دمعة ساخنة سالت من عينيها، عندما شعرت باتهامه الصريح والمهين لها. نفذ صبرها، فقد نالت من الإهانة ما يكفي، فأردفت صارخة بوجهه قائلة: "إنتوا إيه؟ مبتحسوش؟ رد عليا. كل اللي شاغلكم وهاممكم إنها غلطتي! غلط في إيه أنا؟
ما ترد. كل مشكلتي إن فيه بني آدم قذر من أول ما شافني، وهو نازل تهديد وغزل مقرف. طلب مني علاقة غير شريفة. رفضت. فاغتصبني وأنا مش في وعيي. خدرني وسلب مني كل حاجة بدون إرادتي. حتى مشاعري. محدش عمره حس ولا هيحس بيا حتى انت. أنا مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل معايا. والله ما كنت أعرف. للدرجة دي أنا رخيصة في نظركم. عمالين تلطشوا فيا يمين وشمال. حرام عليكم بقى. حرااااااام."
كانت تهتف بكل ذلك، وتسيل الدموع من عينيها الحمراوتين، وهي في حالة غضب هستيري. في حين لم يتمالك آسر نفسه، جذبها لأحضانه ممسكاً برأسها وادفعها في صدره، ليعطيها الطمأنينة. تشبثت بقميصه وهي تنحب قائلة بصوت متحشرج: "مش ذنبي يا آسر. والله ما ذنبي!
مسح على شعرها في حنو. مسكينة ذات العشرين ربيعاً، تحملت ما لم يتحمله عجوز في الخمسين، وذاقت من الألم ما يكفي لهدم جبل. لم يستطع هدمه قوم. يتيمه، مُغتصبه، مُهانه، والآن في أحضانه. استشعر ضربات قلبها القوية أثر عناقه لها، فأردف مهدئاً إياها قائلاً: "ششش. اهدى. أنا جنبك." أبعدته عنها بعنف قائلة بعصبية ومرارة: "ابعد عني. امشي. أنا مش عايزة شفقة من حد. سيبني في حالي وامشي. يلا."
تركها لتهدأ، وخرج. بينما استندت هي بظهرها على الباب، هابطة أرضاً. تمتمت بتعب وتوسل قائلة: "يا رب." *** خرج يسير فلا كل الشوارع التي أمامه، واضعاً يديه في جيب بنطاله، حزيناً على حالها. أقسم أن يتزوجها، ويعوضها عن كل الأسى الذي تعرضت له. شعر بنغزة في قلبه. ظل يسير حتى وصل على إحدى المقاعد التي تطل على النيل. تنهد في غضب، ضيق، عصبية. ثم سحب جاكيته، واتجه لبيته. *** في إدارة أمن الدولة.
جلس سليم بمكتبه رغم السكون الذي عم على المكان في وجود آسر. رفع سليم حاجبيه في استغراب، ونظر لآسر قائلاً: "إيه يا ابني؟ "إيه." "مزاجك شبه وشك." "مش أحسن ما يكون شبه وشك أنت! أردف سليم بجدية: "مالك يا آسر؟ انت مش مظبوط من ساعة ما قبضوا على رامز." تنهد آسر، وقص على سليم ما يجول بباله. فأردف سليم قائلاً: "مش ذنبها يا آسر، وبعدين أنا أول مرة أعرف إنك بتحب! آسر بحنق: "أهو اللي حصل بقى." أكمل سليم متسائلاً:
"طب وانت هتعمل إيه؟ آسر مؤكداً: "هتجوزها طبعاً. أنا بحبها وهحاول على قد ما أقدر إني أعوضها." سليم بنبرة فرحة: "ربنا يوفقك يا صاحبي. قوم انت بقى وافضل وراها لحد ما توافق." آسر متنهداً، وهو يقول: "حاضر." ***
ذهب سليم واتفق مع دادة خديجة على إخبارها بالزواج منه، وأنه سينتظر مجيئها. طلب سليم تزيين المنزل والتورتة وما إلى ذلك. واتصل بالمأذون. طرقت نور باب المنزل. ذهب هو عوضاً عن دادة خديجة، وفتح لها الباب، لتتصدم في بداية الأمر، وتنظر لباب المنزل مرة أخرى قائلة: "هو ده مش بيتي برضه ولا أنا بيتهيألي؟ سليم مبتسماً: "بيتك." فردفت بتساؤل: "امال فيه إيه؟ فتح لها الباب، وأشار بالدخول قائلاً: "ادخلي وانتِ هتعرفي."
تقدمت بخطوات يملؤها التساؤل. رأت البيت مزيناً فاستغربت، وأردفت قائلة: "أنا مش فاهمة حاجة. فين دادة خديجة؟ وقف سليم قبالتها قائلاً: "مبروك يا عروسة." قالت مستنكرة: "عروسة مين؟ أمسك كلتا يديها بين راحتيه في حنو قائلاً: "عروستي أنا. والمأذون جوه، علشان نكتب الكتاب." هبط على قدميه قائلاً وهو يخرج من جيبه خاتماً براقاً: "تتجوزيني! هتفت بفرحة قائلة: "موافقة."
وتعلقت برقبته، في حين ابتسم هو ابتسامته الماكرة، وقد قربت خطته من الانتهاء. أطلقت الدادة الزغاريد بعد أن انتهوا من مراسم كتب الكتاب. لتصبح زوجته شرعاً وقانوناً. وقد وقعت تلك القطة بين أنياب ذلك الأسد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!