في غرفة مراد، كانت حورية تقف أمامه وتنظر إليه بتوتر وهي تراه يغلق الباب. عندما وجدته يقترب منها، شعرت بنبضات قلبها تتسارع. أما مراد، فوقف أمامها وهو يبتسم ابتسامة واسعة وظل ينظر لها بتمعن. فهو ما زال لا يصدق أنها أصبحت زوجته، تلك الحورية التي رآها وأسرته بسحر برائتها. لم يكن يدري حينها أنها سوف تصبح ملكه وعلى اسمه.
شعر بتوترها وخجلها منه، فحاول أن يجعلها تأخذ عليه ويعطي لها فرصة لتعرفه أكثر لكي تطمئن. فهو يعلم أن ما مرت به ليس بهين. فأمسك يدها وهو يجذبها له بحيث أصبحت قريبة منه، وأبعد خصلات شعرها وراء أذنها وهو يتحدث بخفوت: "حورية، أنا مش عايزك تخافي طول ما أنا جنبك. وافهمي أني عملت كده عشان أحميكي وأبعدك عنهم، يعني مش قصدي إني أجبرك عليا، فاهماني؟
بس ده ما يمنعش إني معجب بيكي من أول ما شفتك يا حورية. وبطلب منك تديني فرصة إني أقرب منك وأخليكي تعرفيني أكتر وتحبيني كمان." نظرت له حورية بحزن وعيون تلمع بها الدموع. فحديثه قد جعلها تظن أنها أكثر بنت محظوظة على وجه الأرض. كانت سعيدة جداً لأنها تأكدت أنه يكن لها المشاعر مثلها، ولكن للحظة تذكرت أين هي وأين هو. فهو ابن عمدة هذا البلد، شاب وسيم ومتعلم وذو أخلاق يستحق أن يتزوج بنت في مثل ثقافته ومقامه. أما هي، فمن؟
هي مجرد بنت جاهلة. ظروفها المعيشية أجبرته على الزواج منها، فهو لا يستحق منها هذا مطلقاً. فليس رداً للجميل الذي فعله معها أن تجعله في موقف مشين أمام أصدقائه والناس عامة. وقررت أن تبتعد وتجعله يكرهها ويرى أنها ليست مناسبة له. نعم، ستضحي بعشقها له لأنه يستحق أفضل منها. وانتبهت على صوته وهو بيقول لها: "حورية، انتي معايا؟ حسيتك سرحتي، رحتي فين؟ حاولت حورية لملمة شتاتها وأخذت نفس عميق ونظرت له بثقة وتحدثت، وهي بداخلها
تعلم أنها ستخسره للأبد: "سامعاك يا ولد الأكابر وفاهمة حديثك زين. بس أنا متأسفة. أنا مش جايبالك يعني، كتر خيرك طبعاً على وقفتك جنبي، بس أنا مش حاسة بحاجة ناحيتك." وتركته وابتعدت، وأكملت وهي تعطيه ظهرها: "وأنا خابرة زين إنك اتجوزتني عشان أنت شهم وجدع وعشان تحميني من مرت أبوي. بس ده ما يمنعش إني مغصوبة عليك." والتفتت ونظرت له وهي تكمل حديثها:
"بس جميلك ده على راسي وصدقني مش طمعانة في أكتر من كده. كفاية عليا إني بعيدة عنهم. وأنا كمان مش هعطلك عن حياتك، تقدر تعيشها كيف ما تحب." وابتلعت غصة في حلقها وأكملت: "وتتجوز كمان البنت اللي انت رايدها وتليق بيك وباسمك. وأنا اعتبرني خدامة ليك وليها كمان، يعني كيف ما تحب أعمل." واقتربت منه وهي تمسك يده برجاء ودموع: "بس أحب على يدك خليني على ذمتك يعني، متطلقنيش. وأنا والله جميلك ده هشيله العمر كله."
كان مراد ينظر لها بصدمة ولم يصدق ما يسمعه منها. فهو أراد أن يبدأ حياته معها. فهو منذ رآها وتأكد أنها نصفه الآخر، عندما شعر بدقات قلبه فقط وهو معها. ولأول مرة يكون متأكداً من مشاعره هكذا تجاه بنت. يعترف لنفسه أنه عرف قبلها، ولكن كان يتركهم لأنه لم يشعر بتلك المشاعر التي احتلته وهو معها. والآن تخبره أنها مجبرة على الزواج منه وتهين كرامته لهذه الدرجة، وأيضاً تريد منه الزواج بأخرى.
تنهد بضيق ولا يعلم ماذا يقول أو وماذا يفعل. كل ما يشعر به الآن هو الغضب فقط. الغضب المسيطر عليه. فنفض يده عنها وتركها، وأخذ بيجامته ودخل الحمام وأغلق الباب بعنف. أما حورية، فسقطت الدموع من عينيها وهي تراه يتركها ويذهب بعدما سمع حديثها. تعلم أنها كسرت قلبه، ولكن كل ما يتردد في خاطرها أنه يستحق الأفضل. ولكن للحظة تمنت لو يمانع ذلك ويخبرها أنه لن يتخلى عنها ولن يكون لغيرها مهما حدث.
مسحت دموعها بيديها وقامت أيضاً لتغير فستان زفافها. *** كانت يسرا تجلس على السرير وهي تفرك يدها من التوتر. فحِمزة قد تركها ودخل إلى الحمام ولم يعيرها أي انتباه. كانت شاردة لا تعلم ماذا تفعل. فهي أجبرت على الزواج منه، مثله تماماً. كل ما يشغلها الآن هو علاقتها بأختها فرحة، فهي لن تسمح لأي شيء يفرق بينهما. قاطع تفكيرها خروج حمزة. فاقترب منها وتحدث بهدوء: "يسرا، قومي غيري خلجاتك وتعالي عشان عايزك في كلمتين كده."
حركت يسرا رأسها بإيجاب وتركته ودخلت. وبعد قليل فتحت باب الحمام وخرجت، فوجدت حمزة ينظر لها مطولاً مما جعلها تخجل كثيراً. فنظرت في الأرض بسرعة من نظراته المصوبة نحوها. فهي كانت ترتدي بيجامة بكم مجسمة عليها وشعرها الأسود الذي يظهر بياض بشرتها. فكانت جميلة جداً مما جعل حمزة يقترب منها بدون وعي إلى أن وقف أمامها ورفع وجهها بيديه، مما جعلها تنظر في عينيه مباشرة. لا تعلم يسرا لما شعرت بخفقان قلبها في ذلك الوقت، وكأن عيونه تحاوطها. زاغت بعينيها بعيداً.
أما حمزة، فقد انبهر بجمالها واقترب منها دون وعي منه، فأصبحت في أحضانه. فهمس وهو ينظر في عينيها: "إنتي جميلة قوي يا يسرا." ابتلعت يسرا ريقها بتوتر وشعرت بخفقان قلبها وابتسمت بتوهان وهي تنظر في عينيه البنية التي جعلتها تفصل عن العالم بأسره. فقط تسمع صوته وهو يقول بهمس:
"أنا خابر إن بينا اتفاق وأنا عند وعدي ليكي. بس من هنا لحد ما ده يحصل، عايزك ما تتكشفيش مني. ولو احتاجتي أي حاجة، تطلبيها مني. وأهم حاجة يا يسر، أوعاكي تنسي إنك مرتي، فلازم تتعاملي قدام الناس على الأساس ده." حركت يسرا رأسها بإيجاب وهي تقول: "حاضر." وابتعدت عنه بخجل وذهبت تجاه الأريكة. فقاطعها هو وهو يقول: "إحنا لسه جايين، إيه؟ ثم انتي مش واثقة فيا ولا إيه؟ اقتربت يسرا منه بسرعة وهي تقول ببراءة وخجل:
"لا والله، أنا بس يعني، جلت ميصحش إننا ننام جار بعض." وقاطعها حمزة حينما حملها فجأة مما جعلها تصرخ بفزع وذهب بها تجاه الفراش ووضعها به وهو يقول: "مفيش بس، انتي هتنامي جاري، سامعة ولا لأ؟ وتسطح بجوارها هو الآخر وأخذها بأحضان وهو يقول بهدوء: "نامي يا يسرا ومتخافيش، أنا عمري ما هأذيكي أبداً."
ابتسمت يسرا بخجل ولا تعلم لما هي سعيدة بفعله ذلك، ولما لا تقاومه. فقط استسلمت للأمر ونامت وهي تشعر بالأمان بأحضان. أما حمزة، عندما شعر أنها غطت في النوم، ظل ينظر لها بهدوء وقبل مقدمة رأسها وأخذها في أحضانه بتملك وهو يتخلله شعور غريب لكنه جميل. *** في غرفة فهد، كانت فرحة تخرج من الحمام ببطء بعدما ظلت في الداخل وقت ليس بقليل. فعندما دخلوا إلى غرفتهم، جرت هيا ودخلت إلى الحمام بسرعة، ظناً منها أنه سيحميها.
وبعد وقت كثير خرجت وهي ترتدي بيجامة بيتية من اللون الأحمر الستان وعقدة شعرها الطويل كحكة فوضوية، فتمردت بعض الخصلات على وجنتيها. فكانت حقاً كالبدر. ظلت تبحث بعينيها عنه فلم تجده. وضعت يدها على قلبها وتنهدت براحة وهي تقول بصوت منخفض لكنه مسموع: "الحمد لله إن البعبع مش هنا، يا رب يبات بره وميجيش واصل. وإن أما الحج، أعمل نفسي نايمة قبل ما يطلع."
والتفت لتذهب تجاه الفراش، ولكنها وجدته خلفها مباشرة، فقد اصطدمت به وكادت أن تقع لولا أنه حاوطها من خصرها ولحقها من الوقوع في الأرض. أما فرحة، فشهقت بفزع وحاوطت رقبته بيديها خوفاً من الوقوع وابتلعت ريقها بخوف وهي تنظر في عينيه الحادة، وتيقنت أنه سمع كل ما قالته. فلعنت نفسها لغبائها وأبعدت يدها عنه بتوتر. أما هو، فظل محاوط خصرها بيديه وظل ينظر في عينيها وتحدث بمكر وهو رافع إحدى حاجبيه:
"امممم، ما انتي طلعتي قطة أهو وبتخافي. أومال كنت عاملة فيها أسد من شوية ليه؟ واقترب من وجهها أكثر وهي مثبتة عينيها عليه وأكمل: "عرفتي بقى إن البعبع ممكن يطلع لك في أي وقت. أنا لو منك أخاف." وفجأة تركها فسقطت على الأرض. فابتسم بسخرية عليها وتركها ودلف إلى الحمام وأغلق الباب في وجهها. تألمت فرحة وهي على الأرض وعقدت حاجبيها بغضب وهي تتمتم: "مستفز وبارد، أووف."
وقامت من الأرض وذهبت تجاه السرير وأخذت لحاف لها ووسادة وذهب للأريكة لتنام عليها. وعندما سمعت صوت باب الحمام وهو يفتح، أغمضت عينيها بتمثيل. فابتسم فهد بسخرية وتقدم منها بخبث وحملها فجأة، فصرخت برعب وهي تتمتم: "أعععع، نزلني يا فهد، هملني والنبي يا مامااااا." لم يعيرها فهد أي اهتمام، فوضعها على الفراش ووقف أمامها وهو يتصنع أنه يفتح أزرار بيجامته. فصرخت فرحة برعب وتحدثت بتهديد:
"لو قربت مني يا فهد، هصوت وألم عليك الخلق وهقول لأبويا اخليه يقتلك." نظر لها فهد بجمود واقترب منها وهو يتحدث بسخرية: "وهتقوليلهم إيه يا فرحة؟ إن جوزي عايز يقرب مني وأنا بقوله لأ؟ طيب اعملي كده وساعتها شوفي أبوكي هيعمل فيكي إيه. كانك نسيتي إنك مرتي والليلة دخلتنا يا حلوة." قال الأخيرة وهو يمسكها من ذقنها بسخرية.
ابتلعت فرحة ريقها بخوف، فهي تعلم أن ما يقوله فهد صحيح. بل بالعكس، سيقتلها والدها وسيظن بها السوء. شعرت أن دموعها ستخونها وتهبط، ولكن هيهات. فهي فرحة ابنة الحج عمران، فلن تجعله ينتصر عليها أبداً. فابتسمت بخبث وهي تقوم من مكانها: "عندك حق، بس انت مش هتجيبها على نفسك يا فهد إنك تاخدني غصب. وأنا جايلالك إني مش عشجاك ولا رايداك، ولا إيه يا واد عمي؟ أظلمت عيناه مما سمعه منها وأمسكها من شعرها بعنف جعلها
تتأوه وتحدث بغضب جحيمي: "الظاهر إنك لسه متعرفيش فهد عبد الجادر الرفاعي ممكن يعمل إيه لو حد وقف قصاده. مش حتة بنت زيك اللي هتوقف قصادي. وهملهالك لحالها بعينك يا فرحة. خلاص، انتي من هنا ورايح تحت رحمتي. وأنا بقى هوريكي مين هو فهد الرفاعي. وكأنك فاكرة إني سايبك كده عشان حديثك ده؟
لا، أنا ميهمنيش اللي جولتيه ده واصل. أنا هسيبك لأني غرفان منك ومش انتي اللي تملي عيني. وهوريكي. ودلوقتي قومي نامي على الكنبة ومش عايز أشوف خلقتك لحد الصبح. جوووومي." قالها بصريخ جعلها تنتفض وتقوم من مكانها في لمح البصر. أما هو، فاغلق النور ونام على الفراش وهو يشعر بنزيف قلبه الذي يتألم بيد من عشقها، وكيف سيداوي تلك الجراح التي تسببت بها تلك الفرحة. ***
في منزل عزت والد حورية، كان يجلس شارداً في أمر ما. حتى دخلت عليه عزيزة وجلست بجانبه وهي تلوي فمها وتسأله: "مالك يا راجلي جاعد كده ليه وسرحان؟ بتفكر في إيه؟ تمتم عزت بحديث غير مفهوم: "يا ترى ممكن يجي اليوم ويعرف ولا السر هيفضل مدفون؟ بس ولحد امتى؟ ما أكيد هيجي اليوم اللي يعرف فيه. بس ساعتها هيقتلني، مش هيهملني لحالي. لازم محدش يعرف بالحديث ده." وتنهد بحيرة وهو يقول: "يا ترى إيه اللي رجعك بس يا عبد القادر؟
ويعني يوم ما البت تتجوز ما تلاقيش غير العيلة دي؟ يا مرك يا عزت، بس يعني كنت هعمل إيه؟ ماكنش قدامي حل غير إني أوافق." نظرت له عزيزة بشك وتحدثت بفضول وهي تقترب منه: "وإيه حديث إيه ده عاد يا عزت اللي بتجوله؟ وسر إيه اللي لازم يفضل مدفون؟ وإيه علاقة البت حورية بالموضوع؟ ما تتحدت يا راجل." انتبه عزت لما تفوه به واعتدل في جلسته وقال بتهتهة: "هه، مافيش حاجة يا عزيزة. إنتي إيه اللي جابك السعدي أصلاً؟
هملاني لحالي الله يرضى عنك." "وإيه طيب ما تجولي، يمكن أفيدك صدقني." واقتربت منه بمكر وهمست في أذنيه: "بجى هتخبي على عزيزة حبيبتك؟ ها، جولي الحكاية من أولها لآخرها وأنا أوعدك هيفضل سر بيناتنا، ومحدش هيعرفه واصل." نظر لها عزت بقلق منها، ولكن ما باليد حيلة، فاستجاب لها سريعاً وقص عليها كل شيء حدث في الماضي. شهقت عزيزة بصدمة بعدما قص لها عزت كل شيء وتحدثت بغيظ:
"والله كنت خابرة إن الموضوع ده فيه حاجة، وخصوصاً إن معاملتك مع البت كانت مش ولابد. وبعدين أنا مش عارفة إنت إزاي كنت ساكت طول السنين دي يا راجل؟ ده إحنا كان زمانا بناكل الشهد من وراها." وشردت وهي تتحدث بخبث: "بس ملحوقة، أنا بقى مش هضيع فرصة زي دي من إيدي. وأهو بالمرة نضرب عصفورين بحجر." وضحكت بصوت عالٍ جعلت عزت ينظر لها بقلق وخوف من أن تكشف السر الذي إذا انكشف سوف يفتح عليه أبواب جهنم. ***
بعد أسبوع من الأحداث السابقة، كانت فرحة تتعامل من فهد بقسوة، وهي كالعادة صامدة بوجهه ولم تريه ضعفها أبداً أو تجعله يشعر أنه انتصر عليها. أما حورية، فكان مراد يتجاهلها تماماً. وإن بدأت هي طرف الحديث، رد باقتضاب مما جعلها تكره نفسها لأنها السبب في حزنه هكذا، ولكن تظل تقنع نفسها أن هذا هو الأفضل لكليهما. ويسرا، التي يعاملها حمزة بطريقة جعلتها تتعلق به كثيراً، برغم أنها دائماً تذكر نفسها أن لا تنجرف وراء مشاعرها، ولكن رغماً عنها تسلل عشقه لقلبها جعله متيماً به، ولكنها تأبى الاعتراف بذلك خوفاً من العواقب.
في غرفة مراد، كانت حورية ترتدي الحجاب أمام المرآة. فسألها مراد باقتضاب: "إنتي رايحة فين؟ التفت حورية ونظرت له بحزن على تعامله معها هكذا وتحدثت: "أنا نازلة تحت أساعد أما عبلة في البيت والوكل. أنا بقالي أسبوع قاعدة هنا ولا إني عروسة بحج وحجيجي. أعتقد كلياتهم عارفين سبب جوازنا، فملوش لازمة قعدتي وكفاية كده بقى وأنزل أشوف شغلي وأعمل بجلتي." عندما سمع مراد حديثها، لم يستطع أن يتحمل أكثر من ذلك. فاقترب منها وأمسك معصمها
بقوة وهو يتحدث بغضب: "إنتي ليه مصممة تعملي كده؟ ليييه؟ عايزة توصلي لإيه بكلامك ده؟ فهميني. مفكرة نفسك مين عشان ترفضيني؟ هه، إنتي ولا حاجة. وأنا فعلاً اتجوزتك بس عشان صعبتي عليا، أكمن مرات أبوكي بتعذبك. وهعمل بنصيحتك فعلاً، هشوف حياتي وإنتي مش هتكوني أكتر من مجرد خدامة ليا وليها. ودلوقتي يلا انزلي حضريلي الفطار عشان خارج."
ابتسمت حورية بوجع، فهي من فعلت بنفسها ذلك، فلتتحمل إذا عواقب غبائها. حركت رأسها بإيجاب ولم تنطق بحرف وتركته وخرجت من الغرفة بهدوء. أما مراد، فأغمض عينيه بعنف وهو يشعر بدقات قلبه تتزايد كأنها تكذبه وتلومه على حديثه القاسي معها. ولكن مهلاً، فبرغم كل ما قاله له، إلا أن النار التي بداخله ما زالت مشتعلة أثر إهانتها له. فلم تفعل ذلك وهو مستعد أن يفعل المستحيل لأجلها. ***
في الأسفل، كان الجميع مجتمع على سفرة الطعام. وكل من فهد ومراد وحمزة يجلس وبجانبه زوجته، وعلى رأسهم عرفان وبجانبه زوجته عبلة وعبد القادر. فتحدث عرفان بهدوء: "اعملوا حسابكم وفضوا نفسكم عشان هتسافروا مصر كمان يومين عشان فرح بنت ابن زين الجناوي." وقف فهد بعصبية وتحدث: "بعد إذنك يا عمي، أنا شايف إن مراوحنا ملوش لازمة." تحدث عبد القادر بهدوء: "اجعد يا فهد يا ولدي واسمع الأول عمك."
وبالفعل جلس فهد وهو يتنهد بضيق. فهو لا يريد أن يرى ابنه ذلك الرجل المنافس لهم في العمل، فهي حقاً لا تعرف عن الحياء شيئاً، وبحكم دراستها في الخارج وتربية أبيها المدللة لها جعلتها لا تفرق بين الخطأ والصواب. وكثيراً ما كانت تتودد له ولكنه كان يتجاهلها تماماً. وأثناء تفكيره، انتبه لحديث عمه: "فهد، حصلني على المكتب." وتركهم وغادر، فقام فهد هو الآخر وذهب وراءه. وقام مراد وقبل يد أمه بحب وهو يتحدث: "عايزة حاجة يا أمي؟
هروح أنا أشوف شغلي." ابتسمت عبلة وهي تربت على يده: "عايزاك طيب يا ولدي." وبعدما ذهب، نظرت عبلة لحورية وتحدثت لها: "قومي وصلي جوزك للباب يا بتي." حركت حورية رأسها بإيجاب وقامت وذهب وراءه. وقبل أن يخرج مراد، نادته حورية بلهفة: "مراد، استنى أقولك." أغمض مراد عينيه بإستمتاع فور أن نطقت اسمه، ولكن تمالك نفسه والتف لها وهو يتحدث بجمود: "تحدثت بخفوت وهي تنظر له بحزن: "عايزاك طيب، ممكن تاخد بالك من نفسك لو ليا خاطر عندك."
نظر لها مراد بحيرة شديدة: "وهتفرق معاكي إني أبقى كويس؟ معتقدش إني أهمك يا حورية عشان تقولي كده." ولم يكمل حديثه حينما فجأة احتضنته حورية بحزن وتشبثت به وهي تبكي. اتصدم مراد من فعلتها تلك ولم يعد يعلم ما تريده وما الذي تفعله. فتنهد بضيق ثم تحدث لها بهدوء وهو يرتب على ظهرها بحنان: "بتعيطي ليه دلوقتي؟
أنا قولتلك إني مش هغصبك على حاجة. ولو عايزة إننا ننفصل، حاضر، هعملك اللي انتي عايزاه ومش هجبرك تعيشي معايا. وبرضه لو عايزة تفضلي عايشة هنا وإنتي مراتي، أنا موافق، متخافيش." توقع بعد حديثه ذلك أنها ستهدأ، ولكن على العكس، حديثه قد جعلها تبكي أكثر. فرفع وجهها بحيث تقابلت أعينهما وتحدث بحيرة: "بتعيطي ليه تاني؟ مش طمنتك؟ ظلت تنظر له وكأنها تعتذر منه على ما فعلته به وبنفسها وتحدثت بصوت مبحوح:
"أنا آسفة، مش عايزك تكرهني وصدقني هتلاقي الإنسانة اللي تستاهلك." يا الله، لماذا تفعل به ذلك في كل مرة! أغمض عينيه بعنف وأبعدها عنه بهدوء وتحدث بجمود قبل أن يخرج: "ادخلي جوة يا حورية. ولو احتجتي حاجة، كلميني من تليفون أمي لحد ما أجيبلك تليفون." وتركها وغادر وهي ظلت تنظر في أثره بحزن وهي تعلم أنه لا يستحق منها أن تفعل به ذلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!