جلس على كرسيه منكس الرأس ينظر أرضاً، يرفض النظر لصديقه الذي يجلس قبالته طوال الليل يحدثه ويتساءل بجنون: "لما فعلت ذلك؟ " وزيدان لا يرد، هو فقط يجلس ينظر على أرضية الورشة، يحالفه الصمت والكآبة. إلى أن فاض صدر صالح وهتف بحدة وغضب: -أنا بكلمك يا جدع أنت رد عليا، عيب اللي بتعمله ده. مش كفاية عامل كارثة كمان هتقعد ساكت؟ أنا سايب أبوك في البيت هيتجنن هو وأمك من اللي هببته. ما تقولي يابني عملت كده ليه. وقف زيدان بهزال وقال،
يدعي الجدية والحسم: -عملت اللي عملته، أنا حر، وده هو الصح... هو ده الصح. ثم تحرك وهو ما يزال يمثل القوة في طريقه للبيت، لكن في المنتصف يمر على بيت الحورية التي سكنت شقته لأشهر، وتعلقت عيناه بشرفة عرفها، يرى نورها مشتعلاً يعني أنها ساهرة، قد غفاها النوم.
التصقت قدماه في الأرض، وأبت عيناه أن تتزحزح عن مطالعة غرفتها، وكأنه يتمنى أن تخرج ويرىها ليواجه حقيقة كارثية. لقد اشتاق إليها، ولم يمر على انفصالهم ساعات. فاض الحنين من عيناه وهو متلهف لرؤيتها، يسأل: هل تفكر فيه الآن، أم أن ما فعله كان فيه خلاصها؟ وصل لعنده صالح، حتى توقف أمامه ينظر ما يطالعه، ثم قال ساخراً: -لا، واضح إن اللي عملته هو الصح فعلاً. أسبل زيدان جفنيه بحزن كبير، فتنهد صالح ثم قال:
-الفجر قرب يأذن، تعالى نروح نصلي وربك يحلها بقى. تحرك معه زيدان وقلبه معتمر بالحزن، يشعر بضبابية الرؤية، لا يعلم كيف سيتعايش مع ذاك القرار العصيب. *** بينما في بيت حورية، كانت تجلس على الفراش بصمت تام، تضم ساقيها إلى صدرها وتتكئ برأسها عليهما، تنظر لنقطة وهمية بشرود، لا تتحدث. فإذا والدتها تنظر لها بأعين اختلطت فيهما المشاعر، ثم تقدمت لعندها تقول: -لسه مش عايزة تتكلمي؟
فسألت حورية وهي ما تزال تنظر أمامها، لم تحرك جفناً: -عايزة تسأليني عن إيه؟ -إيه اللي حصل؟ وليه عمل كده؟ إيه وصلكوا لهنا. وأخيراً رفعت حورية عينها ونظرت لأمها بخيبة أمل ثم قالت: -كنت فاكرة إني جاية تسألي عن حالي لأني واصلة لنقطة وحشة قوي في حياتي، وتقوليلي ولا يهمك بكره تتعدل أو أي حاجة، بس أنتي جاية تعرفي أنا عملت إيه وصلنا للكارثة دي، وكأن طلاقي كارثة.
-يابنتي أنا أمك وواجبي أنصحك وأعقلك، إلا يكون رجوع للي ما يتسمى للي اسمه محمود ده هو السبب. اتسعت عينا حورية بصدمة مما تسمعه عن ظن والدتها بها، فيما أردفت الأم مكملة: -يا بنتي اعقلي، ولازم تعرفي إن الواحدة قدام إنكتب كتابها على راجل بيبقى هو ده بيتها ومستقبلها، وما ينفعش تبص كده ولا كده وتشيل كلمة "لو" دي من مخها خالص. بكت حورية وهي تسأل أمها بيأس: -هو أنتي ليه شيفاني كده؟ يعني أكيد التقصير مني؟
ما يمشيش معاكي إني ممكن أكون اتظلمت؟! لازم يطلع العيب فيا، عارفة ليه؟ عشان يبقى مقدور على العيب. إنتي مش شايفة إن مثلاً الوضع كله على بعضه كان غلط؟ ماينفعش أبقى مخطوبة لواحد وفجأة أتجوز أخوه. أخوه هيتقبلني إزاي ولا بأمارة إيه؟ ونعيش إزاي كلنا في بيت واحد، قولي لي؟ العلاقة دي كان هيبقى مستقبلها إيه؟ ماكنش المفروض توافقي من الأول، بس أنتي كان كل همك الفضيحة، ما همكيش بنتك. فقالت الأم بغضب: -كنتي عايزاني أعمل إيه؟
مش هو ده اختيارك؟ ياما قولت وحذرت وزعقت وقولت الولا ده لا، بس أنتي فضلت مصممة عليه. زمت حورية شفتيها بيأس وخيبة أمل ثم قالت: -بالظبط، هو ده اللي كنت لسه بقوله... كل همك إن يطلع الحق عليا. طب أنا اخترت غلط، بس أنا بنتك، لو غلط المفروض تحاولي تاخدي بأيدي، مش كل همك يبقى الخوف من الفضيحة.
نظرت الأم أرضاً لا تجد ما ترد به لتبطل حجج حورية كما كانت عادتها دوماً، لكنها كذلك كانت مستغربة من ذلك الانفجار الذي تلقته من ابنتها، وألتفت تغادر الغرفة لتتركها قليلاً حتى تهدأ، لكن حورية نادتها: -مامي. نظرت لها الأم فسألتها حورية: -أنتي ليه عمرك ما كنتي بتقولي لي إني حلوة... حلوة قوي... ليه؟ كان الصمت والتخبط هما الرد الذي نالته حورية قبلما تغادر والدتها الغرفة وتتركها ربما تهدأ. ***
كان يشعر بالصدمة وبداية لارتفاع حرارة جسده وهو يحس بجسدها الطري ملتصق بظهره القاسي. تشنجت خلايا جسده وهو يشعر بالقشعريرة تسري فيه من قربها، ثم تلتف لها ببطء شديد، لترتد خطوة للخلف ثم تنظر أرضاً.
نظر لها من أظافر قدميها المقلمة صعوداً إلى كل شبر في جسدها الجذاب، يلاحظ فقدانها بعض الكيلوغرامات، لكنها ما زالت فاتنة جداً كما عهدها، تستطيع تحريك إحساسه وبقوة، لكنه ظل على تماسكه ووجهه المتجهم الذي يخفي مشاعره الغزيرة بداخله. رفعت رنا رأسها ونظرت لعينه ثم قالت: -لقد اشتقت إليك. لكنها لم تتلقى سوى الصمت الرهيب، فأرتبكت قائلة: -أما زلت غاضب مني؟ ومجدداً لم يجيب الملك، فهمست: -أ لأنني لم أعتذر من السيدة أنجا؟
نظر لها بجانب عينه ينتظر تكملة حديثها، يستخدم الصمت كضغط نفسي عليها، إلى أن قالت: -ح... حسناً، أنا مستعدة لأن أعتذر لها الآن حتى ترضى. نظر لها باستغراب ولم يتحدث، بل نادى الحرس ثم تحدث أخيراً: -استدعي السيدة أنجا. وقف بصمت يشبك يديه خلف ظهره، ينظر لها بتفرس، ورنا عيناها على السجاد الأحمر الذي يغطي أرضية الغرفة، لم تتزحزح عنها، وشردت متذكرة حديث الجارية لها. *** عودة بالزمن قليلاً... رفعت أنظارها للجارية
وقد خطفها الكلام فسألت: -ماذا تقصدين؟ هل تعلمين شيئاً؟ -بل أشياء...
السيدة أنجا حفرت لك حبة عميقة ووقعتي فيها بالفعل، فقد ذهبت للملك تخبره أنك قد تمرعتي وبتي تطلقين الأحكام وتتحدثين بلسان الملك وتخبرين الفتيات والجواري وكل العاملين بالقصر أنك أنتِ من يحرك الملك وأنك تمتلكين تأثيراً كبيراً على كل قراراته ولديك القدرة على أن يغير قراره من نعم إلى لا والعكس، وتستدلين بتقريب الملك لكِ وتخصيصه غرفة خاصة لكِ قريبة منه وإفراجه عنكِ رغم عصيانكِ هذا، بخلاف يوم ما أمرت الأميرة ماديولا بإعدامكِ وحضر جلالته ومنع، لذا صدقكِ الجميع وأصبحتِ تتحدثين وكأنكِ الملك.
كانت رنا تستمع إليها وعيناها متسعة من الصدمة، لكنها سألت بجنون: -لكن الملك... كيف؟ كيف يصدق أنني قد فعلت ذلك بتلك السهولة ومن أول مرة؟ هزت الجارية رأسها بيأس من سذاجة تلك الفتاة، ثم قالت:
-أنتِ هنا بحضرة ملك، وتلك الأمور لدى الملوك وبالقصور تعد خيانة عظمى عقوبتها الشنق يا سيدتي. سيادة الملك وسلطانه شيء حساس ومهم جداً لا يمكن المساس به أو الاقتراب منه حتى. أي ملك كان سيفكر في الأمر ويشغل عقله، خصوصاً أن السيدة أنجا قد جلبت شهوداً شهدوا ضدكِ عززوا موقفها، وجئتي أنتِ برفضك الاعتذار منها فزاد الأمر سوءاً. شهقت رنا بصدمة... يا إلهي... كيف ومتى حدث كل ذلك؟ هزت رأسها بجنون لا تصدق.
نظرت للجارية بصمت تام، كل يوم تدرك أن تلك الحياة ليست لها، لا تليق بها، وهي التي عاشت طوال عمرها مغامرة، تعشق المغامرة والتحديات، تظن نفسها قوية، ولطالما كانت غاضبة من خضوع حورية وخنوعها، تخبرها أنها يجب أن تصبح قوية مثلها، لتدرك لتوها أنها أضعف من عيدان الكبريت. جذبها حديث الجارية التي أضافت: -تعلمين من كانت ضمن الجواري اللائي شهدن ضدك؟ -من؟ -سوتي. شهقت رنا تردد: -سوتي؟! سكتت لثواني ثم قالت:
-من المفترض ألا أستغرب... يجب أن أعتاد ذلك وأعلم أن حياة القصور كلها غدر وخيانة... *** عادت من شرودها على صوت السيدة أنجا التي وقفت بحضرة الملك تنحني ثم قالت: -أمر مولاي. -سيدة أنجا، ميرورا تريد الاعتذار منكِ. يحاول رنا التغاضي عن تعمده مناداتها بذلك الاسم ونكران اسمها الأصلي، لكنها تحاملت على نفسها ورفعت عيناها لأنجا التي تطالعها بأعين ثاقبة حذرة، تسأل ماذا خلفها، إلى أن همست رنا:
-أعتذر منكِ سيدة أنجا، وآمل أن تتقبلي اعتذاري. نظرت لها أنجا بتوجس... رضا تلك الفتاة العنيدة على الاعتذار عن ذنب لفقته هي لها، لهو أمر مثير للريبة والاستغراب. فقالت بحذر: -وأنا قبلته. ثم نظرت للملك تستأذن في الرحيل، فسمح لها وغادرت على الفور، فبقي الملك مع رنا التي نظرت له بتوتر. ظل واقفاً ينتظر سؤالها التالي، وقد حدث ما توقعته، فسألت: -هل سلمت الفتاة لأهلها؟ بادلها النظر بجمود وجسد متيبس ثم قال:
-هل تريدينني أن أفرج عنها؟ -ياليت. -وهل أنتِ على استعداد لدفع الثمن؟ -وهل الملك ينتظر ثمن مقابل الحق؟ رد ببرود ولا مبالاة: -نعم. -وما الثمن؟ -جسدك. أرتجف جسدها كله من فجاجته وتلك النبرة الجحيمية التي تحدث بها، ودارت بعقلها الأفكار إلى أن هزت رأسها بيأس وأسى ثم قالت: -موافقة. ظل على وقفته يشبك يديه خلف ظهره وينظر لها كأنه ينتظر. تعالت أنفاسها وزادت ضربات قلبها من الخوف والهلع تحت نظرات عيناه الباردة.
لحظات لن تنساها طوال حياتها، وانتظاره يوترك أكثر، فشرعت بفك أزرار فستانها الأحمر، تخلعه عنها وهي ترتجف وتبكي بصمت تام، وقبضت على قميصها الداخلي كي تخلعه كذلك، لكن الملك هتف بحدة: -توقفي. بالفعل توقفت عن خلع آخر قطعة تفصلها عن التعري، فقال:
-من أنتِ لتكوني أحن على رعيتي أكثر مني وأعدل.. تلك الفتاة حلت قصتها منذ أيام، وسننت قانوناً يجرم تلك العادة في قبيلتها وما يماثلها من عادات تتعدى على حقوق المرأة، والآن هيا غادري، لا أريد رؤيتك. لم تكن تعلم بتلك اللحظة هل تفرح أم تحزن، لكنه صرخ فيها: -هيّا غادري حالاً. خرجت من عنده بحزن تجر قدميها جراً، والحزن واليأس وقلة الحيلة تسيطر عليها.
فيما وقف الملك حزيناً لأنه رغم ما سمعه عنها، ما زال لديه حنين تجاهها، لا يعلم ماذا يفعل معها. مرت الأيام وهو يمنع نفسه بالقوة من رؤيتها أو الذهاب إليها. وذات يوم، كانت أنجا تجلس في غرفتها تدرس بعض الأوراق المهمة، فإذا بها تجد خادمتها تدخل وهي تلهث ثم قالت: -سيدتي، سيدتي. -ما بكِ؟ ماذا جرى؟ -لقد هربت الفتاة البيضاء. هبت أنجا من مكانها بصدمة: -ماذا؟! كيف؟ -لا أعلم. -وهل علم الملك؟ -لا، حتى الآن لم يصله الخبر.
وقفت أنجا وعقلها يكاد يجن، كيف هربت ومن ساعدها؟ فهي بنفسها سبق أن ساعدتها وفشلت، فمن ذا الذي نجح في مساعدتها، وكيف ستخبر الملك بما جرى؟؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!