شعرت فجأة بيد على كتفها وصوت يقول: -لمار يا بنتي خرجتي من غير ما تقوليلي؟ أدارت رأسها بابتسامة واسعة وقالت: -زهقت، وحابة أقعد لوحدي شوية وأفكر في مكان هادي... أنت صاحي ليه بس يا عم عبدو؟ جلس بجوارها ورمقها مطولاً: -كنت لسه هقولك أني جهزت الاتنين؛ بتاعك جاهز وشهد يلا مخلصة... ابتسمت بامتنان: -والله مش عارفة أشكرك إزاي؟ عبده: -تشكريني إيه بس هو أنا عملت حاجة؟ ابتسمت له. وأدارت رأسها وهي تتأمل البحر بهدوئه.
-الوجع صعب، ولكن الأصعب أن الشخص يحبس نفسه داخله؛ اخرجي من ظلامك لنورك؟ قالها عبدو وهو يرى حزن لمار بادٍ على وجهها. تطلعت به بصمت وابتسمت: -مين قال إني موجوعة، بالعكس الضعف بيقوي والوجع بيعلّم.... التفتت بعينيها للماء مرة أخرى بصمت. بعد صمت طويل نظرت له وقالت: -عمو روح أنت، أنا تمام والله، هفضل شوية بس وهرجع... علم أنها حقاً تريد الجلوس مع نفسها. فنهض ليغادر بعدما اطمأن عليها.
تأملت البحر أمامها وهي تتذكر كلمات أدهم التي تفوه بها. أجل، رأت الكذب بعينيه. أجل، كل كلمة تفوه بها ليست من أعماقه. ولكن من الذي جعله يقول ذلك؟ وما الدافع من تفريقهم هكذا؟ لماذا هو انصاع له؟ كان من الأفضل أن يخبرها وهي تدري ما تفعله. ظهرت فجأة صورة يوسف تطوف على الماء. بفرحة، أمل، اشتياق، شغف، انتعاش. رمقته بشوق يكفي العالم وقد يزيد حتى. بعيون ثاقبة كالصقر عكس ما بداخلها. حادثت نفسها وهي تتخيل هيئته عندما كبر.
وحشتني أوي يا يوسف... ياترى بقيت إزاي دلوقتي؟ هل كويس ولا لأ. ارجع لي يا يوسف، إزاي هان عليك تكون طول السنين دي بعيد عني؟ هو أنت متعرفش إني محتاجالك؟ اااه يا حبيبي لو تعرف قد إيه نفسي أشوفك وأضمك. لو بس تعرف قد إيه مشتقالك. مخطرش على بالي أبداً إنك عايش. وعدتني تفضل جنبي ديما... بس ليه بعدت عني. ارجعلي تعال يا حبيبي... زفرت بضيق وتمتمت قائلة بانقباض: -حاسة إنك موجوع يا حبيبي، يارب تكون بخير وكويس...
حاسة إنك بتناديني بس أنت فين؟ فاقت لذاتها على صوت أذان الفجر يصدح بالمكان. أغمضت عينيها لتستمع له بحب وراحة وأمان وهي تردده بصوت عذب. وعادت لصمتها مرة أخرى. شعرت بخنقة روحها تزداد. وأنفاسها تضيق تكاد تتلاشى. تذكرت ماذا فعلت؟ بتلك الحياة لا شيء. عندما يأتي يوم الحساب بماذا ستجيب؟ فهي بعيدة عن العبادة ولكن قلبها مليء باليقين.
ابتسمت وهي تعاهد ذاتها على أن تتغير بعدما تثأر لنفسها ممن قتل والديها، وفرقها عن أخيها، بمن أهداها أوجاع لا تحصد! نهضت لتعود لتلك الأوضة الصغيرة التي تجلس بها. توضأت ومن ثم وضعت مصلايتها لتصلي. وعندما كادت أن تسجد حتى أجهشت بالبكاء. وكان قلبها يبكي ويئن وينتحب أيضاً. فقد شعرت بكره الدنيا واتساعها. علمت أن كل ذاك زال، إلا أعمالها وهي لم تفعل شيئاً يدخلها الجنة. إنها قد بنت ما لا تسكن، وأجمعت مالا تنتفع.
بكت ببكاء حارق تخشى بأن لا تعود ولكنها على يقين تام أن الله لن يخذلها. ولن تموت إلا بعد أن تثأر لقلبها الذي يحترق. أنهت صلاتها، وتوجهت للتخت، تمددت حتى تغفو في النوم. ولكنه جفاها وابتعد وكأنه أقسم أن يجعلها ساهرة في معاناتها. وضعت يدها خلف رأسها. وشعرت بشيء ينقصها. لقد كانت قبل أن تغفو تطمئن على الجميع فكيف لجفنيها أن تغفو وهي تعلم أن قلب أختها موجوع الآن. وكأن القلوب قد تلاقت وتعاهدا على البقاء.
فقد كانت تنظر من النافذة بدموع لا تفارق عيناها يأبى النوم أن يذهب بها لدنيا أخرى وأن تنسى قليلاً. فالشوق قد لهب قلبها شوقاً. أما مايكل فقد كان يجلس على مقعده ويتأمل محبوبته. تذكر كلماتها. وخوفها عليه. وإحساسها به. تذكر جملته بأن يصلي ويخلق ذكريات جديدة أجمل. نهض وتوجه ليتوضأ ومن ثم صلى. وعندما سجد حقاً أن جل أوجاعه قد خفت. وأن تلك الهموم انزاحت. وأن قلبه ها هو عاد للحياة براحة وأمان وسكينة. تخيل عينيها شعر بالدفء.
أنهى صلاته بعد ساعات. أخرج ما بجعبته لربه ومولاه وشكى له هم الدنيا والحياة الأيام والليالي التي لا تنتهي. سأله أن يحفظ له أخواته وأن يشفي والدته. ودعا لوالده بقلب رحب مطمئن بالإيمان. أنهى صلاته على ذاك الصداع الذي رويداً رويداً يزداد حتى كاد أن يفجر رأسه. كالمجنون رفع يده ليحوط بهم رأسه أراد أن يصرخ ولكن جسده انهار على المصلى. وبعلو صوته هتف: -ياااااارب...
أستمع لكلمات أهدته السكينة. وشفاء لما في قلبه ورأسه أجل لقد كان صوتها يرتل القرآن ترتيلاً بحب وخشوع وهدوء بصوت عذب ينعش الفؤاد الميت. رفع رأسه من بين يديه. وعندما رفعها حتى رأى صغيرته بوجهها الباسم أمامه. ابتسم بفرحة وسعادة وهمس بأمان: -لمار... مد يده ظناً منه أنها أمامها. ولكنها تلاشت تماماً عن ناظره وكأنها لم تكن وتبخرت في الهواء. وقف مسرعاً وهو يتلفت عليها، وعيناه تجوب المكان فلم يجدها. -أنت بخير؟
كان هذا صوت فيكتور الذي شعر بصديقه وأتى ليسانده. نظر له بثبات مغشوش: -أنا تمام. "ابتسم له" صاحي ليه! اللي يشوفك يقول بيحب؟ ضحك فيكتور واقترب منه وقال بأمر: -متهربش من السؤال ولا تكذب. وقولتلك أحنا قلبين في جسد واحد إذا تألم واحد شعر الآخر وإذا أرق الآخر أرق الثاني. ف بأكدلك مش هتعرف تكذب عليا. ها مالك؟ هرب بعينه عنه وقال: -مفيش بجد! بس مشتاق لأميرتي شوية؟ علم فيكتور أنه يكذب فابتسم وأمسك يده ليجلس.
أراد أن يغير مزاجه فقال مازحاً: -إيه رضيت عنك ولا لسه البت دي؟ ابتسم مايكل على ذكرها: -يعني زعلانة ومش زعلانة؟ فيكتور: -فزورة دي ولا إيه؟ مايكل ابتسم: -لا وأبداً يعني ممكن تقول كده اتصالحنا فعلاً... فيكتور بمناغشة: -والله وقعت ومحدش سمى عليك؟ ضحك غصباً عنه وهو يتخيلها وقال: -شكلي كده... بس يرضيك أقع ومتسميش عليا أخ عره صحيح! انفجر ضاحكاً: -لا بس مين قال كده ياعم سميت أول واحد...
ظلوا باقي ليلهم بمناغشتهم وهزرهم من صميم فؤادهم. كادت لمار أن تغفو وتذهب في ثبات عميق. ولكنها نهضت مفزوعة بعدما مكثت وقت بالتفكير والانشغال. استمعت لصوت صراخ امرأة لا تدري من؟ بلهفة وقلق خرجت مسرعة. تقدمت منها امرأة تبكي وتولول وهي تقول ببكاء وجع فؤاد لمار: -الحقي ابني يا بنتي مش عارفة أروح بيه فين ابني هيموت مني... لمار بلهفة: -طب اهدي بس فهميني ماله ابنك؟ كأنها شلت فلا تستطيع التفوه بكلمة. قبضت على معصمها وسحبتها
شبه راكضة وهي تقول بتلعثم: -تعالي شوفييه... لمار ولجت خلفها لتري ابنها ووجدته مغشياً عليه لا يحرك ساكنا. حاولت لمار أن تجعله يفيق فلم تستطع. نظرت لها بحدة وهتفت بصوت عالي: -اهدي بقا واحكيلي ابنك ماله عنده إيه؟ قالت من بين شهقاتها ويدها على موضع قلبها: -هو ليه فترة بيشتكي من قلبه وكشفتله بس الدكتور قال مفيش حاجة؟ لتهمس لمار بخوف: -قلبه... أسرعت لتحمله وركضت به مسرعة لسيارتها وخلفها والدة الطفل.
لمار قادت بسرعة للمشفى. وصلت كانت مستشفى الأميرة. لمار هبطت من السيارة وهي حاملة الطفل. بتأمل نظرت للافتة. وبقدمين لم تعد تشعر بهم كادت أن تقع. سرعان ما أسرعت لتمسك نفسها. لا تعلم ما تلك المشاعر. فاقت على بكاء والدة الطفل الذي يعلو رويداً رويداً. أسرعت خطاها للداخل. وحقاً لم يخيب ظنها. فأول ما لمست قدمها للداخل حتى انهال عليها ممرضين ودكاترة ليأخذوا منها الطفل لغرفة الكشف فوراً.
كانت تشعر بفرحة بداخلها. لا تدري سببها. شعرت ها هنا وكأنها قد وجدت وطنها الذي كانت تائهة عنه كثيراً. وكأن هذا هو بيتها. شعرت بأمان لا نهاية له. وراحة لاول مرة تحس بها. شعرت بوالدة الصبي وكأنها قد كانت متغيبة عن هذا العالم لعالم تاني أو ما شابه. مضت نحوها لتمسك يدها بحنان وقالت بحنو: -متقلقيش هيبقي كويس وهيتعالج ويخف وهيكون أحسن من الأول؟ دي أحسن مستشفى وابنك هيتعالج أحسن علاج! وأنا جنبك متخافيش... عانقتها
بامتنان وهي تقول ببكاء: -مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه؟ فهمست لها بود: -ربنا عمره ما بيسيب حد أبداً هو ديما معاكي فكوني على ثقة أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير. ابتعدت لتنظر لعينها مطولاً وقالت: -أنتي دلوقتي أثبتيلي إن الدنيا لسه بخير وفي ناس لسه بتساعد بقلب طيب وان مش كل الناس بتأذي. أنا مش هنسى جميلك ده طول عمري. لمار كشرت بزعل: -بتشكريني ليه دلوقتي أنتي عايزة تضيعي حسناتي ولا إيه؟ ابتسمت لها بفرحة:
-لا مش عايزة أضيعهم... -هروح أصلي ركعتين. "نظرة لطرف عينها للغرفة التي بها ابنها" وادعي لبني وادعيلك. لمار ابتسمت ببهجة: -ماشي وأنا هصلي معاكي. ثم أكملت باستغراب: -بس هل هنا في مكان للصلاة... صمتت وهي تستمع لصوت يخرج من الغرفة يقول لشخص آخر بلهفة: -بسرعة لازم نطلب دكتور مايكل للعملية لأن الجراحة حرجة ولازم هو يكون موجود دا أكبر جراح والعملية نسبة قليلة.... على سماعها لذلك...
اضطرب قلبها بضجة كبيرة حتى عقلها. لم تعد تحتمل الوقوف فكادت بالوقوع لولا أنها أمسكت بذاك المقعد لتسند عليه وتجلس. مايكل تردد ذاك الاسم على مسامعه. سمعته كثيراً من عبد الرحمن وأمجد وتلك الفتاة التي قبضت عليها. أيحق أنه هو أم لا؟ وإذ هو فلا يوجد مجرم يعشق المال ينهب ويقتل ويخطف بأن يفتح مستشفى كهذه بالمجان وأن تكون على أعلى مستوى. ومن أحسن أجهزتها.
عيناها جابت المستشفى. إنها معقمة جيداً نظيفة يوجد أناس كثيرة تعمل بها. وجميعهم يعملون بجهد. لمعة فرحة. وترقرق الدمع في عينيها وهي تجوب المكان. ما ذاك وكأنها تتخيل. أليست تلك الألوان وذاك البناء قصت على مسامع أخيها أنها تريد المستشفى الخاص بها هكذا؟ أيعقل أنه هو؟ أمل جديد امتلأ قلبها. فرحة لم تعتدها من قبل امتلكت قلبها. فاقت من ضجيج عقلها وقلبها. على صوت والدة الطفل الحزين:
-فيه مكان للصلاة تعالي يلا. جذبتها من معصمها وذهبت. ولجت لتصلي وتركت معصمها. فوقفت محلها. خفقان قلبها وتسارع أنفاسها وكأنها قد دخلت بعالم جديد عالم مليء بالراحة والسكينة والأمان. خالي من الحزن والهم والوجع والمشاكل كأن جل ما بقلبها انسكب من فؤادها بتلك اللحظة. رفعت قدمها بعينان تفيض بالدمع. هبطت دموعها واحدة تلو الأخرى رويداً رويداً. وجدت نساء كثيرة. فمنهن من تصلي ومنهن من تقرأ القرآن.
كانت كالغرفة تشبه الجامع يصلي بها أهالي المرضى لمن أراد الصلاة. ولجت بقلب مليء بالإيمان أشرعت بدأ صلاتها بخشوع تام من فؤادها وجوارحها ويا الله من تلك اللحظة وهي تسجد بين يدي الرحمن وجل ما بقلبها يأخذه هو ليغيره لسعادة وكل الدعوات مستجابة مهما كانت. أنهت صلاتها وجلست بسعادة لا توصف. فاستمعت لامرأة متنقبة تحادث أخرى.
-دكتور مايكل ده الله يباركله في عمره، إنسان زي الملاك كدا بيجي من آخر الدنيا عشان يعمل العمليات والمستشفى مفيش زيها ومش هيكون ومفيش دكتور هيتكرر بعده. كلهم غلوا الكشوفات وعشان تعملي عملية محتاجة لآلافات بس الله يطول في عمره مش مخلينا محتاجين حاجة العلاج هو بيأمنه لينا من حسابه حتى العمليات وكل حاجة ربنا يقدره على فعل الخير. استمعت لأخريات تقول:
-يا حبيبتي داووا مرضاكم بالصدقة. دا الرسول موصي عليها. طلعي صدقة لكل حاجة بتضايقك هتلاقيها فُرجت من عند رب العالمين. لمار استمعت لحديثهم الذي زلزلها. وخرجت أجرت عدة اتصالات ورسائل وغادرت المستشفى. مرت ساعات أشرقت بها الشمس بحياة جديدة ورائعة. كانت تقف لمار بين ناس كثيرة ومن بينهم عم عبدو. تقف أمامه وهي تقول بصدق: -يا عم عبدو أنت اللي هتمسك الجمعية ما حد غيرك مش هثق غير فيك. وبناء الجامع أنت اللي هتباشر عليه.
جاء أن يرفض فقاطعته هي: -وربنا آخر كلام وإلا هزعل. أومأ برأسه مؤكداً بفرحة لتلك الفتاة التي ابتاعت سيارتها. وجلبت كل مالها لتصنع مشروع يسمي "الجمعية الشرعية". اشترت وقد فعلت به مصروفات للأيتام والأرامل والمحتاجين وكل شخص يريد شيئاً ليس بأمكانه. وضعت مبلغ بتلك المستشفى. أجل بماذا ستصنع بسيارتها ستصعد بها وتجول بها لكل مكان تريده ثم بعد ماذا ستجني من ذلك.
بماذا ستفعلها يوم القيامة: فيبطل عمل بن آدم بعد موته إلا من ثلاث "والد صالح يدعوا له؛ وصدقة جارية أو عمل ينتفع به". ماذا ستفعل بمالها هل ستجلب ملابس جديدة وتغير كل شيء وتصرفه بأشياء لن تنفع بعد موتها بل ستكون ثقيلة الحمل ولن تستطيع الصعود. فعليها أن تزرع شيئاً عند موتها يظل يذكر دائماً وأبداً. كانت تقف لمار وبسمة واسعة تزين ثغرها. كحورية رأت مقعدها بالجنة.
تنظر لكل الوجوه التي تتنقل من حولها والسعادة تزين. فكلما رأت أحداً مبتسماً، فرحت أكثر وأكثر. يا بني فالسعادة ليس مفهومها البسمة والضحكة فالكثير يبتسم ويضحك وداخلهم أوجاع لا تحصد. "السعادة" إن أردتها فهي بالقلب تكمن. إن ساعدت أحد. عرفت معنى السعادة. إن أسعدت أحد عرفت معنى السعادة. ولا تظن أن ذلك منسياً فهناك رب يرى أفعالك وإن أسعدت شخصاً سيسعدك الله. إن رضيت أرضاك الله. فالسعادة هي عندما تنشر الضحكة بوجوه الآخرين.
السعادة هي الرضا الرضا بكل ما كتبه الله عز وجل. تقف لمار ببسمة وهي تنظر لكل شيء حولها بفرحة. -لمارررررر أنتي هنا؟؟؟؟ التفتت لذاك الصوت ببسمة وهي تقول: -زيد تعال. أشارت له. ركض مسرعاً نحوها واحتضن وجهها بين يديه وقال بقلق: -أنتي كويسة؟ أومأت برأسها مسرعة، وأمسكت يده وهي تشير إليه: -بص أنا هعمل الجمعية دي للمحتاجين وكل فلوسي فيها وهشتغل عشانهم هما بس. قال مستغرباً: -ليه هتصرفي فلوسك وخلاص؟ ردت بتهكم وهي ترمقه بغيظ:
-يا ابني أنت مش بتفهم؟ "ابتسمت" طب أنا هعمل إيه بالفلوس وفي ناس أولى بيها مني ومن كل حاجة البسمة والضحكة اللي بزرعها على وشهم دي بالدنيا كلها وبتغنيني عن كل حاجة. استدارت وأشارت له بيدها: -شوف كل الناس، دي دي سعادة لوحدها. عيناه تنقلت بينم حقاً ابتسم بفرحة وهو يرى ضحكتهم. جذبته من معصمه دون كلمة وسارت لفترة. لم يسألها شيئاً. وقفت أمام أرض بها العديد من العمال وأشارت بيدها: -وده هيكون مسجد هنا.
بوجه عابس حزين رمقها مطولاً. فأستغرب ذلك: -إيه مالك؟ زيد بتمثيل: -أصلك مش عايزة تشاركيني وأكسب حسنات زيك؟ لمار هزت رأسها: -يا بني هو أنا حوشتك؟ تعرف يا زيد. نظر لها باهتمام فأكملت قائلة: -بيقولوا إن الصدقة بتشفي المريض؟ نظر لها بدهشة وزهول: -لمار مخدش تعبان فينا! ربعت يدها وقالت بهيام: -مش عارفة حسيت إن حد قريب مني محتاجها. نظر لها بدهشة، حتى هتف بعتاب:
-أنتي إزاي تمشي كدا من غير ما تقوليلي، متعرفيش كانت خالتي إزاي من قلقي عليكي كدا؟ أنا كنت بموت كل ثانية عشانك! انتبهت لعم عبده يشير لها من الخلف. فابتسمت باستعجال وقالت: -معلش كنت حابة أفضل لوحدي. سارت من أمامه وهي تصيح: -خلي بالك من كل حاجة هنا لحد ما ارجع تمام. ظنت أنها ستقابل عبدو وتعود فوقف يراقب العمال بصمت ويرى ما ذا يريدون. لمار توجهت لعبدو ووقفت أمامه. فقال بقلق:
-يا بنتي اتأخرتي على طيارتك. يلا مفيش وقت وسيبي كل حاجة أنا موجود. ابتسمت بامتنان له وربتت على كتفه: -حاضر ااهو رايحة، ربنا يخليك يارب انا واثقة فيك طبعاً ومش هسيبك طلباتهم أوامر. ابتسم له بفرح: -حاضر في عيوني؛ ربنا يرضيكي زي ما بترضي خلقه؟ يلا بينا. ذهبت معه بابتسامة مشرقة. هالة تفتح عينيها المنتفخة من أثر البكاء. كحيلة السواد. ذو جسد أصبح هزيلاً ضعيفاً، نحف جسدها.
عيناها جابت الغرفة بوجع. تشعر وكأنها تمكث في سجن مظلم بلي حالك السواد. بين أربع حيطان مليئة فقط بالحزن والهم والوجع وعذاب الفراق والاشتياق. ولجت ريم بكرسيها المتحرك. وجدتها كما هي بل أسوأ حالا. لم تنظر إليها. لم تشعر بوجودها أيضاً إلا عندما. اقتربت ووضعت يدها على كتفها. نظرت لها بعينيها المليئة بالدمع ما لبثت أن قالت بوجع وصوت مهزوز من وجع القلب: -هو ليه ربنا مش عايز ياخدني؟ ليه كل ما بحب حد ياخده مني؟
أنا عملت إيه لكل ده؟ ليه مش مكتوب لي أفرح؟ ولو فرحة أتألم أضعاف الفرح!!! ليه مشوار الحياة صعب كداة؟ أنا عملت إيه عشان كلهم يروحوا ويسبوني؟ أنا عايزة أنتحر وأريح، يمكن أستريح؟ عايزة أنام من غير ما أقوم تاني؟ دنيا وحشة وناسها أوحش، بس السؤال ليه كل ده؟ أنا بجد زهقت ونفسي أموت بقا؟ بس للأسف حتى الموت زعلان مني ومش عايزني؟ مع كل كلمة تلفظ بها؛ تنهمر دموعها كالشلال. ويصرخ ويئن قلبها. وجل جوارحها.
أجهشت ريم بالبكاء أيضاً. ولجت ورد بعدما استمعت لحديثها. وعيناها تطلق شرار بغضب. سارت مسرعة لتتخطى ريم وتصبح أمامها بوجه هالة وصرخت بصوتا عالي أفزع هالة: -هو ليه ربنا مش عايز ياخدك؟
لأن كل شخص له موعد ربنا يأخذ أمانته فيها. لأن ربنا إذا أحب عبداً أبتلاه، لأن الصابرون يأخذون أجورهم بغير حساب. يا شيخة اخمدي ربنا إنه ابتلاك في الدنيا مش في الآخرة. اشكريه على البلاء، لأنه بيحبك عايز يعلي من أعمالك. دي الهموم بعدها فرج وربنا بيعوض. ليه ربنا خد كل اللي بتحبيهم طب أنتي زعلانة ليه؟ هو خد أمانته! أنتي مين عشان تعترضي؟ الرسول مات أولاده ومات ليه ناس كتير غالية ليه مقلش ليه يارب؟
عارفة ليه لأنهم بيواجهوا رب كريم بيعوض وبيجزي كل شخص على قد صبره. لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لو أنتي مش قد الابتلاء تأكدي مكنتيش هتبتلي بيه. بدل ما تقعدي تبكي وتقولي ليه؟ وأنا عملت إيه؟ قومي صلي احكيله اللي في قلبك عشان يطمن قلبك. قربي منه، استغفري، صلي على النبي، "صلى الله عليه وسلم". اقتربت منها بحنان ووضعت يدها على وجنتها: -قومي صلي وأصبري وثقي في الله ورضي عشان ربنا يرضي عنك.
أومأت برأسها ووقفت لتصلي ومعها ورد وريم. ما كادت أن تنتهي من صلاتها حتى شعرت بضعف أكثر وانقباض وأغشي عليها محلها. صرخت ريم بقلق باسمها. وبكت بعجز وقلق. أما ورد فضمتها وهي تنادي باسم أياد. جاء أياد راكضاً على صوت بكائهم. كاد أن يدلف للغرفة فتوقف محله بصدمة. فصاحت به ورد: -هو أنت هتقف مكانك كدة؟ انتبه لذاته ليسرع ليحملها ويضعها على التخت بحذر. بمنزل إيهاب كان يخرج من غرفة تالا إلى غرفته.
أعين بها الدمع. يسير بألم. حتى وقف محله أمام غرفة والده وهو يستمع إليه يقول: -مش فاهم يعني اجتماع إيه....... أنا مش هقدر أحضر بما أن أمجد موجود......... يا عم ماشي أنت واثق فيه؟ أنا لا! خلص الموضوع.... لمار مش هتقدر تعمل حاجة هي دلوقتي في حزنها على موت عمرو دا كفاية شكله بس... دي كانت بتتوجع من صور الأطفال الغريبة ما بالك أنت بابن عمتها اللي ربيته بإيدها. وغير هي مكسورة دلوقتي مس هتقدر تعمل أي حاجة..................
رجعت امتى؟ كان انهاردة الصبح بتسأل ليه؟ .......... تمام سلام وخبرني لما تقابل البنت دي!!!!؟ بدمع سال على وجنتيه. بسهم اخترق قلبه مسموم. همس بصوت مهزوز يئن: -عمرو؟؟؟ جال بخاطره صورته. العجز قد سيطر عليه. لمار مكسورة؟؟؟؟؟؟ قلبه كأن به نار مشتعلة. لم يدري ما عليه فعله. ذهب لغرفته وسرح بتفكيره وهو يبكي على موته. وحالة هالة ولمار الآن.!!!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!