أعادت تشغيل المقطع التسجيلي للمرة الخمسين. ليس بخاطرها بل لأنه منتشر على كل منصات التواصل الإجتماعي، والجميع يتحدث عنه. لا تعلم كيف ولما قد ينتشر موقف مثل ذلك ولا لما قد يتداوله الناس. اكتنفتها الصدمة وتملكت منها. لم تكن تشعر بوالدتها التي استيقظت على صوت الأذان كي تؤدي صلاتها، وأخذت تتحرك بخمول. "أصبحنا وأصبح الملك لله... رنا أنتي صاحية؟ أقتربت من رنا المبهوته تردد: "صحتك عاملة إيه دلوقتي...
عايزة أتكلم معاكي شوية وتحكيلي إيه اللي حصل في سفرتك الأخيرة دي وليه ماكنتيش بتتصلي بينا؟ أنا قلبي كان متوجع عليكي جامد... الله... ما تردي عليا يابنتي مالك متنحة في إيه كده؟ أنا أمك ولازم أطمن عليكي وأعرف إيه اللي بيحصل معاكي." رفعت رنا عيناها المتسعة لفوزية التي سألت: "في إيه يابت... فيه إيه؟ الموبايل ده؟ ناولتها رنا الهاتف لتشهق فوزية بصدمة وهي ترى حورية تقف بين زيدان ومحمود، والاثنين يتعاركان عليها.
لم ينهي احتكام العراك سوى ظهور رنا مع شاب وفتاة تساندها، ثم سقوطها مغشياً عليها. فينتهي المقطع المصور بنهاية شيقة للغاية زادت من حدة التفاعل عليه وتداوله. الكل يسأل: ما هي قصة تلك الفتاة بين الأخين؟ وما وضعها؟ والبعض مهتم يسأل بفضول: ماذا حدث للفتاة بعدما أُغمي عليها؟ وما علاقتها بتلك المشكلة؟ لطمت فوزية خدها، لا يردد لسانها سوى: "يانهار أبيض... اتفضحنا... اتفضحنا." ***
تقريباً كان مغيباً وقد غادره عقله، وعلى ما يبدو أنه قد عاد له للتو وأدرك فداحة ما فعل. فلم يجد أمامه كالعادة سوى صديقه المتنمر "صالح". فذهب حيث اعتادا الجلوس بالمقهى في الشارع الرئيسي المجاورة، وكان الفجر على وشك البلوغ. فتقدم بتردد كي يجلس بجوار صالح الذي لمحه بطرف عينه، ولكن استمر في تدخين أرجيلته ببرود وثبات. مرت دقيقة فأخرى وصالح مفعل وضع البرود الشديد، مما فعل لدى زيدان وضع الثور الهائج. فاندفع في الحديث كعادته:
"إنت يا بهيم إنت... هتفضل ساكت كده كتير؟ وضع صالح مبسم أرجيلته جانباً ثم قال بتمثيل متقن للسخرية: "إيه ده صالح ابن عم شداد... عاش من شافك ياراجل... إنت قاعد هنا من إمتى؟ "بقالي ساعة قاعد يا بيه." "ياراجل ولا خدت بالي منك." وضع مبسم الأرجيلة في فمه وأكمل ببرود يسبب الجلطة: "بس شميت ريحة شياط." سبه نابية خرجت من فم زيدان، فرفع صالح عيناه له وقال: "اغلط... اغلط يا محترم... أنا مش هرد عليك عشان أنا ابن ناس." مسح
زيدان وجهه بكفه ثم قال: "ماتبطل برود بقا يا صالح، أنا واقع في مشكلة وانتو كل واحد فيكم واقف يتفرج عليا. أبويا وأمي من ناحية وانت من ناحية، عيب عليك والله، هو إنت لو عندك مشكلة كنت هقف أتفرج عليك كده يعني." نحى صالح مبسم الأرجيلة عن فمه وتحدث ساخراً: "تصدق قطعت قلبي... دلوقتي عايزنا نقف جنبك؟ هو مش إنت يابني اللي أنا لساني طلع فيه شعرة وأنا عماله أكلمه وأقنعه وأقوله خدها بالحنية وواحدة واحدة...
وضعكم مختلف مش زي أي اتنين متجوزين، وإنت ما شاء الله عليك... طربوش... كل يوم والتاني خناق وصوت عالي وعمال تخنق فيها، وآخرة المصيبة روحت مطلقها؟ عايزنا نعملك إيه... عايز الكل يقعد يتحايل عليك مثلاً... بتطلقها؟! ومرة واحدة كده... ده على أساس أن حكايتكم كانت ماشية زي السكينة في الحلاوة؟! كانت ناقصة تعقيد يعني... طب أديك غفلتها... شوف بقا هتحلها إزاي يا خفيف وهتفسر وتبرر تطليقك ليها إزاي." حمحم زيدان بحرج
وهو يحك عنقه بينما يقول: "ماهو... اعتدل صالح في جلسته وسأله بترقب: "ماهو إيه؟ "أصل أنا غفلتها بزيادة أكتر." "عملت إيه تاني الله يخربيتك؟ "روحت النهارده وعليت صوتي وصوتي علي على أمها وبصراحة... "هاااا... "طينت الدنيا." "على أساس أنها كانت ناقصة؟ حرام عليك... يا أخي حرام عليك... إنت قولت ماينفعش تتقفل كده... لازم قافلة تليق بيك ويكون عليها ختم زيدان شداد... قمت ماسك في خناق أمها." "يوووه... أهو اللي حصل بقا...
أتفضل قولي حل." "حل؟! ده ولا الأمم المتحدة تسلك في الموضوع ده... استغفر الله العظيم." تنهد صالح يفكر لثواني ثم قال: "بص... إنت تهدى عليهم يومين كده وتخف شوية، ساعتها هيحسوا إنهم كانوا كلمتين ساعة عصبية، ويمكن ده يهديهم عليك شوية، وبعدها بيومين تانيين آخدك ونروح لهم نطيب خاطرهم بكلمتين ونفتح معاهم الموضوع وربك يسهل." "تفتكر؟ "ماعرفش... بس أهي محاولة... بس أبوس إيدك يا شيخ... وحياة راس أبوك ما تتصرف من دماغك تاني."
"ماشي." ظهرت على وجهه علامات الاقتناع والإذعان، فجلس بصمت بجوار صالح الذي عاود تدخين أرجيلته وفتح موضوع آخر يخص العمل للتحدث فيه مع صديقه. ولم تمر ربع ساعة إلا ولاحظ الضيق على وجه زيدان المنشغل بالهاتف، فسأله: "مالك في إيه؟ "الهانم بتتصل بيها مش بترد عليا... قسماً بالله لأربيها." نظر له صالح بصدمة ويأس ثم وقف يشهر مبسم أرجيلته عليه: "قوم ياض من هنا يالا... قوم... ده إنت حالتك ميؤوس منها... قوم يالا امشي." ***
تقلبت وفاء على سريرها بخمول، ورنين هاتفها المتواصل لا يرحمها، إلى أن قررت الرد وتلقين المتصل اللزج درساً قاسياً. وفتحت الهاتف بالفعل تنوي ذلك مرددة: "إيه في إيه مين؟ "مش حضرتك اللي جيتي مع مريض امبارح بالليل وسبتيه؟ ارتبكت وفاء ولكن ردت بتردد: "أيوه هو في حاجة... يالهوي لا يكون مات." "لأ هو فاق بس حضرتك لازم تيجي تستلميه." "أستلم إيه وأنا مالي، وبعدين انتو جبتو رقمي منين؟
"مش ده رقم الكاش اللي بعتي منه الفلوس امبارح." ضربت وفاء جبهتها تشعر بالغباء. كيف نست تلك الثغرة؟ لكنها فاقت متسعة العين على صوت الطرف الآخر: "حضرتك معايا... انتي لازم تيجي تستلمي المريض وتدفعي باقي الحساب." انتفضت وفاء تهتف: "نعم... أستلموا وأدفع... الاتنين... ياسلام ومين بقا قال إني هعمل كده؟ مش جايه... انسى." "براحتك ماتجيش، خليه عندنا وحساب المستشفى يعد عليكي، وانتِ كده كده جايه جايه عشان محضر النيابة." "إيه؟!
"امال انتي فكراها سايبة... مش في واحد اتخبط على رأسه... يعني لازم محضر طالما دخل مستشفى وهما يشوفوا بقا أي القصة مش جايز تكون شروع في قتل." نزل الهاتف من يد وفاء رويداً وهي تردد بذعر وضياع: "يانهار مش فايت." *** يمشي في الحي بتعب وإرهاق يفكر ما الحل، ولكنه يلاحظ نظرات الناس منصبه عليه. البعض يضرب كفاً بأخرى، والبعض منهم يمص شفتيه بتعجب شديد. كان يراقب كل ذلك بجهل تام، يسأل نفسه هل وصل لكل هؤلاء قصة عراكه مع حماته؟!
لم يبالي بأمرهم كثيراً وذهب باتجاه البيت كي يتناول طعام الإفطار مع والديه ويتناقش معهم، لربما يصلوا لحل سوياً فيما فعل. دلف للبيت وجد السكون يخيم عليه، رغم جلوس والديه بصالة الشقة في صمت مطبق ومريب. ينظران له بصمت مقلق. فردد: "السلام عليكم." ولكن لا رد. "صباح الخير." لا رد أيضاً. فقط نظرات صدمة، ووالده يحمل هاتفه الجوال بفراغ، وهم. فردد: "هو في إيه؟ أه أكيد عرفتوا اللي حصل...
بصوا أنا مش عارف عملت كده إزاي ولا ليه علّيت عليهم صوتي وزعقت وهللت، بس أنا خلاص قربت أتجنن وأمها عصبتني بصراحة." أقترب منهما وقال: "انتوا مش بتردوا عليا ليه؟ رفع شداد وجهه المبهوت وقال: "أرد أقول إيه... إحنا اتفضحنا." جعد زيدان جبهته بجهل وسأل: "كل ده عشان اتخانقت مع أمها؟ بقولك هي اللي... قاطع شداد استرساله للكلام وأعطاه الهاتف مشغلاً المقطع المتداول أمامه، وقد اتسعت عيناه بصدمة شديدة وضياع. ***
بأحد الغرف المغلقة ذو الإضاءة الملونة يترصص بها حوالي أربع أجهزة كومبيوتر. جلس محمود بجوار صديقه الذي كان يتابع بإنبهار ما آل إليه الأمر وكيف وصل الفيديو خاصتهم إلى أعلى نسبة مشاهدة في خلال ثمان ساعات فقط. فتفّ لصديقه يقول بفرحة عارمة: "واد يا محمود... إحنا ترند رقم واحد ياولا.... والمشاهدات نازلة على الفيديو ناااار نااااار... البت خطيبتك دي وبنت خالتها جامدين قوي." "بجد؟! أنا ماكنتش أعرف إنه هيوصل لكده."
"عيب عليك، أنا كنت مجهز كل حاجة وفارش الفرشة، أنا الترند ده لعبتي." "بس يا خوفي من أبويا." صمت كلاهما، فسأله صديقه بقلق: "إيه روحت فين... بتفكر هتعمل إيه مع أبوك؟ "لأ... تفتكر مشاهدات الفيديو ده هتجيب أرباح كام؟ "ده إنت جاحد يالا." "كااام اخلص." "مش عارف لسه، بس خلي في بالك الواد دنجل له فيهم النص." "نعم ليه ان شاء الله؟ "امال انت مفكر إيه يا حبيبي؟ هو عمايل الترند والمشاهدات ده بالساهل."
"الفيديو متفبرك أساساً مش محتاج." "حتى لو الفيديو متفبرك، لو مافيش بيدجات كبيرة نزلت بوستات عنه ماكنش ولع وفرقع كده، واحنا دافعين للصفحات دي... اصحى وفوق معايا عشان ما تبقاش آخر مرة، إنت لسه بتقول يا هادي وعندنا شغل كتير قوي... إنت ظاهر في الفيديو يعني معلق حبة مع الناس، لازم تلحق تصور لك كام فيديو على كام أغنية عشان تركب الترند وتستغله... يالا قووم ولا عايز تضيع الفرصة." "ماشي... أما أشوف أخرتها." ***
استيقظت حورية بتعب وخمول شديد، لديها رغبة ملحة في العودة للسرير والراحة بلا هدف. لكنها عادت تتذكر انوائها التغيير والمضي بشخصية مستقلة جديدة كلياً. لذا لا وقت للنوم ولا مجال للراحة. وقفت عن فراشها وذهبت تؤدي روتين عناية بسيط لم تكن معتادة عليه، فقد اتبعته مؤخراً مع إطلاقها نية التغيير ورفع الاستحقاق. لم تبالي بالهاتف ورسائله، هي متأخرة للغاية. وخرجت تحمل حقيبتها تودع أمها على عجل، وصوت والدتها يصدح من خلفها:
"استني يابت مش هتفطري." فتحت الباب وهي تجيب: "لأ لازم أنزل مافيش وقت... وقف الكلام على لسانها وهي تفتح الباب لتجد في مواجهتها الحاج شداد وفردوس زوجته، كانا يهمان لدق جرس الباب، وعلى وجههم إمارات الخزي والحيرة بآن واحد. فسألت فردوس: "إنتي رايحة فين يا حورية؟ "رايحة شغلي." "شغلك.. لاهو انتي بقيتي بتشتغلي؟ تدخل شداد يردد: "شغل إيه بس يا بنتي هو ده وقته." "اه طبعاً يا عمي أنا لازم أروح... ما عاش نسيت... اتفضلوا أدخلوا."
أفسحت لهما المجال بحرج شديد بعدما نست أنها تحتجزهما على باب بيتها. سمحت لهما بالدخول فدخلا على استحياء، في حين تقدمت فوقية من المطبخ تردد: "بتكلمي مين يا حورية." تفاجئت بوجود شداد وزوجته وفطنت سبب حضورهم، فقالت: "خطوة عزيزة ياحاج إنت والحاجة." "يعز مقدارك ياست أم حورية." تقدمت بلهفة تردد بدون مقدمات وهي تجلس أمامهما: "شوف يا حاج لو جاي تشرب معانا الشاي عشان إحنا جيران وأهل وعشرة...
فيا ألف مرحب بيك. لو لو جايين عشان أي حاجة تانية فخلاص... إحنا زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف." وبينما هي تتحدث كان شداد يتبادل النظرات بينه وبين زوجته بقلق وحيرة، وقد فطنوا أنها ليست على علم بمجريات الأمور. فحاولت فردوس التدخل: "ياست أم حورية إحنا جايين عشان اللي حصل ده... لم تعطي لها فوقية فرصة التحدث، فهي قد قررت اتخاذ موضع الهجوم، وأين يؤلمك لذا أوقفتها واتخذت وضع الهجوم: "ااااااه...
لأ مش كل مرة تسلم الجرة... هي حصلت يا ست فردوس... ابنك زيدان ييجي هنا يزعق ويهلل ويسمع بينا الناس... ده على صوته عليا وما عملش حساب لا لسن ولا مقام، وآخرة المصيبة يهددني ويهدد البت، هو ده كلام؟ كانت تتحدث بقوة واندفاع عازمة على تلقينهما درساً محترماً. وبصعوبة حاول شداد التحدث: "يا ست فوقية في حاجة حصل... لكنها قاطعته من جديد: "بلا حصل بلا جرى... ده اللي حصل لا ينكتب ولا ينقرا...
إحنا خلاص كده مش هينفع نكمل في الحكاية دي بعد اللي ابنك جه وعمله، أه... يعني مش كفاية عملت ابنكم الأولاني وعديتها، يقوم ييجي التاني ويطلق البت بعد كام شهر جواز، دي فوطها ما لحقتش تتبل يا حاج... وبردك طولت بالي حتى وأنا بزعق وبطرده... ربك والحق أنا كنت ناوية أقرص ودنه قرصة صغيرة بس عشان ما يعاودهاش تاني ويعرف إن كلمة طالق دي بحساب وليها رهبة، فكنت حبة كده وهروق الدنيا مابينهم، بس بعد اللي عمله امبارح ده خلاص كده."
تنهد شداد. تلك السيدة صعبة صعبة... صعبة ومتعبة. تتحدث وتثور وتموج وهي للآن لا تعلم بالمصيبة الأكبر، فماذا لو علمت.... أستعد لمواجهة الأعصار بأن صمت يمسح على وجهه، يسحب نفسه عميق مستغفراً ربه، ثم بدأ يقول: "صلي على النبي يا ست فوقية." "أللهم صلي عليه." "كمان زيدي النبي صلى." "ألف صلاة على عليك يا نبي." "في حاجة تانية حصلت وشكلكم كده لسه ما تعرفوش بيها." تبادلت فوقية النظرات معهم في حيرة وجهل. فقال شداد:
"من الآخر وعلى بلاطة كده." "هاا." "إحنا اتفضحنا وسيرتنا بقت على كل لسان." "إزاي؟! هو جرى إيه تاني؟ ناولها شداد جواله مشغلاً للمقطع المتداول. شهقت فوقية بصدمة تضرب على صدرها غير مصدقة. فيما اقتربت حورية لترى ماذا هناك، لتصدم هي الأخرى وهي تجد نفسها (ترند) منذ فجر اليوم، والكل يتحدث ويبحث عنها ليعلم القصة كاملة. لطمت فوقية خدها وأخذت تردد: "يالهوي يالهوي يالهوي... اتفضحنا... أدّي اللي خدناه منكم ومن نسبكم اللي يعر...
ده كانت شبكة إيه السودة اللي شبكتنا بيكم دي... لا لا.. لا النهاردة ولا بكرة إحنا من الساعة دي كل واحد يروح لحاله ونخلص من الموال ده وبركة إن ابنك كان سابق ومطلق البت... عمل طيب." تحامل شداد على نفسه وكظم غيظه ثم ردد: "أنا مش هاخد على كلامك ياست فوقية ولا هاحسبك عليه، ولو إنه عيب كبير وغلط بس ماعليش معذورة... لكن كل اللي قولتييه مش هو الحل...
الحكاية دي لازم تتلم، وحورية من يوم ما دخلت شقة ابني وانقفل عليهم باب بيته فهي بقت تبعنا وتخصنا، يعني بقت عرضنا وشرفنا، واللي إنتي حاسه بيه أنا حاسس بيه، إحنا ناس بنصون العرض وعارفين يعني إيه شرف... وبعدين إنتي ظالمة عيالي ليه؟ هو إحنا عارفين مين اللي مصور الفيديو ده ونزله؟
"ماهو لو ماكنش جرى اللي جرى من ابنك لما سافر وسابها بفستان الفرح، ولا لو ماكنوش وقفوا يتخانقوا قدام الخلق ماكنش حد لاقى حاجة يصورها عشان نبقى بيها لبّانة في لسنة المخاليق." وقف شداد منهياً الجدال مع تلك السيدة الصعبة وقال بحسم: "خلاصة القول ياست فوقية... حورية مرات زيدان ابني وهو هيردها وترجع بيته عشان الكل يتخرس، والفيديو ده هيتمسح ويتشال خالص." اقتربت حورية المبهوتة من كل ما سمعته وقالت برعب وضياع:
"يتشال إزاي يا عمي؟ هو اللي بيتشيرع النت بيتشال؟ ده تلاقي ١٠٠ واحد نزله عنده." "هيتمسح ولو اللي بقوله ما حصلش ساعتها ماتخطيش عتبة بيتنا ده تاني ويبقى معاكي حق... وبعدين مالك كده كأنك متصورة في وضع مش ولابد... خناقة زي أي خناقة ومصارين البطن بتتعارك... سلام عليكم." تحرك شداد تتبعه فردوس يغادران من باب الشقة. بينما فوقية تضرب على فخذيها بكفيها مرددة: "مصارين البطن بتتعارك... بس مش بيصوروا بعض ياخويا." ***
عاد إليه مساعده متهلل الوجه، فقد بذل مجهود يستحق الإعجاب وعثر على فتاة شقراء بعينين واسعتين، وكذلك بنية، فذلك المزيج غير متوفر إطلاقاً. دق على الباب بأدب ثم دلف للداخل يقول: "مولاي... لقد أحضرت طلبك." وراموس صامت... فقط يطالعه بوجه بوكر، لا انفعال به. اهتز ثبات الماثل أمامه لدقيقة ثم أكمل: "إنها بالباب تنتظر أمر جلالتك." ومجدداً راموس لم يجيب، فاعتبره الرجل إشارة ضمنية بالموافقة، لذا تقدم خطوتين يأذن للفتاة بالدخول.
فدخلت فتاة بها كل المواصفات... كلها. فقال مساعد الملك: "لقد أجرينا لها كل الفحوصات الطبية مولاي، هي سليمة مئة بالمئة ولها عربية كذلك." قال الأخير بغمزة عين وكأنه يلمح لإعجاب الملك بتلك الفتاة البيضاء والتي طلب نفس مواصفاتها. لقد افتضح أمره وبات الكل يعلم بذلته، أنه واقع لها. فنظر راموس للفتاة، المواصفات واحدة لكنها ليست هي تلك الفتاة، تطل من عينيها البرود.
فقبطيته تطل من عينيها الشقاوة والمناغشة، جسدها حار مغري وشعرها مموج... متمرد. مثلها... اااه لقد اشتاق لها. لكنه لجم كل ذلك بقدرة تستحق الإعجاب ثم قال ببرود: "خذها وانصرف." "ماذا؟! "كما سمعت... خذها وأنصرف." لم يكن بإمكان مساعد الملك سوى الذهاب ينصاع لأوامر جلالته، وأستدار ومعه الفتاة لينصرفا. ومن خلفهما تمدد راموس يغمض عينيه يرسم فتاته بأحلامه، يتخيلها وهي ترقص له بأحضانه.
نمت على ثغرة ابتسامة واسعة هائمة، يتخيلها وهي ترقص بالمصري له وحده. لم تمر مدة أطول من دقيقة حتى انتفض بغضب. فهل سيسمح لنفسه بأن يصل به الحال لتلك الحالة؟ أين كرامته كملك؟ تباً له، هو يكرهها بل يبغضها كما لم يبغض أحد من قبل. *** تقدمت رشا من والدته التي تأبى حتى النظر لها وقالت: "وفيها إيه بس يا ماما دي الفرصة اخيراً جت لحد عندنا أهو وجت من عند ربنا." "يابت اتهدي حرام عليكي...
هي مصائب الناس شوية عليهم عشان نروح ننفخ في النار؟! دي ما جتش من الغريب قوم تيجي مننا إحنا؟! الناس في المواقف اللي زي دي تحاول تهدي الدنيا، واللي ربنا يقدره على كلمة حلوة تهدي الحال يقولها، واللي ما حيلتهوش يتخرص ويكتم لسانه جوه برقه." تشنجت رشا وبدأت تدب قدميها بالأرض: "إنتي يا ستي إنتي معايا ولا عليا... هو إنتي مش أمي؟ "مانا عشان أمك بعقلك... الله... هو جرى إيه في الدنيا يا ناس...
هو مش زيدان ده اللي سبق ورفضتيه لما اتقدم لك ومش مرة ولا مرتين ده كذا مرة؟ حلي دلوقتي زيدان." لاعبت رشا أصابعها ببعض ورددت بهيام: "أصلي ماكنتش لسه شوفت هو هيبقى جوز حنين إزاي... ماشوفتيهوش بيعامل حورية إزاي ولا بيبص عليها إزاي... أنا اكتشفت إنه جان وعنده عضلات." "من كتر الشغل ومسكته للأجنة والشاكوش ومعاملته لحورية عشان بيحبها يا خيبة." "لأ... مش عشان بيحبها لا ده عشان هو جان." "استغفر الله العظيم...
قصره أنا لا هروح ولا هاجي." "بقا كده يا ماما." "اه." "قومي معايا يا ماما احسن لك." "احسن لي؟! هي حصلت... طب مش قايمة وريني هتعملي إيه يا بنت بطني." "ماااشي.. هتشوفي." تحركت رشا تجاه الباب فتحته وخرجت منه غير مبالية بنداء والدتها المتكرر، بل خرجت من الباب وأغلقت خلفها. فوقفت الأم سريعاً وهرولت نحو الباب لترى ماذا ستفعل ابنتها وإلى أين ستذهب، لتسمعها تدق الجرس على باب شقة عمها دقات متوالية حتى فتحت فردوس قائلة:
"رشا.. ازيك يا حبيبتي... خير." "كل خير يا مرات عمي... قلبي عندك.. أنا سمعت باللي حصل.. وصعبتي عليا قوي إنتي وعمي.. مش عارفة في إيه وهتلاقوها منين ولا منين.. أنا عارفة إيه ده... المشاكل نازلة ترف فوق دماغنا، تقوليش حد وشه وحشة وقدمه نحس دخل علينا... تكونش الست اللي في الخامس اللي أجرتوا لها الشقة... بس لا لا.. دي ساكنة هنا كذا شهر وداخلة على سنة أهو." نظرت بطرف عينها لفردوس لتتابع تأثر ملامحها بما بثته على مسامعها،
ثم قالت بلهفة: "يقطعني يا مرات عمي موقفكِ كل ده على رجلك وهي بتوجعك.. أنا أصلاً قولت أطلع أساعدك عارفة لما بتتعبي الخشونة بتزيد ورجلك بتعلم عليكي." "لأ لأ كتر خيرك يابنتي مش عايزة أتعبك." "يانهار ابيضّ... تعبك راحة... تعالي أدخلي كفاية واثقة عشان رجلك... تعالي تعالي." لم تدع لها رشا الفرصة كي تبدي أي اعتراض ودلفت للداخل بحماس شديد تنتوي تنفيذ مخطتها الذي بات سهلاً الآن وقد تيسر بعد ما جرى. ***
مذ جرى ما جرى وهو يتحرك في كل الاتجاهات، وكما يقال لقد قلب الدنيا. لم يترك باباً إلا وطرق عليه. سيفعل أي شيء ليصل لحل بتلك الفضيحة. وانتهى به المطاف هو ووالده وصالح جالسين داخل شقة بالتجمع الخامس بها ست غرف، وكل غرفة ممتلئة بأجهزة لاب توب، وكل جهاز يحمله شخص يعمل عليه. حتى صالة الشقة بها حوالي خمسة وعشرون شخصاً، كلهم منهمكين في العمل. نظر زيدان لصالح وقال: "هو فين يا عم الجدع اللي بتقول عليه ده؟ "مش عارف... استنى."
تقدم صالح من أحد الشباب وسأله: "بقولك يا باشا... ماتعرفش مازن فين؟ "ماعرفش... تلاقيه بيعمل حاجة يشربها ولا راح الحمام." نظر صالح لزيدان الذي لم يصبر أو يتحمل، هو دوماً هكذا، ذراع سابق لعقله، فهرول ناحية المطبخ فوجد شاب مفتول العضلات طويل يوليه ظهره، فسأل: "إنت مازن؟ التفّ الشاب له وقال: "آه بس ليه... استنى مش أنت الشاب اللي طالع ترند النهارده.. كويس إنك جيت.. إحنا ممكن نعمل أحلى شغل و...
لم يستطع زيدان أن يتركه للفرصة ليتحدث، إذ تقدم يقبض على تلابيبه قائلاً: "اسمع يالا... إحنا جايين لك عشان قالوا لنا إنك أشطر واحد تنفع للشغلانة دي واحنا عايزين نلم الليلة." هاج مازن وصرخ فيه: "إيه اوعى إيدك دي." "ولاااا ماتخلنيش أتحول عليك، أنا على آخري." تقدم شداد وصالح أثر الصوت العالي، وبصعوبة فضوا النزاع وسلكوا مازن من بيض يدي زيدان. بعد مرور ساعتين ونصف التفّ زيدان بكرسيه ومنظر لهم قائلاً:
"بصوا يا جماعة ده ترند ومعمول يعني مش جاي صدفة." نظر ثلاثتهم لبعض، ثم سأل شداد: "معمول إزاي يعني؟ "يعني مفروش له ياح ومدفوع للصفحات الكبيرة عشان تنزله وتعمله شير." "هو الترند بقا بيتعمل دلوقتي؟ "ياله يا حاج... ده بقا أسهل من عجينة البيتزا، أنا ممكن بخمس الألف جنيه أخليك ترند مصر والدول المحيطة... كلها حملات مدفوعة وكم بوست كوبي بيست... ده في نجوم بيدفعوا جامد في المواضيع دي زي... قاطع ثرثرته صوت زيدان الحاسم:
"أنا عايز كل الصفحات دي تحذف الفيديو وكمان ينشال من على جوجل." "ماشي... بس هتدفع كتير." "أنا هديك اللي تقول عليه ومن غير فصال، بس تقولي مين اللي عمل كده." صمت مازن، وعلى ما يبدو لم يعجبه الكلام، فأسترسل زيدان: "مش بتقول إنه ترند ومعمول... عرفت منين إنه معمول؟ وبعدين مش عامل لي فيها جامد ومسيطر في شغلانتك ولا إنت مش مسيطر ولا إيه؟
"ياباشا مسيطر وكل حاجة، بس الواد اللي عامل الترند ده عيل شمام وحكاك وبيبقى عايز يحكها معايا في أي حكاية عشان بسيط على قفايا، وأنا مش عايز ألخبط نفسي معاه عشان الواد ده شمال." "مش هنجيب سيرتك، قولي بس وسيب الباقي على زيدان." "إذ كان كده ماشي... الواد ده اسمه دنجل ساكن في ميدان الجامع، بس واخد شقة في أكتوبر عاملها مقر للشركة النص كم بتاعته، لو ما لقيتش هنا هتلاقيه هنا... أظن أنا كده تمام."
وقف زيدان بلهفة وغضب مكبوت يردد بينما يخرج المال من جيبه: "كفيت ووفيت يا غالي... سلام عليكم يالا يا جماعة." غادر ثلاثتهم وتركوا لمازن مهمة مسح الفيديو من جميع المواقع. *** دَلفت وفاء بخطى مترددة للمستشفى، لا تعلم عواقب الأمور، ولكن بعد تفكير طويل قررت أنها لابد وأن تحاول التفاوض مع عاصم وحل الأمر ودي. ستعتذر وتتوسل حتى يرضى، فأين ستذهب منه يعني؟ هو لن يتركها، لقد ضربته حتى نزف وفقد وعيه.
ستواجهه وعليها تحمل غضبه أفضل من تحمل الحبس. تقدمت وهي تتحسر نادمة: "ياريتني ما أخدته للبيت ولا اتخانقت معاه أنا وأمي... ماكنت سبته هي يعني الشتيمة بتلزق... حلني بقا على ما ألاقي تاني شغل كويس بمرتب عدل... آه يانا مش كنا اتخانقنا بعد القبض لازم يعني نتخانق قبله... استغفر الله." دَلفت تفتح الغرفة التي دلتها عليها الممرضة، وإذ بها تراه يجلس بهدوء على فراش المشفى الأبيض، وأشعة الشمس منعكسة على ملامحه الوسيمة.
رفع عيناه حينما شعر بأحدهم بات معه بالغرفة، ونظر لها باستغراب وهي تتابعه بقلق، إلى أن سأل: "إنتي مين؟ "هاااه؟! ولجت الممرضة لتعطيه الحقنة لتجد وفاء متحسبة مكانها. فسألها عاصم: "مين البنت الحلوة دي؟ لتردد وفاء ببلاهة وهي تشير على نفسها: "بنت؟! وحلوة؟! ربنا يستر." تقدمت بترقب تقول: "أنا بقول ن... لكنه قاطعها بجهل تام: "إنتي مين؟ نظرت وفاء للممرضة التي كادت أن تتحدث لولا دخول سيدة أنيقة بجسد متوسط في منتصف الستينات،
وأقبلت عليه تحتضنه مرددة: "عاصم حبيبي.. ما صدقتش لما كلموني سيبت المؤتمر وجيت لك." "ابتعد عنها عاصم بقلقل يسأل: "مين حضرتك؟ "مين حضرتي؟! فتدخلت الممرضة: "يا جماعة بالراحة على المريض حرام عليكم.. الراجل فاقد الذاكرة ماينفعش تتعاملوا كده." حل الصمت على المكان بالصدمة. بينما وفاء تستوعب: "فقد الذاكرة.... يعني هاخد مرتب شهر؟؟ يا فرج الله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!