الفصل 2 | من 12 فصل

رواية فرحة لم تكتمل الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة ابراهيم

المشاهدات
28
كلمة
1,223
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

الساعة كانت 12 بالليل بالظبط. فتحت مريم الظرف بإيد بترتعش. أول حاجة وقعت من الظرف كانت ورقة مكتوب عليها بخط إيد ناعم: "عزيزتي مريم، الرجاء الاتصال على الرقم ده: ٠١٠******* مهم جداً" مريم قعدت على الكرسي اللي جنب الشباك، ضهرها للسرير، والدموع بتلمع في عينيها، وماسكة التليفون بتاعها اللي بقاله أيام ساكت زيها. ضغطت على الرقم. رنت. رنت. وبعدين صوت هادي، ناعم، طالع من وجع أو ندم، رد: "ألو؟ مريم ما اتكلمتش. الصوت رجع قال:

"مي… إزيك يا مريم؟ مريم أخدت نفس طويل، وقالت بصوت خافت: "أديكي بعتّي الجواب لحد المستشفى… يبقى أكيد أنا بخير، أهو." مي سكتت لحظة، وبعدها قالت بنبرة متلخبطة بين الندم والضعف: "أنا آسفة يا ليلى… إنتي كنتي صاحبة كويسة جدًا، بس أنا… كنت دايمًا عايزة حد يخرج معايا، يشاركني حياتي… وإنتي أهلك كانوا حابسينك… حتى في المدرسة ماكنتيش بتيجي غير وقت الامتحانات… والفسحة؟ كانت أمك بتقعد جنبك كأنك في محكمة مش مدرسة." مريم

صوتها اتكسر وهي بتقول: "استكترتي عليه أحمد؟ الحاجة الوحيدة اللي كنت بحبها في حياتي؟ الله يسامحك يا مي." مي بصوت واطي: "مريم… أنا كبرت أوي فجأة… وأحمد قرب مني في وقت كنت ضايعة فيه… وياريتني ما سبتّوش يقرب… سامحيني… وتعالي الفرح بتاعنا، انتي صاحبة عمري." مريم بصت برا الشباك، كانت الدنيا ليل، والسكون بيحاصرها. قالت بهدوء مرّ: "أنا زي ما انتي عارفة… من المستشفى على البيت، وها ارجع تاني للحبسة.

انتي فاكرة إن أمي هتتغير عشان تعبت؟ لا يا مي… هو نفس البيت، ونفس القفص…" سكتت شوية، وبعدين قالت بهمس: "على العموم… ألف مبروك." وقبل ما مي ترد، كانت مريم قفلت الخط. رجعت تبص في الورقة وبعدين قامت بكل هدوء، قطّعتها حتة صغيرة، ورمتها من الشباك. ولما رجعت على سرير المستشفى، عيطت بصوت مش مسموع. الصبح. مريم قاعدة على السرير بتلم هدومها بهدوء غريب، بتحط كل حاجة مكانها، وكأنها بترتب فوضى جواها مش في الشنطة.

خبط الباب، ودخل الدكتور. بص عليها وهو بيقول بلطف: "صباح الخير يا مريم، عاملة إيه النهارده؟ مريم بصت له بنص ابتسامة وقالت: "الحمد لله… كويسة." الدكتور نده: "مدام أحلام… ممكن حضرتك تتفضلي دقيقة؟ أم مريم دخلت، عيونها لسه فيها العتاب البارد، والشك دايمًا سابقها. الدكتور قالها بهدوء: "الأنسة مريم محتاجة تتابع مع دكتور نفسي يا مدام… ضروري." أم مريم رفعت حاجبها وقالت بسخرية: "دكتور نفسي؟!

لا بقى يا دكتور… ده دلع بنات، كلمتين وهي تهدى." الدكتور حاول يفضل هادي: "حضرتك بنتك حالتها مش بسيطة… واضح إن عندها أعراض اكتئاب مزمن… لو ما اتعالجتش ممكن حالتها تسوء أكتر." أمها ردت وهي بتحاول تضحك: "هي هتبقى كويسة، بلاش بقى الكلام اللي يوقف الحال، بنتي زي الفل إن شاء الله." الدكتور اتنرفز، صوته بدأ يعلى:

"بنتك داخلة على عشرين سنة… ومعندهاش أي حرية… نفسيتها مدمرة، وبتنام على دواء، دي مش بنت كويسة… دي بنت بتصرخ وبتكتم صرختها كل يوم! أمها شدّت نفسها وقالت ببرود: "هي عمرها ما خرجت لوحدها… وعمري ما سبتها، ولو سبتها دلوقتي ممكن تستخدم حريتها غلط! الدكتور بص لها بنظرة فيها قهر وقال: "بس الحرمان اللي حضرتك فيه ده… هو الغلط. هو اللي بوّظ نفسيتها." أمها عدّلت طرحها وقالت: "إن شاء الله يا دكتور… خير."

وسابتهم وخرجت… من غير ما تبص وراها. مريم كانت سامعة كل حاجة، قاعدة جنب الشنطة، بتحاول تبلع الغصة اللي واقفة في زورها. بصت للدكتور وقالت بصوت واطي: "أنا كويسة… اتعودت." الدكتور بص لها بحزن وقال: "الاعتياد على القسوة مش شفاء… ده موت بطئ، يا مريم." وهي خارجة من المستشفى، لقيت ظرف تاني صغير متعلق في شنطتها، ومكتوب عليه: "متخفيش هتنسي -أقرب ما ليكي وأبعد من خيالك (ب) مريم باستغراب وحيرة: "مين ده يا ربي؟ أنا ناقصة حيرة."

عدّت شهور. مريم اتغيّرت. بقت ساكتة، بتضحك بس من غير صوت. عينيها ما بقتش بتلمع، وكأن الحياة فيها مطفية. بترد بكلمات قليلة، وبتعمل اللي بيتقالها من غير نفس، لا اعتراض ولا نقاش… مجرد "حاضر" وهمّ جواها مش بيتقال. فمرة، لمّت كل شجاعتها، وقعدت مع أمها: "ماما… أنا عايزة أدخل كلية، حتى لو بره مصر، حتى لو عند أخويا في أمريكا." أمها بصتلها بجمود، وقالت من غير ما ترمش: "كلية؟ وسفر؟

لا. مش هتدخلي كلية هنا ولا هناك. لو عايزة تسافري سافري بس لما تتجوزي، عشان أبقى مطمنة عليكي." مريم سكتت. حتى محاولتها الوحيدة في الهروب اترفضت زي العادة. أبوها؟ مسافر دايمًا، ولو كلمته، هيقول الكلمة اللي حافظاها: "أمك خايفة عليكي." هي ما بقتش عايشة… بقت بتعدّي وقتها. أو بمعنى أصح، بتعدّي عمرها. بقت تكتب روايات وتسمع موسيقى وتغرق في المسلسلات.

بقت السوشيال ميديا عالمها، وهناك، كانت مريم التانية… مريم اللي ليها جمهور بيحبها، وناس بتشجعها وتستناها. وفي عز الغرق ده… جالها عريس. اسمه "آدم"، محترم، شغال في بنك، كل اللي يعرفه يقول عليه "ابن ناس" وكلامه كله ذوق. أهلها وافقوا من أول لحظة… وهي؟ سكتت. أبوها سألها: "مش هتردّي؟ قالت: "براحتكوا…" واتخطبوا. بس مريم؟ ماكنتش مريم. لا خرجت معاه، ولا ردت على رسايله بحنية، ولا حتى ضحكت له ضحكة كاملة. وهو؟ كان بيحاول…

بعتلها ورد، وسجّل لها صوت بيغني أغنيتها المفضلة، وقال: "أنا عايزك تحكيلي عنك…" بس هي؟ كانت كل مرة ترد بكلمة واحدة: "مفيش حاجة." وبعدين… بدأت تفوق. تحاول. تدي فرصة. يمكن ربنا باعت لها طوق نجاة. واقترب يوم الفرح. أهله قالوا له: "يلا يا عريس، خد خطيبتك واطلعوا شوفوا الفستان والبدلة." خرجوا. وفي الطريق، مريم كانت لأول مرة حاسة بحاجة شبه البهجة. مش فرحانة قوي، بس على الأقل مش موجوعة. وقفوا قدام محل فساتين الفرح.

وهي لسه هتدخل… آدم قال: "مريم، أنا عايز أقولك حاجة." قالت بابتسامة مترددة: "طب نخش الأول… وبعدين تقول." قال: "في حد جاي دلوقتي…" مريم استغربت: "مين؟ بص للشارع، وشاور على بنت جاية من بعيد. قال: "دي… دي نورة." مريم ابتسمت بلطف: "أهلاً، مين نورة؟ آدم سكت شوية وقالها بصراحة تقطع القلب: "أنا كنت بحبها… وسابتني، فقررت أخطب أي بنت وخلاص، عشان أغيظها… ولما رجعتلي… سبتك." الدنيا وقفت. مريم ما ردّتش.

بصتلهم وهما واقفين قدامها، إيدهم في إيد بعض، بيبعدوا عنها خطوة خطوة… وكل خطوة كانت بتمسح حلم جديد. قال لها آدم: "مش عايزة تقولي حاجة؟ قالت: "لا… بس بلاش تسيبوا بعض تاني، عشان متوجعوش قلوب ناس تانية." ضحكت ضحكة باهتة، ووجهت كلامها له بهدوء: "مش قد دعوة المظلومين، يا آدم." قال لها: "تحبي أوصلك؟ ردّت: "لا، امشي إنت… أنا هروح عند واحدة صاحبتي." آدم حس بالذنب عشان عارف إنها مالهاش صحاب. قال تمام. نورة مسكت إيد آدم ومشوا.

وقفت قدّام فاترينة الفساتين، عينيها بتلمع مش من الفرحة.. من الوجع. بتتفرج على فساتين الفرح اللي كانت بتحلم تلبس واحد منهم وهي فرحانة، نفس الفستان اللي كانت شايفاه في حلمها من وهي بنت صغيرة، لكن دلوقتي كل فستان بيعدي قدامها كأنه طعنة في قلبها. اثنين… اثنين حبتهم بصدق، بكل براءة، بكل نقاء قلبها. الأول وعدها بالجواز ومشي، وسابها زي صفحة مقطوعة من كتاب. والتاني؟ دخل حياتها زي الضوء… وطلع كدبة جديدة.

وبالرغم من كده، كانت بتديهم حب حقيقي.. حب من القلب، بس يمكن قلبها هو اللي ما يستاهلش! بس يمكن… هي اللي مش محظوظة. يمكن قلبها هو اللي مش بيتشاف. وقفت قدام الفاترينة، بتحاول تضحك على نفسها وتقول: "يمكن لسه بدري، يمكن بكرة يكون ليا حكاية حلوة"، بس الحقيقة إنها كانت بتتقطع من جوا. سكتت للحظة، وهي بتبص على فستان أبيض كأنه بينادي عليها، وهمست: "هو أنا اللي ما اتحبش؟ ولا هو نصيبي اللي ما بيعرفش يفرحني؟

بس يمكن… هي اللي مش محظوظة. يمكن قلبها هو اللي مش بيتشاف… مرّت عربية من وراها بسرعة، خضّتها، بس هي ما اتحركتش، كانت في عالم تاني. أفاقت من شرودها، لفت عن الفاترينة علشان تمشي، لكن قبل ما تخطي خطوة، سمعت صوت من وراها بيقول بصوت عالي: "مريم؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...