وصلت طائرة الملك إلى لندن ودلف إلى قصر فخم خصص له. كانت زيارة رسمية نقلها التلفزيون وأذيعت على كل وسائل التواصل الاجتماعي. ناقش خلالها الملك عدة مشاريع هامة جداً بين البلدين. مرت الساعات، مقابلات تليها اجتماعات. الملك لا يرغب في نيل قسط من الراحة، وكأنه لا يريد الاختلاء بنفسه. نظر له سفيره بلندن قائلاً: «ألم يحن الوقت كي يأخذ الملك راحة ولو لبضع ساعات؟
فجلالتك لم ترتح منذ غادرنا المملكة، حتى بالطائرة كنت تعمل طوال ساعات السفر.» تنهد راموس وهو يلقي التقارير الورقية من يده ثم قال: «أريد العمل حتى يغلبني النوم وأنا جالس.» نظر السفير حوله ثم اقترب من الملك ودنا منه قائلاً بصوت منخفض: «ملكنا بحاجة لبعض الوقت من الراحة والمتعة.» فهم عليه راموس ثم رد بحسم: «لا أريد.» اعتدل السفير في وقفته عند دخول وزير الخارجية. فقال راموس: «تعال يا شندهار، هل من جديد؟
«كل الأمور تسير وفق رغبات جلالتك يا مولاي. لقد أبرمنا الاتفاقية، ومن بعدها سنغادر إلى فرنسا ثم ألمانيا ومن بعدها إيطاليا ثم مصر والجزائر و..... قاطعه راموس بأعين حمراء حين رفع رأسه بحدة فجأة ثم قال: «أحذفها؟ تبادل وزير الخارجية النظرات مع السفير، لا يفهمان سبب غضبه. فسأل الوزير: «ما هي؟ «مصر.» «كيف؟ «افعل كما أمرتك.» «لكن كيف يا مولاي؟ مصر دولة مهمة لا يمكننا فعل ذلك.» شدد راموس على كلماته:
«أرسل لهم مندوب من الرئاسة أو وفد.» هز السفير رأسه مستنكراً ونظر للوزير الذي قال: «أقترح عليك التفكير في الأمر مجدداً يا جلالة الملك. مصر دولة قوية تعتبر أقوى دولة في منطقتها، يحكمها رئيس قوي لن يقبل بفعلتنا وربما يتسبب ذلك في قطع العلاقات بين الدولتين. وكما قلت لجلالتك، مصر دولة مهمة جداً لدرجة أن كل دول المنطقة لديها قواعد عسكرية أمريكية إلا مصر.»
انتبه راموس يرفع رأسه ويطالع الوزير. يعلم حجم تلك الجملة جيداً وما تعنيه خلفها، فهو أعلم الناس بذلك. وفكر بالأمر، هو يعلم أن كل ما قاله الوزير صحيح. فتمكن منه الغضب، لقد طغى جانبه الشخصي على كونه ملك، وصار يتصرف كالمراهقين وكأنه صبي أرعن، وتقلد حكم البلاد لدرجة صنع عداوة بينه وبين البلد التي تحمل جنسيتها فتاة رفضته. صمت ثواني وانحرف تفكيره لنقطة... رفضته؟ ضاقت عيناه وزفر بغضب شديد وهو يلقي الأوراق من بين يديه. ***
جن جنون عاصم. تلك السيدة مستفزة بامتياز، إنها نفس المرأة التي قضمت لحم كتفه منذ ثانية. وقبلما تنتهي منها كانت تصرخ وتحسبن عليه، داعية الله أن يسخطه بقدرته. لم يشعر عاصم بنفسه إلا وهو يقذفها بأحد الأطباق، فقذفته على الفور بفازة خزفية قديمة الطراز، ليسقط عاصم على الأرض فاقد النطق والحركة. دوى صوت صرصور الحقل في الشقة، وبقت وفاء وأمها تتبادلان الأنظار. *** «هييييييييي!
شهقت بفزع حتى استقامت نص استقامة على الفراش. أخذ الأمر منها وقت تعدى الدقيقتين حتى تستوعب. الأصوات المألوفة للباعة المتجولين في الشوارع، مع صوت ماكينة قطع الأخشاب في ورشة صناعة الأثاث، وصوت أولاد الجيران العالي وهم يلعبون. كل تلك الجلبة التي لطالما اشتكت منها قديماً، أضحت أصوات مطمئنة لها تخرجها من كابوسها المتكرر، تخبرها أنها بأمان وقد عادت للديار.
بدأ تنفسها يهدأ شيئاً فشيئاً وهي تطلع حولها لأثاث غرفتها. تغمض عينيها متذكرة الحرملك وسرائره، ثم الغرفة التي خصصت لها فيما بعد. بللت شفتيها تسحب نفساً عميقاً وقد أيقنت خطورة إيلاف النعم. لقد حذر منها المولى عز وجل وهي لم تكن تدرك. ربما كان عليها خوض تلك الرحلة. عند هذه النقطة من التفكير، ارتخى جسدها على الفراش وعادت تتكئ بظهرها على الوسادة، تنظر لكفها لتجد إبرة قنينة التروية (كانيولا)
. وجسدها كله متعب ومجهد، لكنها ما زالت بملابسها تلك التي ابتاعتها لها تلك الفتاة وشقيقها. في تلك اللحظة، دلفت حورية تحمل في يدها كوب عصير مثلج. أبشر وجهها وهي ترى رنا جالسة نصف جلسة على الفراش. فتقدمت متهللة: «رنا... أخيراً فوقتي.» «هو أنا بقالي أد إيه كده؟ «تلات أيام.» «ياااه.» «أنتي إيه اللي حصل معاكي؟ كنتي فين؟
وماكناش عارفين ليه نكلمك ولا أنتي حتى حاولتي تكلمينا أو حتى كنتي تعرفينا بمعاد رجوعك بدل ما تبقي لوحدك ولا حد يجيبك. ومين كمان اللي وصلك ده؟ أغمضت رنا عيناها تشعر بعودة الدوار لرأسها بسبب سيل الأسئلة التي انهالت عليها بها حورية. شعرت حورية بخطئها وتسرعها، فهمست: «ماعلش أنا نسيت إنك لسه تعبانة... بس إحنا كنا قلقانين عليكي قوي.» عادت رنا تبلل شفتيها ثم همست: «هاتي لي أشرب.» ناولتها حورية الماء فشربت حتى ارتوت،
ثم أكملت: «قولي لي الأول، الولد والبنت اللي وصلوني قالوا لكم إيه؟ «قالوا إنهم قابلوكي في الشارع وكنتي تعبانة فوصلوكي.» «الحمدلله.» «هوفي حاجة تانية ولا إيه؟ «هحكي لك كل حاجة بس مش دلوقتي.. خديني يا حورية أشم هوا في البلكونة.» «حاضر.» ساعدتها حورية لتصلب طولها، ثم تقدمت تساندها خطوة فأخرى حتى وصلت للشرفة، تسحب نفساً عميقاً مبتسمة ثم قالت: «تصدقي هوا المنطقة وحشني.»
تعجبت حورية وهي تتذكر رنا القديمة ومقتها من الحي بمن فيه، فقالت مستعجبة: «سبحان مغير الأحوال.» ضحكت رنا بتعب وأكملت: «آه والله، حتى لعب العيال وصوت منشار تقطيع الخشب بتاع ورشة زيدان ابن الحاج شداد وحشتني. ده أنا حتى وحشتني خناقات زيدان الكشري، تخيلي.. عامل حس للمنطقة والله.» زاغت عينا حورية على السيرة، بينما أكملت رنا: «ده عليه فتحة مطوة مش على حد. أنا فاكرة آخر حاجة حصلت قبل ما أسافر كان ماسك في خناق واحد... إيه ده؟
في إيه؟ هو واقف يبص علينا كده ليه؟ إيه ده؟!! هو بيزغرلنا بعينه كده ليه... أنا خوفت.» لم تكد تنهي جملتها حتى صدح هاتف حورية باتصال وأخرجته من جيب بنطالها. لتجد رنا أن اسمه يضيء شاشة هاتف حورية، فسألت: «إيه ده؟! لم تملك حورية الوقت للتفسير، بينما الرنين مستمر، ينتهي ويعود بإلحاح. فأضطرت أن تجيب لتواجه أذنها صوته الصارخ: «ما تحطي زفت طرحة على شعرك ولا أدخلي أصلاً من البلكونة بدل ما أطلع لك.»
تركت حورية يد رنا وحاولت استجماع قوتها والرد بالشخصية الجديدة التي عاهدت نفسها أن تصبح عليها، فهتفت بحده: «وأنت مالك.» اتسعت عينا رنا منبهرة ومتفاجئة، بينما هتف زيدان بهياج: «أنا مالي؟ طييييييب.. أنا هطلع أعرفك إن كان مالي ولا لأ.» أغلقت حورية الهاتف على الفور تراه يتحرك مغادراً الورشة، فسحبت رنا معها تقول: «تعالي ندخل بدل ما يطلع لنا.» «ويطلع لنا ليه؟ هو ماله بينا؟ ده حيالله أخو خطيبك.» جذبتها حورية للداخل وهي تردد:
«مالي مايعرفش يقول عدس.» جلست رنا على طرف الفراش وسألت: «هو في إيه يا بنتي؟ والتحش ده ماله بيكي؟ بيزعق لك كده ليه؟ جلست أمامها حورية وقالت بينما تنظر أرضاً: «أصل.... أنا اتجوزت التحش ده.» «أييييييييه؟؟ *** «دكتور بسرعة، معانا واحد متعود.» هرول لعندها أحد المسعفين يحمل عاصم منها، في حين تقدم زميله يقول: «لازم حضرتك تملي الاستمارة دي وتدفعي مبلغ تحت الحساب.» «هااااا.»
فتح فم كل من وفاء ووالدتها على أخرهما مما سمعوه، ولم تجد وفاء بد من أن تهز رأسها موافقة. فقرصتها الأم من كتفها تردد: «يعني كان لازم مستشفى خاصة يابنت بارم ديلو... مالها مستشفى أبو الريش؟ الدكتورة شهيرة هناك بسم الله ما شاء الله إيديها تتلف في حرير... يالا البسي بقا.» «يعني كنتي عايزاني أخده مستشفى حكومي؟ إنتي عارفة ده ابن مين في البلد.» مصت الأم شفتيها وقالت بنزق: «هيكون ابن مين يعني؟
مش كفاية نص كيلو البن اللي كبستي له به الجرح بتاعه والشاش؟ ما إحنا كنا جايين المستشفى.» «يعني كنت أسيبه ينزف على ما أوبر ييجي؟ «آه يا نااااري... ماتفكريش.. طالبة له عربية مخصوص. فلوسك كتيرة ياختي.» جن جنون وفاء وقالت بهياج: «يا أمي الله يهديكي، أنا عايزة أعرف إنتي بتفكري إزاي... إنتي شكلك كده لسه مش مستوعبة اللي إحنا فيه... ومش عارفة فتحنا دماغ مين، ناهيكي عن إنه رئيسي في الشغل... مش مشكلة دي...
بس الراجل ابن عصمت فرحات، أمه رئيس جهاز الكسب غير المشروع، يعني من بكرة الصبح تودينا ورا الشمس.» ضحكت الأم ساخرة تردد: «خليها تودينا، أقلها نتدفى. قال كسب غير مشروع قال... ده إحنا على رأي المثل إيش ياخد الريح من البلاط... الحمدلله على فيض الكريم، لا مكسب ولا خسارة.» «وهما دول هيغلبوا.» انتفضوا منتبهين على صوت موظفة الاستقبال وهي تردد: «مطلوب ٣ آلاف جنيه يا فندم.» «هااا؟! «٣ آلاف جنيه.» فتقدمت أم وفاء تقول:
«لأ ماهو الجدع ده إحنا مانعرفرش ده صعب علينا بس... ندفع له الحساب كله مرة واحدة ليه؟ وبعدين هو مش المفروض الحساب كله يبقى وهو ماشي.» ابتسمت الموظفة تخبرهم: «لأ ده تحت الحساب يافندم مش كل المبلغ.» «نعم ياضنايا؟؟؟ كادت أم وفاء أن تصرخ في وجهها لولا وفاء التي تدخلت بحسم: «خلاص يا ماما.» صدح صوت الأم تهتف بصخب: «إنتي مش سامعاها بتقول كام؟! ده جرح خمس ولا سبع غرز كنا رحنا لأبو سلمى على الناصية عملهولنا...
أنا غلطانة إني مشيت ورا شورتك.» «أبو سلمى إيه بس؟ هتبطلي هزار إمتى؟ «ماهو أصل أنا عارفة الأشكال دي ل.... «يالهواااااااااي..... لولولولي... أزغرد.. أزغرد ياما إحنا في مصيبة... اسكتي أبوس إيدك.. أنا هدفع.. اسكتي.» صمتت الأم مرغمة تكبت كلام كثير ودّت البوح به لينفس عن مراوحها، ووقفت تتابع على حبة عينها ابنتها التي سألت: «طب أنا مش معايا فلوس في جيبي، ممكن أحولكم على فودافون كاش؟ «اوكي.» فأنهت وفاء الإجراءات سريعاً
ثم قالت: «خلاص تمام كده.. خدوا بالكم منه وابقوا اتصلوا بأهله... سلام عليكم.» «أستني يا... حاولت موظفة الاستقبال إيقافها لكنها تمسكت بيد والدتها ولاذت كل منهما بالقرار. *** جلس بورشته يهز ساقيه بتوتر شديد، ثم وقف يلف حول نفسه ثم عاد وجلس ليقف من جديد ويدور بالمكان ثم يعاود الجلوس. فدلف والده ليراه جالس هكذا متوتر. نظر له بجانب عينه ثم تقدم يجلس خلف المكتب على الكرسي الرئيسي وباشر متسائلاً: «أخبار الحسابات إيه؟
التف زيدان ونظر له بجنون. فعاود شداد السؤال: «هو أنا مش بكلمك يابني؟ ما ترد عليا عيب كده.» «هو ده وقته يابا؟ «الله... ومش وقته ليه؟ مش أكل عيشنا ده.» مسح زيدان على وجهه بعصبية ثم قال بلا مواربة: «وأنا اللي فاكرك جاي تكلمني في موضوع حورية.» جعد شداد ما بين حاجبيه يتقن الجهل التام وسأل: «حورية؟ آه مالها؟ هو حصل حاجة؟ «يا حاج... ماتجننيش بالله عليك.» «الله هو مش أنت يابني اللي طلقتها؟ هعملك إيه يعني؟ هو أنت يعني مجنون؟
أكيد ماعملتش كده من فراغ، تلاقيك ماكنتش مرتاح.» ووقف يهم بالرحيل فبادر زيدان يقول بلهفة: «لأ أنا.... لكن قطع عليه شداد الفرصة وقال: «هي بردك الجوازة دي كانت ملخبطة.. وأنت يابني اللي طلقت... يالا مش نصيبك... شوف نصيبك في واحدة تانية وهي تشوف نصيبها في واحد تاني.» أنهى حديثه وغادر على الفور وترك زيدان خلفه يفور من الغضب وهو يردد: «تشوف نصيبها في واحد تاني؟!! غيري؟ وتتكشف على واحد تاني؟ غيري؟ دي ليلة أهلها سودا.»
فغادر الورشة بغضب وأندفع ناحية بيتها إلى أن صعد وأخذ يدق الباب بعنف، لكن لم يفتح أحد. لحظتها تذكر وقوفها في شرفة منزل خالتها دون حجاب. فأسرع بالخطى يذهب لعندهم. في منزل رنا، جلست وقد بدد الفضول شعور التعب والإجهاد، تستمع بصدمة لقصة حورية الأغرب من الخيال وهمست بتيه: «ياخبر أبيض.. هي الحكايات دي مش كانت بتحصل في الروايات بس.. إمتى بقت حقيقة؟ ثم رفعت وجهها مقابل حورية تسألها: «وأنتي إزاي وافقتي؟
«ماكنش في لا فرصة ولا مجال.» تنهدت بصوت عميق ثم قالت: «بس بعد الفرح ولما اتقفل عليا باب واحد مع زيدان ووقفت مواجهة ليه، فكرت هو أنا ليه بجد ماقولتش لأ؟! ليه ما رفضتش كلام عمي شداد؟ وفضيحة إيه اللي أنا خوفت منها؟ ولا فضيحة إيه؟ ما كله عارف محمود على إيه، دول مسمينه عصفور من كتر ما دماغه طاقة وخفيفة؟ وحتى لو حصل فضيحة والناس اتكلمت كانوا هيتكلموا يعني لحد إمتى... أنا ليه عملت في نفسي كده.»
استمعت لها رنا وقد جعدت ما بين حاجبيها، مستغربة تلك حورية الجديدة بشخصيتها كلياً عليها، ثم أردفت: «هو أنا غيبت كتير قوي كده لدرجة يحصلك كل التغيير ده... مش دي خالص حورية بنت خالتي.» سكتت تضحك ثم أكملت: «وأستغرب ليه؟ هو اللي حاصلي ده كان عادي.» انتبهت حورية واعتدلت في جلستها تسأل: «أنتي صحيح لحد دلوقتي ماقولتيش إيه اليوم حصل معاكي؟ «الي حصل معايا؟! عارفة حريم السلطان؟ «آه.» «أنا كنت عند أحرم منهم.» «إيه؟!
«والله زي ما بقولك كده.» «بصي يا ستي... » كادت تشرع في قص ما جرى معها لولا دخول والدتها تردد: «حورية... تعالي بسرعة زيدان برا وقالب الدنيا عليكي.» وقفت حورية منتفضة وخرج ثلاثتهم ليروا زيدان في مواجهة فوزية التي أخذت تهتف فيه بحده: «جرى إيه؟ هو بيتنا خلاص بقا منط... مستوطي حيطتنا للدرجة دي يا زيدان.» لتتسع عيونهن وهن يرونه يسحب نفساً عميقاً ويحاول التحدث بحلم: «بصي يا حاجة فوزية ومن الآخر... أنا استويت.»
تغنجت فوزية وهي توليه ظهرها بينما تكتف ذراعيها حول صدرها مرددة بدلال: «والمطلوب؟ «رجعيلي حورية.» لن يشعر أحد... لكن هنالك من اقشعر كل بدنها وهي تسمع توسله الراجي وكأنها مصدر أنفاسه. كذلك رنا المبهوتة كلياً، فاسم زيدان وذكره مرتبط عندها بالهيئة التي ذكرتها لحورية (رجل يشهر سلاح أبيض في وجه رجل آخر بعركة فوضوية) . لكن فوزية ورغم تعاطفها معه قررت ممارسة دور الحماة على تمامه وقالت: «لا يجوز يا ابني...
كان على عيني.. حد كان قالك طلقها.» «هردها.» «يا سلام بالسهولة دي.. ده أنت وأخوك مررتوا عيشتنا.. الجواز والطلاق مش بالعافية.» فهمس بضياع وبهوت: «يعني إيه؟ «يعني أنت وهي اتجوزتوا غصب عنكم صح؟ «صح.» «وأنت طلقت مرة بمزاجك مش كده؟ فصمت ولم يسعفه الرد لتكمل فوزية: «يبقى الدور علينا بقا نعمل حاجة على مزاجنا مرة.» «يعني إيه؟ «يعني أتفضل أتوكل على الله، دي حصة عشا.. تأكل معانا ولا بتحب تنام خفيف؟ فهم زيدان...
بكل بساطة وبرود هي تطرده. هز رأسه مهمها وثواني فقط كانت لحظة التحول، حيث همهم أولاً: «همممم... ده حلو قوي ده.» ثم حضره التحول حين رفع صوته ونفرت عروق جسده كلها وهو يدب بقدميه على الحائط من جواره: «أنتي بتطرديني.. اااه... طب بصي بقا يا حاجة أنا الشغل ده لا يأكل ولا يشرب معايا... عشان أنا لحد كده وعداني العيب... عملت بأصلي وجيت بوست الأيادي بس مافيش فايدة... اسمعي بقا الكلمتين دول... البت بنتك دي تبقى مراتي وتخصني...
وأنا سايبها هنا عندكم بمزاجي وبقول حقها تدلع مش مشكلة... هي أولها وآخرها عندي لكن شغل العافية ولوي الدراع ده لأ... هي هترجع لي هترجع لي.» «أنت جاي تعلي صوتك علينا هنا يا ابن شداد؟ ومين قالك بقا إنها هترجع لك... هو كان حد غصب عليك تطلقها ولا مفكرها لعبة؟ طب إيه قولك بقا إنها مش هترجع لك.» «طب يمين على يمينك لا ترجع وعشان تبقوا عارفين أنا قاعد لكم تحت مش متحتح....
هجيب كرسي وشيشة واعشكر لكم على الباب لو صدر أي حركة كده ولا كده مش عجباني ههد الدنيا ولو شوفتها خارجة البلكونة بشعرها تاني مش هيحصل كويس.... اللهم بلغت اللهم فاشهد.... ومن غير سلام عليكم.» خرج من البيت وتركهن خلفه لا يسعهن التفكير ولا الاستيعاب... هل وصلت الأمور لهنا؟! ***
صوت همهمات ضعيف صدر عن عاصم وهو يجاهد كي يفتح عيناه، يشعر بألم شديد بدأ يدق في رأسه. فتح عيناه بالفعل يطالع الغرفة البيضاء الفخمة من حوله وهو يتنفس ببطء نوعاً ما. لتقترب منه الممرضة التي كانت تنظف الغرفة وقالت: «أنت فوقت... حمدالله على السلامة.» «أنا فين؟ أخيراً تشكلت الرؤية لديه وعاد كامل وعيه، شعر ببعض الدوخة وتوهان غريب بالإضافة للشعور بفقدان الهوية والضياع، ليهمس: «أنا فين.. و.. إيه اللي حصل؟ نظرت
له الممرضة بترقب ثم سألت: «جرحك بسيط.. الموضوع مش كبير، بس.... هو أنت مش فاكر إيه اللي حصلك؟ صمت لثواني ثم همس: «لأ.» صدمت الممرضة وتحركت على الفور تخرج من الغرفة تنادي الطبيب المشرف على الحالة. ***
شعر بالضيق قد احتل صدره، الغضب يتمكن منه رويداً رويداً. تلك الشقراء لا تبرح عقله ولا تتركه لنفسه، تباً لها. وفي لحظة غضب مد ذراعه يزيح كل ما أمامه على الطاولة، فسقط أرضاً وتكسر محدثاً ضجيجاً عالياً، دخل على أثره كبير الحرس ومساعد الملك الذي سأل بقلق: «ما الخطب سيدي.... هل أصابك مكروه؟
كان يقف موليه ظهره وهو يضع يديه في خصره ويتنفس بتشنج من شدة الغضب الذي يجاهد على كبته لأنه بالأساس ينكره وينكر الاعتراف بأسبابه. وأمام صمت الملك، تجرأ مساعده بالتقدم لعنده واقترح حلاً ظريفاً قد يخفف من حدة الأجواء: «ما رأي مولاي بالخروج قليلاً لأحد المطاعم الراقية بلندن أو..... قطع سيل مقترحاته صوت مولاه حين طلب في لحظة تهور: «أريد فتاة.» «هاه؟!!
اندهش مساعد الملك وحارسه وبقى كل منهما يطالع الآخر بدهشة. الملك يطلب فتاة وخارج حدود الحرملك الخاص به... بما يسمى ذلك؟ لكن لم يجرؤ أي منهما على التحدث، بل لم يستطيعا الاستمرار في إظهار ردة فعلهم بلغة جسدهم. بينما استدار لهما راموس وأكمل: «أريد فتاة شقراء بعيون واسعة بنية.» «ماذا؟! » لكن كيف شقراء بعيون واسعة؟ صفتان لا تجتمعان بفتاة. أغمض عينيه بغضب وهو يتذكر فتاته المتمردة: «كلا... يوجد.» ثم أكمل وهو يصفها لهم:
«شقراء قصيرة بعيون بنية لامعة وقوام متوسط.» لقد أصبحت عجائب الدنيا ثمانية بدلاً من سبع، فالملك راموس يقف يطلب فتاة بل ويحدد شكلها ورسمها وصولاً لوصف جسدها. وأمام ثبات الملك، ذهبا ينفذان طلبه... وبقى وحده يقسم أن يقضي ليلته مع فتاة أخرى... كلما تذكر أنها قد هربت مع عشيقها وخانته كان يريد الثأر لنفسه.
إلى هنا وقد وقف. كانت لحظة مضيئة. واجه فيها راموس الحقيقة وواجه نفسه. يرغب في خيانتها مثلما خانته. يعتبرها خانته. غيابه له أثر. ليست مجرد جارية تمكنت من الهرب بسبب بعض التقصير من الحرس. هروبها يعنيه وما يؤلمه أكثر مع من هربت ولماذا يريد خيانتها كما خانته... خانت ماذا؟ ثقته وهو يضعها تحت الإقامة الجبرية؟ أم خانت حبه؟ إنها الحقيقة عارية. وعلى ما يبدو أنه بات يتوجب عليه مواجهتها.
وقف عن كرسيه بغضب مما توصل إليه. ماذا؟؟!! أحبها؟!!! هل أحب تلك القبطية؟؟! والحقيقة الأشنع والأفدح أنه أحبها وهي لا... بل رفضته وتمنعت ثم هربت مع رجل آخر فضّلته عليه.
وبتلك اللحظة كانت تتجلى صورتها أمامه على الجدار يتذكرها ويتخيلها، حتى إنه لازال يتذكر عطرها. وبمنتهى الغضب الذي قد خلق في الوجود مد يده لأقرب شيء طاله وكانت مزهرية خزفية فقذفها في المرآة بغضب جم، كأنه يقذفها هي به من شدة غضبه منها. لقد هربت مع عشيقها البرازيلي... ترى ماذا تفعل معه الآن. آآآآه.... نار.. نار في قلبه لا يمكنه إخمادها وعقله يصور له تفاصيل كثيرة تخنقه وتزيد غضبه.
في القاهرة ليلاً، كانت رنا تتقلب على فراشها كأنها تصارع أمواج البحر الذي قدمت منه. وصورتها وهي ترتدي شوال الخيش وتقف في أحد أركان القارب ترتجف من البرد والجوع. كانت تتفزز في الفراش بنفس الطريقة إلى أن شهقت شهقة عالية ثم استفاقت من نومها بقلق. جلست نصف جلسة على السرير ومدت يدها لكوب الماء بجوارها ثم رفعته ترتشف منه القليل. وضعته بجوارها وحاولت أن تهدأ مرددة: «هو أنا مش هفوق من الكابوس ده ولا إيه.»
حانت منها بسمة حنين متذكرة الملك واهتمامه الخاص والواضح بها، لكن عادت لواقعها من جديد متذكرة حياة العبودية التي عايشتها عنده وفخاخ أنجا وكيف كانت ستعدم بكل هدوء وسكينة هناك. لكن ما عاد بها للواقع وجعلها تنفض تلك السيرة برمتها هو حديث الطبيب معها حين سألها ماذا كانت تتوقع أو تنتظر أن يحدث وما نهاية تلك القصة بوجهة نظرها.
عند تلك النقطة نفضت تفكيرها ونفضت تلك الرحلة كلها، مقرة أنه يتوجب عليها نسيانها رغم صعوبة ذلك وهي تعلم فما مرت به لم يكن بالهين مطلقاً. الإلهاء..... ربما عليها إلهاء عقلها. فمدت يدها تفتح أحد الأدراج تخرج منه جهاز لوحي حديث كانت تستخدمه قبل سفرها موصل دوماً بشبكة الإنترنت وقررت تصفحه، كيف تتعرف حتى على ما فاتها في البلد بفترة غيابها. ظلت تتصفح وتقلب ترى أخبار وترندات كثيرة تقر: «مشكلة مصر إن تفاصيلها كتيرة...
كتيرة قوي... هشوف إيه ولا إيه دلوقتي.» من كثرة الأحداث والأخبار شعرت بالتشبع وكادت أن تغلق الجهاز لولا أن رأت أمامها ما جعل عيناها تجحظ من محجريهما. ثم لطمت خدها وهي تشهق بصدمة: «إتفضحنا....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!