. وبلحظة انقطع الفاصل الإعلاني بنشرة إخبارية، تعاقبت فيها الأخبار داخل مصر ثم أخبار من حول العالم، لتتجمد وتشعر بالبرودة تجتاحها، بينما يعرض أمامها زيارة رسمية من ملك جزر الذهب للمغرب.
إنه هو. لحظة وكأنها طارت من على كنبة بيتهم القديمة وعادت هناك تتذكره وتتذكر أيامه. كيف كان يلمسها، كيف كان يتحكم فيها. تذكرت كذلك مناداته لها بصغيرتي، والاهتمام الذي خصها به وحدها. سحبت نفسًا عاليًا بتعب، وقد داهمتها المواقف من كل ناحية، كأن الذكريات تتوافد على عقلها بصورتها معه في كل الأوضاع… وهو يحاول معها… وهو يعبث بجسدها كأنها لعبة يمتلكها. كيف كان يعتصر نهديها ومؤخرتها. إن الشعور بالعار يكتنفها حد الاختناق.
تتذكر كيف كانت تعامل معاملة العبيد. هم بالفعل عدوها عبدة لديهم لمجرد أن قدميها قد وطأت أرض مملكتهم. كيف شُنقت. كيف سيقت لطبية الإعدام وكانت ستموت دون أن يدري بها أحد. رفعت عينيها لتبصره على شاشة التلفزيون، بينما يرفع النشيد الوطني لمملكته وهو ينظر للشاشة ويبتسم. فبدا وكأنه يبتسم لها.
أغمضت عينيها تقطعها اللمحات وهي تمر على عينها سريعًا، كأنها حدثت من لحظات، بل إنها تستشعر عسرة مؤخرتها بيده الغليظة الآن. وختام الذكرى كان بحديث الطبيب وهو يخترق أذنيها. الآن فقط أيقنت، هي تبغضه كما لم تبغض أحد من قبل ولا ترغب برؤية وجهه أبدًا. بحركة لا إرادية نظرت للشاشة. تباً، إنه يبتسم. لعنه الله. فأغلقت الهاتف وفرت تهرول ناحية غرفتها. ***
صباح يوم جديد. استيقظت تتمطى بخمول، فهي طوال الليل قد جافاها النوم من شدة خنقها وهي تتذكر الملك ولياليه. فتحت عينيها تتمنى لو فعليًا تفقد الذاكرة لتتوقف عن تذكر ما حدث هناك. هييييييييييشهقت، تنتفض برعب وهي تجد نفسها وجهًا لوجه بمواجهة راموس الذي يشرف عليها بجسده العريض العاري، يتابعها بشغف يأكلها بعينيه. سحقًا. إنه هو؟! كيف… انتبهت على صوته يردد بشوق وصوت أجش: -اشتقت لكِ يا صغيرتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!