الفصل 25 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
6,604
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل قلبي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والمأثم والمغرم.

أخذتهم ليخرجوا سوياً، وما كادت لمار أن تخطيء من الباب حتى اخترق جسدها برصاص كالـمطر. ردت ذراعيه وهي تسد ذاك الباب لتمنع البنات من أن يخطوا، غير عابئة بالرصاص الذي اخترق جسدها. ووقعت صريعة في بحر من الدماء. أما تلك الدراجة النارية، فأسرعت بالهرب عند وقوعها. صرخ الفتيات صرخة قوية. اقتربت بسنت بعينان تذرف الدمع بصدمة. أما هالة، فحدقت بها حتى أُغشي عليها. انتبهت بسنت فوراً لذاتها، فجذبت هاتفها مسرعة. ورنت على زيد.

وضعت يدها على وجنتها وهوت على وجهها بصفعات متتالية وهي تقول ببكاء: لمار! قومي يا حبيبتي، متسبينيش يا لمار، قومي أبوس إيدك يا حبيبتي، قومي. دا أنتي سندي الوحيد، دا أنا لما بقع محدش بيسندني غيرك. قومي يا أمي، دا أنتي أمي اللي ديما بتحميني وتخاف عليا، وتشلني وقت همي. طب مين هيسندني من بعدك. هزتها بعنف وقوة وصرخت. ضمتها وصرخت صرخة قوية:

لا يا لمار، متسبنيش. حرام عليكي يا حبيبتي، قومي يا أمي، يا أبويا، قومي. قومي بقا، مش لمار اللي تتكسر ولا تقع. يلا قومي بقااااااا. يارب. ضمتها أكثر وارتفعت صوت بكاءها ونحيبها. جاء فهد راكضاً دون كلمة، جذبها من بين ذراعي بسنت وحملها وركض بها للسيارة، وخلفه بسنت. بقيت ورد مع هالة. وحاولت أن تجعلها تفيق، هي وريم. بعد وقت قد نجحوا في ذلك. انعدلت هالة وهي تنظر حولها بتوهان شديد وهمست وكأنها تكذب ما رأته منذ قليل: فين لمار؟

هي مش جت؟ هي كانت هنا صح؟ صمتت ريم إلا من صوت بكاءها. أما ورد، فتقف جوارها بتفكير شديد. رفعت يديها لتغلق أذنيها عن السماع وصاحت بريم: بس بقا اسكتي. بتبكي ليه؟ مش عايزة أسمعك بتبكي. لمار رجعت، هي هنا. أنا رايحة أشوفها. قالت هذه الجملة وهي تهم لتقف. فأمسكت ورد يدها لتجعلها تجلس مرة أخرى وهي تقول في ذات الوقت: متقلقيش، لمار كويسة. نظرت ريم بصدمة لثقتها وقالت ببكاء وصوت بطيء:

خلاص، لمار ماتت. ماتت قدامنا ومقدرناش ننقذها خالص. هي راحت، مستحيل ترجع. اتسعت عينا هالة بصدمة وهتفت بصوت تايه تماماً: مين اللي مات؟ لمار ممتتش. هتفت بها ورد بحده: بس أسكتوا، مش عايزة أسمع صوتكم. نظروا لها بصمت. فنقلت بصرها بهم. وأمسكت بيد هالة وهي تقول: لمار كويسة، والبنت اللي هنا كويسة؟ فقطعتها ريم بذهول: إيه اللي بتقوليه ده؟ لمار خلاص ماتت واحنا شفنا كدا؟ رفعت ورد يدها أمامها لتشير لها بالصمت وتابعت قائلة:

مش ديما العين بتشوف الحقيقة. لمار كويسة، وهي دلوقتي هترجع حق عمرو. أما دي، فهي مش لمار، دي بنت تانية تقرب لفهد وهي بتساعد لمار. نظر ريم وهالة لبعضهم بصدمة. عاودت ريم النظر لورد وهي تقول: يعني دي مش لمار؟ أومأت برأسها. فقالت ريم بتساؤل: انتي عرفتي كل ده إزاي؟ فردت ورد مسرعة: أنا أول ما شفتها وأنا حاسة إنها مش لمار. ففهد هو قلي كل ده. انتبهوا لصوت هالة وهي تقول بتوهان:

بس أنا عايزة لمار. أنا مش عايزها ترجع حق حد خلاص. أنا مش عايزة أخسر حد تاني. كفاية والله، مش قادرة أعيش وجع موت حد غالي تاني. جلست ورد جوارها وأمسكت يدها. لتنظر لها هالة. ابتسمت وأسترسلت قائلة: ليه مش عايزة ترجع حق كل الناس اللي ماتوا واللي عايشين ميتين بحرقة قلبهم؟ هل أنتي من جواكي مش عايزة حق أخوكي؟ طب أنا هقولك حاجة، دا واجب لمار إنها تمسك المجرمين وتسلمهم للمحكمة، مش صح؟

أومت هالة برأسها. أما ريم، فكانت تنصت لها باهتمام شديد، وهي ملتزمة الصمت. ابتسمت ورد وهي تقول:

زمان أوي كان في شاب اسمه "سلمان الفارسي". سلمان فضل يبحث عن الحق أو الحقيقة، فضل يبحث عن النور وعن الدين. سلمان ترك والده غير آسف لفراقه ولا لدينه الذي تربى عليه في سبيل الوصول للحق. فضل يذهب من بلد لبلد لحد ما عرف بقدوم النبي. سلمان واجه حاجات كتير في وصوله للحق. ولكن بإرادته وعزمته وثقته، وصل لغايته. عندما مات الرجل الذي كان يعمل لخدمته، فقال له سلمان: إلي من توصي بي؟

قالوا: مفيش حد زي حالي، ولكن سيظلك زمان النبي المنتظر. قالوا: إنه رسول من الله يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وعلى كتفيه خاتم النبوة. ذهب سلمان للمكان الذي قيل له ظهور النبي فيه. واجه حاجات كتير لحد ما سمع خبر قدوم النبي وذهب له بصدقة، فأعطاها النبي.

"اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وأصحاب إبراهيم إنك حميد مجيد." لصحابه ولم يأكل منها شي. في المرة الثانية أهداه هدية، فقبلها وأكل منها. وفي يوم، النبي بيحضر جنازة، فلحقه سلمان حتى يرى خاتم النبوة. أحس به صلي الله عليه وسلم، فألقى رداءه، فلمّا رأى

سلمان خاتم النبوة يقول: "فانكببت عليه أقبله وأبكي". امتلأت عيون ورد بالدمع، وكأنها ترى أمامها مشهد سلمان وهو يقبل رسولنا. فقالت بدموع لا حصر لها بشرود:

شوفي سلمان انكب يقبل خاتم النبوة بنهم وشغف شديد ورأى النبي. هو مكنش يعرف إنه هيشوفه. شوفي ترك والده في سبيل بس إنه يوصل للحق والحقيقة، لأنه كان متأكد أن هناك دين أحسن من الدين الذي هو عليه. واجه حاجات كتير ممكن تغويه. ولكن ببصيرته النافذة تخطى كل حاجة لحد ما وصل لمبتغاه وشاف رسول الله. هل كان عارف بده؟ هزت رأسها وهي تقول: لا. كانت ريم وهالة ينظرون لها بصمت، إلا من أعينهم التي تذرف الدمع وتتوقان لرؤية النبي كـ سلمان.

أزاحت دمعاتها واقتربت من هالة لتقف أمام عينيها مباشرةً، وقالت بصدق وبراءة وثقة: لمار هتتحاسب لأن ده واجبها، وهي حماية بلدها. لمار مش هتنتقم بس لعمرو، هي هترجع حق بلدها من الدخلاء والأجانب. بتداوي قلوب محروقة على عيالها. طبعاً ربنا هينتقم منهم أشد انتقام وأكبر انتقام، بس من واجب لمار كمان إنها تحمي الناس والأطفال. تخيلي أنتي حد يخطف ابنك في عز النهار ولما يتمسك يطلع براءة؟ عارفة ليه براءة؟

علشان في ناس أغنياء وليهم سلطة يشتروا الناس ويطلعوه براءة. براءة عارفة يعني إيه؟ أما لمار، برغم إن أكيد في كتير عرض عليها وممكن بمال أكتر من مرتبها، بس هي رفضت. لأن الدنيا لسه بخير. لازم تساعديها وتشجعيها إن تكمل وتمسكهم مهما خسرت، كله في سبيل ربنا. محدش هيموت قبل أوانه، فليه الخوف؟ بأعين تملأها الدمع رمقتها بتوهان وقالت: وأنا هساعدها والله. ضمت ورد بحب لصدرها وهي تقول:

بجد، أنتي غيرتي فينا حاجات كتير، مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه. شدت ورد من احتضانها بيديها الصغيرتين وهي تقول: أنا مش عارفة من غير لمار كان حصلي إيه، ولا كنت فين. اقتربت ريم إليهم لتضمهم بقدر استطاعتها. ابتعدت ورد وهي تجفف دموعها وقالت: يلا بينا نروح المستشفى نطمن على البت. أومأوا لها بالموافقة وهبت هالة لتجذب كرسي ريم وتخرج. وتسير ورد جوارها.

♥ اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا. بإحدى غرف المشفى ترقد لمار على الفراش كالجثة. أما فهد، فيقف بقلق شديد وهو يهز بقدميه حتى صاح: إيه يا ميار؟ هي مالها مش بتفوق ليه؟ استدارت برأسها بابتسامة على محياها وقالت:

متقلقش، هتفوق والله وهتبقى كويسة، بس اصبر. وبعدين لازم تكون فرحان، الخطّة نجحت! زفر بارتياح وقال بنبرة تغمرها السعادة: الحمد لله، الله أكبر أنها تمت على خير. أشارت له أن يجلس: تعال نقعد لحد ما تفوق. اتجه ليجلس على أقرب مقعد وهي جواره عن بعد. بعد صمت قطعه فهد بتساؤل: هو أنتي تعرفي لمار من فين؟ أو أقصد إمتى؟ عارف سؤالي رخـم شوية بس فضول بقا. بدمع ترقرق بعينيها، بوجع قلب، ونبرة يفعمها الحزن والوجع قالت:

أعرف لمار من وقت قضية ريم. بصدمة شرد في تلك القضية ليصيح قائلاً باتساع عين: مش ممكن! أوعي يكون أنتي بنت الشاهد الوحيد على القضية اللي اتقتل؟ تذكرت موت والدها، فكان يحادثها في ذات الوقت وكأنها تشاهد ما حصل مرة أخرى أمام أعينها. سال الدمع على وجنتها بغزارة وهمست بوجع: أيوه، أنا بنته. فقال فهد متلهفاً: بس اللي أعرفه إنك كنتي بتدرسي في الخارج. "وبتذكر قال" أنتي اللي قتلتي..... وصمت عن الحديث. فصاحت

وهي تهب واقفة ببكاء حارق: أنا مقتلتش حد، كنت بدافع عن نفسي. ولما جمعت عنه أدلة تدينه، حاول إنه يقتلني. معرفش السكينة غرست في قلبه إزاي، معرفش؟ دي كانت أمنية بابا، وهو حق ريم، وأنا بس كنت عايزة أكمل بداله. بألم لمعاناتها وتفهم قال: الحمد لله. أيتها الفتاة المقنعة. ابتسمت رغماً عنها وهي تقول: مش عارفة ليه لمار طلعت عليا الجملة دي. ابتسم وهو يقول برفع حاجب: هو مضايقك؟ طب دا لقب جميل. واسترسل قائلاً بثقة:

عايز أقولك إن وحدة في شجاعتك عرضت نفسها للخطر عشان براءة بنت زيها، دي تبقى شجاعة منها. البنت الغريبة الجدعة اللي وقفت مع وحدة متعرفهاش، في وقت أهلها كانوا هيتخلصوا منها عشان كلام الناس. دي تبقى بنت بمائة راجل. قطع حديثهم صوت لمار وهي تهمس: فهد.؟ ركض إليها وعاونها على الجلوس. نظرت له باهتمام وقالت: كله تمام؟ فردت ميار قائلة: أيوه، وتصريح الدفن المزيف جاهز؟ كله جاهز، بس دلوقتي انتي كويسة؟ أومأت برأسها وهي تقول:

قولته للمار ولا لسه؟ فأجاب فهد بجدية: هو لسه، بس هي وصلها الخبر أكيد. أطمني. تنهدت بعمق وكأن هماً انزاح. رفعت يدها لوجهها وسحبت ذاك القناع وهي تقول: ياااااربي، القناع ده خانقني أوي. ابتسم فهد مازحاً: بنت وربنا، وأنتي لابسة ما شكيت لحظة إنك شهد. لو باباكي سليم نفسه كان لسه موجود، مكنش عرفك. بألم ابتسمت وقالت: كنت لمار. لمار. مفيش كلام. أنا أتمنى أبقى زيها أصلاً.

بالخارج، وصلا الفتيات. رأت ورد زيد وأياد. فقد كان يجلس زيد بحزن، وألم يظهر على وجهه، وهو ينفث السيجارة بشراهة وكأنه يعاقب نفسه، وجواره أياد. رأت ورد ذلك، سرعان ما ركضت نحوه. وقفت أمامها وجذبته بحده من فمه وألقتها بعرض الحائط. وتردد في ذات الوقت: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه. أستغفر الله العظيم. نظر لها زيد بوجع وتوهان وقال بحده: ليه عملتي كدا؟ فأجابت وهي تضع يدها بخصرها:

عشان حرام ومن الكبائر. أنت كدا بتشيل ذنوب. قوم استغفر ربك عشان يسامحك. مش معنى إنك تحزن فتعمل ذنوب. احزن بس قرب من ربنا أكتر وأكتر عشان يردلك لمار كويسة، عشان يفرج همك ويلبي نداء قلبك. مش تعمل ذنب. اجعل المسجد بيتك. قال أبو الدرداء لشاب: يا بني، فليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "المسجد بيت كل تقي". اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء. اذكر الله دائماً وأبداً عشان يذكرك ويفرج همك.

نظر لها زيد بدموع عالقة بمقلتيه. جذب علبة السجائر ليلقيها دون اكتراث، وهب واقفاً بصمت وغادر. جلست ورد بالمقعد الذي يلي أياد. بينما اقتربت هالة بريم إلى بسنت. نكزت ورد أياد وهي تقول بمناغشة: أنت يا طويل يا هبل؟ رمقها بغيظ وقال: بس يا شبر ونص. أشارت لنفسها وهي تقول: أنا؟ ماشي. وأنت طويل كدا لكل طويل لا يخلو من الغباء؟ أنت ليه مش طالع عاقل لأختك؟ طرق كفاً بكف وهو يقول: يا حول الله يارب. جذبها من مؤخرة رأسها وظل يميل

برأسها ويرفع وهو يقول: أنتي يابت مش بتبطلي كلام ليه؟ أنتي جايالنا منين؟ عايز أعرف. بعدت يده بغيظ ولوت فمها بتهكم وقالت: أنت أكيد غيران عشان مش بتعرف تتكلم كتير زيي، صح؟ ضحك رغماً عنه وقال: بس يا ماما، يلا روحي العبي مع حد قدك كدا، مش أكبر منك. مالت قليلاً عليه وهمست: ليه ياخويا؟ هو أنت شايفني صغيرة عشان يعني قصيرة؟ وبعدين أنت كبير وطويل، أما أنا صغيرة والعمر قدامي؟ ارتفعت صوت ضحكاته عالياً. فهمست بحب وابتسامة تغمرها:

الحمد لله، عرفت أضحكك أخيراً. نظر لها بحب لتلك الطفلة التي تفعل أي شيء لتسعد من حولها ببراءة. قال بمناغشة ودون قصد: بت، أنتي ديما مبسوطة كدا؟ تلاشت ابتسامتها ونظرت له بدمع وهي تشتاق لجدها، فترحمه عليه، وهمست وقالت: مش كل شخص بيضحك بيبقى فرحان، بس في شخص بيكون راضي بقضاء ربنا وقايل الحمد لله. ابتسم لها بإعجاب شديد وغير الحديث وظلا يتنازعان سوياً.

قصت هالة الخطة على مسمع بسنت التي غمرتها الفرحة بفرحة لا مثيل لها وحمدت ربها. كان يسير بألم، يخشي الفراق، ويخشي عليها من الغربة. الخوف يكاد أن يقتله حياً. وكأن قلبه لم يعد ينبض إلا بالألم. فلم تعد به حياة، وكأنه قد فقد كل شيء. فما ذاك القدر؟ لماذا يختبره بأخته الوحيدة؟

لا يدري ماذا تفعل وما سيحصل وسيحدث معها. وجد ذاته لا إرادياً، عيناه تبحث عن مسجد ليجد حياة قلبه. يخطو بقدم ثقيلة وكأنها شلت تماماً عن الحركة، وكأن هناك يد خفية تحركها بثبات. يكاد أن يتعثر ولكنه يسيطر على ذاته بأعجوبة.

دوى أذان العصر بالأرجاء. إنه يخترق السمع أولاً، إلا أنه اخترق قلبه أولاً. فكان ينصت له كأن لأول مرة يستمع إليه. أنصت لكل كلمة ينطق بها المؤذن، وقلبه يردد خلفه. جذبه الأذان لوجهته. فوقف أمام المسجد ينظر له بتردد وخوف لا يدري مصدره. أدمعت فؤاده وقد علم كم كان مقصراً بحرمان نفسه تلك اللذة. رفع قدمه بثقل وخفة في آن واحد، وخطي بثبات للداخل ببطء وعيناه تتفحص المصلين. وقف أمام بابه، فهوى الدمع، فأسرع ليجففه. اقترب

ليقف بصف ورفع ساعديه وقال: "الله أكبر". وانهمر الدمع رغماً عنه وهو يشعر كأنه قد وُلد الآن. فهل كان عايش من قبل؟ أكيد لا. لم يدري أن الصلاة قد انتهت وأن المسجد يكاد أن يخلو من الناس بتاتاً. فلم يشعر بذاته. وكيف يشعر وهو في مقابلة مع الرحمن؟ أخبروني؟

إنه في عالم آخر. إنه هلا وُلد وجاء على تلك الدنيا. بقلب مطمئن بالإيمان، بذكر الرحمن، بقلب يردد "لا إله إلا الله" باطمئنان، براحة لم يعتادها من قبل. أنهى صلاته وجلس ليتنهد براحة لا مثيل لها. غمرت قلبه سعادة عارمة لا توصف. لقد علم زيد وهانت عليه نفسه، فكيف حرم ذاته من تلك اللذة والسعادة؟ لقد غمرت السعادة جوانبه، إنها فرحة عارمة قد هزته وهزت فؤاده. يا ليتهم يستشعرون فرحتك تلك! آه لو علموا مقدار وقيمة تلك السعادة!

يا ليتهم يعلمون! آه يا ليتهم يفيقوا من غفلتهم تلك. فقد أصبح الموت لا يعرف كبيراً ولا صغيراً.

فاللهم خذ أرواحنا وأنت راضٍ عنا. اللهم اغفر لحينا وميتنا. إنهم في غفلة يا الله لا يعلمون أن تلك الحياة ليست سوى دار غرباء وجميعنا راحلون. يموت شبابنا في سن صغير واحد تلو الآخر. اللهم اعف عنهم واغفر لهم، واجعلهم من أهل الفردوس الأعلى. اللهم اهدي شباب أمة محمد ليفيقوا من غفلتهم ليفعلوا لآخرتهم ولجنتهم. ولكنهم يا الله أولعوا بالترف وانغمسوا في نعيم الدنيا. ونسوا نعيم الآخرة ونسوا أنها ليست دار مقام وسيأتي الموت في أي

وقت وأي حين، دون استئذان، دون موعد يأخذهم. لا يدرون أن عليهم أن يعملوا لدار الآخرة، فحينما يأتي لهم الموت يموتوا مطمئنين بأعمالهم الصالحة. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، فإنك تغفر الذنوب جميعاً. اللهم اعفو عنا وارحمنا. ارحم أمواتنا يا الله وخفف عنهم واجعلهم من أهل الجنة. أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله.

أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. أستغفرك يا رحيم يا مجيب يا رحمن يا رحيم يا مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين بأن ترحم أمواتنا وتعفو عنهم وتغفر لهم خطاياهم وتنقيهم.

للهمَّ إنِّي أسْألُكَ بأنَّ لكَ الحَمدَ لا إلَهَ إلَّا أنتَ، المنَّانُ، بَديعُ السَّمواتِ والأرْضِ، ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، أسألُكَ أن تقيني الخوف من الموت. لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ. "ادعوا الآن فلا نعلم متى أجلنا. ادعوا لشباب أمة محمد بصلاح الحال وربنا يرفع عنا البلاء."

اللهمّ ارحمنا إذا أقمنا للسؤال، وخاننا المقال، ولم ينفع جاهٌ ولا مال ولا عيال، وقد حال الحال، وليس إلا فضل الكبير المتعال. جلس على مقعد مكتبه بشرود تام. كأنه فاصل تماماً عن هذا العالم. صورتها لا تغيب عن باله. لماذا كلما ابتعدت عن ناظره أشتاق إليها فوراً؟ تذكر عندما غادرته لترى صديقاتها. فلم يستطع فعل شيء سوى التفكير بها والشوق لها. ذهب ليأتي بها. أرادها فقط أمام عينيه ليتأملها بعشق جارف يغمر قلبه بجنون.

تنهد بضيق واشتياق. فها قد غابت عن ناظره، يشعر أنها فارقته تماماً. يشتاق لصوتها الذي توغل لصميم قلبه. زفر بضيق وهو يريد أن يراها ويفكر كيف يراها وهي الآن بغرفتها، فماذا سيقول لها؟ تردد أيذهب أم لا. لملم شتات ذاته وهب واقفاً وهو يعدل من ياقة قميصه. خطى وما كاد أن يمسك المقبض ليخرج حتى عاد لمكتبه وجلس مرة أخرى. فتح درجاً وأخرج مرآة وهو يعدل من تصفيف شعره. نظر نظرة أخيرة برضا. وعاد بإرجاعها لدرج وهب واقفاً وغادر مكتبه.

صعد الدرج بثبات. وسار ببطء نحو غرفتها. وقف أمام بابها بتردد وعاود تعديل شعره وزفر بعنف. ومد يده وطرق على الباب. ما كاد الباب أن يفتح، حتى اتسعت عيناه بصدمة وصرخ بفزع وهو يبعد للخلف قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إن كان هذا سحراً فأبطله. اللهم إن كان جنناً فأصرفه. أسرعت لتتشبث به وهي تقول برعب: فين فين العفريت؟ فين فين؟ اقرأ بسرعة. اقرأ خليه ينصرف. بسم الله الرحمن الرحيم. فين....

تقول ذلك وهي مغمضة العينين بخوف وتتشبث بذراعه وعن قرب منه. كاد أن يقع من فرط الضحك. فنظرت له بتعجب وهي تقول بتذمر: أنت كنت بتضحك عليا عشان تخوفني؟ فأشار لها وهو لا يستطيع أن يسيطر على ضحكه: لا لا، العفريت قدامي. عيناها جابت المكان بخوف وهي تقول: فين طيب؟ هو أنا ليه مش شايفة؟ أشار بأصبع يده على وجهها وهو يقول: أهوووه، العفريت. يخرب بيت عقلك، إيه اللي عاملة في نفسك ده؟ وضعت يدها على وجهها وقالت بتذكر: دا مسك؟

فقال بضحكة: يا شيخة حرام عليكي، وقفتي قلبي. روحي اغسليه، أنتي مش محتاجة مسك؟ ركلت الأرض بقدمها بطفولة وهي تقول: على فكرة أنا مش عفريت. فأشار لها: بشكلك ده يبقي عفريت. وأصلاً خناقهم ولم يلاحظا وقوف "فيكتور" الذي يقف عن بعد عنهم مستنداً بجسده على الحائط بفرحة لضحكة صديق عمره، فهذه أول مرة يرى لمعة الفرح بعينيها. رمقهم بحب وغادر. ♥ آلَلَهّمً أغُفُر لَيَ وٌلَوٌآلَدٍيَ وٌلَلَمًؤمًنِيَنِ يَوٌمً يَقُوٌمً آلَحًسِآبً ❤

بإحدى غرف منزل "جون"، تقف شهد تنظر من النافذة بشرود تام. اقترب منها أمجد ورفع يده على كتفها، فاستدارت برأسها له. أمجد باطمئنان وقلق من صمته: إحنا لوحدنا دلوقتي. احكيلي مالك؟ ساكتة ليه كدا ومش بتتكلمي؟ أشارت له بوجع: مفيش، بس بفكر. أمجد: في إيه يا بنتي؟ قاطعة باقي جملته وهي تشير له: هش، شهد. شهد وبس. حتى لو لوحدنا، مش عايزة حتى أقل غلطة. أومأ برأسه أسفاً وهمس لها وهو يتحرك ليقف مقابل لها:

طيب احكي إيه بس اللي مضايقك كدا؟ فردت بتوهان وشرد: بفكر، والتفكير هيقتلني. رد بقلق ينهش قلبه: بتفكري في إيه؟ أنا مش عايزك تقلقي، الخطّة هتم بنجاح تام أكيد. هزت رأسها وهي تربّع يديها أمام صدرها: مش بفكر في الخطّة. "كاد أن يسألها إذا بماذا"، فأشارت له بالصمت وهي تقول بشرود وتفكير وتتنهد بوجع: اللي قتل عمرو مش حد غريب. نظر لها بصدمة وأعين متسعة وهو يقول: بتقولي إيه؟ فأشارت له متقطعة: متقاطعنيش.

استدارت للنافذة وأسندت بكفتي يديها وهي تنظر للفراغ أمامها وقالت: لو حد مثلاً غريب كان هيدخل كذا أوضة يدور عنه. كنت هلاقـي كركبـة حتى لو بسيطة. بس اللي دخل عارف وجهته بالظبط. دخل خده ومشـي. معنى كدا حد بيدخل بيتي، بس مين؟ "تذكرت هالة" هالة مستحيل، دا أخوها. ريم ومشـلولة حتى مش هتقدر تمشي. بسنت وبتحبه، متعملـهـاش. طب زيد؟ أنا شك في نفسي إلا هو. أحمد؟ طب دا ابني. فهد؟

وفهد لا برضه. مش عارفة أشـك في مين، بس متأكدة حد منهم. صمتت بتوهان ووجع وتفكير. انتبهت لأمجد وهو يقول: بس في حد أنتي نسيتيه؟ نظرت له بعدم فهم وقالت: أوعي تقول ورد؟ هز رأسه نافياً وهو يقول: عمك رؤوف، ليه مشكتيش فيه؟ بحدة وجدية وثقة هتفت: لا، مستحيل يكون عمي. طبعاً دا بيعتبرنا عياله. أكيد. وأياك تقول عليه كدا تاني، هزعل.

"لا تعجبوا، فإنه تسمى الثقة العمياء. لم تشك به وتثق به، وسيكون هو من طعنها بسهم مسموم بقلبه. ألم يكن هذا هو من أحبته كوالدها وتثق به؟ هذه هي الحياة، فانتظر الغدر من أقرب ما لك." طرق الباب عدنان ودلف وهو يقول بجمود: سيد جون عايزكم تحت. أشارت له لمار: تمام، جايين. ذهب عدنان. لتبتسم لمار بخبث وهي تقول: الواد ده مخبي حاجة، لازم نعرفها. اقترب منها عبد الرحمن وهو يقول بقلق: يا ترى عايزنا في إيه؟ خطت

لتسير من أمامهم وهي تقول: أصل لمار ماتت؟ هبطا للأسفل، فوجدت جون يقف بانتظارهما. تقدمت لتقف أمامه، فـقال بفرحة رأتها في عينه: الكابوس انتهى. لمار خلاص ماتت. مش عارف أقولك إيه؟ ولا أشكرك إزاي! رمقته ببرود وهي تضع يدها بجيبها: خير، عايزني في إيه؟ معنديش وقت. أشار لها بفرحة: الريس أعلن عن اجتماع. متأكد هيكون ليكي. افرحي بقا. من النهاردة هتعيشي ملكة، مش محتاجة حاجة خالص؟

بصمت تام تركتـه يحدث نفسه وذهبت لتصعد السيارة، وهم خلفها. تمتم ببعض الكلمات "جون" وذهب معهم. وصلت لمار ومن معها، رأت الفرحة بكل وجوه الحاضرين عارمة. فهمست بداخلها: هو أنا لدرجة دي؟ موتي فرحة للي زيهم؟ إنهم موتوه؟ رحبوا بها جميعاً، بترحيب شديد وفرحة. والكل يهنئها أجمل التهاني والشكر. ولكنها كانت عيناها تبحث عن سندها، حبيبها، غائبها. فلم تجده. حتى ذلك الشاب "فيكتور" لا يوجد. انتبهت لصوت ذلك الرجل وهو

يقول بفرحة لا مثيل لها: لا أدري ماذا أقول لكِ يا شهد، وكيف أعبر لكِ عن فرحتي؟ فأنـتِ قد فعلتِ ما دمنا لسنوات نتمنى حدوثه، وأنتِ بلحظات فعلتِ ما لم نعرف نحن فعله. أني أهنئكِ عزيزتي. ابتسمت له ببرود وقالت: أنت جيباني عشان كدا؟ أشار لها متعجباً: وهل هذا شيء تافه؟ فردت: لا، بس مش شايفة إنها مستاهلة. دي حاجة سهلة جداً بالنسبة لي. نظر لها وابتسم:

كم أنتِ شغوفة لعملك، ولذلك إليـكِ بالمهمة الثانية، والتي من بعدها ستكوني ذراعي اليمين في كل شيء، شغلي وبيتي وحياتي الخاصة بين يديكِ؟ فردت ببرود: اللي هي؟ ابتسم قائلاً:

كما قلتي، أكبر شحنة مخدرات. أنتي من ستقومين بها، ولكن ستكون غلي اسمك. فإن أمسكتِ، فهي لكِ وليـس لي دخل بكِ. ولا تخافي أن أمسكتِ، فلن أتخلى عنكِ، سأخرجكِ منها بسهولة. والآن أثبتي لي ولاءكِ على الساعة 12 بمنتصف الليل. سأرسل لكِ مكان الشحنة لترحليهـا للقاهرة. استمعت لكلماته ووقفت ببرود وهي تقول: تمام، لقاءنا بالليل إن شاء الله. أشارت له بيدها: سلام. ذهب خلفها اللواء أمجد وعبد الرحمن. أمجد اقترب منها وهمس:

لمار، هتعملي إيه ناو؟ هتعملي إيه؟ أكيد الشحنة دي مش هتوصل القاهرة. ردت ببرود وهي تسير: هتدخل. فقال بغضب: اتجننتي. وقفت أمام عينيه وهتفت: أنا عارفة أنا بعمل إيه؟ فـمتسألش بقا. هل ستنجح لمار بالمهمة الثانية وتستطيع اكتساب ثقته أم لا؟ أحمد أين اختفى؟ ماذا سيفعل زيد أن علم أن أخته بخطر؟ هل سينقذها أم سيكون قد فات الأوان؟ توقعاتكم ورأيكم...

لايك وكومنت وتفاعل حلو بقا بدل ما أبعت لمار تجيبلي الناس اللي بتقرأ وتجري وتسجنهم 😂😂

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...