الفصل 28 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
19
كلمة
4,440
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

جذبها من معصمها دون كلمة ليصعد بها الدرج. فقالت بتزمر: -أنت كل شوية تشدني كدا فين الذوق؟ فتح باب غرفته وألقاها بقوة داخلها ودخل وهو يوصد الباب خلفه. أستدار لها بحده وأشار لها: -عايزة أيه؟ وقفت بتردد وهي تهمس بذاتها: -ماله ده هو لحق نسي يعني؟ معلش يا حبيبة فكريه! علي الأقل تكسبي ثواب فيه. رفعت بصرها فلم تجده، أستدارت فوجدته يجلس علي الأريكة وبيده الريموت ويقلب بعشوائية. أتجهت لتقف مقابل له وحجبت عنه الرؤية وهي تقول:

-عايزة أعرف كل حاجة ودلوقتي؟ أنت مين؟ ليه مش عايز لمار تعرف أنك عايش؟ ليه عايز تفضل بعيد عنها؟ وإذا أنت فعلاً يوسف كنت فين كل الفترة دي؟ وضعت يدها علي مقدمة رأسها بتذكر وقالت بدهشة: -أيوه فهمت عشان كدا بابا وأدهم وافقوا علي زواجنا. معني كدا أن بابا عرف أنك عايش؟ ودلوقتي بقا أحكيلي كل حاجة! رمقها بحده مزيفة وهو يشير لها: -أوعي يا حبيبة وتعالي يا ماما أقعدي جنبي أسمعي مسلسل "أين أنتي وأين أنا" وربنا يهديكي ويصبرني!

رمقته بغيظ وقالت بطفولة: -نعم "أين انتي واين انا" مين دي وربنا لتحكيلي كل حاجة دلوقتي! وجدته يميل بجسده علي الأريكة مندمج بالتلفاز. فرمته بخبث وهمست بخفوت: -أتفرج براحتك دا أنا هخليك تتفرج حلو دلوقتي أستني عليا بس أن موريتك. بنظرة ماكرة استدارت لتغلق التلفاز وتمتمت: -أتفرج بقا براحتك؟ بتسلية جذب هاتفه من جيب بدلته وظل يعبث به، وهو يخطف النظرات تجاهها بمكر. وقال ليغيظها حتي تجن:

-يا سلام والله تسلم إيد اللي صنع التليفون مريح جداً! كبت ضحكته بصعوبة وهو يراها تكاد تنفجر. حتي أقتربت منه شبه راكضة وجذبت منه الهاتف وهي تخبئه خلف ظهرها. انعدل بجلسته ونظر لها مطولاً. حتي أبرزت عروق يده ظل محدق بها بأعين تكاد تحرقها. فهب واقفاً كمن يستعد للانقضاض علي فريسته. أبتلعت ريقها الجاف بصعوبة وهي تنظر لعينيه بخوف وفزع. تراجعت كم خطوة للخلف. وعندما وقف مقابلها. أخرجت الموبايل من خلفها بابتسامة مزيفة وقالت:

-أتفضل تليفونك أصل وقع منك فعلشان كدا شلتهولك عندي! كبت ضحكته بصعوبة وتسلية وقال بجمود وحسم: -متتكررش تاني أنتي فاهمة. وجذبه منها. عاد ليجلس. وضعت يدها علي قلبها لتهدئه وهي تقول: -الحمد لله أنا لسه سليمة مكلنيش؟ أغمضت عيناها وتنفست بعمق. فتحتهم لتنفزع من رؤيته أمام وجهها. فتعالت صوت ضحكاته العالية علي خوفها. ربعت يدها أمام صدرها وقالت بغيظ: -أضحك أضحك ما أنت عايز تموتني بعمايلك أكيد! ودلوقتي أحكيلي يلا كل حاجة؟

زفر بضيق فمجرد تذكره بكل ما مضى يؤلم قلبه. تنهد تنهيدة طويلة وأستدار ليجلس على الأريكة وأرجع رأسه للخلف وهو يتذكر كل ما مر به. ضيق عينيه ونظر لها بصمت قليلاً. أما هي فشعرت أن ما يخبئه يؤلم قلبه حتماً. تألمت وهي ترى الوجع يتمكن من عينيه واللمعة قد هجرتهم. فأقتربت لتربت على كتفه وقالت بتفهم: -يوسف! "نظر لها" لو مش عايز تتكلم خلاص أنا واثقة ومتأكدة أن عندك أسباب. تذكر شيئاً فجأة فأبتسم لها بحب وجذبها

من معصمها لتجلس وهو يقول: -قعدي وأسمعي كلامي دا كويس وخليكي ديما مفتكراه. جلست جواره فأستدار بجلسته مقابل لها. أنصتت إليه جيداً فأسترسل قائلاً بوجع: -أول حاجة عايزك تعرفي أني عمري ما حبيت غيرك! ولا هحب. ممكن أه معرفشِك من زمن؟ بس الفترة دي كفيلة تخليني أحبك. لما تزوجتك كان في مشاعر نحيتك بس مكنتش مصدقها أو مش عايز أعترف بقا. اتجوزتك عشان أحميكي من جون بس حبيتك. حبيتك شقاوتك وثرثرتك وجنونك.

"أحتضن وجهها بين يديه ونظر لعينها" بقي يومي مش بيكمل غير بيكي وليكي. بقيتي كل دنيتي في لحظة. لو بعدت عايزك تتأكدي أني بحبك. أنتي وقلبي مفيهوش غيرك يا بنتي الأولى. كمان اعرفي اني مش هكون غير ليكي. طول ما أنا عايش. ولو سبتك في يوم متنسنيش وخليكي فكراني وخليكي ديما جنب لمار وأياد وأيهاب. خليكي جنبهم أنتي وأدهم وعيشي حياتك متوقفهاش عشاني. قطعته بدموع تنساب على وجنتها بمرارة وقالت بتوهان: -أنت عايز تسبني؟

أزاح دمعاتها بأنامله وقبل جبينها وهمس أمام وجهها: -مين قال كدا بس؟ بس منعلمش الدنيا مخبيلنا إيه. متقطعنيش وخليني أكمل. رأت بعينيه الكثير من الحديث والوجع فوضعت يديها على يديه التي تحتضن وجهها وأومأت له بعينيها أن يكمل. فتابع قائلاً بهمس: -من غير ما تسألي ليه فأنا مش عايز لمار تعرف أني عايش! بس عايزك تعرفيها أني بحبها وكنت ديما جنبها. هبطت دموعها أكثر وهي تشعر أنه يخبئ شيئاً ما. فأسترسل قائلاً بشرود:

-بنفس اليوم اللي ماتوا فيه أهلي "ابتسم بوجع" ماتوا قدام عيني. كنت ضعيف مش عارف إيه اللي حصل بس لما دخلت لقيت بابا بيدبحوه وأمي مرمية على الأرض ولما وصلت عندهم طعنوني في جنبي. بس أنا فضلت عايش. اللواء سليم الله يرحمه صاحب بابا خدني وسافرني بلاد بره. عشت مع فيكتور وأخوه اللي توفى مايكل وأهله، الله يرحمهم ماتوا في حادثة هما التلاتة. عشت أنا وفيكتور. بعد ما اللواء سليم سبني هنا قلي إن "لمار" و "أياد" توفوا كنت هرجع. بس لما عرفت بموتهم هرجع ليه؟

ولمين؟ فضل عندي هدف واحد بس وهو جون.

تعذبنا كتير أنا وفيكتور بعد أهله ما توفوا واللواء سليم لا بنشوفه ولا بيسأل. أتعذبنا أوووي بس كنا إيد واحدة وأبتدينا من الصفر وكبرنا وتعلمنا واللواء سليم عاد وهو اللي ليه الفضل إني أكمل وتشوفيني زي ما أنا كده. لولاه فا أنا كنت ميت لا محالة. بعد ما فيكتور أسس شركته وبقا شريك لجون ابتداء نوقع فيهم وحدة وحدة هو وديف. مكنتش أعرف إنه هو ولما شفته "ابتسم بمرارة" عرفت إنه عمي. عمي اللي كان بابا بيحبه أكتر مننا وبيعمله أي حاجة وطلباته أوامر. أنا ما شفتوش يوم ما قتل أهلي كان لابس قناع.

قطعته حبيبة قائلة بذهول ودهشة وصدمة: -عمك؟ مش ممكن! أشار لها بالصمت فأنصاعت له وأكمل بوجع: -ليه مش ممكن؟

المهم أبتديت أرقبه عرفت إن ليه ابن "ابتسم بحب وفرحة تنبع من قلبه" أيهاب. وعرفت أنه بيحبه قررت أحرق قلبه عليه وبدأت أتقرب منه لدرجة أكتر من صديق بقيت ليه الأخ والأب. وفي يوم أيهاب كان في شركة والده وعرف بعمايله السودة. وأنا أول واحد جه قالي. بقيت أحرضه على والده وصنعت بينهم شرخ. أيهاب بدأ ياخدني على بيته بس لسبب إني أنقذ أمه من بين إيدين أبوه لأنه بيعذبها. هو اكتشف ده متأخر وقالي إن والدته مشلولة وكان رؤوف جايب وحدة

تربية داده يعني وحصلت بينهم علاقة وجابت "تالا". علاقته كلها محرمة زيه. المهم قررت فعلاً بطيب خاطر أساعده بعد ما شفت قد إيه أيهاب إنسان جميل مش زي والده. مكنتش عارف أكره ولا أؤذيه. ولما عرفني على والدته عرفت إنها أمي ولسه عايشة. أتوجعت لما شفت الحروق والكدمات على إيديها. بس خطفتها فوراً من عنده وجبتها هنا. وهو قلب الدنيا عليها ولما يأس خلاص بقا هيتعب نفسه ليه. بقيت أدور وراءه أكتر وأكتر وأوقعه وأخسره أكتر لحد ما بقي

تحت إيدي ودخلت بينهم أنا وفيكتور وعملنا اسم بينهم وبقينا فوق الكل وعرفت بكل اللي عمله في أهلي وليه؟

لأن بابا عرف بكل جرايمه ووقف قصاده وعشان عينه كانت على أمي. أستدار برأسه للطاولة ودفع الكأس الموضوع. لتصرخ حبيبة بفزع. ظل يتنفس بسرعة وهدء وأكمل قائلاً: -وعرفت أن أيهاب أخويا من أمي واللواء سليم بعد ما عرفت حقيقة عمي قلي إن لمار عايشة هي وأياد. ابتديت أروح هناك أشوفها من بعيد ومتتصوريش فرحتي بقا لما عرفت أنها زي والدها كدا بنت بميت راجل مبتخفش من أي حد وقلبها أبيض بس قاسية وحادة ك السكين محدش يقدر يكسرها.

نظر لها مطولاً بصمت وقال: -بس كل الحكاية، لمار لما فقدت الذاكرة أنا اللي وصلت رسالة من تليفون سليم لوالدك وأنا اللي أدتها حقنة توقف القلب لوقت محدود. بس الزفت عبد الرحمن لما شافها وصلهم خبر وبكدا عرفوا كل عيلتك. ولما أنتي جيتي المستشفى عشان تدربي "ابتسم لها" جيتي ليه مش كفاية المستشفى هناك؟ نكزته بخفة بكتفه وهي تقول: -جيت عشان أتعلم من الأخ مكنتش أعرف إنه هيسرق مني؟ أشار لنفسه بدهشة ورفع حاجبه: -أنا؟ سرقت منك!

سرقت إيه؟ أومأت له بتأكيد: -أيوه سرقت مني قلبي وسرقتني أنا أصلاً. وصمتت بخجل: -كمل؟ تنهد وقال: -بس عرفت إن جون هيعمل حاجة نزلت وقابلت أهلك وأدهم وحكيت لباباكي كل حاجة وكتبت كتابي عليكي. أشارت له بحزن: -كدا بسهولة من غير ما تعرفوني وكمان ولا فرح؟ أشار لها باهتمام: -ليه أنتي كنتي عايزة فرحك يكون إزاي؟ شردت أمامها وهي تقول:

-عريس حلو لا مش مهم الشكل المهم إنه يكون يعرف ربنا ويعاملني حلو ويحبني ويشاركني أحزانه قبل أفراحه وأكون ليه كل حاجة ويعملي فرح كبير لا لا مش كبير. "تتحدث بشرود وهي تتخيل كل كلمة تلفظ بها"

عايزة يكون عادي حتى في البيت وتكون عائلتي حواليا بابا وماما وأدهم ولمار وصحبتي ويكفيني إن هو يكون جنبي والبس الفستان الأبيض والورد في إيدي وبعد ما نزيط ونهيس ياخدني في ليلة في وسط البحر على مركب كبير أووي ويااااه سلام بقا لو كل عائلتي حواليا برضه. بس وأقعد أنا وهو ويمسك إيدي ونتفرج على جمال البحر وعلى النجوم اللي بتحسدنا لحبنا والهواء والطبيعة وكل حاجة. كان هو شارد بتفكيره فكل كلمة تلفظها يتخيلها وكأنه يعيشها بخياله.

صمتت فجأة بحرج فاق لواقعها بابتسامة مشرقة ولمعة غريبة تنبع من عينيه وأمسك يدها بحب وقال: -لو ربنا طول في عمري هعملك كل ده وأكتر؟ وهكون ليكي كل حاجة. أبتسمت له بحب وسعادة خبأت بداخلها. أحمرت وجنتيها. فهبت واقفة وهي تقول: -هنزل أشوف ماما. قبل أن تخطو كان ممسك بيدها وهو يقول: -ماما مين؟ ابتسمت وهي تبعد عينيها عنه: -مامتك يعني. شعرت بارتخاء يده فجأة. وعينه بدأت تضيق وهو يفتحهم ويغلقهم بألم.

رفع يده على رأسه وشعر بدوار الدنيا به فأسند رأسه للخلف بألم. كادت بالحديث فصاح بها: -أطلعي بره. أقتربت منه وهي تمسك يده فأزاحها فوراً بحدة. بدموع انسابت على وجنتها قالت: -مالك حاسس ب إيه؟ فصاح بصوت عال: -بره أنتي مبتسمعيش؟ ارتجف جسدها من صوته وتألم قلبها لوجعه. جلست أمام غرفته تبكي ولا تدري لماذا تارة يعاملها بحب وتارة بقسوة. بكت وهي تشعر أنه يتألم ويخبئ عنها وبكت لقسوته التي باتت تجرحها.

هب واقفاً وسار نحو الفراش وهو يتعثر بسبب الدوخة. جلس وجذب إحدى الأدوية ليأخذها وتمدد بتعب شديد. متكئة بجسدها على المقعد بحزن وعينان توحي للغضب المميت. تجري في اتصالات عدة. تتمنى الوقت أن يمر لكي تحقق ما كانت تسعى له من صغرها. كيف مر هذا الوقت وكانت عمياء لا ترى شيئاً. كيف كان أمامها وهي تبحث عنه. فاقت لواقعها على صوت أدهم: -ممكن أعرف مالك؟ ثانياً أنتي ناوية تقتحمي أمتي؟ رمقته بحدة وقالت دون النظر إليه:

-أولاً مش مسموحلك تسأل مالي! ثانياً في الوقت المناسب هقتحم بم إن القوة في طريقها يبقي خلاص كله هيتم. نظر لها كامل وقال بتساؤل: -طب أفهم أنا! أنتي ناوية على إيه مهما ممكن يغيروا معاد التسليم ويهربوا. هبت واقفة بشرود وسارت ناحية النافذة وهي تقول: -مستحيل يهربوا ويضيعوا صفقة بملايين زي كدا! أنا بالنسبالهم ميتة ولو عشت فمش هيتخيلوا إني أقوم فوراً كدا فمتقلقش كله هيتم. أقترب منها أدهم بأسف وندم وقال:

-ممكن على الأقل الفترة دي بس ننسى أمورنا الشخصية. نظرت له غاضبة وهي تقول: -وأنا من امتى بربط بين شغلي وحياتي!؟ عايز تقول حاجة أقول هسمعك؟ تنهد بضيق وقال: -مش عايزك تقلقي اللواء أمجد رجع واكيد هيعرفهم بكل حاجة. فمتقلقيش. رمقته بلامبالاة وشردت من النافذة. منشغلة التفكير فذاك الشخص الذي لا تعلم له اسم فهو مطلوب للعدالة من كل بلد بأسماء مختلفة وهذا جون واخرهم رؤوف هؤلاء الثلاثة ظلت تفكر كيف ستعذبهم أشد العذاب.

تذكرت شيئاً فاقتربت من أدهم قائلة بحسم: -فين يوسف يا أدهم أنا متأكدة إنك تعرف مكانه وجودك في بيته أكدلي ده. أبتلع ريقه بصعوبة وهو يقول بتوتر ويحاول قدر الإمكان أن يبعد عينيه عن عينيها: -معرفوش يا لمار يوسف مين؟ أنا مش عارف أصلاً تقصدي بيه مين؟ فردت بثبات وثقة: -متهربش ولا تكذب لآني متأكدة إنك تعرف مكانه. نظر لها كامل قائلاً بعدم فهم: -مين يوسف ده؟ ابتسمت بشوق وأعين تتوق لرؤيته: -أخويا. فرد كامل بدهشة:

-أخوكي مشترك معاهم. هزت رأسها بالنفي قائلة: -لا بس أخويا بيوقعهم مش معاهم. ابتسم كامل فقطعته أدهم بغيرة: -لمار أنتي أكيد تعبانة روحي استريحي شوية؟ عشان تفوقي للهجوم وتكوني مستعدة. أومأت برأسها له وذهبت. أمسكت المقبض بصمت وترقب وفتحته بهدوء. طلت برأسها لتجده ممدد على الفراش بوجه يظهر به التعب والوهن. تسللت على أصابع قدميها نحوه وخلعت له حذاءه. تقدمت من رأسه ووضعت يدها على جبينه وجدت الحرارة عادية. جلست وهي تمسك

بيده بحنية وقالت بوجع: -يا ترى مالك يا حبيبي ومخبي عني إيه؟ ليه بتكون كويس وبلحظة تقلب كدا؟ هبطت دموعها بصمت وهي حائرة التفكير به. كادت أن تنهض لتغادر فوجدت يده مقيدة على يدها بإحكام. فلم يكن منها إلا أن جلست جواره ووضعت رأسها على كتفه وهي تشعر بسعادة وأمان لم تشعر بهم من قبل وكأنها ملكت ذاك العالم جميعاً. بالغرفة المجاورة. جالس على مقعده واضع رأسه بين يديه بضيق ووجع يشعر بالوحدة تكاد تقتله.

ماذا هل حقاً سيتركه ويرحل؟ هل حقاً سينتظر موته؟ وما أصعبه من شعور مميت أن يكون من تحبه تنتظر معه الموت ليأتي ويأخذه وأنت عاجز لا محالة؟ كيف سيقف الموت لياخذه منه. أنه من تبقى له في هذه الحياة. فكيف سيتركه. ارتفعت صوت شقيقات فيكتور بحزن وقلب يصرخ من الألم والوجع يشعر بنار تتأجج داخله ولا يدري كيف يطفئها. وتذكر عندما ولج غرفة مايكل وهو يبحث عن إحدى الملفات لتقع عينه صدفة على تقارير.

جذبها وقرأ ما بها ورقة تلو الأخرى بأعين تذرف الدمع ويدين ترتجفان. ألقاهم من يده وكاد أن يقع فأستند على الطاولة ليعتدل. شعر بتوقف قلبه وجسده لوهلة. وجلس على المقعد الذي يليه بصمت تام إلا من دموعه المنهمرة بغزارة. بعد لحظات ولج مايكل فتفاجأ به يجلس هكذا فقال بضحكة: -فيكتور مالك يا بني قاعد كدا ليه؟ وبعدين من امتى وانت هنا!

لم يجد ردًا فاقترب منه بدهشة لعدم رده ووقف مقابل له وأبعد يده عن رأسه ليتفاجأ به يبكي كالطفل الصغير. فقال بقلق: -مالك يا فيكتور في إيه؟ بتبكي ليه؟ دي أول مرة أشوف دموعك في حاجة اتكلم؟ هب واقفاً بغضب وهتف بصوت عال: -لييه؟ وأخذ يكسر بكل شيء أمامه ودفش الطاولة لتتحطم. لم يدري ما به! ولما هو هائج هكذا؟ نظر فوجد تقاريره أرضاً فعلم أنه رآهم فاقترب منه مسرعاً ليحتضنه من الخلف وهو يقول: -طب أهدى بس اسمعني.

صرخ فيكتور بتأوه وكأن أحد طعنه بسكين حاد بنصف قلبه وجثا على ركبتيه. وهو يبكي كالطفل. أحتضنه مايكل مسرعاً وهبطت دموعه هو الآخر. فقال فيكتور بصوت متلعثم باكي: -يعني إيه؟ ها قولي يعني إيه؟ هو أنت عايز تسبني بجد؟ أنت مفكر إني هسمحلك؟ أنت بجد ناوي تسبني. وقال بأمل: -أكيد في حل أنا مش هسيبك كدا نهائي. أحتضنه مايكل مرة أخرى بصمت تام. عاد لواقعه وهو يقول بتذكر ما مروا به من صغرهم: -طب أنا ليا مين غيرك يهتم بيا؟

أنا ليا مين غيرك؟ ازاي طيب أشوفك بتتألم ومعملش حاجة؟ ازاي هستنى الموت ياخدك مني وأنا واقف أتفرج؟ طب ازاي استحمل فكرة بعدك عني. أعيش إزاي من غيرك وانت كل عائلتي انت دنيتي اللي أنا عايش عشانها. وعدتني نكون مع بعض ديما بس دلوقتي مش عايزني ليه؟ تنهد بحزن ووجع وتمدد على الفراش بحزن ودموع لا تفارقه.

فتح عينيه ببطء وهو يشعر بثقل على صدره نظر فأذا به بمعشوقة فؤاده ونصفه الآخر أبتسم بحب وقبل رأسها وشدد على ضمها أكثر وكأنه يستغل كل لحظة ليصنع له ذكريات لن تدوم ضمها بحنان بالغ. وتأمل وجهها مرر يده على وجهها. شعرت بذلك لتتململ بين يديه فتحت عينيها به وأبتسمت. كادت أن تنعدل فتمسك بها أكثر. فقالت بحرج: -يوسف اوعي عايزة أنزل أشوف ماما. فقال بتزمر: -يعني ماما أهم مني؟

طب مفيش مثلاً أنا مبسوطة إني فتحت عيني لقيتك كدا في وشي؟ ابتسمت بأحراج وهي تقول: -بالعكس فعلًا أنا مبسوطة إني فتحت عيني عليك ويارب كل يوم كدا. نظر لها بيأس وأبعد يده وهو يقول: -روحي. رأت تغيره وتقلب ملامحه للحزن بوجع اعتدلت لتغادر الغرفة وقبل أن تخرج نادها. لتستدير له قائلة: -نعم. فأقترب قائلاً: -أنا عندي مشوار واحتمال أغيب بس لامتى مش عارف فخلي بالك من نفسك ومن ماما. تلفوني هيكون جنبي عشان لو احتجتي حاجة.

أشارت له بابتسامة وغادرت بحزن. زفر بضيق واعتدل ليولج للحمام. ولجت "حبيبة" المكتب لتري والدتها فحصتها ووجدت تحسن كبير فهمست بفرحة: -الحمد لله انتي خلاص هتخفي؟ بس عايزكي تساعديني عشان ترجعي تمشي. أومأت برأسها لها فساندتها وساعدتها على الوقوف فانعدلت واقفة وسارت بمساعدة "حبيبة" فصاحت حبيبة وهي تهلل بفرحة وتتنطط بسعادة واحتضنتها بفرحة. وصاحت باسم "يوسف" مرات عديدة.

خرج من الحمام مرتدي بدلته السوداء التي زادته وسامة على وسامته أستمع لصوتها المنادي له فقال بنفاذ صبر: -صبرني يارب على المجنونة دي. هبط للأسفل واستمع لصوتها من المكتب فركض ظناً منه أن هناك خطب ما بوالدته. وعند ولوجه وقف مكانه بصدمة وأعين تشع فرحة وهو يراها تقف على قدميها ركض تجاهها بفرحة واحتضنها دون كلمة بأعين دامعة. أبتعد عنها وقال كأنه يحاول تصديق ما يراه: -ماما أنتي قدامي يا حبيبتي صح؟ أنتي واقفة أهو.

أومأت برأسها له. فقبل كل أنش بوجهها ويدها. فضمته بحب ودموع وهي تقول: -وحشتني أوي كلكم وحشتوني انت ولمار وأياد وحشتوني يا حبايب قلبي حتة من قلبي كانت غايبة ورجعت. كان يضمها بقوة وخوف يخشى أن تفارقه مرة أخرى. بأعين تذرف الدمع تنظر لهم "حبيبة" فقالت بتزمر: -يا سلام أمشي أنا بقا مليش مكان؟ جذبها "يوسف" من يدها ليضمها معهم بحنان وامتنان.

كانت فرحته لا تسعه وهو يرى والدته أمامه تقف وتتحرك وتتكلم وهل يوجد أكثر من ذلك يريدونه. ابتعد عنها ليجذبها لتجلس وهو يقول: -ارتاحي يا أمي قوليلي عايزة إيه اطلبي واتمني؟ نظرت له باسمة: -هعوز إيه أكتر من وجودك جنبي عايزه أشوف لمار وأياد هما فين. ابتعد بعينيه عنها وهو يقول: -هجمعك بيهم قريب إنشاء الله والله. جلس جوارها وهو يضع رأسه على قدمها وقال: -عايز بس أشبع منك فضميني يا أمي.

ضمته بحب وهي تمرر يدها على خصلات شعره بحب. رأت "حبيبة" أن تتركهم قليلاً وقالت: -طب أروح أنا أجهزلك أكل؟ خرجت حبيبة. أمسك يوسف يدها أكثر وضغط عليها بقوة وهو يقبلها باشتياق وهي كذلك تقبل كل أنش بوجهها بشوق وحنين. يوم التسليم. بمنزل بعيد نسبياً خالٍ من السكان قليلاً كانوا يتموا به التسليم. أخبر "عدنان" كل شيء للمار بمقابلة سرية أمس. حقائب المخدرات تعبئ ذاك المنزل الذي مليء بالرجال والحراس.

كانوا يتبادلوا أطراف الحديث عن المبلغ وما يليه. حتى دوى سماع إطلاق النار من الخارج، والطائرات وانفجارات. أسرع الحرس للخارج بكثرة وتم تبادل إطلاق النيران بمهارة وأوقعت لمار عدد كثير وهي تتسلل للداخل وتترك تلك الحراس للقوة التي جاءت بها. أحس رؤوف أن تلك هي النهاية وعليه الهرب. أسرع راكضاً ناحية المطبخ بعدما جذب الحقيبة التي بها المال. رآه جون فأسرع خلفه.

أزاح تلك السجادة وانحنى ليخلع تلك الخشبة وهبط منها وخلفه جون وأغلقوها مرة أخرى. تبقى ذاك الرجل الذي لا يوجد له اسم معين لكثرة تنقله من بلد لأخرى بأسماء مستعارة. رأى فجأة لمار أمامه وعينها وخلفها عدد كثير من رجال الشرطة التي اقتحمت المكان وبعد مدة قضوا عليهم بمهارة لذكاء قائدتهم. تطلع بها بدهشة وقال: -إنتي لسه عايشة. أقتربت لتهمس جوار أذنه:

-ومش هموت غير لما أخلص عليكم فأطمن لأن موتك قرب وعلى إيدي بس بعد ما أدوقك العذاب أشكال وألوان. عيناها جابت المكان وهي تصيح به: -فين رؤوف وجون؟ نظر حوله فلم يجدهم شعر بالخيانة فكيف يهربوا ويتركوه؟ ضحكت بسخرية وهي تقول: -يا حرام دول هربوا من غيرك؟ تخلوا عنك تـؤ تؤ ميصحش كدا متقلقش هجبهملك. على غفلة منها وهو يجاريها وضع يده بجيبه ليجذب سلاحه. فمسكت هي يده وهي تقول بتريقة:

-مش عيب عليك برضه المفروض تلعب مع أحد قدك مش بنت الشرقاوي. ما كادت أن تنهي جملتها حتى أمسكت برأسه وضربته بقوة بجبينها ليقع مغشياً عليه. ضربت كف بكف وهي تصيح: -هاتوه. ركضت للخارج فلحقت جون يصعد سيارة. نظرت حولها بيأس سرعان ما وقفت سيارة جوارها ونظر من نافذتها عدنان وهو يقول: -إيه مش عايزة تمسكيه؟ ابتسمت له وركضت لتصعد جواره. ولحقا به بسرعة للمطار.

وصل جون قبلهم وتحدث مع المضيفة قليلاً وجذب الحقيبة التي خطفها من رؤوف وضربة ورحل. ولج داخل المطار ليصعد الطائرة الخاصة. وصلت لمار وعدنان وخلفها يوسف الذي لحق بهم هو وفيكتور. ولجت لمار للداخل فمنعوها من الدخول وعندما علموا من تكون سمحوا لها. رأت الطائرة تكاد بالإقلاع وجون بها ينظر لها بشماتة. وقف فيكتور بعيد هو ويوسف. نظر له فيكتور بيأس: -خلاص كله ضاع إذا هو خلاص هيسافر ومش عارفين هو هيتجه لفين. حدق بعينه "يوسف" وهو

يمد يده ناحية لمار وصرخ: -لا يا لماررررر. نظر فيكتور بصدمة لما ينظر يوسف فحدق بعينها بصدمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...