الفصل 13 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
16
كلمة
6,181
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

هبطت من السيارة لتدلف للداخل ولكنها شعرت بهدوء، فأحست بالقلق. ولكنها استمعت لصوت الندي الذي ترنم بصوت سجي مطرب لآذانها ليخترق قلبها ويفعل به فعل السحر أو أشد. ذلك الصوت الذي دلف حصون قلبها فهزه بقوة ليعيده للحياة. وتلك الكلمات أهدته السكينة بشغف. ترنم ذلك الصوت ليخترق قلبها كسهم، فأغمضت عينها باستمتاع وهي تستمع لتدخل كل كلمة إلى شغاف قلبها. أحست بارتياح لم تعتاده من قبل، أحست أن قلبها قد رحلت منه الهموم والأوجاع.

خطت للداخل فلم تجد أحد. ولجت إلى غرفتها لتجد هالة جالسة وبجوارها عمرو وورد تقرأ القرآن بصوت هادئ وجميل يبث السكينة والهدوء والراحة بالقلوب. سارت على أصابع قدمها بخفة لتجلس لجوارها وهي تستمع لها بحب وارتياح وأمان. شعرت بمشاعر لم تعتدها من قبل، فهبطت دمعاتها بصمت وخوف وندم وحزن وحب وهي تستمع لها. أما ورد فقد كانت تقرأ بصوتها الرقيق بخشوع تام وقلب سليم. انتبهت للمار فأغلقت المصحف وهي تقول: "صدق الله العظيم."

فنظرت لها بابتسامة مشرقة: "لمار أنتي جيتي؟ نظرت لمار بحب: "آه، صوتك حلو يا حبيبتي. مين بقا معلمك كل ده؟ أجابت مسرعة بفرحة: "جدو حبيبي." اختفت ابتسامة لمار بحزن شديد، أبعدت عينها عنها. أحست ورد بتغير ملامحها فاقتربت منها وهي تمسك بيدها: "لمار هترجعيني أمتي عند جدو؟ هو وحشني جداً. وأنا سيباه لوحده. ياتري مين بيهتم بيه؟ واكيد هو قلقان عليا؟ صمتت لمار بحزن لم تدري كيف تجيبها. كيف لها أن تحزن تلك الطفلة البريئة. وقفت

ورد أمامها ورفعت وجه لمار: "هاااه؟ هتوديني النهارده؟ أغمضت لمار عينها لتهرب من عينها: "حبيبتي مينفعش ترجعي هناك." ردت ورد مستغربة: "ليه؟ أنا جدو هناك وعايزة أروحه؟ لمار: "جدك... ااا... جدك... "تعيشي أنتي." أغمضت لمار عينها ظنت منها أنها ستبكي وتحزن وتحمل هماً. أما هالة فقد نظرت لها بشفقة. لم تسمع لمار بكاءها ففتحت عينيها لترفعهم بها وجدتها واقفة تردد برضا: "إنا لله وإنا إليه راجعون. الحمد لله، الحمد لله."

نظرت لمار وهالة لبعضهما باستغراب. لمار بحيرة: "أنتي مش هتبكي؟ ردت ببراءة: "أبكي ليه؟ فردت هالة بزهول: "على جدك؟ مش هو اللي مربيكي؟ فردت ورد رد صدمهم من تلك الطفلة: "لا طبعاً مش هبكي. ربنا خد أمانته، أنا مين عشان أعترض. هو راح لمكان أحسن بكتير من هنا. ومينفعش أبكي عليه عشان ميزعلش جدو مني. هو قلي لما أموت متبكيش عليا."

ذهبت من أمامهم لتفرد المصلية وتسجد وظلت تدعو لجدها مراراً وتكراراً وهي ترجو له الرحمة والمغفرة، وتسأل ربها أن يرزقه الفردوس الأعلى. ظلت تسأله له مراراً كثيرة. ظلت تدعو من صميم قلبها بالعفو والمغفرة والرحمة وتسأل له الجنة. فتخيلت جدها وافتكرت كلماته وكما كان يعلمها الصلاة وقراءة القرآن، وقصص الصحابة. كيف علمها الحياء والأخلاق والاحترام والأدب. وظلت تبكي ليس لأنه توفي أو ذهب لدار الحق، دار الأحباب. بكت شوقاً وحنيناً إليه فقد كان هو الوحيد الذي لها بتلك الحياة. افتكرت كيف كان يدعو لها، فمن سيدعو لها بعد رحيله. فبكت بقوة وصوت شهقاتها تعلو.

أقتربت لمار لتجلس لجوارها بحزن فهي تشعر بها وبمعاناتها. ربتت على كتفها، لترفع ورد رأسها وعانقت لمار بقوة وتمسك وهي تبكي. بعدت عنها لمار لتحتضن وجهها وقالت: "متبكيش تاني. هو بمكان أحسن من هنا فمتبكيش؟ فردت ورد ببكاء: "جدو وحشني أوي. أنا بقيت وحيدة؟ وضعت فوراً لمار سبابتها على فمها وقالت: "أي وحيدة دي؟ من اللحظة دي وأنا أمك وأختك وصحبتك وكل حاجة. إحنا أهلك؟ عانقتها ورد بحب وهي تقول: "أنتي مش هتسبيني؟ فردت لمار بتأكيد:

"أبداً، أبداً، أبداً." بعدت عنها ورد وجلست جوارها، وعيناها ذرفت الدمع بغزارة. فقالت لمار: "أنتي مش قولتي أنك مش هتبكي؟ بتبكي ليه بقا؟ نظرت ورد بعينيها المليئة بالدمع: "ببكي لأن هو هيوحشني أوي." لمار مسدت على خصلاتها بحنان، وقبلتها من جبينها بحب. لمار: "مش يلا تروحي تشوفي أحمد؟ لمار استدارت لهالة: "آه صح فكرتيني." هالة: "هاتيه النهارده يتعشى معانا؟ لمار: "اكيد هجيبه. بس في ناس كمان هتيجي؟ هالة باستغراب: "مين؟ لمار:

"عمو إسماعيل. يلا همشي أنا. خلي بالك منهم؟ هالة: "في عيوني. خلي بالك من نفسك." لمار ودعت ورد وجاءت أن تودع عمرو ولكنه لم يجيبها فرحلت. ريم كانت جالسة تقرأ إحدى الروايات. أما أحمد فقد كان يجلس بملل. رمقه بغضب وقال: "مقربتيش تخلصي قراءة؟ ردت دون أن تنظر له: "ليه؟ قال بغضب: "زهقت يا ريم من القعدة لوحدي. طب تكلمي معايا؟ ريم ابتسمت بمكر وأجابت دون النظر إليه: "مينفعش يا أحمد، عايزة أخلص باقي الرواية أصلها مشوقة." توعد لها

بذاته قال وهو يرمقها بخبث: "يعني الرواية أهم مني؟ فردت وما زالت عينها مثبتة بالكتاب: "بالظبط كده." أحمد بهمس: "ماشي يا ست ريم." استمع لطرق الباب، وولجت الممرضة بابتسامة جميلة ورقيقة. أقتربت من أحمد وهي تقول: "صباح الخير. عامل ايه دلوقتي؟ أحمد بلطف: "صباح الفل على القمر اللي هل. الحمد لله تمام." أما ريم فرفعت رأسها لترمق الممرضة بنظرات نارية، وتملكتها الغيرة. وكادت أن تحرقها فقالت بغضب: "شوفي شغلك بسرعة لأننا ماشيين."

أما الممرضة فقد كانت تتأمل في أحمد ولم تستمع لها مما أغاظ ريم بشدة. فأقتربت بكرسيها لجوارهم وهي ترمق أحمد بنظرات قاتلة. الممرضة: "جيت أغيرلك على الجرح." أحمد بمكر وهو يرمق ريم ويكبت ضحكته بصعوبة: "الجرح وصاحب الجرح تحت أمرك." أقتربت منه لتفتح أحد أزرار قميصه. جاءت أن تمسك بأيده. أمسكت ريم بيدها وقالت: "روحي انتي. أنا هغيرله." الممرضة: "بس يا فندم مينفعش." ريم بغضب: "بقولك روحي بدل ما أولع فيكي وفيه دلوقتي."

الممرضة نظرت لأحمد فأشار لها على الباب. خطت كم خطوة ووقفت على صوت أحمد: "مقولتليش اسمك أيه ورقم تليفونك؟ عشان لما أحتاجك يعني." الممرضة همست له وهي تنظر لريم التي تكاد تحترق: "شهد." فصاحت بها ريم: "اياكي بقا تيجي هنا تاني فاهمة." الممرضة ضحكت وأومأت برأسها وغادرت. رمقت ريم أحمد بغضب قاتل وعيون كالجحيم. فقال بضحكة: "أيه يا ريم يا حبيبتي في أيه؟ ريم أقتربت أكتر بكرسيها: "كنت بتقولها عايز أيه؟ معلش أصل مسمعتش يا خويا."

أحمد بصدمة: "أخويا؟ لكمته ريم بقوة على قدمه: "متحورش يا أحمد." فقال بنفي: "أنا مقولتلهاش حاجة. انتي سمعتيني قولت لها حاجة؟ أستدار وهو يعطي لها ظهره وهو يقول: "يلا بقا غيريلي على الجرح." جاء أن يفك أحد أزرار قميصه. فقالت بخجل: "أنت بتعمل ايه؟ يخرب بيتك." فأجاب بتريقة: "يعني بعمل ايه؟ مش هتغيريلي على الجرح؟ وبعدين عايزة تخربي بيتنا قبل ما يتبنى ليه؟ مدت يدها على كتفه: "لا ما الجرح في الكتف فمتهزرش."

تعمدت أن تضغط مكان الجرح فتأوه بألم شديد فقالت: "أحسن عشان تعاكس البنات تاني." أبعد يدها بغضب طفولي: "بس بس اوعي كدا. انتي وحشة. أنا عاوز البنت الحلوة التانية." فقالت بغيرة شديدة: "طيب هجيبهالك. ما هي أحلى مني. وياتري بتعرف كم وحدة غيرها وبتكلمها؟ أحمد: "كتيرررر. متعديش." ريم بحزن: "آه طيب ربنا يزودلك فيهم. هو أنت محبتنيش؟ أحمد بدهشة: "أنتي لسه بتسألي يا ريم؟ ريم بحزن وغيره: "يعني أقولك ايه؟

ما انت عاكستها قدامي. لو كنت حبتني مكنتش هتبص لواحدة غيري. بس أصلاً هتحب واحدة مشلولة ليه؟ أستدار بغضب وصاح بعصبية وصوت مرتفع: "تاني أم الحوار ده؟ أيوه يا ستي مش بحبك واكيد مش هتجوز واحدة مشلولة." ترقرق الدمع في عيونها ونظرت إليه بصدمة. أعاد ثباته وهدء من روعه. أقترب ليحضن وجهها بيده السليمة وقال بحب: "يا بت متزعليش. مش قصدي. انتي نرفزتيني. وبعدين بقا البنت دي تغيري منها؟

طب انتي أحلى منها بكتير وعيوني مش بتشوف غيرك. وقولتلك مليون مرة أنتي ملكي أنا وبس مش هتكوني لحد غيري. أنا كنت بس بغيظك عشان كنتي بتقري في الرواية ومردتيش تكلميني." دفعت يده بقوة وأبعدت وجهها للجهة الأخرى: "لو سمحت حضرتك أيدك متقربش مني تاني." أحمد: "ريم مقصدش أزعلك صدقيني. أنا أسف." لم تجبه ولم تعطيه أي اهتمام. فكر قليلاً سرعان ما أمسك كتفه بألم وتأوه بشده. فأقتربت منه مسرعة: "أيه؟ مالك؟ أيدك وجعاك؟ أندهلك الدكتور؟

فقال بخبث: "لا لا. بس أنتي غيريلي على الجرح وهبقى كويس." أقتربت منه لتمسك بيده ولكنها شعرت بتزايد دقات قلبها بشدة. فبعدت يدها بخجل وقربتهم مرة أخرى. ألتقت يدها بحب وطبع قبلة رقيقة وقال ببسمة عاشقة: "ربنا يخليكي ليا." غمرها الخجل لتحمر وجنتيها. بعدت عنه مسرعة عندما استمعت لصوت لمار الغاضب: "أيه اللي بيحصل؟ بتعملوا أيه انتوا الاتنين؟ بعدت ريم بخضة. أما أحمد مسك الوسادة وألقاها عليها بحده: "أيه اللي جابك دلوقتي؟

يلا أمشي." تلقتها ومضت إليه لترفع إحدى قدميها على التخت بجواره وقالت: "تصدقي اني غلطانة. جايه أشوفك. أبقي شوف مين هيرحمك من تحت إيدي في التدريبات. دا أنا هنفخك." رد بتلقائية: "رعد هيحوش عني." حلل تلك الكلمة سرعان ما تملك ملامحه الحزن وهو يترحم عليه. فقالت لمار بهزار: "والا بس بس متزعلش. مش هعمل حاجة." نظر لها مطولاً كيف تخفي وجعها فقال: "فهد كويس." لمار باطمئنان: "آه يا حبيبي متقلقش." أرادت أن تهرب من وجعها

على موت رفيقها فقالت: "هروح أشوف الدكتور وهخلص الأوراق وهاجي عشان نمشي." مالت عليه قليلاً وقالت: "وتلم وملكش دعوة بالبنت. ماشي؟ أجاب ببراءة: "هو أنا جيت جنبها؟ رمقته لمار بتريقة. ونظرت لريم: "خلي بالك منه. ماشي؟ أومأت لها ريم. كانت بسنت في طريقها إلى المستشفى ولكن توقفت السيارة مصدرة صوت قوي. ضربت مقود السيارة بغضب: "يوووه. مش وقتك تتعطلي دلوقتي." تنهدت بعمق وهبطت منها. ركلتها بقدمها وقالت بحزن:

"ليه كدا يا حبيبتي بس؟ ليه يعني ملقتيش غير هنا وتقفي؟ أعمل ايه أنا بس؟ وقفت تحت الشمس المحرقة، وهي تحاول إيقاف سيارة ولكن لا حياة لمن تنادي. وقفت سيارة بها بعد الشباب وهم يهتفون بسعادة فقال واحداً منهم وهو يخرج رأسه من النافذة: "عايزة تروحي فين يا جميل واحنا نوصلك لأي مكان عايزة؟ تهجمت ملامحها بالغضب وقالت بصوت غاضب: "أمشي من هنا أحسنلك." هبطا من السيارة واقتربا منها. "طب يرضيكي نمشي ونسيب القمر لوحده؟

تعالي وأحنا نبسطك." "تعالي متتكسفيش وعربيتك هنصلحها." حاولت تهدئة نفسها. سرعان ما اقتربت منهم ولكمة أحداهما بقوة. والاخر جاء أن يمسكها فمسكت يده وكسرتها. ضربتهم ثلاثتهم فهرولوا من أمامها ركضاً. وضعت يدها بخصرها وقالت: "يا ربي أي اليوم ده؟ ناقصاهم أنا." استمعت لصوت ضحكات تعرف لمن جيداً فنظرت وجدت زيد على الدراجة النارية وبيضحك. نظرت له بتذمر قائلة: "بتضحك ليه أنت كمان؟ أجابها بضحكة وهو يهبط من دراجته:

"أصلي مش عارف أيه الحظ الوحش ده؟ كل ما أشوفك ألاقي في مشكلة." فقالت بغيظ: "وأنا مش معايا مشاكل." زيد وهو واقف مقابل لها: "والله؟ طب والعربية العطلانة دي؟ دا غير الشباب بقا وكدا." فقالت: "ضربتهم. اسكت بقا وبلاش تريقة." زيد: "مش بتريق بس في حاجة غريبة." نظرت له باهتمام فاكمل: "انهاردة ضربتهم من غير خوف. مش غريبة دي؟ لا والمصيبة من غير بكي كمان." تلقت ذلك الحجر من الأرض وألقته عليه بقوة بغيظ:

"أسكت بقا. أنا مش ببكي ومش بخاف." زيد صوت ضحكاته مرتفعة: "والله؟ طب أحلفي كده." رفعت سبابتها أمام وجهه قائله: –متكلمنيش تاني فاهم يا بارد. وغادرت وهي تمشي بسرعة كبيرة بغيظ. تمتم بذاته: –طفلة طفلة مفيش كلام. أشمر عن ساعديه وشغل دراجته النارية ورحل خلفها. مشي موازياً لها ببطء وقال بضحكة: –اركبي يا مجنونة؟ صرخت بطفولة وقالت: –أنا مش مجنونة؟ أوقف دراجته ليسحبها من معصمها فأصطدمت في جسده العريض. ظل يتأملها بعشق وهي أيضاً.

تمتمت بخجل وبعدت عنه. صعدت خلفه وهي تستند على كتفيه. مما زاد دقات قلبه وانطلق مسرعاً بها وهو يخطف النظرات إليها. كانت خائفة بشدة وممسكة به. فهمس لها: –خايفة؟ فأجابت بتلقائية دون أن تشعر: –يعني شوية بس مش بخاف وانت. أحست بما كانت ستتفوه به ففضلت الصمت. شعر بمشاعر متلخبطة، أراد أن يخبرها أن تكمل جملتها فقال: –مش بتخافي وأنا إيه؟ كملي. فقالت بتهتهة: –ولا حاجة. –رايحة عند أحمد صح؟ –آه وأنت؟ –آه. ريم أقتربت

من أحمد بقلق وسألته: –أحمد هو أنت عايش لوحدك؟ فأجابها: –آه. –بس مين بيهتم بيك ومين بيغسلك ومين بيطبخلك؟ أجاب ببساطة: –عادي أنا بعرف أطبخ وأحياناً بجيب من برا. قطع حديثهم ولوج لمار للغرفة وهي تقول: –افرح جبتلك إذن بالخروج. أحمد تنهد براحة: –أخيراً هطلع من المستشفى دي. –اه أخيراً بس هنيجي تاني؟ –مشيني مشيني من هنا وبعدين نشوف حكاية الرجوع هنا تاني. دلفت بسنت وهي تقول: –أي ده انتوا كلكم هنا وأنا لأ؟

–يا أختي قولي عامل إيه الأول. بسنت أقتربت من لمار وهي تعانقها: –وحشتيني أوي. –متشوفيش وحش ما أنا يلا سيباكي مليش يوم. –وحشتني برضو. استدارت لريم وصافحتها. أقتربت من أحمد: –أبو حميد عامل إيه دلوقتي. أحمد بغيظ: –إيه أبو حميد دي يلا يا بت من هنا. دلف زيد. استدارت لمار لتعانقه بحب واشتياق وهو كذلك. أم أحمد فاستقام بوقفته وذهب باتجاهه وقال بأسف: –زيد بجد أنا آسف على كل كلمة قولتها. نظر للمار بصدق. ربت زيد على كتفه وقال:

–مفيش اعتذار بين الإخوات وأنا لو كنت زعلان مكنتش هاجي. عانقه أحمد بحب. فأقتربت بسنت قائلة بتزمر: –ما أنت بتكلم الكل كويس أهو، امال شمعنا أنا؟ نظر إليها بابتسامة سحرتها وقال: –لأني طفلة. –ياربي منكم يلا قدامكم بس خمس دقايق وتكونوا تحت وإلا هسيبكم وأمشي. اتجهوا للأسفل راكضين. أما هي أقتربت من بسنت لتأخذها وتذهب بها. هالة تركت عمرو وورد وذهبت لتجلب بعض الطلبات. بعودتها بالدخول للعماره فأصطدمت به فقالت دون النظر إليه:

–أنت أعمى يا عم مبتشوفش يا غبي مش تفتح دا أنا هوريك دا أنت يومك أسود أنهارده وربنا لحبسك. –بس بس أي ده كله اهدي ببورة غاز اتفتحت في وشي مش قصدي يا ستي. رفعت هالة نظرها فوجدت إيهاب. نظرت بشيء من اللاوعي وقالت: –إيهاب مش قصدي مكنتش أعرف أن أنت. وعدلت من نظارتها. فقال هو ضاحكاً: –لا لا عادي ولا يهمك بس ابقي خدي بالك بقا. شعرت بشيء من السخرية في حديثه. –أنت تقصد إيه بكلامك وبعدين انت اللي طلعت في وشي المفروض تنتبه أكتر.

أجاب وهو يكتم ضحكته: –قصدي يا أم كشافات إنك تخلي بالك وانتي ماشية لان لو حد غيري مش هيعديهالك. شعرت بالغضب فلم تدري ماذا تفعل فدفعته بقوة من أمامها ورحلت. أستند بيديه على الحائط وهو يضحك على مظهرها. وبعد ذلك صمت بابتسامة عاشقة وهو يشعر بشيء ما في قلبه. فتأكد حينها أن تلك الفتاة دقت حصون قلبه لتدخل وتسكن به. فتمتم بذاته: –بقا يا إيهاب تعيش وسط الخواجات وشيء أحمر وشيء أصفر وفي الآخر قلبك يحب دي.

هز رأسه ورحل بطريقه إلى وجهته. ولج مايكل مكتبه بتعب وإرهاق شديد وخلفه إحدى الممرضات. تمدد على الأريكة بإرهاق وأغمض جفنيه. –حضرتك تريد شيئاً د/ مايكل. أشار لها بيده بالذهاب: –ابعثي لي قهوة بس مع الدكتورة حبيبة إسماعيل التي جاءت من القاهرة. أجابته باستغراب: –يا فندم هذه الدكتورة لم تأتي إلى هنا أنا سأجلبها لك. رمقها بنظرة نارية فذهبت مسرعة من أمامه. أغمض جفنيه بغموض وهو يحادث نفسه: –جه الوقت اللي هشوفك فيه.

وألعب لعبتي. وابتسم بمكر. ذهبت الممرضة وأخبرت حبيبة بما يريده. فقالت: –يعني إيه أوديله القهوة هو مفكر نفسه مين. وبعدين أنا مش خدامة عنده أنا هنا دكتورة روحي بقا وفهميه الكلام ده. أجابت ممرضة مصرية بخوف: –يا د/ حبيبة اتقي شره وروحي وديهاله. فردت حبيبة: –لا يعني لا عندي مريضة هروح أطمن عليها. جذبت إحدى الملفات ورحلت. ولكن بداخلها تريد أن تعرف من ذلك مايكل ولما الكل يهابه، يكفي سماع اسمه ليصاب الجميع بالخوف والفزع.

ذهبت إحدى صديقاتها خلفها ونادتها. استدارت لها وهي تربع يديها أمام صدرها: –ها يا ستي. وبتحذير. –أياكي تقوليلي زيهم بقا وبعدين شمعنا أنا عايزني دي أول مرة من لما جينا هنا. فردت الأخرى: –يا حبيبتي مش هتخسري حاجة كنتي ودتيها وخلاص أنا خايفة عليكي. وبعدين مش هو ده الدكتور اللي كنتي تتمني تشوفيه وتقولي إنه أحسن دكتور في العالم وتتمني تكوني زيه. ردت حبيبة بنفاذ صبر:

–أيوه ده رأيي فيه وفعلاً أتمنى أكون دكتورة متفوقة شاطرة زيه بس ده ملوش دخل ب ده. ودلوقتي عن إذنك عندي شغل. أما مايكل، ولجت الممرضة بخوف وهي ممسكة بكوب القهوة بيدين مرتعشتين. وضعتها من بين يديها على الطاولة. واطمأنت أنه نائم لتذهب مسرعة دون يراها ويسألها. وقبل أن تغادر فتح جفنيه. ليعتدل بجلسته وهو يشعر بالدوار الشديد وقال بغضب: –أنا مش قولت حبيبة هي اللي تجيب القهوة. فأجابته بخوف: –هي رفضت أن تأتي بها.

جذب الكوب ليلقيه أرضاً بغضب جامح: –اطلعي بره. انتفضت من صوته وهرولت مسرعة للخارج. شدد على خصلات شعره بغضب فمن هي لترفض طلبه. دوى صوت هاتفه معلناً عن اتصال من "عدنان" صديق عمره. –مايكل جايب لك أخبار انهارده انما إيه. أجاب بحدة: –أخلص. –ديف ناوي ينزل القاهرة وشكله ناوي على حاجة. واتجن من لما عرف أن كامل ماسكته لمار وشكله كدا هينزل عشان يهربه أو يبعت حد يقتله. رعد اتوفى في العملية امبارح. وأحمد اتصاب بدل لمار.

بس دي الأخبار اللي عندي تؤمرني بإيه. رفع عينه المميتة قائلاً: –اللي قتل رعد يكونوا عندي انهارده قبل بكرة. –بس رعد بالفعل خلص عليهم قبل ما يموت لأنه كان بينقذ الأطفال. ردد قائلاً: –تمام متعملش حاجة غير لما أقولك. وأغلق فوراً. ليلقي بالموبايل من يده ويتمدد بتعب بادٍ على وجهه. حبيبه بمكتبها تضغط على إحدى الأزرار. لتولج إحدى الممرضات قائلة: –نعم د/ حبيبة. حبيبة بتجذب بعض الملفات وتمد يدها بهم لها:

–كنت عايزة إنتي تودي الملفات دول للمدير. الممرضة بخوف: –لا لا حضرتك هو متعصب انهارده أعذريني. بعد إذنك. وغادرت. أما حبيبة فنظرت لها باستغراب شديد وتمتمت: –مفيش فايدة شكلي أنا اللي هوديهم. وأشوف مين الشخص ده. اللي اسمه بيرعب المستشفى كلها. هبت واقفة لتغادر مكتبها. وسألت عن مكتب المدير وتوجهت إليه. وقفت أمام الباب بخوف وتردد. تحلت ببعض الشجاعة ودقت على الباب عدة طرقات. فلم يأتيها أي صوت أو إذن بالدخول.

فعادت لتطرق كذا مرة دون جدوى. فقالت بذاتها: –يبدو أنه مش موجود يلا هرجع وقت تاني. أستدارت لتغادر ولكنها وقفت بتفكير. ووصلت لحل بأن تدلف وتضع الملفات وترحل وهو يراهم عندما يأتي. فتحت الباب لتدلف وأغلقته خلفها. وعينها جابت المكتب الذي لم توصل لنهايته أو بدايته. أدهشها لونه الغامق. ولكن أعجبها زخرفته النادرة. تسللت بخفة للداخل لتضع الملفات من يديها على الطاولة. كادت أن تغادر ولكن انتبهت لأحد نائم على الأريكة.

تسللت بخفة لتقف أمامه وعجبها شكله لم تستطع السيطرة على عيناها التي تأملته بهيام. فحادثت ذاتها عندما أحست أنها رأته من قبل: –أنا شفته فين قبل كده. فين يا حبيبة فين. فكرت قليلاً فصاحت بتذكر: –أيوه افتكرت هو نفسه اللي كان جنبي في الطيارة. رأت ملامحه محتقنة بالتعب شديد. أستدارت لتغادر بتفكير. وصلت عند الباب وكادت بالخروج ولكن لم يطاوعها قلبها فشكله وملامحه توحي أنه مريض.

أقتربت منه لتضع يدها على جبينه سرعان ما أبعدتها سريعاً وهي تقول: –يا الله حرارته مرتفعة جداً. ذهبت وأحضرت الدواء. فحقنته بحقنة بوريده وهي معجبة بجسده الرياضي الذي لم تر مثله من قبل ومعالم وجهه الرجولية. وجدت أن الحرارة لم تهبط بعد. فوقفت وهي تتلفت حولها من ذلك المكتب الذي لا يوجد له نهاية لم تدري ماذا تفعل فانتبهت لتلك الثلاجة الموضوعة جوار مكتبه. أسرعت لتحضر ماء بارد وظلت تعمل له كمادات لوقت طويل دون ملل.

أستغفرت ربها كثيراً لأنها سمحت لنفسها بالنظر إليه. جذبت ذلك الشريط وجذبت منه برشامة وجذبت كوباً من الماء. فكرت كيف ستعطيها له. فحاولت أن تعدل بجلسته. حاولت رفعه فلم تستطع لضخامة جسده الصلب. رفعته بصعوبة وجهد كبير لتجلس خلفه. كي لا يرجع للنوم مرة أخرى. كاد بالوقوع منها فأمسكت به بقوة. أدى ذلك لجعله يفيق. فتح جفنيه فشعر بيديها تحتضنه. نظر لها بعيناها الساحرة فتسارعت نبضات قلبها وحقا أقسمت أن عيناها لن تجد مثلهم أبداً.

ناولته كوب الماء وساعدته على أخذ البرشامة. أعدلت رأسه ووقفت سريعاً قاسّت له الحرارة وجدتها اختفت فحمدت ربها. كادت أن تخرج ولكنها تصنمت محلها عندما مسك يدها. أستدارت له لترمقه بغضب قاتل ودفشت يده بقوة. هب واقفاً بعدما استعاد ثبات نفسه وقال وهو يشير لها: –بتعملي إيه هنا. أجابت بدفاع وبراءة وهي تخفض نظرها: –كنت جايبه لحضرتك الملفات. ظل يتقدم منها وهي تبعد:

–جايبة الملفات تحطيهم وتمشي مش تفضلي في مكتب شاب قاعد لوحده أعترف أني حلو وعادي يعني ف شوفي حجة غير الملفات. أصطدمت بالحائط. ليحاصرها بين يديه وعينه تجوب على ملامح وجهها البريئة والبسيطة: –هاااا مقولتيش جاية ليه. لتترقرق الدموع بعيناها بخوف وهي تعلم ما يملي إليه وظنه بها فدفعته بقوة وصرخت به ببكاء: –أنا مش وحدة زي اللي أنت تعرفهم وقبل ما تتكلم عني نص كلمة فأنا أشرف منك.

يا أستاذ يا محترم أنا فعلاً جيت أديك الملفات ولقيتك سخن وكنت بتخرف واديتك علاج وعملتلك كمادات دا بدل ما تشكرني. هو يعلم جيداً أنها صادقة ولكن ماذا يفعل. تعمد فعل ذلك حتى تترك الشغل وتعود. وضع يده بخصره تألم لدموعها وقال: –اطلعي يا حبيبة من هنا. نظرت له باستغراب قائلة: –أنت تعرف اسمي منين. فقال بجمود ونبرة محذرة: –اطلعي من هنا وإلا متلوميش غير نفسك. وصاح بصوت عالي: –أخرجوك. كادت أن تغادر فوقفت على صوته.

–اعملي حسابك بعد ساعة هتحضري معايا اجتماع في الفرع التاني. غادرت صافقة الباب خلفها بعنف. جلس على مكتبه وهو يقول: –أفهمها إزاي دي وأقولهالها إزاي. تنهد بعمق فجذب الملفات وشرع في إكمال عمله. ظل يعمل لوقت طويل فألقى القلم من يده واستند برأسه على حافة المقعد. رفع يده لينظر بساعته فهب واقفاً وجذب مفاتيحه ونظارته وثبتها على عينه. سأل عنها وذهب لها. دلف دون أن يطرق فوجدها جالسة مستندة برأسها على الطاولة ومنهمرة دموعها.

قال بنبرة مخيفة: –عندك بس ربع ساعة وألقيكي تحت. وغادر صافقاً الباب خلفه. انتفض جسدها من صوته فتمتمت باستغراب: –يارب ماله ده كمان بيعاملني كدا ليه وأنا ليه خايفة منه كدا. عدلت من حجابها وذهبت مسرعة. رأته مستنداً بجسده على سيارته بجاذبيته. رآها فصعد سيارته بالخلف. فتوجهت هي لتصعد بالإمام فصاح بها: –اطلعي هنا. لم تعطيه أي اهتمام وصعدت بمكانها.

كاد أن ينفجر من غيظه فظل يرمقها بنظرات حارقة ولو كانت النظرات تحرق لاحرقتها لا محالة. وصلا ليهبط من سيارته ويصعد تاركاً إياها. فهرولت خلفه شبه راكضة. دلفا للاجتماع سوياً فجلس هو بالمقدمة وهي جواره. بدأ الاجتماع وأبتدأ يشرح عمله وهي معجبة أكثر وأكثر بشخصيته وذكائه والأكثر حضوره الطاغي. أنهى الاجتماع ورحل بغضب. وهي خلفه تكاد أن تتعثر. رآه السائق فهبط وفتح له الباب فأغلقه وهو يقول: –اذهب أنت أنا هسوق. كادت

أن تجلس بالخلف فصاح بها: –أنا مش السواق بتاعك اطلعي. خافت من نظراته، فركبت جواره بخوف شديد. أهداها بعد الملفات وأمرها أن تخلصهم اليوم. وصلا إلى وجهتهم، فرحلت هي راكضة إلى مكتبها وأغلقت الباب بقوة. ظلت تتنفس بصعوبة، وكأن الأكسجين قد نفذ. ها قد عاد. جلست وهي تقول بخوف: "خليني أخلصله الملفات دي بسرعة ليموتني. إيه ده يا ربي؟ مش وعي الإنسان ده أبداً." ظلت تعمل لوقت طويل على الكمبيوتر حتى أنهت كل شيء. تنهدت براحة:

"الحمد لله خلصتهم. أروح أخبره وأطمن على المرضى وأمشي." كادت بطريقها إلى مكتبه، فوقفت جنب النافذة وهي تراه محتضن إحدى الفتيات. شعرت بالاختناق. طرقات على الباب، فأذن لها بالدخول. ولجت وهي تنظر للأرض، وضعت ما بيدها على المكتب: "اتفضل حضرتك. كل اللي طلبته مني جاهز؟ ما زال محتضن بتلك الفتاة، فقال بحده: "تمام. سيبه وامشي." غادرت مسرعة من أمامه. أما هو، فأبتعد عن تلك الفتاة: "تالا حبيبتي، فهميني في إيه؟

تالا جلست على المقعد: "مفيش. عايزك توصلني البيت بعد ما نتغدى سوي." مايكل تنهد بعمق وجلس على مكتبه: "أوصلك آه، لكن غداء لا؟ أتجهت له لتحضنه وهي تقبله من جبينه: "لا، هتوصلني وهنتغدى سوي." قال بنفاذ صبر: "قدامي." فصاحت بفرحة. رحل بها إلى الفيلا، ولجا سوياً ليجدا رجلاً جالس بانتظارهم. نظر له مايكل بحقد. تالا ذهبت لتحتضن والدها: "بابا، مايكل جه عشان يتغدى معانا النهارده." أومأ لها وأشار لها بالذهاب:

"حبيبة قلب بابا، اطلعي فوق." تابع بسخرية: "دلوقتي عايز أتكلم مع الأستاذ مايكل على انفراد." تالا برفض: "لا يا بابا، أنا ما صدقت أنه جه." فقال مايكل بصوته المخيف: "تالا، اسمعي الكلام على أوضتك." ركلة الأرض بغضب طفولي وذهبت راكضة بتذمر. تقدم مايكل له: "عايزني في إيه يا ديف؟ تخلى عن مقعده وقال: "إيهاب فين؟ جلس على المقعد ليرفع قدميه على الطاولة وقال: "ابنك ولا ابني. المفروض أنت اللي تعرف هو فين." اقترب منه ليقول بصراخ:

"متنساش نفسك. لما أكلمك تكلمني باحترام. إيهاب فينه دلوقتي؟ وقف غاضباً وعينه تحولت للون الأحمر. طرق بعنف على المكتب وهو يعتدل: "أنت اللي متنساش أنا أبقى مين، ومتلعبش بعداد عمرك معايا. بإشارة واحدة أخفيك من على وش الأرض." ابتلع ريقه بخوف: "مايكل يا بني، أنا مقصدش. أنا بس قلقان على ابني وأنت اللي هتعرف هو فين." جلس مرة أخرى ببرود تام ورمقه بنظرة مشتعلة:

"معرفش ابنك فين. ممكن يكون اتقتل، وممكن مات. متعلمش فين دور بقا عليه؟ فأجابه بتوسل ورجاء: "يا ابني، الله يخليك، قولي إيهاب فين دلوقتي. أنا متأكد أنك تعرف." استقام بوقفته وخطي بخطوات قاتلة ليقف أمام عينه بصمت طال. تخلى أخيراً عن صمته بتفكير ليقول: "هكدب عليك ليه؟ معرفش ابنك فين. دور عليه وابقى طمني لما تلاقيه." ظهرت ابتسامة غامضة على زوايا فمه عندما رأى حرقة قلبه وأرقه. ثبت نظارته وخطي ليغادر، فراجع خطوتين بتذكر:

"آه صح. ابنك غايب ليه كم يوم؟ يحسن تبحث عنه ليكونوا خلصوا منه وأنا مش موجود عشان أنقذه كل مرة." قال تلك الجملة بثقة كبيرة ورحل بثبات. ظل يجول بسيارته بالأنحاء حتى أوقف السيارة وقام بالاتصال على إيهاب. أتاه صوته المرح قائلاً: "حبيب قلبي، أخبارك إيه؟ فقال بصوت به الوجع: "الحمد لله. أنت عامل إيه؟ "الحمد لله. وحشتني. متعرفش النهاردة أنا مبسوط قد إيه؟ قال بفضول: "ليه؟ وأكمل حديثه بشوق: "قابلت أميرتي؟ قال بأسف:

"لحد الآن لا. لسه ولا شفتها ولا لمحتها حتى." وأكمل بسعادة: "بس النهاردة هشوفها. أم كشافات جتلي." يوسف باستغراب: "أم كشافات مين؟ قال بتذكر: "أقصد هالة جت النهارده وعزمتني ورفضت، بس هي أسرت بشدة وقالت بنت خالها هي اللي طلبت كده عشان تشكرني." تألم، فكم مشتاق أن يراها، ولكن لا يمكنه الآن. فقال: "تمام. المهم ارجع بسرعة، تمام؟ وأغلق السكة فوراً دون أن يستمع لأي كلمة أخرى.

أما إيهاب، فظل يتحدث دون أن يشعر أنه أغلق بوجهه، وعندما لم يجد رداً وجده أغلق، فتمتم بغيظ: "بقي تقفل السكة في وشي؟ ماشي. هروح أظبط نفسي عشان هشوف لمار." وتوجه بفرحة لا مثيل لها لخزانته. كانت جالسة بإحدى زوايا تلك الغرفة الحالكة السواد، تبكي بصمت، وجسدها يرتعش من الخوف. لا تعلم أين هي ولماذا هي. لا تعلم ما مصيرها. هل ستموت أم ستنجو؟ ولكن تيقنت أن هذه نهايتها، فلا يوجد أخاها ولا والدها ليساعدها.

بكت بدموع لا حصر لها، وعيناها تتحفص الغرفة بخوف. كل ما تذكرته هو عندما كانت خارجة من المشفي. ظلت واقفة بانتظار سيارة أجرة، حتى خطت قليلاً بملل ووجدت سيارة كبيرة الحجم وسوداء اللون وقفت مجاوراً لها. وهبط منها بعض الرجال يرتدون زي موحد بلون "الأسود". جذبوها عنوة عنها وشلوا حركتها وكتموا فمها وجذبوها داخل تلك السيارة. ولم تدري بشيء سوى حينما قذفوها داخل تلك الغرفة المظلمة إلا من ضوء بسيط.

دفعوها دون رحمة لتنصدم بالحائط وتتأوه بألم. أغلقوا الباب وتركها. بكت حبيبه بقوة وظلت تذكر ربها وتكبر. حتى استحملت على ذاتها وعادت بشيء من الشجاعة ووقفت لتصلي كي تطمئن بربها. انفتح الباب على مصراعيه و……

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...