الفصل 29 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
16
كلمة
4,711
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

تراجعت للخلف قليلاً وزفرت بعمق وركضت مسرعة جهة الطائرة التي على وشك الإقلاع، وهوت بذاتها لتتمسك جيداً بها. ليقول عدنان بذهول: -لااااا. أما يوسف، تراجع للخلف كأنه شُل عن الحركة وكاد أن يقع. ليمْسِكْه رفيقه بيد من حديد وهو يقول بثبات: -لمار قدها، متقلقش، هي عزمت أمرها على حاجة ومش هتتخلى عنها. أهدا وخليك متماسك! كان يرمقها بخوف ينهش قلبه وهو يراها تتسلق بحرافية لتضع يدها على طرف النافذة وجسدها يتطاير في الهواء.

فقرب يده وهو يحاول فك أصابعها التي ممسكة بحافة النافذة. فما كان منها إلا أن قربت يدها من وجهه ولكمته بقوة، ليتراجع للخلف. هوت بقدميها للأعلى لتدلف من النافذة بداخلها بجسدها الرشيق النحيف بمهارة. وعند ولوجها للداخل بقدميها، ركلته بوجهه ليقع على الأرض بتأوه. جذبته بحدّة من ياقة قميصه وما كادت أن تديره لجهتها حتى سددت له اللكمات المبرحة.

كانت تضربه بكل قسوة وبلا رحمة وهي لا ترى أمامها سوى منظر والدها وهو يُذبح أمام أعينها. هوت الدموع على وجنتها. بصمت تام وقلب يئن بآنين الوجع والاشتياق للأحباب. غادروها دون أن يعبؤوا بها، فكانت مرارة الأيام رفيقتها، ووجع ونار فؤادها أصدقاءها المقربين. غابت روحها بغيابهم، ولكن هل تعود لها مرة أخرى؟

كان قلبها كل ليلة يؤرق نومها وهو يشتعل بنار ولهيب الانتقام، والآن قد أثلجته بماء بارد ليهدأ وجعه قليلاً، ذاك الوجع الذي لم يشعر به أحد سواها. فاقَتْ على وقوعه مغشي عليه من بين يديها. أشارت بحدة لشاب الذي يرمقها بخوف وقالت: -ارجع. أومأ بخوف واستدار سريعاً ليعود. يقف يوسف بخوف ووجع يفتك قلبه، وقلق يسيطر على خلايا قلبه. أما فيكتور، فكان يثبته بالكلمات بأنها ستعود.

تهلل وجهه فرحانًا وهو يرى الطائرة تهبط. فأسرع ليختبئ بأعين ثاقبة مثبتها عليها. وقفت أمام الدرج لترفع جون عالياً وتلقي بجسده غير عابئة بشيء. وهبطت الدرج تتخطاها وهي تقول آمرة لرجال الشرطة: -هاتوه. عزمت أمرها على ألا ترجع إلا ومعها عمها، وأن تجد من اشتاق له الفؤاد. أحست بدفء أنفاسه وبحضوره. وقفت مكانها وجالت بعينيها المكان أجمعه بيأس. ومضت بطريقها، بينما ركض خلفها عدنان بإشارة من يوسف. سار بمحاذاتها وهو يقول:

-يا بنتي استني، أنتي كويسة؟ فأجابت بابتسامة رقيقة وكأنها غير التي كانت قبل دقائق بوجهها الغاضب العبوس: -أنا كويسة. تنهدت براحة: أول مرة أحس أني كويسة. خرجت من المطار فحاصروها أدهم وأحمد وبسنت وزيد. ضجة عالية تحاصرها، فصاحت بملل: -بسسس اسكتوا! ألتزموا الصمت جميعًا، فهتفت بوضوح وهي تشير لأحمد: -هترجع أنت وبسنت وزيد وأدهم، ومش هوصيكم تعملوا إيه. انحنت لزيد قليلاً وهمست له بشيء. فقالت بسنت: -طب وأنتي مش هترجعي؟

برفض قاطع قالت: -لا أنا مش راجعة غير ورؤوف تحت أيدي! مش عايزة حد معايا هنا وكلكم ارجعوا! لم يكن منهم إلا الانصياع لأوامرها ورحلوا مسرعين. أما زيد، فآبى أن يتركها. رفع رأسه نحوها وهو يقول برقة باسمًا: -يبدو أنك مش هترجعي إلا ويوسف معاكي؟ ببسمة هادئة وصوت رقيق قالت: -مفيش غيرك بيفهمني! أشار بعينه لها مؤكداً: -متنسيش، أحنا واحد! أحنا بنفهم بعض من قبل ما نتكلم! أشارت له باسمه:

-روح يا زيد واطمن وخليك مع البنات، ومتقلقش عليا، مش هرجع إلا ورؤوف معايا ويوسف كمان. غادر زيد في صمت. استدارت للخلف وعيناها تجوب المكان على أمل أن تراه. اقترب عدنان وهو يقول مستغرباً: -هو أنتي مش هترجعي معاهم؟ أومأت بالرفض قائلة بحسم: -لا مش هسافر حالياً، ولكن هحتاجك معايا. فقال بصوت هادئ: -أكيد أنا معاكي. عايزني في إيه؟ استدارت وهي ترفع رأسها نحوه قائلة وحرارة الغضب ترتفع:

-عايزك تدلني على كل مكان ممكن رؤوف يتواجد فيه! رفعت ساعة يدها قائلة بحدة: -يلا مفيش وقت! أشار ناحية السيارة ليتوجه جوارها بصمت. جلست أمام مقود السيارة وهو جوارها. قادت بسرعة وهي تقول بجدية: -عايزك توديني بيته ولكن من بعيد، قبل ما نوصل تديني إشارة. فقال بدهشة: -حاضر، بس ليه؟ التفتت له بحدة: -من غير ليه! أعمل اللي بقولك عليه وبس! هز رأسه وألتزم الصمت. يقف واضعاً يده بجيب بنطاله يتأملها باسمًا بفرحة.

استدار برأسه نحو فيكتور الواقف جواره قائلاً: -متأكد أنها هتمسك رؤوف؟ أشار له فيكتور بجدية: -أمال؟ طالعة لأخوها! تطلع له بغضب قائلاً: -طب يلا بينا نمشي؟ مضوا ناحية السيارة، ليقول فيكتور ضاحكاً: -يا عم متجوزني أختك دي! أشار له ساخراً: -لا خلاص الحمد لله، قلب أختي مسكون؟ فتح فاهه بصدمة وهو يقول: -بالعفاريت؟ لمار ملبوسة يعني! وانفجر ضاحكاً وهو يقول بتريقة: -وأنا أقول البت بمليون راجل ليه؟ أتاريها عندها ضيوف! ضربه يوسف

على مؤخرة رأسه وهو يقول: -أمشي قدامي وبطل كلام، هو أنت تعديت من مراتي في البيت ولا إيه؟ أشار له ساخراً: -مراتك؟ الله يرحم أيام ما كنت مبحبهاش معرفهاش، مش عاوزها، هحميها بس؟ كان يقلده بكل حرف بمزاح. ليلتقط يوسف مفاتيح سيارته ويقذفها عليه وهو يقول: -سوق وأنت ساكت؟ أحسن لك وخلي يومك يعدي. وصعد من الناحية الأخرى. التقط فيكتور المفاتيح وهو يقول بتذكر: -لا بقولك إيه، أنا هروح أبص على المستشفى وأرجع. وقذف إليه المفاتيح

ليلتقطهم الآخر وهو يقول: -طب احاسب لمار تطلع بطريقك تديك ضربة تطيرك؟ أشار له بغيظ وقاد مسرعاً نحوه بتمثيل بأنه سيخبطه، ليتراجع فيكتور للخلف وهو يصيح بغيظ: -ماشي يا يوسف، لينا بيت يلمنا، حسابك فيه. وتمتم بهمس: -هو أنا أقدر أعمله حاجة؟ كانت أخته جت ما خلتش فيا حتى سليمة! وصل للفيلا ليأخذ طريقه ناحية المكتب عازمًا على رؤية والدته، تلك الجنة التي تعادل الحياة بأكملها.

ولج باسمًا وهو يرى والدته نائمة على الفراش و"حبيبة" تجلس تقرأ قرآن بصوتها الشجي، حتى أنها لم تشعر بوجوده. ليتسلل بخفة وهو يخلع جاكته ويلقي به جانبًا بهدوء، وتسلل على أطراف أصابعه من خلفها، وأغمض عينيها بصمت. رفعت يديها على يده ببسمة هادئة وهي تقول بعشق: -عارفة إنك هنا على فكرة؟ أزاح يدها وهو يرمقها بدهشة. كانت يده اليمنى تحاوط عنقها، خطى ليجلس جوارها على حافة المقعد وهو يقول: -وعرفتي إزاي أني هنا؟

قالت بعينان تنبع بالحب والفرحة وهي تنظر لعينه: -مش مهم، بس أكيد لازم أحس بوجودك وأعرفك من بين مليون شخص! ضيق حاجبيه بدهشة وقال بتريقة: -والله؟ وبتعرفي إزاي بقا؟ رفعت يدها على قلبه وقالت ببسمة هادئة رقيقة: -قلبي بينبض بسرعة لما بحس بوجودك، فعشان كده بعرف! غمرته الفرحة فقبل جبينها بحب، وقال بتذكر: -ماما عاملة إيه النهارده؟ أشارت له بعينها لتطمئنه: -كويسة الحمد لله، متقلقش عليها، هي في عيوني! وأكملت وهي تنهض:

-يلا روح غير هدومك لحد ما أحضرلك الفطار؟ أومأ لها باسمًا بحب وخرجا سوياً، هو صعد لغرفته. وهي اتجهت للمطبخ لتشرع بإعداد الطعام بخفة. بعد وقت ليس بطويل، يخرج يوسف من الحمام مرتديًا بنطال قطني أسود وفوقه تي شيرت باللون الأبيض. كان يشمر ساعديه بفرحة وهو يفعل كل شيء بسرعة حتى يسرع ليجلس معها. ارتفع صوت هاتفه ليجذبه بتأفف وهو يقول: -مش وقتك دلوقتي! رد مقتضبًا وبعد قليل أغلق ببؤس. وتوجه للأسفل.

ولج للمطبخ ووقف مكانه يتأملها بحب وهو يسند جسده على الجدار خلفه ورفع قدمه اليسرى على الجدار ومربع يده أمام صدره. استدارت لتضع الأطباق فرأته أمامها باسمًا لتبتسم بخجل وهي تقول: -بتبصلي كدا ليه؟ خطي المسافة التي تفرقهم ليصبح أمامها قائلاً بمزاح: -هو أنا بصتلك ولا جيت جنبك حتى؟ رفعت حاجبها بدهشة: -لا خالص الصراحة! فأشار لها وهو يتجه ليجلس: -أيوه يا بنتي طبعاً؟ نكزته قائلة بغيظ: -أنا مش بنتك؟ رفع بصره بها قائلاً: -أمال؟

جلست بالمقعد الذي يليه وهي تقول: -مش بنتك وخلاص؟ فأشار لها وهو يبلع ما بفمه: -يعني مش عايزة تكوني بنتي؟ براحتك؟ فقالت مسرعة: -لا لا بنتك، مش هنكذب إحنا؟ نظر لها قائلاً بجدية: -كنت عايز أقولك أني هاكل وهخرج على المستشفى بمكان مش بعيد من المنطقة هنا، بس احتمال أغيب يومين كدا. أعتصر الألم قلبها وهي تقول: -يومين ليه؟ دول كتير، هتقدر تبعد عن ماما يومين؟ ضيق حاجبيه بدهشة وهو يشير لها: -ماما؟ هااا!

استقامت بضيق وهي تجذب الأطباق متوجهة بعيدًا: -أيوه ماما، أمال مين؟ استدارت برأسها له وبتساؤل قالت: -تشرب شاي؟ استند برأسه للخلف وهو يقول: -ياريت! خطف نظرة سريعة لها ليرى دموعها تهبط بصمت. هب واقفًا ليتجه نحوها قائلاً بحنان وهو يلتقط يديها: -وبنتي ليه مضايقة؟ يا حبيبة بابا، هكون قريب ويومين بس وهرجع. أشارت له بتفهم: -طيب. أشار لها مغادرًا: -هروح أجهز أنا. أومأت برأسه فأدمعت عيناها وهي تقول بألم:

-يارب أسترها، ليه حاسة بحاجة وحشة هتحصل؟ يارب ترجعهولي بخير وسلامة يارب! كان يهبط الدرج وهو يرمقها بحزن لحزنها، توجه نحوها قائلاً: -يا بنتي؟ كانت شاردة بضيق وهي تسند يدها على وجنتها بألم. هزها بخفة لتفوق ونظرت له بأعين دامعة. فقال بحزن: -وبعدين؟ هتمشيني قلقان! هزت رأسها نافية لتحتضنه مسرعة ببكاء حارق لقلبه وهي تقول: -لا متروحش، والله حاسة بحاجة وحشة هتحصل، قلبي مش مطمن أبداً. ربت على ظهرها بحنان بالغ وهو يقول:

-يا بنتي مفيش حاجة هتحصل، والله كلهم يومين وهرجع. أبعدها عنه ليزيح بأنامله دموعها بحنان: -مش عايز أشوف دموعك مرة تانية. أحتضن وجهها بحب: -هكون كويس متقلقيش، خلي بالك من نفسك ومن ماما، ولو في أي حاجة كلميني تمام؟ هزت رأسها برضا. فحاوط كتفها وهو متجها للخارج ويقول: -طب فين ضحكتك طيب؟ لوت فمها بغيظ وهي تقول كالاطفال: -معرفش، روح دور عليها. أستند بظهره على باب السيارة وهو يقول بضحكة: -ادور فين طيب؟

أشارت له وهي ترمقه بغيظ: -أنا مالي، دور عليها! فأشار وهو يضيق حاجبيه: -بقا كدا؟ قطعته وهي تعانقه بقوة، ليشد من ذراعيه عليها بحب وقبل رأسها بحنان وأبعدها قائلاً: -يلا ادخلي جوه، وخلي بالك من نفسك. أشارت له باسمه: -حاضر. بس أمشي انت الأول وأنا هدخل. نطق بها يوسف وهو يصعد سيارته تاركًا الباب. فقالت بتزمر وهي تغلقه: -كدا ويلا باي، أستودعك الله الذي لا يضيع عنده وديعة، وترجعلي بالسلامة.

تهلل وجهه فرحًا لدعائها وأشار لها بيدها ولمعة فرحة تنبع من عينه وقاد ليغادر. ظلت تنظر له حتى غاب عن نظرها لترجع للمكتب. ولجت باكية ونار تشتعل بفؤادها تخشى فراقه وقلق تام يسيطر على ذاتها. لترآها والدته أمل هكذا لتقول بقلق: -مالك يا حبيبتي، بتبكي ليه بس؟ أترمت بأحضانها باكية وهي تقول: -قولتله متسافرش وسافر، وأنا خايفة عليه. ربتت على ظهرها بحنان وتفهم وهي تقول:

-يا حبيبة قلبي هيرجع وهيكون كويس، ادعيله انتي بس، ربنا ينور طريقه. فهتفت بتمني: -يارررب. كان يقود وهو منشغل التفكير في من خطفت منه فؤاده وروحه ليصبحا ملكها. ضحكتها وأبتسامتها لا تفارق عيناه. دموعها تلك أشعلت فؤاده. فقال بوجع: -مش عايزك تحبيني، ياريتني ما عرفتك ولا قابلتك، ياريتك ما حبيبتيني، مش عايز أسيبك على كام ذكرى، بس خلاص أنا خدت قراري ولازم أنفذه. لازم أخليكي تكرهيني، الكره وبس.

لازم أسيب ذكريات توجع قلبك عشان تكرهيني بزيادة، ويارب ما تنسيني. تنهد بوجع وصورتها لا تغيب عن باله. ذهبت لمار برفقة عدنان بكل مكان قد يتواجد به رؤوف دون جدوى. ظلت تبحث عنه لساعات دون ملل، فلديها هدف تسعى له. تجولت ليل نهار بالبحث عنه ولكن لا فائدة. حتى قررت الذهاب إلى منزله لعلها تعلم شيئًا. فاقت من أفكارها تلك. لتتنهد بضيق وهي تقول بيأس: -يارب، لحد الآن لا عارفة فين كلب البحر رؤوف (أمنية على 😹😹) زفرت بعمق وأكملت:

-ولا حتى عارفة فينك يا يوسف؟ وقالت بحيرة متسائلة: -ياترى ليه مش عايز تشوفني؟ ولا عايزني أعرف مكانك؟ ليه يا حبيبي بتوجع قلبي كدا؟ هبت واقفة وهي تجذب مفاتيح الشقة التي تمكث بها حاليًا بالغربة وقالت بتأكيد: -أنا عارفة إنك مش هتستخبي في بيتك، بس على الأقل ممكن ألاقي طرف خيط يوصلني ليك. خرجت وهي توصد الباب خلفها. وهبطت الدرج متوجهة لسيارة لتقودها فورًا ذاهبة لمنزل عمها.

بعد وقت وقفت لتفتح نافذة السيارة تراقب الفيلا عن بعد. رأت أن في غرفتين مضيئتين بهما نور وهذا يدل على أن هناك أحد. بدهشة وصدمة قالت: -ياترى مين هيكون قاعد فيها؟ لازم أعرف. هبطت سيارتها وهي تتسلل بحذر ناحية المنزل برفق. فوجدت بعض الحراس على البوابة عالية الأسوار سوداء اللون. تسللت بخفة لتصبح أسفل الشرفة. وتسلقت بخفة للأعلى بجسدها الضئيل. هبطت من أعلى السور للنافذة.

سارت بخفوت خلف الزجاج ورأت شابًا يجلس على الفراش يعطيها ظهره. كانت تشعر برؤيته قبل ذلك وأنه مألوف لها. فمن يكون؟ وما يفعله هنا؟ هي تعلم أنه ليس لديه أولاد، فمن يكون؟ أما إيهاب، كان يجلس بقلق وهو يهز قدميه. لا يعلم أين والده؟ وهل لمار قبضت عليه أم لا؟ وهل هي كويسة أم لا؟ كان يحس بعجز تام مسيطر عليه وقلب يئن بالوجع. شعر بحركة خفيفة تأتي من الشرفة فنهض واقفًا. وما أن استدار حتى رمقته لمار بصدمة وهي تقول: -إيهاب؟

بيعمل إيه هنا؟ ويعرف عمي إزاي! جال بخاطرها تلك الرسالة لتردد بدهشة: -إيهاب زي أياد، تقصد إيه يا يوسف. انفتح زجاج الشرفة، ووقف إيهاب بصدمة سرعان ما تحولت لوجه متهلل بالبهجة مسرورًا. وأعين تنبع بالفرحة قال بفرحة: -لمار؟ صح أنتي قدامي. ثم فرق عينيه وهو يقول: -وايه اللي هيجبها بس؟ من تفكيري فيها أتجنيت! فقطعه صوت لمار قائلاً بتريقة: -ومين قال أنك أتجنيت؟ ما أنا قدامك أهووو! فهتف بأعين متسعة: -لماررر بجد.

ركض ليضمها سريعًا باشتياق، لتربت على ظهره بحنان أخوي. أبتعد عنها قائلاً بسعادة بالغة بنبرة صوته: -أنتي هنا من أمتي؟ تعالي تعالي نقعد. جذبها من يدها للداخل فولجت معه بصمت تام. جلست جواره فقال بفرحة: -وحشتيني والله وحشتيني أووي. -أنت بتعمل إيه هنا؟ أنت مين؟ تعرف رؤوف منين؟ هتفت بها لمار بصدمة. ابتلع ريقه الجاف بصعوبة وهو يقول بتلعثم: -هو هو الصراحة. أومأت لمار رأسها وهي تقول: -الصراحة إيه كمل. بأعين دامعة هتف:

-أنا أبقى أبنه، بس أوعي تكرهيني، والله ما ليا ذنب في كل اللي حصل. قطعته لمار وهي تضع سبابتها على فمه قائلاً بحنان أخت: -بسسس أسكت، مفيش أخت بتكره أخوها. ضربته على مؤخرة رأسه قائلة: يا غبي! فقال بأعين تشع منها الفرحة: -بجد يا لمار، يعني أنتي مش زعلانة مني؟ ولا هتكرهيني؟ هزت رأسها نافية، ليضمها بحنان مفتقد. أبتعد عنها وهو يرمقها بحب وظل يسألها عن هالة والفتيات ويحكي لها عن كرهه لوالده بفرحة أنها جواره.

نسوا الوقت سوياً وكأن الحياة توقفت بتلك اللحظة. أما هي كانت تنصت إليه بفرحة. كانت ورد تتشاكل مع أياد بسبب التلفزيون، أما هو كان يعارضها على أتفه الأسباب وقد نسي كبر سنه. فمع تلك الطفلة الصادقة تشعره بطفولته التي افتقدها. يقف أياد وهو يرفع الريموت عالياً وهو يقول: -والله يا ورد مش هديهولك، عايز أسمع المسلسل. كانت تحاول جاهدة أن تصل إليه حتى وقفت على أصابع قدميها وتكاد أن تقع وهي تقول:

-يوووه يا أياد هات بقا، عايزة أسمع الفقرة دي لشيخ أحمد مهمة أوي. فقال بعند طفولي: -لا يا ورد، عايز أسمع المسلسل الهندي. وقال بهيام: يا بت دا مسلسل سونا ورهيت، أين أنتي وأين أنا. فصاحت هي بغيظ: -يوووه، يقولي مسلسل هندي. خطرت ببالها فكرة لتجلس على المقعد باللامبالاة وهي تقول: -خلاص يا خويا أتفرج عشان تدخل النار لوحدك، وقتها مش هيكون في فيلم هندي. نظرت له بطرف عينها وهتفت قائلة بعدما وصلت لمبتغاها:

-إن شاء الله تموت ومينفعكش الهندي وإن. قطعها أياد بحسم وهو يقذف لها الريموت: -أمسكي أهووو وأسكتي ومتدعيش عليا، إيه ياختييي، البنات دي صحيح إن كيدهن عظيم. تعالت صوت ضحكات زيد الساخرة وهو يقول: -وربنا تستاهل، أنت طفل عشان تعمل عقلك بعقلها؟ قطعته هالة قائلة: -هي مين دي اللي طفلة؟ دا هو اللي طفل! ارتفعت ضحكات ورد قائلة: -قوليله ياااختي. رمقه أياد بغيظ ليلتقط الوسادة ويقذفها بها. فصرخت ورد بتأوه: -بقا كدا، يارب تموت.

ضرب أياد جبينه بنفاذ صبر. لتقذف ورد عليه الوسادة وهي تقول: -قوم هاتلي أشرب. رد لها الوسادة قائلاً: -ما تجيبي لنفسك وأنا مالي؟ ريم بالمطبخ وأحمد أمامها أمسك من يدها الكأس ليضعه جانبًا. وجثى على ركبتيه قائلاً بصدق ينبع من عيناه: -طب أمال زعلانة ليه طيب؟ كلام، مش عايزة تكلميني، وزعلانة مني وبتهربي بعنيكي. ليه عايز أعرف طيب؟ في إيه لكل ده؟ غضت بصره عنه قائلة بنرفزة:

-قولت مفيش يا أحمد، خلاص بقا واوعى من قدامي، عايزة أعدي. -مفيش خروج غير لما تقوليلي في إيه لكل ده. ربعت يديها أمام صدرها قائلة: -تمام، خلينا كدا؟ كور قبضة يده ليتحكم بعصبيته قائلاً بهدوء: -حبيبتي احكيلي مالك؟ ممكن أنا زعلتك في حاجة وأنا مش واخد بالي. فقالت وحرارة الغضب تتزايد: -وطالما مش واخد بالك، خلاص يهمك ليه أصلاً! فصرخ بها قائلاً بغضب وهو يلكم بيده الحائط لتصرخ هي بفزع: -يا ريم انطقي بقا في إيه؟

دموع انسابت على وجنتها بغزارة وهي تقول بألم: -سافرت من غير ما تقول، مهمكش إن في قلب هيفضل ليل نهار يفكر فيك وهيموت من قلقه. مفكرتش للحظة تعرفني، لكن لا سبتني أتعذب وأنت سافرت. تعالت صوت ضحكاته عاليًا فرمقته بغيظ قائلة: -تصدق إنك بارد. فقال بفرحة وهو يحتضن وجهها بين يديه: -حبيبة قلبي اللي قلقانة عليا، ياااناس أموت أنا؟ فهتفت بحب من بين دمعاتها: -بعد الشر عليك. كاد أن يقترب ليقبل جبينها فتراجع. فجثى أرضًا

بفزع من صوت ورد التي تصرخ: -حررررام، طلعوه براا. وأنفجرت ضاحكة بشدة. أعتدل أحمد ليركض خلفها وهو يقول: -والله أنت اللي حرام، جيالنا منين أنتي يا هادمة اللذات. صاحت ورد وهي تتمسك بيد: -أياد الحقني يخربيتك. فقال وهو يلوي فمه: -طالما فيها يخربيتي، يبقي مليش دعوة بيكي. فقالت بدعاء: -إن شاء الله يعمر بيتك يا أياد ويرزقك ببنت الحلال. ابتسم بفرحة وهو يقول: -وتكون زي القمر ودمها خفيف وعسولة كدا؟ فقالت وهي تتجه لزيد بصوت عالي:

-إن شاء الله تطلع عينك ليل نهار تكون غولة وحولة وعمياء وشعرها منقوش وسودة عشان تشوفها في الضلمة تصرخ وتطير. حدق بها بصدمة فانفجر الفتيات ضحكًا. أما زيد نظر لها بخوف وهو يكتم ضحكته: -خير يا رب، عايزة إيه مني أنا كمان، جننتيهم كلهم، مينفعش نبقى كلنا طيب. استخبت خلفه وهي تقول: -طب خبيني منهم ومش هجننك. فصاح زيد بصوت عالي: -كلكم اقعدوا يلا. بشماتة جلست ورد جوار هالة وهي تغيظ بهم. لتقول هالة بتذاكر:

-لمار وحشتني أوي، هترجع أمتى بقا. فردت ريم قائلة بشوق: -مين سمعك، وحشتني أنا كمان جدًا. فرد زيد قائلاً بشرود: -مش هترجع. واكمل باسمًا: -غير وهو معاها. ظهرت الدهشة بوجوه الجميع ليأكمل زيد قائلاً: -مش هترجع غير ويوسف معاها، يوسف عايش؟ صدمة، ذهول، سيطرة عليهم لتقول هالة: -مش فاهمة، يوسف مين اللي عايش. قص عليهم زيد كل شيء. لتعتلي الفرحة وجوه الجميع. -لا يا ماما مستحيل، ابنك لو عرف هيموتني، والله مقدرش أعمل حاجة زي كدا.

قالتها حبيبة برفض تام لوالدة يوسف. فقالت وهي تحاول الوقوف فهي ما زال التعب قليلاً: -يا بنتي زهقانة من القعدة، خرجيني شوية الجنينة. فقالت حبيبة برفض وخوف: -يا ماما يوسف قالي إنك متخرجيش من هنا، مينفعش. جلست بيأس وهي تقول بحزن: -الله يسامحك، خلاص مش عايزة أطلع. فكرة حبيبة قليلاً لتقول بذاتها: -هو أصلاً مش موجود، يبقي فيها إيه لو خرجتها شوية يعني. هبت واقفة بابتسامة رقيقة وهي تقول:

-تعالي نتمشى شوية، ربع ساعة وندخل على طول. ساندتها حتى خرجوا للخارج. أمل بعتاب: -آه شفتي فيها إيه لو طلعتيني شوية في الهوا كدا، كنت مخنوقة من القعدة. فقالت حبيبة بتوضيح: -يا ماما مش ذنبي، دي أوامر ابنك. ظلا يتحدثان سوياً، ظننا أن لا أحد يراقبهم. فلم تر حبيبة ذاك الحراس الذي عند خروجهم أخرج موبايله ليبعث رسائل لأحد ما بابتسامة خبيثة. جلسا لوقت طويل، يتحدثان بأمور عدة. حتى قالت حبيبة بزهق:

-يلا بقا كفاية كدا عشان لو ابنك عرف هيفرمني. وهبت واقفة لتساندها وقالت أمل بهزار: -أنا هخليه يفرمكن بجد وهقوله طلعتيني. نكزتها حبيبة بخفة وهي تقول: -قوليله ياختيي. ما كادت أن تفتح الباب الذي بداخل المكتب. حتى استمعت لصوت إطلاق نار جعل قلبها يتوقف لوهلة. لتدفع والدته بالداخل فوراً. وأوصدت الباب جيدًا. كانت تطرق على الباب باسمها مرارًا وتكرارًا بخوف.

أما حبيبة فصعدت لغرفتها راكضة. لا يوجد فيكتور ولا أحد، لم تكن تعلم ما عليها فعله. اقتربت مسرعة من النافذة فرأت الحراس تبع يوسف جميعهم صراخًا. وتلك الرجال يقتربون. استمعت لصوت خطواتهم تقترب. فجذبت هاتفها وهي تسرع لتدلف أسفل السرير. رفعت هاتفها بعدما طلبت يوسف والذي رد بجمود: -عايزة إيه؟ خير؟ استمع لصوت بكائها الذي يقطع قلبه أربًا، وصوت إطلاق النار.

بفزع، وصدمة، وقلب قد انسحب من مكانه، وانفاس تكاد تتلاشي. وكأن هناك من يسحب روحه بلا رحمة. هب منعدلاً ليركض بسرعة للخارج وهو يهبط الدرج. الدرجة بدرجتين بلهفة حتى صعد سيارته وهو يتنفس بصعوبة من شدة تعبه ورأسه. وقال باطمئنان ببسمة هادئة عكس العاصفة التي بقلبه: -حبيبتي أهدي، أنا معاكي، فين فيكتور هااا. استمع لصوت صراخها ظل يردد اسمها دون جدوى ليسرع من قيادته منطلقًا بقلق وهلع وفزع وخوف.

صوت بكائها لا يفارق مسامعه فيذبح قلبه وجعًا. بيدين مرتعشتين أمسك الهاتف ليرن على فيكتور لعله يصل قبله فينقد معشوقة قلب أخيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...