تحميل رواية «فتاة العمليات الخاصة» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الحياة بنعيشها بيكون فيها هدف في بال كل شخص. في أشخاص بتقدر تكمل وتحقق هدفها، بينما البعض لا. البعض مش بيهدأ وتهدأ حرقة قلبه إلا إذا حقق هدفه. إنك تكون نايم خايف، وأول ما يغمض لك جفن تلاحقك الكوابيس فتنفزع، فيرحل النوم من الجفن وتشتعل النار بالفؤاد. مجرد فتاة طفلة صغيرة، كل همها أن تحيا مع والدها والدتها أخاها الذين تعشقهم بشدة كبيرة. ليأتي ذلك اليوم المشؤوم ليأخذ منها طفولتها وابتسامتها وبرئتها. في وقت الأطفال به تلعب وتلهو ولا يعرفون معنى كلمة حزن أو هم، أصبحت هي تخطط وتفكر للانتقام ممن سلب من...
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندى ممدوح
اقفل الباب وراك!
ما كاد أن يقترب منه حتى أستدار له غاضباً:
كفاية بقا لامتى هتخبي عليه؟ قولوا إنك أخوه. قالوا إن لمار أخته. قولوا إن أمه هي أمك وأمك هي أمه. قولوا إنك فعلاً أخوه مش صديق. قولوا إنك هترجعه يعيش مع أخته. أنت مش شايف هو بيحبكم قد إيه؟ كفاية قولوا الحقيقة. قولوا إن أبوه عذب أمه اللي هي أمك واغتصبها. اغتصب مرات أخوه. قولوا...
مايكل الكلام لجمه، لم يستطع التحدث، بعيون ملأها التعب والوجع. جلس على المقعد الذي بجواره، وكأن هموم الدنيا على عاتقه.
صمت لبعض الوقت وقال بهيام وكأنه يرى شريط حياته وعذابه أمامه. تحدث وكأنه يرى أمامه جل شيء. بوجع وصوت مهزوز قال:
هقوله إيه؟ هقوله إزاي؟ هقول له أبويا كان فاتح بيته لأبوك بحسن نية؟ أقول له كان بيحبه كابن ليه؟ أقول له كان بيحبه وبينفذ له أي طلب؟ أقول له مزعلوش ولا مرة كانت طلباته أوامر؟ أقول له كانت سعادته عنده أهم من عياله؟ أقول له وثق فيه أكتر من نفسه وحبه حب الأم لابنها وأكتر؟
وفي الآخر رد كل ده بإيه؟ بدبحه عشان وقف في طريقه؟ عشان مكنش عايز ابنه يغضب ربنا؟ كان عايز ينور طريقه، ويبعده عن القتل والجرم والمخدرات والخطف؟ أقول له بص لمراته وحبها اللي اعتبرته أخوها؟ ها، قولي أقوله إيه؟
أروح أقوله بسهولة كده أنا أخوك؟ لمار أختك؟ إياد أخوك؟
رفع بصره له بعيون مترقرق بالدمع.
أقوله إيه ولا أقوله إزاي؟ أنت مفكر إني مبسوط وهو بعيد عني وهما كلهم بعاد عني؟ عارف يعني إيه يكون نفسك تاخدهم في حضنك ومش عارف؟ يعني إيه توحش تشوفهم ومتقدرش؟ عارف يعني إيه تبقى مش قادر تنام من الخوف؟ خايف لتخسر حد فيهم؟ أنا جوه قلبي نار ورب الكعبة ما حد حاسس بيا غيره. أقوله أبوك حرمك من أمك وكان بيعذبها ليل نهار؟
ضحك بهم.
عشان محبتوش وفضلت بس عايشة على حب جوزها.
هب واقفاً ووقف أمامه:
ها، قولي أقوله إيه؟ ولو قلت مش هستحمل أشوفه بيتوجع. ده ابني أنا حاسس إنهم عيالي. أنا بحمد ربنا إن إيهاب جنبي وبشوفه عشان يعوضني غياب أخواته. أنا بفضل صاحي كل يوم لإن ببقى خايف؟ خايف أخسرهم. خايف على أميرتي مع إني عارف إن محدش يقدر يأذيها بس قلب الأب بقى... خايف على إياد ليموت بسبب أبوه.
لم يدري فيكتور ماذا يفعل. انسالت دموعه كالمطر وضمه بوجع.
تقف بشرود تعد الطعام. جل ما يشغل فكرها كلمات تالا. نار الغيرة متأججة بفؤادها لدرجة كبيرة. تشعر بالاختناق رويداً رويداً. وكأن روحها تتسحب منها. باختناق يكاد يقتلها. فاض الدمع بأعينها. غمضت عينيها بألم. أحست بيد أحداهما على كتفها. استدارت برأسها وجدت أمامها تالا. رمقتها بعيون قاتلة ورسمت ابتسامة بأعجوبة:
خير؟ عايزة حاجة؟
رفعت موبايلها وهي تبعث به وقالت بمكر:
آه عايزة أشرب. ممكن؟
رمقتها حبيبة بغيرة. سرعان ما تبدلت لحسرة وهي تنظر لملبسها ومكياجها. استغفرت ربها بذاتها. استدارت لتسكب كوباً من الماء وقدمته لها.
أشارت لها تالا بالتلفون:
طب ممكن تمسكي التلفون لحد ما أشرب؟
جذبته منها دون كلمة وهي تقول:
أنتي مصرية؟ أصلك بتتكلمي مصري عادي!
كادت أن ترتشف فتوقفت لتجيب:
No مش مصرية بس اتعلمت من مايكل وإيهاب وبابا.
رفعت الكوب لترتشف منه وأعينها مثوب عليها بخبث.
بالصدفة وقعت أعين حبيبة على تلك الصورة والتي بها تحتضن تالا مايكل وهو يضمها. خفق قلبها. تسارعت أنفاسها. نغزات كالسهم تخترق فؤادها المحطم الذي انكسر لتوه. شعرت بعدم السيطرة على ذاتها. أرادت أن تصرخ. غيرة شديدة تملكتها لا تدري سببها.
كانت واضعة الكأس بين شفتيها وكأنها ترتشف منه. بطرف عينيها تنظر لها. وابتسامة خبث ارتسمت بفرحة. وضعت الكوب جانباً وقالت:
إيه مالك كدا؟ ده يوسف وأنا! أنتي متعرفيش بنات كتير بتحبه وبتتمنى نظرة منه؟ بس اتجوز بقى!
سحبتها من معصمها لتجلس وهي تقول في ذات الوقت:
قعدي بس أوريكي حاجة؟
جلست بجوارها وجذبت منها الهاتف. قلبت به وجاءت بصور لمايكل معها وإيهاب وكذا فتاة.
بقلب مفطور حزين يئن بأنّين الوجع والصدمة تشاهد بصمت رهيب. ظلت تفكر لماذا تلك الغيرة تحتل قلبها؟ متى أحبته؟ ولماذا؟ لم يعاملها سوى بجفاء وغرور وقسوة؟ ولكنها حقاً أحبته فهو يبدو قاسياً ولكن بداخله عكس ذلك؟
خبأت وجعها وابتسمت رغماً عنها. نهضت عن مقعدها وهي تقول:
آه مايكل بيحبك أوي كأخته مش بس صديقه. وشكلي أنا كمان هحبك. يلا بقى هكمل تجهيز الأكل؟
توجهت حبيبة بقلب مفطور يصرخ وشغلت نفسها. ولكنها لم تستطع أن تشغل فؤادها بعدم التفكير به.
هبطا فيكتور ومايكل وجلسا مع إيهاب. جلسا يتحدثان سوياً بأمور المستشفى.
أعدت حبيبة السفرة ودعتهم. استغربت تالا التي أسرعت لتجلس بجوار مايكل. الذي نظر لها بأسف. أبت حبيبة أن تأكل معهم وغادرت للمطبخ. وقفت بعيداً لتري كم زوجها وتلك الفتاة يتحدثان ويضحكان. استدارت لتسند بجسدها على الحائط. وانسابت دموعها بألم. لماذا أحبته وهي تعلم أنه سيتركها لا محالة؟ لماذا تشعر بالاختناق عندما تفكر بالبعد عنه؟
صمتت قليلاً وأسرعت خطاها لتصعد غرفتها. فتحت الباب وكادت بالدلوف. وقفت بصدمتها محلها. ابتسامة فرحة أشرقت وجهها وهي ترى غرفتها متزينة بجميع الألوان وأغلبها اللون الأحمر وبلونات. تلك الورود المنثورة بأرجاء الغرفة أبهرتها. سارت ببطء وعيناها تطوف المكان بفرحة. لفت نظرها ذاك الكارت الذي برسمة قلب. موضوعاً على التخت يتوسط وروداً بشكل قلب. جذبته بلهفة. وفتحته فوجدت مكتوباً بـ:
"إنا آسف يا وردتي... أتمنى تسامحيني... ومتزعليش. تنقطع يدي أن تمدت عليكي تاني."
تذكرت ذاك اليوم فشعرت بالضيق قليلاً.
كادت أن تستدير فصرخت بتأوه عندما انصدمت بجسد صلب. كادت بالوقوع ولكن يده تمسكت بها. رفع حاجبيه باستغراب:
هو كل شويه هتوقعي وألحقك؟
ابتعدت عنه غاضبة:
وأنا مقولتكش ألحقني أصلاً!
أشار لها وقال:
طب إيه؟
أشارت له بغضب:
اطمن مش زعلانة! أنا مبزعلش من حد غريب.
أشار لها بضيق وقال:
أنا رايح المستشفى! تحبي تروحي؟
أشارت له بجمود:
لا.
واستدارت حتى لا تراه وهو يرحل. خرج صافقاً الباب خلفه. استدارت بضيق. وركلت بقدمها الأرض. وجلست على التخت بحزن وهي تهز بقدميها. ظلت هكذا لبعض الوقت. استمعت لصوت سيارته. فهبت راكضة بسرعة للنافذة وراقبته حتى غاب عن نظرها.
هبطت للأسفل وولجت المكتب بغيظ. وهي تفكر في تالا. أخذت تأتي ذهاباً وإياباً أمام ذاك التخت المتمددة عليه والدته. وهي تقول بغيظ:
جيالي البيت وبيقولي أختي ومتصور معاها وكمان شفتهم في المستشفى وهي بتحضنه. عااااااا...
جلست على التخت ووجهت وجهها لوالدته وظلت تتحدث معها بغيظ وتشكيه.
(يا عيني البت اتجننت 😂)
اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك 🤲
انتظار، فقد أصبح الانتظار مؤلماً للغالية على قلوب نادمة، عاشقة، مشتاقة... انتظار يليه انتظار ولكنه لا ينتهي.
تمر الساعات كأنها سنين طوال تملؤها الوجع والحزن والكسرة. دموع لا تعرف نهاية. لا تتوقف ولا تفارق تلك الأعين الساهرة باشتياق. انتظار ليس له نهاية. إلى متى سيظلوا ينتظرون؟ لماذا لا ينتهي؟
أصبح الانتظار أوجع شيء ممكن أن تتخيله.
تجلس هالة بوجع وجوارها زيد يحمل "طبق" به طعام يحاول بشتى الطرق أن تجعلها تأكل:
عشان خاطري يا هالة كلي.
أزاحت هالة يده وهي تقول بكسرة وتعب وضعف:
مش عايزة يا إياد. سيبني.
إياد بحنان:
يا بنتي مينفعش كدا لازم تأكلي.
ولج أحمد وزيد بيأس. لأول مرة ترى هالة الوجع على وجه زيد والضعف والقلق والخوف. عرفت من وجوههم وأعينهم ولمعة الدمع أنهم لم يجدوها. نظرة بحزن. ضمت ساقيها وطأطأت رأسها عليهم وأجهشت بالبكاء. جلس زيد وأحمد بها وزفر بقلة حيلة وعجز. أما إياد فكان يعلم أن أخته تحب الهدوء أحياناً ولكنها ستأتي أكيد.
انعدل ليجلس بجوار هالة. ورفع رأسها وهو يقول:
والله لمار هترجع. هي بس ممكن في حاجة معاها وإلا مكنتش هتسيبك؟
رفعت بصرها به وأفترقت لمار. لقد كانت تشعر بها في فرحها وحزنها وتكون بجوارها دائماً؟ كانت تترك كل شيء لأجلها.
بصوت مهزوز وأنفاس متقطعة:
لا هي زعلانة مني ومش هتسامحني. هي ولا مرة سابتني. كانت بتحس بيا ولو في بينا أميال.
هز رأسه رفضاً بسرعة:
لا لا مش زعلانة منك والله. وهي عارفة إنك متقصدتيش ولا كلمة من اللي قولتيها فهي مستحيل تزعل منك. اطمني.
بتلقائية وأمل نظرت له:
بجد؟
أومأ برأسه:
أيوه والله. بجد وهترجع صدقيني قريب.
أغمضت عينيها بألم وقالت باسمة:
وهي هتسامحني؟ ما أظن. أنا قولتلها كلام يوجع.
أحياناً كثيراً لا تصبح الحياة التي تعيشها كما كانت سابقاً. قد تلفظ بكلمات لا تعي بها شيئاً. ولكنها تترك أثراً لا يتمحى بالفؤاد مهما مر الزمن. وعدت سنين، فكل شيء يمر ويعدي؟ ولكنه لا يمر ويعدي بالسلام. قد يترك أوجاعاً لا تنتهي وهموم. بيترك أنين الوجع. بيترك فؤاد محطم بالآهات. بيترك قلب متكركب لا تعلم كيف تنظف تلك الكركبة. ك مسمار في الحائط وضعته، ورجعت لتجذبه منه، بيترك أثراً مفتوحاً لا يتصد. وهكذا بعد الكلمات تترك أثراً لا يتمحى نهائياً ووجع. قد لا تشعر بمعني الكلمات وبما شعر ذاك الشخص. ولكنها حتماً تترك أثراً بفؤاده حتى لو كان باسمًا أمامك فأحذر من كلماتك فإنها قد تكون أسهم خارقة.
ترددت على مسامعها كل كلمة أوجعتها به. فشعرت هي بوجع لا يحصد أبداً. علمت أن تلك الكلمات صعبة جداً وصعبة الغفران. فكيف استطاعت نطقهم لا تدري؟
تطلعت بها إياد بصمت.
جاءت ورد راكضة من صلاتها. فعندما علمت موت عمرو. أصبحت صلاتها هي أهم شيء. لا تترك سجادتها تدعو له. لعينان تتوقان لرؤيته مرة أخرى. ولكن هل للميت أن يعود؟ ربما عوض ربنا لا نهاية له! ليستجيب لتلك الطفلة التي تجعله هو مولاها. فدائماً ما تذكره وترفع يدها وتدعو للجميع. فإن الله يستحي أن يرد يد عبده خائبة. فما بالك بتلك الطفلة. فإن أردت السعادة الحقيقية؟ أن تمنيت أن ترى الملائكة؟ فانظر لوجه طفل صغير باسم. حينها ستعلم معنى كلمة سعادة وملاك.
عيونها الحمراء من أثر البكاء. وجهها الذي يشع نور غلبه قلبها. ذاك الرضا الذي يظهر عليها. تلك البسمة التي تزينها. فاقت توقعاتهم. جذبت ورد الطبق من يد إياد وهي تقول:
هات كدا. مفيش من وراك مصلحة مش طالع لأختك؟
بدهشة نظر له. كبت ضحكته:
أنا مش طالع مني مصلحة؟
لوت فمها:
أيوه. يا طويل أنت؟
ضربه زيد من مؤخرة رأسه:
يا بني هتفضل طفل كدا لأمتى؟
إياد بتزمر:
أنت مالك يا عم. هقول للمار؟
ورد بتأفف:
أوعي كدا.
ابتعد إياد ليجلس بجوار زيد وأحمد. أما ورد فجلست بجوار هالة ونظرت مطولاً بعينيها. قطعت صمتها قائلة بدموع:
أنا خايفة.
بدهشة، وصدمة، وأعين متسعة نظرت لها:
خايفة من إيه؟
أجاب أحمد وزيد:
يا حبيبتي احنا موجودين. مفيش حاجة هتحصلك إن شاء الله.
تنقلت أعينها بينهم بدموع مترقرق وبهمس وخوف:
بس أنا مش خايفة من الدنيا ولا إني حد يأذيني ويحصل فيا زي عمرو.
تطلعت هالة وريم بها بزهول فتابعت قائلة بدمع شق طريقه كال مطر ينهمر على وجنتيها:
خايفة أموت وأدخل النار. خايفة تكون صلاتي مش مقبولة. أو بعمل حاجة حرام. لما عمرو مات فضلت أفكر. أنا لما أموت إزاي ومش هكون في الدنيا دي تاني ولا هشوفكم؟ هكون تحت الأرض في مكان كله ظلام وبس. وهتحاسب بس يا ترى أنا عملت خير؟ جدو مات وسابني كان بيوصيني ديماً أدعيله بعد موتي. خايفة أموت وميكونش في حد يدعيلي. أنا عايزة لما أقابل ربنا ويسألني أجاوبه. خايفة أكون ظلمت حد. وخايفة أكون زعلت حد. أنا بخاف من الضلمة. فخايفة أعمالي تكون وحش وقبري مينورش. خايفة أدخل النار ومشوفش محمد والصحابة وزوجته عائشة وخديجة. أنا نفسي أشوفهم أوي وعمر بن الخطاب. أنا نفسي أكون معاهم ونور عيني هتكون لما أشوف محمد. (اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد وأصحاب محمد كما باركت على إبراهيم وأصحاب إبراهيم إنك حميد مجيد). لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم).
كلماتها اخترقت قلوبهم ك السهم. (وأتمنى أنتم أيضاً). هزة قوية. هزة قلوبهم. ك العاصفة اخترقت فؤادهم. بموج على عصف بهم. رجفة أفئدتهم بشدة. جميعهم منشغل البال. ما الذي قالته تلك الطفلة؟ ما بينها وبين ربها ليكون هو كل تفكرها ويكمن بداخلها؟ ما بها وبماذا تفكر؟
إنها لا تترك سجادتها إلا قليلاً. تتلو القرآن بصوت خاشع عذب جميل يومياً. لا تنام إلا القليل وباقي الليل في قيام. لا يعلموا أن مقابلة رب الأرباب هي أهم وأحلى شيء بهذه الدنيا.
ظلوا يفكرون في كلماتها التي زلزلتهم وزلزلت كيانهم وأفئدتهم. فهي تصلي وتقرأ وردها وتقيم الليل تصوم أيضاً. لا ترتدي سوى الفضفاض. وخائفة. فماذا يقولون هم الذين لا يصلون ولا يقتربون للمصحف حتى. ولا يعلمون شيئاً عن كل ذلك. جميعهم في حالة صمت تام. إلا من شهقات ورد.
أحسوا أن الدنيا أظلمت حولهم. وكأنها تضيق بهم. وحسوا ذاتهم بظلام حالك. ولكن من بعيد يوجد نور يضيء. تقف ورد تمد يدها لهم. أحسوا أن الدنيا لن تدوم حقاً. وكأن لا يوجد بها شيء جميل. بتوهان كأنهم تايهين عن ديارهم ولم يجدوه. ولكن تلك الطفلة أعادتهم. شعروا باختناق غريب والدنيا كل مدى بتضيق بهم. نظروا لبعض باستغراب وعدم فهم شديد.
للوهلة أحمد حس أن قلبه وقف. هو كان فعلاً قريب ولكن لماذا ابتعد؟ عليه أن يصلح ما فاته! نهض واقفا وتوجه ليتوضأ ومن ثم يصلي.
هالة ضمت ورد بحب:
بس يا حبيبتي أنتي بتصلي ومش بتعملي حاجة غلط.
ورد بحزن:
الشخص ممكن يصلي طول عمره بس صلاته مش مقبولة لأن في مرة في المسجد دخل رجل وصلى فالرسول قال له أعد صلاتك. الصلاة لازم خشوع بكل جوارحك وكيانك وفؤادك إنك تحسي بالسكينة والاطمئنان والأمان.
وضعت يدها على وجنتها بحب وتابعت قائلة:
وكمان صحتك عليكي حق وهتتسئلي عليها. فلازم تأكلي.
قالت هذه الجملة وهي تطعمها. ببسمة واسعة هادئة أكلت من يدها بحب.
"أعوذ بالله من نهار أخره نار"
تقف خلف الستائر تنظر من خلفها للنافذة. تنتظر أن يأتي. فكيف سيستريح فؤادها وهو لم يأت بعد؟ تنهدت بضيق وتمتمت:
يا ربي طول ليه بس؟
صمتت قليلاً وأسترسلت قائلة وهي تعود لتجلس لتخت:
وأنا مالي بيه يتأخر ولا ميتأخرش؟
جال بخاطرها "تالا" فقالت بضيق:
الخاين المغرور اللي مش بيفهم برضه يحب. دي عاااااااا. يا ربي طب أموته وأريح نار قلبي ولا أعمل فيه إيه؟
استمعت لصوت سيارته فنهضت مسرعة تجاه النافذة ومن خلف الستائر راقبته. رأته يدلف بثبات لداخل. ركلت بقدمها الأرض بغيظ وهي تتمتم:
آه يا أني يا أمه ولا كأنه عامل حاجة. لا وكمان جيبهالي البيت. يا نهار أبوه أسوح. مش معدي. طب أعمل إيه طيب؟ أكب مياه أزحلقه...
ولج هو للداخل بحزن، باشتياق، بوجع، بحنين، بقلب يئن بألم، بشوق لا حدود له. ذهب لوالدته وجلس بجوارها وقبل يدها وجبينها بحب. أخرج ما بجعبته من ألم وحزن وهم وعذاب القدر. شكا لها مرارة الأيام والليالي. خرج بعد وقت للجنينة. يسير بها بوجع وشوق. واضعاً يده في جيبه.
واقفة من النافذة تشعر بألم واختناق شديد وضيق. رأته وأحست به موجوع. فعلمت لما تشعر بهذا الضيق الذي يحتل قلبها. كانت تفكر أتهبط للأسفل أم لا؟ أتذهب إليه وتعلم ما به؟ تلك الحيرة جعلتها تجن! وها قد وصلت لما تريده. جذبت حجابها لتثبته على خصلاتها. وهبطت للأسفل مسرعة تريد وبشدة معرفة ما به من حزن ولماذا ذاك الوجع يحتل قلبه.
هبطت الدرج مسرعة وعندما كادت أن تصل إليه شعرت بحياء شديد وخفق قلبها. فكيف ستصل إليه وهي بهذا الارتباك. سارت بخطوات بطيئة تجاهه.
شعر بها فاستدار فرآها أمامه. أحس وكأنه كان وسط غرفة مظلمة حالكة السواد. وهي القمر الذي يضيء هذا الظلام. اقترب منها بثبات فحقا مشتاق لصوتها، وثرثرتها التي اعتادها. يريد أن يرجع للحياة على أوتار قلبها. تسير تجاهه وهي تفرق بأصابع يدها بارتباك شديد وخجل. وهو يتحرك نحوها بثبات أعينهم متعلقة ببعضها وكأن هناك سحراً يجذب أحداهما الآخر. وقفا أمام بعضهما.
صمت المكان إلا من صوت أنفاسهم وخفقان قلبهم. أبعدت عينيها بحياء وقالت بتوتر يتبعه ارتباك ثم قلق وتلعثم:
أنت كويس؟
اتسعت ابتسامته لاهتمامها به:
يهمني يعني؟
ردت بغيظ وهي تشير له بعصبية:
أنت متعرفش تجاوب على قد السؤال أبداً.
استدارت وهي تقول:
أنا ماشية.
أمسك معصمها وهو يقول:
استني بهزر.
رمقته بغيظ فقال بجدية:
آه كويس الحمد لله.
رأت الوجع مخبئ بعينه. فشعرت بوجع هي. أحست به يتألم. فتألم فؤادها فقالت برفض قاطع وعينها مثوبة على عينه:
متكدبش عليا وقولي مالك؟
هم بالحديث، فأشارت له وهي ترفع سبابتها بوجهه:
أياك تقول مفيش هااا؟ متكدبش عليا أنا مش بحب الكذب ولا الكذابين.
أشار لها أن يسيروا فسارت جواره. تنهد بعمق وقال وهو يضع جيبه داخل جيبه وينظر لها:
طب أولاً ليه بتسألي السؤال ده؟
ردت بتلقائية دون وعي:
لأني شفت الوجع في عنيك وحسيت بأن قلبي وجعني وبضيق يعني قول أني بقيت بفهمك من عنيك كدا!!!
شعر وكأن سعادة ذاك العالم بين يديه في تلك اللحظة. قلبه رفرف بفرحة. ابتسم بوجه أشرق الدنيا. فأحياناً كلمات بسيطة قد تجعلنا نشعر بسعادة الكون. إنها أشخاص معينة كلماتهم كأنها الحياة لنا. وأحيي أفئدتنا الميتة من غدر القدر وأوجاعه.
بخجل بحياء بعتاب طأطأت رأسها أرضاً. وتمتمت بذاتها:
يا غبية إيه اللي بتقوليه ده الله يحرقك يا حبيبة متروحي ما رحتي؟
وقالت بصوت عالٍ دون أن تشعر:
منك لله يا "حبيبة" هتدخليني في داهية كدا إيه اللي بتقوليه ده يا أمه بس؟
اتسعت عينيها بصدمة عندما علت ضحكاته الرجولية. فتأملت ضحكته بهيام وحب حتى صمت وهو يقول:
بتكلمي مين قوليلي. ما أنتي هي حبيبة اتجننتي؟
صمتا قليلاً ورمقته باهتمام:
برضه مش هتقول إيه اللي وجعك؟
أشار لها بالجلوس لذاك المقعد. جلس بجوارها وقال وذكرياته المؤلمة تحاصره:
الوجع دي مجرد كلمة بتتقال. لكن محدش بيعرف إيه معنى الوجع فعلاً. الوجع بيحرق القلب وبيصهره بنار. الوجع بيموت الإنسان بالبطيء. الوجع يعني أن الإنسان ليس عايش. أو عايش جسد بلا روح وبلا فؤاد. لأنهم بيكونوا متحاصرين في دائرة الذكريات. دوامة بتدور بالإنسان بتحصره وسط خيالات كتيرة بلا نهاية ذكريات موجعة بتحلف أنها تتمكن من القلب فتدمره. بتجعل الإنسان يذهب لدنيا الأحلام. ليبني لنفسه ذكريات جميلة يمكن تحييه ويرجع يعيش.
أحست أن بداخله أوجاع لا تحصد. فنظرت له بحب قائلة:
مهما كان حجم الوجع بس هينتهي.
قطعها قائلاً:
مين قال أن الوجع بينتهي. الوجع بيزيد مع مرور الأيام والسنين.
قالت بصدق:
ربنا ليس ظالم للعبيد. لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. كل شخص ربنا بيرزقه على قد قدرة تحمله لو عبده صبر ورضي ربنا بيكفيه دنيا وآخرة. "إن بعد العسر يسراً". مهما كان الوجع ربنا هيعوضك.
ابتسم لها بحب فبادلته الابتسامة. نهضت واقفة بحياء وهي تقول:
هطلع أنا. تصبح على خير. وأنت كمان اطلع نام.
نهض هو الآخر. رفعت بصرها إليه:
لما تحس بالوجع وذكريات بتهاجمك اصنع ذكريات جديدة مع ربنا. اسجد واحكيله هيسمعك وهيطبطب عليك بكرمه وده وحبه. ارفع إيدك للسماء وأدعي لأن الله يستحي أن يرد يد عبده خائبة. لما تحكيله كل وجعك هيروح.
قالتها بشغف وهي تغمض باستمتاع لتلك الجملة وتحرك يده. تحس بأمان وسكينة وحب وراحة بال وسند عمره ما هيخذلك. أشار لها بحب:
حاضر.
تبعاً سيرهم للداخل فسألته بفضول:
أنت ليه اتجوزتني؟ وليه أنا هنا؟ أنت مين؟
نظر لها مطولاً بصمت حتى صعدا الدرج. وقف أمامها وقال بهمس:
اتجوزتك عشان أحميكي مش أكتر. وهرجعك لأهلك لو أنتي عايزة وهتتحرري مني؟
أجابته بتلقائية وهي تشعر بنغزة:
ولو مش عايزة؟
بنظرة باسمة نظر لها انحنى على أذنها وهمس:
وقتها مفيش أي حد يقدر يبعدك عني. بالوقت المناسب هتعرفي كل حاجة. وعد؟
غمز لها ورحل لغرفته. بأعين متسعة خجلة كانت تقف بزهول. سرعان ما ترجمت جملته. وتذكرت "تالا". لحقت به ركضاً وولجت الغرفة.
كاد يخلع جاكته ولكنه استدار ليفتح لها الباب ودخولها ك العاصفة. وقفت أمامه راكضة دون كلمة ودفشته بقوة وهي تقول:
إن شاء الله مين تالا دي وتحضنها ليه وليك كام علاقة أصلاً...
كبل يدها بكلتا يديه وهو يقول بتسلية:
يا بت اهدى والله مليش علاقات مع حد وتالا دي بعتبرها أختي الصغيرة. متتغيريش منها اطمني.
أبعدت يدها بحدة عن يده وقالت بغيظ وهي تدفعه ولكنه لا يتحرك:
مين قلك أصلاً إني بغير وهغير ليك عليك؟ كنت جوزي مثلاً.
ردد بضحكة:
لا بعد الشر. سبحان الله كنتي سه عاقلة. تحولتي فجأة إيه ده مش معقولة. مجنونة.
وضعت يدها بخصرها وقالت:
أنا مش مجنونة. دي ست تالا هي اللي مجنونة.
هدأت من صوتها وهي تقول:
بس البت قمر يخرب بيتها أحلى مني. دا أنا بنت وبعاكسها.
كبت ضحكته بصعوبة وانحنى ليهمس جوار أذنها:
لا لا أنتي أحلى.
اتسعت عينيها سرعان ما ركضت من أمامه هاربة. فتعالى صوت ضحكاته عليها.
"أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه."
تحت ظلمة الليل العاشقة. على مرأى من النجوم الساهرة. تسير بهذا الليل الحالك على ضوء القمر. تسير بشغف واستمتاع لهدوء الليل الجميل وهواءه المنعش. وقفت أمام الشاطئ. وجلست على تلك الصخرة الصماء بحزن رهيب وقلب موجوع يئن بالوجع والغدر. تمنت لوهلة أن تكون مثل الصخرة وفؤادها أصم صلب مثلها تماماً. فهي صخرة لا تتألم ولا تتوجع ولا تشعر ولا يغدر بها أحد. وحيدة؟ جال بخاطرها كيف لها أن تكون وحيدة؟ ألم تجلس لتشكو لها حاله هي أيضاً ستغدر بها وستتركها بعدما أدت لها ونسيت وروح للحياة. استدار برأسها لتنظر للبحر وهواءه الذي يداعب شعرها فيتطاير بالهواء ومع نسماته باستمتاع غمضت عينيها وفتحتهم بعنف. تخيلت صورة أدهم تطفو على الماء فأبتسمت بفرحة سرعان ما تلاشت. نظرت مطولاً للبحر تشكو له، مغادرة عصفورها بعدما أوجعها بالكلمات القاسية فلماذا فعل ذلك وحطمها؟ ألم تحبه بما يكفي؟ لقد كان قلبها له الفردوس صنعته له فلماذا حطم كل هذا دون أن يعبئ بشيء. شكت معاناتها للبحر ولكنها أدركت أن البحر كال إنسان. فإنك تحبه وتحب منظره ولونه تثق به ثقة عمياء، وتحكي له مقصوصة حياتك كلها. وعندما يعطيك الأمان يغدر بك ويأخذك لتغرق بقاعه بعد فوات الأوان ويتركك هكذا ويترك قلبك الذي صنعته له جنة.
رفعت بصره للقمر كي تحادثه ولكنها شعرت بمعاناته أيضاً فهو وحيد مثلها. إنه يشرق وكله حنين وشوق ليرى الشمس ولكنها ترحل غير مبالية به. وجع لا مثيل له يحتل قلبها. ظنت أن بغربتها قد تحس بالفرحة والأمان وأن تنسى معاناتها وذكرياتها إن غادرت مكانها. ولكنها نسيت أن الغربة تحتاج لحضن الاحتواء. لقد كان قلبه لها وطن وعندما أوجعها تركت وطنها لتصبح غريبة ببلد الأغراب.
شعرت فجأة بيد على كتفها وصوت يقول:
لمار يا بنتي خرجتي من غير ما تقوليلي؟
صوت من هذا؟ أين لمار؟ ما الذي سيحدث؟
من تلك الفتاة التي تحدث عنها اللواء أمجد؟
توقعاتكم ورأيكم... تفاعل ولو بـ لايك..... رجاء
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندى ممدوح
شعرت فجأة بيد على كتفها وصوت يقول:
- لمار يا بنتي خرجتي من غير ما تقوليلي؟
أدارت رأسها بابتسامة واسعة وقالت:
- زهقت، وحابة أقعد لوحدي شوية وأفكر في مكان هادي... أنت صاحي ليه بس يا عم عبدو؟
جلس بجوارها ورمقها مطولاً:
- كنت لسه هقولك أني جهزت الاتنين؛ بتاعك جاهز وشهد يلا مخلصة...
ابتسمت بامتنان:
- والله مش عارفة أشكرك إزاي؟
عبده:
- تشكريني إيه بس هو أنا عملت حاجة؟
ابتسمت له.
وأدارت رأسها وهي تتأمل البحر بهدوئه.
- الوجع صعب، ولكن الأصعب أن الشخص يحبس نفسه داخله؛ اخرجي من ظلامك لنورك؟
قالها عبدو وهو يرى حزن لمار بادٍ على وجهها.
تطلعت به بصمت وابتسمت:
- مين قال إني موجوعة، بالعكس الضعف بيقوي والوجع بيعلّم....
التفتت بعينيها للماء مرة أخرى بصمت.
بعد صمت طويل نظرت له وقالت:
- عمو روح أنت، أنا تمام والله، هفضل شوية بس وهرجع...
علم أنها حقاً تريد الجلوس مع نفسها.
فنهض ليغادر بعدما اطمأن عليها.
تأملت البحر أمامها وهي تتذكر كلمات أدهم التي تفوه بها. أجل، رأت الكذب بعينيه. أجل، كل كلمة تفوه بها ليست من أعماقه.
ولكن من الذي جعله يقول ذلك؟
وما الدافع من تفريقهم هكذا؟
لماذا هو انصاع له؟ كان من الأفضل أن يخبرها وهي تدري ما تفعله.
ظهرت فجأة صورة يوسف تطوف على الماء.
بفرحة، أمل، اشتياق، شغف، انتعاش. رمقته بشوق يكفي العالم وقد يزيد حتى. بعيون ثاقبة كالصقر عكس ما بداخلها.
حادثت نفسها وهي تتخيل هيئته عندما كبر.
وحشتني أوي يا يوسف... ياترى بقيت إزاي دلوقتي؟ هل كويس ولا لأ. ارجع لي يا يوسف، إزاي هان عليك تكون طول السنين دي بعيد عني؟ هو أنت متعرفش إني محتاجالك؟ اااه يا حبيبي لو تعرف قد إيه نفسي أشوفك وأضمك. لو بس تعرف قد إيه مشتقالك. مخطرش على بالي أبداً إنك عايش. وعدتني تفضل جنبي ديما... بس ليه بعدت عني. ارجعلي تعال يا حبيبي...
زفرت بضيق وتمتمت قائلة بانقباض:
- حاسة إنك موجوع يا حبيبي، يارب تكون بخير وكويس... حاسة إنك بتناديني بس أنت فين؟
فاقت لذاتها على صوت أذان الفجر يصدح بالمكان.
أغمضت عينيها لتستمع له بحب وراحة وأمان وهي تردده بصوت عذب.
وعادت لصمتها مرة أخرى.
شعرت بخنقة روحها تزداد. وأنفاسها تضيق تكاد تتلاشى.
تذكرت ماذا فعلت؟ بتلك الحياة لا شيء.
عندما يأتي يوم الحساب بماذا ستجيب؟ فهي بعيدة عن العبادة ولكن قلبها مليء باليقين.
ابتسمت وهي تعاهد ذاتها على أن تتغير بعدما تثأر لنفسها ممن قتل والديها، وفرقها عن أخيها، بمن أهداها أوجاع لا تحصد!
نهضت لتعود لتلك الأوضة الصغيرة التي تجلس بها.
توضأت ومن ثم وضعت مصلايتها لتصلي.
وعندما كادت أن تسجد حتى أجهشت بالبكاء. وكان قلبها يبكي ويئن وينتحب أيضاً.
فقد شعرت بكره الدنيا واتساعها. علمت أن كل ذاك زال، إلا أعمالها وهي لم تفعل شيئاً يدخلها الجنة. إنها قد بنت ما لا تسكن، وأجمعت مالا تنتفع.
بكت ببكاء حارق تخشى بأن لا تعود ولكنها على يقين تام أن الله لن يخذلها.
ولن تموت إلا بعد أن تثأر لقلبها الذي يحترق.
أنهت صلاتها، وتوجهت للتخت، تمددت حتى تغفو في النوم. ولكنه جفاها وابتعد وكأنه أقسم أن يجعلها ساهرة في معاناتها.
وضعت يدها خلف رأسها. وشعرت بشيء ينقصها. لقد كانت قبل أن تغفو تطمئن على الجميع فكيف لجفنيها أن تغفو وهي تعلم أن قلب أختها موجوع الآن.
وكأن القلوب قد تلاقت وتعاهدا على البقاء.
فقد كانت تنظر من النافذة بدموع لا تفارق عيناها يأبى النوم أن يذهب بها لدنيا أخرى وأن تنسى قليلاً. فالشوق قد لهب قلبها شوقاً.
أما مايكل فقد كان يجلس على مقعده ويتأمل محبوبته. تذكر كلماتها. وخوفها عليه. وإحساسها به. تذكر جملته بأن يصلي ويخلق ذكريات جديدة أجمل.
نهض وتوجه ليتوضأ ومن ثم صلى.
وعندما سجد حقاً أن جل أوجاعه قد خفت. وأن تلك الهموم انزاحت. وأن قلبه ها هو عاد للحياة براحة وأمان وسكينة.
تخيل عينيها شعر بالدفء.
أنهى صلاته بعد ساعات.
أخرج ما بجعبته لربه ومولاه وشكى له هم الدنيا والحياة الأيام والليالي التي لا تنتهي. سأله أن يحفظ له أخواته وأن يشفي والدته. ودعا لوالده بقلب رحب مطمئن بالإيمان.
أنهى صلاته على ذاك الصداع الذي رويداً رويداً يزداد حتى كاد أن يفجر رأسه.
كالمجنون رفع يده ليحوط بهم رأسه أراد أن يصرخ ولكن جسده انهار على المصلى.
وبعلو صوته هتف:
- ياااااارب...
أستمع لكلمات أهدته السكينة. وشفاء لما في قلبه ورأسه أجل لقد كان صوتها يرتل القرآن ترتيلاً بحب وخشوع وهدوء بصوت عذب ينعش الفؤاد الميت.
رفع رأسه من بين يديه.
وعندما رفعها حتى رأى صغيرته بوجهها الباسم أمامه. ابتسم بفرحة وسعادة وهمس بأمان:
- لمار...
مد يده ظناً منه أنها أمامها. ولكنها تلاشت تماماً عن ناظره وكأنها لم تكن وتبخرت في الهواء.
وقف مسرعاً وهو يتلفت عليها، وعيناه تجوب المكان فلم يجدها.
- أنت بخير؟
كان هذا صوت فيكتور الذي شعر بصديقه وأتى ليسانده.
نظر له بثبات مغشوش:
- أنا تمام. "ابتسم له" صاحي ليه! اللي يشوفك يقول بيحب؟
ضحك فيكتور واقترب منه وقال بأمر:
- متهربش من السؤال ولا تكذب. وقولتلك أحنا قلبين في جسد واحد إذا تألم واحد شعر الآخر وإذا أرق الآخر أرق الثاني. ف بأكدلك مش هتعرف تكذب عليا. ها مالك؟
هرب بعينه عنه وقال:
- مفيش بجد! بس مشتاق لأميرتي شوية؟
علم فيكتور أنه يكذب فابتسم وأمسك يده ليجلس.
أراد أن يغير مزاجه فقال مازحاً:
- إيه رضيت عنك ولا لسه البت دي؟
ابتسم مايكل على ذكرها:
- يعني زعلانة ومش زعلانة؟
فيكتور:
- فزورة دي ولا إيه؟
مايكل ابتسم:
- لا وأبداً يعني ممكن تقول كده اتصالحنا فعلاً...
فيكتور بمناغشة:
- والله وقعت ومحدش سمى عليك؟
ضحك غصباً عنه وهو يتخيلها وقال:
- شكلي كده... بس يرضيك أقع ومتسميش عليا أخ عره صحيح!
انفجر ضاحكاً:
- لا بس مين قال كده ياعم سميت أول واحد...
ظلوا باقي ليلهم بمناغشتهم وهزرهم من صميم فؤادهم.
كادت لمار أن تغفو وتذهب في ثبات عميق.
ولكنها نهضت مفزوعة بعدما مكثت وقت بالتفكير والانشغال.
استمعت لصوت صراخ امرأة لا تدري من؟
بلهفة وقلق خرجت مسرعة. تقدمت منها امرأة تبكي وتولول وهي تقول ببكاء وجع فؤاد لمار:
- الحقي ابني يا بنتي مش عارفة أروح بيه فين ابني هيموت مني...
لمار بلهفة:
- طب اهدي بس فهميني ماله ابنك؟
كأنها شلت فلا تستطيع التفوه بكلمة. قبضت على معصمها وسحبتها شبه راكضة وهي تقول بتلعثم:
- تعالي شوفييه...
لمار ولجت خلفها لتري ابنها ووجدته مغشياً عليه لا يحرك ساكنا.
حاولت لمار أن تجعله يفيق فلم تستطع. نظرت لها بحدة وهتفت بصوت عالي:
- اهدي بقا واحكيلي ابنك ماله عنده إيه؟
قالت من بين شهقاتها ويدها على موضع قلبها:
- هو ليه فترة بيشتكي من قلبه وكشفتله بس الدكتور قال مفيش حاجة؟
لتهمس لمار بخوف:
- قلبه...
أسرعت لتحمله وركضت به مسرعة لسيارتها وخلفها والدة الطفل.
لمار قادت بسرعة للمشفى. وصلت كانت مستشفى الأميرة.
لمار هبطت من السيارة وهي حاملة الطفل.
بتأمل نظرت للافتة. وبقدمين لم تعد تشعر بهم كادت أن تقع.
سرعان ما أسرعت لتمسك نفسها.
لا تعلم ما تلك المشاعر.
فاقت على بكاء والدة الطفل الذي يعلو رويداً رويداً.
أسرعت خطاها للداخل.
وحقاً لم يخيب ظنها. فأول ما لمست قدمها للداخل حتى انهال عليها ممرضين ودكاترة ليأخذوا منها الطفل لغرفة الكشف فوراً.
كانت تشعر بفرحة بداخلها. لا تدري سببها.
شعرت ها هنا وكأنها قد وجدت وطنها الذي كانت تائهة عنه كثيراً. وكأن هذا هو بيتها.
شعرت بأمان لا نهاية له. وراحة لاول مرة تحس بها.
شعرت بوالدة الصبي وكأنها قد كانت متغيبة عن هذا العالم لعالم تاني أو ما شابه.
مضت نحوها لتمسك يدها بحنان وقالت بحنو:
- متقلقيش هيبقي كويس وهيتعالج ويخف وهيكون أحسن من الأول؟ دي أحسن مستشفى وابنك هيتعالج أحسن علاج! وأنا جنبك متخافيش...
عانقتها بامتنان وهي تقول ببكاء:
- مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه؟
فهمست لها بود:
- ربنا عمره ما بيسيب حد أبداً هو ديما معاكي فكوني على ثقة أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير.
ابتعدت لتنظر لعينها مطولاً وقالت:
- أنتي دلوقتي أثبتيلي إن الدنيا لسه بخير وفي ناس لسه بتساعد بقلب طيب وان مش كل الناس بتأذي. أنا مش هنسى جميلك ده طول عمري.
لمار كشرت بزعل:
- بتشكريني ليه دلوقتي أنتي عايزة تضيعي حسناتي ولا إيه؟
ابتسمت لها بفرحة:
- لا مش عايزة أضيعهم...
- هروح أصلي ركعتين. "نظرة لطرف عينها للغرفة التي بها ابنها" وادعي لبني وادعيلك.
لمار ابتسمت ببهجة:
- ماشي وأنا هصلي معاكي.
ثم أكملت باستغراب:
- بس هل هنا في مكان للصلاة...
صمتت وهي تستمع لصوت يخرج من الغرفة يقول لشخص آخر بلهفة:
- بسرعة لازم نطلب دكتور مايكل للعملية لأن الجراحة حرجة ولازم هو يكون موجود دا أكبر جراح والعملية نسبة قليلة....
على سماعها لذلك... اضطرب قلبها بضجة كبيرة حتى عقلها. لم تعد تحتمل الوقوف فكادت بالوقوع لولا أنها أمسكت بذاك المقعد لتسند عليه وتجلس.
مايكل تردد ذاك الاسم على مسامعه. سمعته كثيراً من عبد الرحمن وأمجد وتلك الفتاة التي قبضت عليها. أيحق أنه هو أم لا؟ وإذ هو فلا يوجد مجرم يعشق المال ينهب ويقتل ويخطف بأن يفتح مستشفى كهذه بالمجان وأن تكون على أعلى مستوى. ومن أحسن أجهزتها.
عيناها جابت المستشفى. إنها معقمة جيداً نظيفة يوجد أناس كثيرة تعمل بها. وجميعهم يعملون بجهد.
لمعة فرحة. وترقرق الدمع في عينيها وهي تجوب المكان. ما ذاك وكأنها تتخيل. أليست تلك الألوان وذاك البناء قصت على مسامع أخيها أنها تريد المستشفى الخاص بها هكذا؟
أيعقل أنه هو؟ أمل جديد امتلأ قلبها. فرحة لم تعتدها من قبل امتلكت قلبها.
فاقت من ضجيج عقلها وقلبها. على صوت والدة الطفل الحزين:
- فيه مكان للصلاة تعالي يلا. جذبتها من معصمها وذهبت. ولجت لتصلي وتركت معصمها. فوقفت محلها. خفقان قلبها وتسارع أنفاسها وكأنها قد دخلت بعالم جديد عالم مليء بالراحة والسكينة والأمان. خالي من الحزن والهم والوجع والمشاكل كأن جل ما بقلبها انسكب من فؤادها بتلك اللحظة.
رفعت قدمها بعينان تفيض بالدمع.
هبطت دموعها واحدة تلو الأخرى رويداً رويداً.
وجدت نساء كثيرة. فمنهن من تصلي ومنهن من تقرأ القرآن.
كانت كالغرفة تشبه الجامع يصلي بها أهالي المرضى لمن أراد الصلاة.
ولجت بقلب مليء بالإيمان أشرعت بدأ صلاتها بخشوع تام من فؤادها وجوارحها ويا الله من تلك اللحظة وهي تسجد بين يدي الرحمن وجل ما بقلبها يأخذه هو ليغيره لسعادة وكل الدعوات مستجابة مهما كانت.
أنهت صلاتها وجلست بسعادة لا توصف.
فاستمعت لامرأة متنقبة تحادث أخرى.
- دكتور مايكل ده الله يباركله في عمره، إنسان زي الملاك كدا بيجي من آخر الدنيا عشان يعمل العمليات والمستشفى مفيش زيها ومش هيكون ومفيش دكتور هيتكرر بعده. كلهم غلوا الكشوفات وعشان تعملي عملية محتاجة لآلافات بس الله يطول في عمره مش مخلينا محتاجين حاجة العلاج هو بيأمنه لينا من حسابه حتى العمليات وكل حاجة ربنا يقدره على فعل الخير.
استمعت لأخريات تقول:
- يا حبيبتي داووا مرضاكم بالصدقة. دا الرسول موصي عليها. طلعي صدقة لكل حاجة بتضايقك هتلاقيها فُرجت من عند رب العالمين.
لمار استمعت لحديثهم الذي زلزلها. وخرجت أجرت عدة اتصالات ورسائل وغادرت المستشفى.
مرت ساعات أشرقت بها الشمس بحياة جديدة ورائعة.
كانت تقف لمار بين ناس كثيرة ومن بينهم عم عبدو. تقف أمامه وهي تقول بصدق:
- يا عم عبدو أنت اللي هتمسك الجمعية ما حد غيرك مش هثق غير فيك. وبناء الجامع أنت اللي هتباشر عليه.
جاء أن يرفض فقاطعته هي:
- وربنا آخر كلام وإلا هزعل.
أومأ برأسه مؤكداً بفرحة لتلك الفتاة التي ابتاعت سيارتها. وجلبت كل مالها لتصنع مشروع يسمي "الجمعية الشرعية". اشترت وقد فعلت به مصروفات للأيتام والأرامل والمحتاجين وكل شخص يريد شيئاً ليس بأمكانه.
وضعت مبلغ بتلك المستشفى. أجل بماذا ستصنع بسيارتها ستصعد بها وتجول بها لكل مكان تريده ثم بعد ماذا ستجني من ذلك. بماذا ستفعلها يوم القيامة: فيبطل عمل بن آدم بعد موته إلا من ثلاث "والد صالح يدعوا له؛ وصدقة جارية أو عمل ينتفع به".
ماذا ستفعل بمالها هل ستجلب ملابس جديدة وتغير كل شيء وتصرفه بأشياء لن تنفع بعد موتها بل ستكون ثقيلة الحمل ولن تستطيع الصعود. فعليها أن تزرع شيئاً عند موتها يظل يذكر دائماً وأبداً.
كانت تقف لمار وبسمة واسعة تزين ثغرها. كحورية رأت مقعدها بالجنة.
تنظر لكل الوجوه التي تتنقل من حولها والسعادة تزين. فكلما رأت أحداً مبتسماً، فرحت أكثر وأكثر.
يا بني فالسعادة ليس مفهومها البسمة والضحكة فالكثير يبتسم ويضحك وداخلهم أوجاع لا تحصد. "السعادة" إن أردتها فهي بالقلب تكمن.
إن ساعدت أحد. عرفت معنى السعادة. إن أسعدت أحد عرفت معنى السعادة. ولا تظن أن ذلك منسياً فهناك رب يرى أفعالك وإن أسعدت شخصاً سيسعدك الله. إن رضيت أرضاك الله.
فالسعادة هي عندما تنشر الضحكة بوجوه الآخرين.
السعادة هي الرضا الرضا بكل ما كتبه الله عز وجل.
تقف لمار ببسمة وهي تنظر لكل شيء حولها بفرحة.
- لمارررررر أنتي هنا؟؟؟؟
التفتت لذاك الصوت ببسمة وهي تقول:
- زيد تعال.
أشارت له.
ركض مسرعاً نحوها واحتضن وجهها بين يديه وقال بقلق:
- أنتي كويسة؟
أومأت برأسها مسرعة، وأمسكت يده وهي تشير إليه:
- بص أنا هعمل الجمعية دي للمحتاجين وكل فلوسي فيها وهشتغل عشانهم هما بس.
قال مستغرباً:
- ليه هتصرفي فلوسك وخلاص؟
ردت بتهكم وهي ترمقه بغيظ:
- يا ابني أنت مش بتفهم؟ "ابتسمت" طب أنا هعمل إيه بالفلوس وفي ناس أولى بيها مني ومن كل حاجة البسمة والضحكة اللي بزرعها على وشهم دي بالدنيا كلها وبتغنيني عن كل حاجة.
استدارت وأشارت له بيدها:
- شوف كل الناس، دي دي سعادة لوحدها.
عيناه تنقلت بينم حقاً ابتسم بفرحة وهو يرى ضحكتهم.
جذبته من معصمه دون كلمة وسارت لفترة.
لم يسألها شيئاً.
وقفت أمام أرض بها العديد من العمال وأشارت بيدها:
- وده هيكون مسجد هنا.
بوجه عابس حزين رمقها مطولاً.
فأستغرب ذلك:
- إيه مالك؟
زيد بتمثيل:
- أصلك مش عايزة تشاركيني وأكسب حسنات زيك؟
لمار هزت رأسها:
- يا بني هو أنا حوشتك؟ تعرف يا زيد.
نظر لها باهتمام فأكملت قائلة:
- بيقولوا إن الصدقة بتشفي المريض؟
نظر لها بدهشة وزهول:
- لمار مخدش تعبان فينا!
ربعت يدها وقالت بهيام:
- مش عارفة حسيت إن حد قريب مني محتاجها.
نظر لها بدهشة، حتى هتف بعتاب:
- أنتي إزاي تمشي كدا من غير ما تقوليلي، متعرفيش كانت خالتي إزاي من قلقي عليكي كدا؟ أنا كنت بموت كل ثانية عشانك!
انتبهت لعم عبده يشير لها من الخلف. فابتسمت باستعجال وقالت:
- معلش كنت حابة أفضل لوحدي. سارت من أمامه وهي تصيح:
- خلي بالك من كل حاجة هنا لحد ما ارجع تمام.
ظنت أنها ستقابل عبدو وتعود فوقف يراقب العمال بصمت ويرى ما ذا يريدون.
لمار توجهت لعبدو ووقفت أمامه.
فقال بقلق:
- يا بنتي اتأخرتي على طيارتك. يلا مفيش وقت وسيبي كل حاجة أنا موجود.
ابتسمت بامتنان له وربتت على كتفه:
- حاضر ااهو رايحة، ربنا يخليك يارب انا واثقة فيك طبعاً ومش هسيبك طلباتهم أوامر.
ابتسم له بفرح:
- حاضر في عيوني؛ ربنا يرضيكي زي ما بترضي خلقه؟ يلا بينا.
ذهبت معه بابتسامة مشرقة.
هالة تفتح عينيها المنتفخة من أثر البكاء.
كحيلة السواد. ذو جسد أصبح هزيلاً ضعيفاً، نحف جسدها.
عيناها جابت الغرفة بوجع. تشعر وكأنها تمكث في سجن مظلم بلي حالك السواد. بين أربع حيطان مليئة فقط بالحزن والهم والوجع وعذاب الفراق والاشتياق.
ولجت ريم بكرسيها المتحرك. وجدتها كما هي بل أسوأ حالا. لم تنظر إليها. لم تشعر بوجودها أيضاً إلا عندما.
اقتربت ووضعت يدها على كتفها.
نظرت لها بعينيها المليئة بالدمع ما لبثت أن قالت بوجع وصوت مهزوز من وجع القلب:
- هو ليه ربنا مش عايز ياخدني؟
ليه كل ما بحب حد ياخده مني؟ أنا عملت إيه لكل ده؟ ليه مش مكتوب لي أفرح؟
ولو فرحة أتألم أضعاف الفرح!!!
ليه مشوار الحياة صعب كداة؟
أنا عملت إيه عشان كلهم يروحوا ويسبوني؟
أنا عايزة أنتحر وأريح، يمكن أستريح؟
عايزة أنام من غير ما أقوم تاني؟
دنيا وحشة وناسها أوحش، بس السؤال ليه كل ده؟ أنا بجد زهقت ونفسي أموت بقا؟
بس للأسف حتى الموت زعلان مني ومش عايزني؟
مع كل كلمة تلفظ بها؛ تنهمر دموعها كالشلال.
ويصرخ ويئن قلبها. وجل جوارحها.
أجهشت ريم بالبكاء أيضاً. ولجت ورد بعدما استمعت لحديثها. وعيناها تطلق شرار بغضب. سارت مسرعة لتتخطى ريم وتصبح أمامها بوجه هالة وصرخت بصوتا عالي أفزع هالة:
- هو ليه ربنا مش عايز ياخدك؟
لأن كل شخص له موعد ربنا يأخذ أمانته فيها. لأن ربنا إذا أحب عبداً أبتلاه، لأن الصابرون يأخذون أجورهم بغير حساب. يا شيخة اخمدي ربنا إنه ابتلاك في الدنيا مش في الآخرة. اشكريه على البلاء، لأنه بيحبك عايز يعلي من أعمالك. دي الهموم بعدها فرج وربنا بيعوض. ليه ربنا خد كل اللي بتحبيهم طب أنتي زعلانة ليه؟ هو خد أمانته! أنتي مين عشان تعترضي؟ الرسول مات أولاده ومات ليه ناس كتير غالية ليه مقلش ليه يارب؟ عارفة ليه لأنهم بيواجهوا رب كريم بيعوض وبيجزي كل شخص على قد صبره.
لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لو أنتي مش قد الابتلاء تأكدي مكنتيش هتبتلي بيه. بدل ما تقعدي تبكي وتقولي ليه؟ وأنا عملت إيه؟ قومي صلي احكيله اللي في قلبك عشان يطمن قلبك. قربي منه، استغفري، صلي على النبي، "صلى الله عليه وسلم".
اقتربت منها بحنان ووضعت يدها على وجنتها:
- قومي صلي وأصبري وثقي في الله ورضي عشان ربنا يرضي عنك.
أومأت برأسها ووقفت لتصلي ومعها ورد وريم.
ما كادت أن تنتهي من صلاتها حتى شعرت بضعف أكثر وانقباض وأغشي عليها محلها.
صرخت ريم بقلق باسمها. وبكت بعجز وقلق. أما ورد فضمتها وهي تنادي باسم أياد.
جاء أياد راكضاً على صوت بكائهم. كاد أن يدلف للغرفة فتوقف محله بصدمة.
فصاحت به ورد:
- هو أنت هتقف مكانك كدة؟
انتبه لذاته ليسرع ليحملها ويضعها على التخت بحذر.
بمنزل إيهاب كان يخرج من غرفة تالا إلى غرفته.
أعين بها الدمع. يسير بألم. حتى وقف محله أمام غرفة والده وهو يستمع إليه يقول:
- مش فاهم يعني اجتماع إيه....... أنا مش هقدر أحضر بما أن أمجد موجود......... يا عم ماشي أنت واثق فيه؟ أنا لا! خلص الموضوع.... لمار مش هتقدر تعمل حاجة هي دلوقتي في حزنها على موت عمرو دا كفاية شكله بس... دي كانت بتتوجع من صور الأطفال الغريبة ما بالك أنت بابن عمتها اللي ربيته بإيدها. وغير هي مكسورة دلوقتي مس هتقدر تعمل أي حاجة.................. رجعت امتى؟ كان انهاردة الصبح بتسأل ليه؟
..........
تمام سلام وخبرني لما تقابل البنت دي!!!!؟
بدمع سال على وجنتيه. بسهم اخترق قلبه مسموم.
همس بصوت مهزوز يئن:
- عمرو؟؟؟
جال بخاطره صورته. العجز قد سيطر عليه. لمار مكسورة؟؟؟؟؟؟
قلبه كأن به نار مشتعلة. لم يدري ما عليه فعله. ذهب لغرفته وسرح بتفكيره وهو يبكي على موته. وحالة هالة ولمار الآن.!!!!!!!
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندى ممدوح
ذهب لغرفته وسرح بتفكيره وهو يبكي على موته.
وحالة هالة ولمار الآن.
شعر بكره شديد تجاه والده ليس له نهاية.
عجز، ضعف، كسرة تمكنت من قلبه.
بكى بقهر وتعالى صوت بكائه على ذاك الأب الذي يبغضه بشدة.
حاصرته الذكريات فجأة، تلك الذكريات القليلة التي جمعته معهم.
تمنى أن يكون بجوارهم يساندهم ويواسيهم.
تمنى أن يزيح تلك الدمعات التي تهبط من عينيه.
هالة ولمار سيطروا على عقله.
وكأنه يتخيلهم أمامه.
تمدد على الفراش بضعف.
بصمت وضعف وهن.
وضع رأسه على الوسادة وهبطت دموعه كالشلال.
أظلمت الدنيا حوله.
فلا يرى سوى ظلام دامس.
أتعدل بجلسته بتذكر وهو يقول مستغرباً قلقاً:
"اجتماع؟ اجتماع إيه ده! وبنت مين؟"
جابت أعينه الغرفة بحثاً عن هاتفه حتى وقعت عينه عليه.
هب واقفاً بسرعة ومضى ليجذبه.
ورن على مايكل بلهفة وقلق.
هتف بعصبية وهو يقذفه دون اكتراث:
"قافل ليه تلفونك وليه مقولتليش ليه؟"
رفع يديه على وجهه وجلس على أقرب مقعد بصمت وألم، وكأن قلبه قد أقسم ألا يفرح أبداً.
جذب مفاتيح سيارته وذهب شبه راكض.
في عدة لحظات كان يقود سيارته كالبرق.
يكاد عقله يجن من كثرة التفكير وأن ينفجر أيضاً.
وها أخيراً قد وصل لمبتغاه.
فتح الباب وهبط وصفقه خلفه وركض للداخل.
كان يهبط الدرج بخطوات ثابتة.
أعينه تبحث عنها بالأرجاء لا يسمع لها همس.
اشتاق لصوتها.
انتبه لأيهاب الذي يدلف شبه راكض بقلق.
خوف.
أسرع خطواته تجاهه ليقف أمام عينه وقلبه مقبوض.
كاد أن يتحدث حتى صاح به أيهاب:
"حقيقي عمرو مات؟ كنت فين أنت؟ ليه سمحتلهم يعملوا كدا؟ أنت عارف حالة لمار وهاله دلوقتي إيه؟ كنت فين بجد؟ في اجتماع انهارده والله واعلم هيخططوا لايه."
قطع حديثه مايكل وهو يحتضن وجهه ويقول:
"طب أهدي بس؟ كله تمام."
أزاح يده بفتور قائلاً:
"انت إزاي مساعدتش عمرو فهممني."
استدار للجهة الأخرى وامتلأت أعينه بالدمع.
دنا منه ليقف أمام عينه.
ورفع يده على كتفه وجذبه ليضمه.
بقلب يأن بالوجع ويبكي لدموعه.
انكب على كتفه مجهشاً بالبكاء الحارق وقال بصوت موجوع وهو ما زال واضع رأسه على كتفه:
"انت متعرفش لمار بتحبه قد إيه؟ طب ليه معملتش حاجة؟"
ربت مايكل بوجع على كتفه وقال:
"بس يا حبيبي دموعك بتحرق قلبي. هما كويسين صدقني."
دفعه بعنف وابتعد كم خطوة للخلف.
نظر لعينيه بحدة وقال:
"مش كويسين خالص. انت مقعدتش معاهم مشفتش قلوبهم."
هز رأسه بيأس وسار مسرعاً للخارج.
يسير شبه راكض.
سار مسرعاً خلفه وهو ينادي باسمه، ولكنه ذهب مسرعاً وصعد سيارته وغادر.
وقف مكانه بغضب يكبته بقلبه.
أشار لأحد الحرس باتباعه وأنصاع لأوامره فوراً.
ولج للداخل وهو يسير شبه راكض.
وقف أمام الحائط بعصبية وكور قبضة يده ولكم الحائط.
هتف باسم فيكتور وتوجه ليصعد الدرج شبه راكض.
خرجت حبيبة من المكتب على سماع صوته.
رأته عصبي ومتنرفز.
فهمست لنفسها: "ماله ده مضايق ليه كدا؟"
صمتت قليلاً بتفكير وبعد ذلك قالت:
"أروح أعرف ماله ولا بلاش. لا لا ممكن يزعق فيها. لا لا هروح أشوفه."
مضت للأعلى واتجهت لغرفته.
اقتربت من الباب مدت يدها وكادت بفتحه ولكنها تجمدت مكانها دون حركة وهي تسمعه يقول:
"الاجتماع ده مهم لازم نعرف المرة دي هيدخلوا إيه مصر مخدرات ولا سلاح عشان نتصرف. الاجتماع ده لازم أنت تحضره وتعرف فيه إيه بالضبط."
بصمت مخيف وضعت يدها على فمها بصدمة وخوف.
وهبطت دموعها بغزارة.
بقلب مجروح تراجعت للخلف بعدم تصديق.
انتبهت لذاتها لتقترب مرة أخرى بقلب يعلو ويهبط.
واستمعت.
بالداخل مايكل بحزن وجع أكمل قائلاً:
"موت لمار. لمار لازم تموت."
اتسعت عينيها بصدمة لا مثيل لها.
خفق قلبها وكأنه في سباق حتى كادت أن تستمع لدقاته.
كانت ترجع للخلف بخوف.
ودموعها تهبط بصمت كشلال لا يتوقف.
لم تستوعب ما استمعت إليه.
رجف قلبها وجسدها وأصابتها رعدة قوية.
وقفت بألم يحتل قلبها يكاد أن ينهيه.
وأغمضت عينيها بعنف وكأنها تشاهد مقتل لمار تلك التي نادتها بأختي يوماً.
رأته أمامها موجه المسدس على رأسها وفجر رأسها أمام عينيها.
شهقت بصوت عالٍ.
وفتحت عينيها بعنف.
تراجعت خطوتين واستدارت لتركض لغرفتها.
فتحت الباب وركضت نحو الفراش.
ألقت ذاتها عليه وظلت تبكي وهي تدفن وجهها به.
بكت بحرقة.
أمن أحبه قلبها مجرم؟ هل هو من يفعل كل ذلك؟ كم قلب أم قد حرقه؟ وكم أب مات وهو حي بسببه؟ كم طفل خطف؟ وكم شخص مات بسببه؟ والآن يريد قتل أختها الوحيدة؟
ولكن لماذا والدها زوجه لها؟ فيستحيل أن يفعل ذلك وهو يدري من يكون. لا لا والدها لو كان يعلم ما كان ليتركه يعيش هكذا بحرية، بلى كان فعل المستحيل ليرآه في الزنزانة. ولكن ماذا يخبئ لها القدر؟
اتعدلت بجلستها وأسندت رأسها للخلف بظهرها.
يدها ترتعش.
بلى جسدها بأكمله.
كل ذكرياتها مع لمار مر على مرأى منها.
فبكت أكثر.
فماذا إن أذاها.
وكيف أحبت شخصاً مثله.
نغزات بقلبها كمن يمسك سكينة ويطعن بقلبها بلا هوادة.
وكأن الحياة غادرت قلبها.
لا يفارق عيناها الدمع بتاتاً.
وقلبها يصرخ ألماً.
أرادت أن تصرخ ولكنها رفعت يدها لتكبت فمها بقوة.
فهمست بألم وصوت مجهود:
"يااااارب ياررررب يااااارب قلبي وجعني اوووي يارب خفف ألمي. حاسه بنار بتحرق فيا ومش عارفة أزاي أطفيها يارب انتقم منه."
طأطأت رأسها بألم وهي تغمض عينيها بوجع.
رفعت رأسها وهي تقول:
"لا ياربي سامحه أنا بحبه يارررب اهديه وأبعد عنه شيطان نفسه يااارب."
قفلت عينيها مرة أخرى وبكت بصمت تام وهي تفكر كيف تتواصل مع لمار لتخبرها وتحذرها وتطلب منها المساعدة.
استمعت لصوت خطواته التي تربكها فهو له حضور خاص.
ارتبك قلبها.
أسرعت لتزيح دمعاتها فوراً.
ولج لغرفتها وقف مستنداً على الباب بكتفه وهو مربع يده أمام صدره يتأملها بحب.
الحزن، الوجع، القلق، الألم، همه جل هؤلاء قد ذهبوا عند رؤياها.
كان قلبه يرقص بسعادة وكأنه يحلق بالهواء عالياً.
كانت ابتسامته تزين ثغره ببهجة.
رفعت بصرها به بحزن شديد وندم أنها أحبته.
فك يديه وهو يرمقها مستغرباً بعدما لاحظ بأن عينيها تعاتبه.
اقترب منها بخطوات ثابتة أرعبتها.
جلس أمامها وهو يقول:
"مالك في إيه؟ معيطة ليه؟ أنا زعلتك في حاجة؟"
هزت رأسها بخوف والتمع الدمع بعينيها.
نظر لها بقلق:
"طيب مالك كتمة دموعك ليه حاسك بتبعدي عني؟"
سال الدمع بعينيها.
أحرق قلبه وأوجعه.
نظرت له وتمنعت النظر وهمست بصوت يكاد يكون مسموع:
"ممكن تسبني لوحدي؟"
ابتسم بألم وقال بصوت تايه:
"أسيبك؟ أسيبك إيه أنتي بتهزري؟ قولي مالك؟"
كلماتها جعلت فؤادها يصرخ ألماً وهمست مرة أخرى:
"سبني لوحدي الله يخليك."
دمعاتها كأنها أسهم موقودة بها النار تدلف قلبه لتحرقه.
فهز رأسه بوجع وقال:
"تمام."
وقف وظل ينظر لها لفترة بألم يعصر قلبه.
أما هي دفنت رأسها بين يديها وبكت بحرقة.
مد يده بحنان ووجع.
وكاد أن يلامس كتفها حتى أبعد يده وخرج مسرعاً بقلب ينتحب من الوجع.
تتمددت هالة على الفراش.
بضعف ووهن شديد ظهر عليها المرض بقوة.
تتوصل بيده المحاليل.
تجلس ريم وورد جوار بعضهما بحزن وأسى.
وبسنت التي جاءت لتوها.
أما أياد فينظر لها بحزن على تلك الحالة التي أصابتها.
أخبر زيد ليأتي.
يجلس الجميع حولها بحزن شديد لا نهاية له.
منتظرين بقلق أن تفتح عينيها.
خطا أياد وجثى على ركبتيه وهمس بجوار أذنها:
"لمار لما تيجي هتزعل منك لما تشوفك كدا قومي بقا؟"
قاطعه زيد قائلاً ليطمئنه:
"هتيجي دلوقتي متقلقش."
استمعا لطرق الباب.
فنهضت ورد قائلة بفرحة وهي تخرج لتفتح الباب:
"لماررر جت لمار جت؟"
وقفت على أصابع قدميها لتمسك المقبض وتفتحه بابتسامة واسعة وجدت "فهد" أمامها.
ورد بحزن:
"كنت مفتكرة أن لمار؟"
ضيق حاجبيه بزعل مصطنع وأشار لها خلفه وهو يتنحى جانباً.
فصاحت ورد بفرحة:
"لمار يا حبيبتي وحشتيني."
قفزت عليها لتضمها بقوة.
سرعان ما ابتعدت بفتور ووجه مستغرباً.
فنظرت لمار لفهد بقلق.
فأشار لها للداخل.
أمسكت معصمها لتجذبها خلفها وهي تقول:
"فين البت هالة اللي عاملة نفسها تعبانة؟"
ولجت للداخل فنظروا لها جميعاً بفرحة.
اقتربت من هالة وهي تقول بعتاب:
"بقا كدا يابت بدال ما تسألي عني أجي ألاقيكم مرمية كدا؟ فين هالة وضحكتها ومرحها."
بألم وضعف فتحت عينيها بصعوبة ونظرت لها بحب.
حاولت أن تعتدل فلم تستطع لثقل جسدها.
ساندتها لمار وهي تقول:
"زي ما أنتي متتعبيش نفسك."
نظرت لها وذرفت عيناها الدمع وهي تقول:
"أنا آسفة والله مقصدتش كلمة قولتها أنا آسفة متسبنيش تاني."
أفسحوا لهم المجال بالحديث وخرجوا.
أما ورد كانت ترمقها بتفكير.
ضمتها لمار بحب وهي تقول:
"وأنا من إمتي بزعل منك يعني."
شدت على ذراعيها لتضمها أكثر بحنان فأجهشت هالة بالبكاء وهي واضعة رأسها بين ذراعيها.
تمددت هالة بأمان وراحة على قدميها.
لتمرر لمار يدها على رأسها.
شدت هالة من إمساك يده وكأنها تخشى الفراق وأن تذهب مرة أخرى.
بالخارج جلسوا جميعاً فقالت ريم بسعادة:
"بما أن لمار جت فمتأكدة أن هالة هتخف وهتكون أحسن إن شاء الله."
فردت بسنت تؤكد كلامها:
"أيوة طبعاً دلوقتي هتخف وهتكون أحسن إن شاء الله."
صمت لفترة قاطعه زيد قائلاً بتذكر ونبرة سعيدة:
"متعرفوش لمار عملت إيه انهارده وأظن أن كل التغير ده بسبب ورد؟"
نظرت ورد له باهتمام وقالت باستغراب:
"بسببي ليه؟"
بسنت باهتمام:
"ليه عملت إيه احكيلي؟"
زيد بفرحة:
"لمار عملت مرتبات شهرية للفقراء وكمان للمستشفيات اللي بالمجان وهتبني في مسجد حالياً."
تطلعوا به جميعاً بزهول ودهشة.
أما ورد فابتسمت ابتسامة واسعة وأشرق وجهها وكأنه يشع نور.
فقالت ريم وهي تحت تأثير الدهشة:
"متأكد بجد هي هتصرف كل اللي معاها عليهم كدا عادي؟"
فرد زيد مؤكداً:
"أيوه دي حاجة حلوة وبتقربها من ربنا."
فردت ورد مؤكدة كلامه:
"أيوه مفيش أحسن من الصدقة وإنك تساعدي أي محتاج."
فردت بسنت باعتراض:
"أيوه بس الفلوس دي أنا أولى بيها ممكن أجيب لنفسي حاجة أو أعمل حاجة لنفسي بيها."
رمقها زيد بأسف.
فقالت ورد:
"عمو زيد أنا كمان عايزة أساعد بأي حاجة زي لمار دقيقة."
ركضت مسرعة وعادت فوراً وبيدها بعض المال مدتهم له وهي تقول:
"أنا كنت محوشاهم فعشان كدا اتفضل جوه في وقتهم."
ابتسم لها زيد بفرحة لتلك الطفلة التي تهتم بالجميع عن نفسها وقال برفض:
"لا يا حبيبتي خليهم معاكي انتي لسه صغيرة."
ضيقت ورد عينيها وقالت:
"بقولك خديهم عايزة أساعد زي زيكم."
أخذهم منها زيد بحب.
أما ريم فكانت تقنع بسنت بأن تطلع صدقة وهي معترضة لذلك.
حتى وافقت بإحراج.
فقالت ورد برفض:
"هتطلعي صدقة طلعي! ولكن مش هتجوز ليكي؟"
نظرت لها بسنت بحرج واستغراب وقالت لها:
"ليه؟"
اقتربت منها ورد وجلست بجوارها.
نظرت بعينيها وقالت:
"لما تحبي تطلعي صدقة وتعطيها لحد محتاج بجد؟ علشان ربنا يقبلها منك؟ وتنورلك ظلام قبرك؟ فلازم تكوني راضية عن الحاجة اللي هتطلعيها، الرضا أهم شيء، غير كدا مش هتتكتب ليكي أبداً. أنتي بتقولي أنك أولى بيهم؟ بس انتي إيه ناقصك.. لبس؟ ما انتي لبسك كله جميل وشيك وكل يوم بطقم. في غيرك مش لاقي حتى ملاية يتدفى فيها من برد الشتاء. إيه هتجيبي أكل غالي من أكبر المطاعم؟ ففي ناس مش لاقية حتى شوية مياه تشربهم. انتي معاكي إذا مرضتي تتعالجي؟ في ناس مش معاها. لو دورتي هتلاقي نااااس كتير أوي أحنا مش حاسين بيهم. هقولك حاجة تعرفي إيه عن الرؤساء والأغنياء ومن منهم يمسكون البلد وهكذا؟ طبعاً بدل وعربيات غالية وفيلات وكدا. هقولك زمان في زمن الخليفة عمر بن الخطاب ولي سعيد بن عامر الجمحي على إمارة حمص. فبعث عمر بأن يأتوا له بأسماء الفقراء وكان من بين الأسماء سعيد مع أنه أميرهم. فتعجب عمر وبعث له مال. فكان سعيد يعلم أنها فتنة وفوراً وزعها على الفقراء. مع أنه محتاجهم. "شوفي قال دخلت عليا الدنيا لتفسد أخرتي وحلت الفتنة بيتي" أظن الفلوس دي فتنة. فذهب عمر لحمص وسألهم عن أميرهم فشكوه إليه بأنه لا يطلع إلا بالنهار فقالوا سعيد بأن ليس لهم خادم فبيصحي يعجن لهم العجين وبيستنى يخمر ويخبزه ويتوضأ ويخرج للناس؟ أهوو شوفي مثال بسيط لسعيد بن عمرو رغم أنه ممكن يجيب كذا خادم لأنه أمير إلا أنه بيخبز لأهل بيته وبنفسه. وشكوه بأنه مش بيخرج لهم مرة كل شهر. فسأله عمر في ذلك فقالوا أنه معندوش خادم وليس عنده ثياب غير التي يرتديها ويغسلها يوماً كل شهر وينتظر أن تجف ثم يتوضأ ويخرج لهم. دا مثال بسيط ولسه في كتير كمان بس عايزة أوضحلك أن ده أمير ومش معاه غير لبس واحد وكل حاجة للفقراء. يا حبيبتي إنك تطلعي من مالك للخير برضا وحب وسعادة ربنا هيجزيكي دي الصدقة بتشفي المريض وتفرج الهم وتبدد الحزن وبتقرب البعيد تصدقي ديما كل ما سمحت لكي الفرصة وخلي ليكي بعد موتك صدقة جارية الناس تفتكرك بيها وتدعيلك وتنور قبرك. أنا أه أصغر منكم بس أنا لو جدو علمني ومش فهمني كل ده قولاً وفعلاً مكنتش هكون كدا دلوقتي."
ذرفت الدمع بعيني بسنت فضمتها ورد وهي تبكي أيضاً وتقول:
"أنا بس خايفة أموت وأجي أعدي الصراط أقع في نار جهنم أنا عايزة أدخل الجنة وخايفة كل ما أفتكر الموت وعذاب يوم القيامة إذا الصحابة اللي الرسول بشرهم بالجنة كانوا وجلين وخايفين من أنهم ميدخلوش الجنة طب أحنا عملنا إيه أحنا معملناش زيهم."
شدت من احتضانها بذراعيها وأجهشت بالبكاء وهي تقول:
"أستغفر الله العظيم وأتوب إليه."
فهمست ورد أيضاً كذلك.
قطعهم زيد وهو يقول بمزاح:
"انتي يابت متأكدة أنك طفلة أحنا لازم نتأكد."
نظرت له ورد بضحكة وقالت:
"لا مش طفلة أنا أكبر منكم."
هب زيد واقفاً وهو يقول:
"والله أنا حاسس أنك فعلاً كدا. همشي بقا عشان أشوف العمال ليكون ناقصهم حاجة."
فصاح أياد:
"ممكن أروح معاك؟"
صمت زيد قليلاً بتفكير وأشار له:
"تعال."
نهض بفرحة ورحل معه.
فهد كان يجلس بقلق.
حتى خرجت لمار من الغرفة فهب واقفاً.
تكلما بالنظرات.
كأن عينه تخبرها: "هل كل شيء تمام أم ماذا؟"
فطرف عينها بتأكيد وابتسامة.
بسنت بفرحة نهضت لتجذب لمار من معصمها لتجلس بجوارها وهي تقول:
"هان عليكي تبعدي عننا كدا؟"
نظرت لها بأسف شديد.
فأقتربت ورد وهي تقول:
"لمار انتي مش هترجعي حق عمرو؟"
رمقتها ريم بعصبية وهمست:
"اسكتي أحنا هنحاول."
فقطعتها ورد:
"هنحاول إيه؟ هي لازم ترجع حقه لو تغاضت عن الحق هيبقى مكانها النار."
ابتلعت لمار ريقها الجاف بصعوبة ونظرت بقلق لفهد.
ابتعدت ورد لتجلس بجوار فهد وهي تراقبها وتراقب حركاتها حتى همست بتأكيد لنفسها:
"دي مش لمار؟ دي مستحيل تكون لمار؟"
ثم هتفت بصوت عالٍ وهي تنهض:
"انتي مش."
قطع باقي جملتها يد فهد التي كبتت فمها فوراً وهب واقفاً وجذبها بابتسامة:
"هاخد البنت دي دقيقتين وراجع."
حاولت التخلص من قبضة يده فلم تستطع.
خرج مايكل من عند حبيبة بوجع يخفيه بقلبه.
لا يدري ما بها ولماذا هي حزينة.
دموعها أحرقت قلبه.
صعد سيارته وصفق الباب خلفه بعصبية.
أسند ذراعه على النافذة وقرب رأسه وسرح بتفكيره.
كانت هناك ضجة كبيرة برأسه يريد أن يعلم ما فعله لتحزن هكذا.
توصل إلى أنه سيخبرها بكل شيء مهما كلفه الأمر يجب ألا يفرط بها ولا يخسرها وهو قد لاقاها أخيراً أنها هدية من رب العالمين يجب أن يحافظ عليها.
انتشله من تفكيره صوت هاتفه.
التقط الموبايل بلهفة وأخبره وتكلم مسرعاً وأخبره أنه قادم وأغلق.
وفي أثناء ذلك كانت حبيبة تمر بجوار السيارة بتسلل وحذر حتى صعدت بالخلف واختبأت جيداً.
أغلق مايكل الهاتف وكاد مسرعاً.
أما هي كانت ترفع ذاك الغطاء لتتنفس قليلاً.
تريد أن تراقب تحركاته لتعلم من يكون.
وقفت أخيراً السيارة.
وفتح الباب وهبط مسرعاً وسار بخطوات شبه راكضة.
شعرت به قد هبط من سيارته حتى فتحت الغطاء.
وأخرجت رأسها عيناها جابت المكان حتى استقرت عليه وهو يقف مع شاب عريض الجسد وطويل.
لم تعلم ما ذاك المكان.
رفعت رأسها وحدقت بصدمة وهي تقرأ "السفارة المصرية".
اشتعل فؤدها فجأة بالتفكير لم تكن تدري كيف يكون مجرم وفي ذات الوقت ها هو بالسفارة.
لم تكن تستوعب شيئاً مما يدور حولها.
انتبهت لمايكل يتقدم من السيارة.
حتى أغلقت الغطاء فوراً فجرح يدها فتأوهت بألم وكتمت فمها بكف يدها.
صعد سيارته وقاد بسرعة.
وقف بعد لحظات.
أما حبيبة فكانت لا تعلم أين هم وأين هو.
رفعت الغطاء قليلاً وعينها جابت المكان حتى صرخت برعب.
عندما رأته أمامها وعيناه تطلق شرار.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
وأعين دامعة تنظر له.
خبأت رأسها منه أمام عينيها بيدها وهي تقول:
"أنا مش حبيبة أنا مش حبيبة خالص حبيبة في البيت، دا أنا شبح بتاعها هي اللي بعتتني."
أمسك يدها بعصبية وحزم وهو يقول:
"اطلعي."
أمجد وكامل وعبد الرحمن واقفين أمام دار جون ينتظرون أحد.
كامل بقلق:
"دي تأخرت والمفروض توصل من بدري."
اقترب لأمجد وهمس:
"ليكون اكتشفوا خطتنا ومسكوها."
رمقه أمجد بحدة وقال بحسم:
"مش هي اللي تقع ولو خايف على نفسك هي قالتلك متجيش؟"
قطعه كامل وهو يقول مسرعاً:
"لا لا أنا وعدتكم ولو على موتي مش هيسبكم أنا بس خايف عليها لأنها اتأخرت."
عبد الرحمن ابتسم بفرحة وسار تجاه فتاة تتقدم منهم وهو يقول:
"خلاص وقت الانتظار انتهى."
وقف أمام عينيها وصافحها وقال بانبهار:
"يخرب عقلك شهد شهد مفيش كلام."
ابتسمت بثقة وقالت:
"أكيد انت مفكر إيه؟"
تقدم أمجد ولكنه ضمها باطمئنان وهو يقول:
"اتأخرتي ليه كدا؟"
فأجابته بابتسامة:
"في حاجة أخرتني."
قطع كلامها كامل وهو يقول لها:
"ورد بنتي هي كويسة."
ابتسمت له لمار بحب واطمئنان:
"متقلقش ورد في عنيا."
رتت على ذراعه باطمئنان.
ونظرت لكامل وقالت بمكر:
"فين جون بيه مشتاقة أني أشوفه بجد؟"
أشار كامل لها بعينه للداخل فأومأت برأسها.
وضعت نظارتها على عينيها وبثبات قالت:
"يلا بينا نقابل البيه اللي نهايته قربت."
فهل هي التي نهايتها قربت أم هو؟
ولجت شهد بثبات وخلفها أمجد وكامل وعبد الرحمن.
ولجت للمنزل وكل من يراها يستغرب تلك الثقة والقوة والهيبة التي تدلف بها.
كان عدنان يقف يجري عدة اتصالات ويجلس جون.
رفع عدنان عينه بصدمة لتلك الفتاة ورمقها مطولاً حتى أنه لم يستمع لنداء جون.
الذي نظر لما ينظر إليه.
تقدمت شهد وجلست مقابل جون الذي يرمقها باستغراب.
وقف أمجد جوار مقعدها وأشار لجون:
"هي دي البنت اللي كلمتك عنها؟"
رمقها جون مطولاً وأعجب بشجاعتها وتلك الثقة.
أم عدنان سمع جملة أمجد ورمقها بكره فهي لن تستطيع إيذاء لمار ولن تكون بشجاعتها.
جون وقف وهو يقول:
"أظن بأنك فعلاً هتنجحي في المهمة."
وضعت قدم على أخرى وقالت ببرود:
"مهمة إيه دي؟"
تطلع بعتاب لأمجد وقال بتذكير:
"انت مقولتلهاش ولا إيه؟"
نظر له بابتسامة:
"لا عرفتها."
أمجد أشار لعدنان:
"هاتلي الصور بسرعة."
أنصاع لأوامره وذهب مسرعاً وأتى عما قليل وبيده ظرف أهداه له.
جذبه منه جون وأخرج صور للمار وقال وهو يلقيها على الطاولة أمامها:
"دي لمار عز الدين الشرقاوي مهمتك تقتليها لازم تعرفي أن مفيش حد قدر يأذيها أبداً فهتقدري ولا؟"
خلعت نظارتها لتنظر له بعينيها الحادتين وأستندت بظهرها للخلف وقالت ببرود:
"أعتبره حصل. بس المقابل إيه عشان أقتلها؟"
أشار لها جون:
"اللي انتي عايزة هيكون تحت أمرك ولكن مش هثق فيكي بسرعة لازم نختبرك."
قطعته شهد وهي ترفع يدها تنظر بالساعة وهبت واقفة وهي تقول:
"وقتك خلص عندي ودلوقتي."
نظرة له بحدة:
"وقت الاجتماع لازم تعرفني على الكل يلا."
أشار لها جون وهو يقول بإعجاب:
"ماشي تعالي يلا."
خرجوا جميعاً وصعدا السيارات.
وبعد وقت وقفوا أمام منزل بعيد عن منزله بكثير يحوطه كثير من الحراس.
خطفت شهد نظرة سريعة حول تلك الفيلا الكبيرة والأسوار العالية.
ودلفوا للخارج وسط الحراس التي تقف يمنه ويسرة.
ولجوا لذاك المنزل وجدت شهد طاولة كبيرة يحوطها عدد كثير من الرجال ولكن يوجد رجل يجلس بوقار ذو هيبة.
أمعنت النظر منهم وهي تخطو للداخل فعملت أنه من يعطي لهم الأوامر.
اقترب جون وهو يلقي السلام لذاك الرجل بخوف.
أشار لها أن تجلس هي وأمجد وكامل وعبد الرحمن.
سحب هو كرسيه وكاد أن يجلس.
فرفعت شهد قدمها لتدفع الكرسي في ذات الوقت وقع هو على الأرض وهو يصرخ بفزع.
من شهد؟ ماذا سيفعل بها جون؟ لماذا فهد كتم فم ورد؟ وهل حقاً كلامها صح وهذه ليست لمار؟
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندى ممدوح
اقترب جون وهو يلقي السلام لذاك الرجل بخوف.
أشار لها أن تجلس هي وأمجد وكامل وعبد الرحمن.
سحب هو كرسيه وكاد أن يجلس.
فرفعت شهد قدمها لتدفع الكرسي في ذات الوقت، فوقع هو على الأرض وهو يصرخ بفزع.
رفع عينه بها ورمقها بحقد.
فابتسمت هي ببرود وهي تقول:
"سوري أصلك مخدتش بالك أن الكرسي مكسور وعلشان كدا زحته بس أنت وقعت فسوري؟"
رمقها بحده وغضب مميت.
فبادلته النظرات.
مدت يدها له وهي تقول:
"هات أيدك؟"
نظر لها بحقد وكره واعتدل بوقفته.
كان ينظر لها بحقد، أما هي بابتسامة مستفزة.
أقتربت لتجذبه ليتنحى جانباً وجلست مكانه بجوار ذاك الرجل.
جلس جون بحقد.
وقف عدنان وهو يخبرهم من يكونون وأسماؤهم.
في هذا الوقت جاء فيكتور وجلس مقابل لذاك الرجل بثقة وحضور مخيف وهو يضع قدم فوق الأخرى.
بأعين ثاقبة كانت تنظر له بتمعن لذاك الشخص الذي لا يظهر عليه الخوف عكس الآخرون.
جاء دور أن يعرفها على فيكتور.
فنظرت له باهتمام.
عدنان أشار إليه، وعيناه عليها:
"وده يبقي فيكتور؟"
قطعة باقي حديثه وهي تقول بتساؤل ولهفة:
"هو لسه في حد مجاش…؟"
كانت أعينها تتنقل بينهم بشوق وحب لعلها تجده، ولكن حتى اسمه لم يتفوهوا به.
بقلب مشتاق على أمل نظرة له باهتمام.
فأشار لها عدنان مستغرباً:
"أيوه سيد ديف لسه مجاش ومش هيحضر الاجتماع النهارده، فـ سيد جون هنا بالنيابة عنه وعن نفسه؟"
همست بيأس:
"ديف؟؟؟"
أشارت له قائلة:
"طب في حد تاني لسه مجاش؟"
هز رأسه برفض.
أما فيكتور نظر للواء أمجد بصدمة.
انتبهت لمار لعينيه المثبتة على أمجد.
فنظرت إليه بغرابة من صدمته وكأنه يعرفه.
قطع بحر أفكارها عندما تكلم ذاك الرجل وهو يشير لها:
"هل تستطيعي يا شهد بأن تقتلي تلك الفتاة لمار؟"
رمقته بحدة وعيون مشتعلة.
وضعت قدم فوق الأخرى بتعالي وقالت بجمود:
"مقابل إيه أقتلها… وعشان إيه؟ هي مأذتنيش؟"
ابتسم لها بمكر بعدم علم مقصدها.
فأشار للجميع:
"كل هؤلاء أنا من صنعتهم!!! أعطيت لهم ما يحتاجون من مال من أجل أن يأتوا لي بمال أكثر؟ فأن فعلتي تلك المهمة ستكوني من المحظوظين وسأجعلك تعيشين كالملكة وهسلمك كل هؤلاء ليكونوا تحت إشارتك!"
أسند بذراعيه على الطاولة أمامه ونظر لها بعمق:
"فماذا قولتي يا شهد؟"
صمتت قليلاً عن عمد وهي ترمقه بخبث وقالت:
"موافقه إذا قتلتها راح تسلمني كل دول زي اللعبة اللي أنا أحركها…"
وقف فيكتور قائلاً بغضب وصوت مرتفع وهو يطرق على الطاولة:
"انت بتقول إيه وبعدين أقوى الرجالة معرفوش يوقعوها ولا يأذوها بخدش فمش دي اللي تقتلها أحنا مش خدامين عندك هنا!!!! مايكل لو عرف هيطربق الدنيا فوق دماغك…"
ألقى كلماته كالأسهم الخارقة بقلبها.
كادت أن تموت من هول السعادة التي تشعر بها.
كانت تنظر لفيكتور بأمل ولهفة وشوق ولمعة اشتياق وحنين مع دمعة ألم في آن واحد.
لاحظ اللواء أمجد هيامها بفيكتور بسعادة وأمل وحلم.
فلم يدري ولم يستوعب شيئاً.
انحنى لأذنها وهو يجذبها من يدها وهمس:
"لمار مالك يا بنتي في إيه؟ أنتي مستنية مين بالظبط؟ وليه بتبصي لفيكتور ده بأمل وحلم جديد ونظرة لهفة باشتياق… أنتي تعرفيه؟"
لم تستوعب أي شيء ولم تستمع لأي كلمة، ولا لذاك النزاع حولها.
أعينها فقط هائمة بفيكتور.
خائفة أن تبعد عينيها فيبتعد ويرحل.
كمن كان يغرق ووجد من يساعده ليخرجه من أعماق البحار.
انتبه فيكتور لابتسامتها وهي تتأمله.
فنظر لها مستغرباً بشك.
جلس فيكتور بهدوء.
فوقف جون وهو يقول:
"اللي متأكد منه أنك مش هتقدري تقتليها…"
رفعت بصرها إليه بحدة وابتسمت بخبث:
"هتشوف دلوقتي استنى وهتجيلك أخبارها بس قولولي أنتوا عايزينها تموت أنهي موته؟"
"أريد أن تخرج روحها بالبطيء؟"
قالها ذاك الرجل بغضب.
نظرت له بابتسامة واسعة.
جذبت هاتفها وهي تبعث بعدة رسائل.
وضعته جانباً ونظرت له.
بثقة وجدية هتفت:
"شوية وهيجيلكم خبر بموتها!!!"
نظر لها بإعجاب شديد وقال:
"يبدو أننا سنكون متفقين شهد؟"
نظرت له بلا مبالاة.
تنقلت نظراته بجميع من حوله ونظر لشهد وقال:
"شهد مهمتك الثانية هو أن تكتشفي لي من هو الخاين بيننا؛ فهناك بعد الصفقات التي تدري بها الشرطة ولا تتم كما هو مخطط لها؛ ولكن فيكتور ومايكل بعاد عن ذلك…"
بأعين تتوق لرؤياه نظرت له مستغربة بتساؤل:
"مين مايكل ده؟ وانت ليه واثق فيه كدا؟"
أشار لها بجدية:
"مايكل وفيكتور انضموا لنا جديد ولكن ما من صفقة خسرتها إذا هو تم على إشرافها؟"
لمار تأكدت أن مايكل يخبئ شيئاً ما.
فلماذا كل الصفقات إلا هو…
صمتت لبعض الوقت بتفكير.
وابتسمت ابتسامة واسعة حتى بدت نواجذها برضا شديد وهي تردد بداخلها:
"أكيد هو اللي بيبلغ على الصفقات دي! ولكن صفقته بتم عشان ميشكوش فيه! بس يا ترى مين؟"
عيناها جابت الجالسين حولها بتفحص شديد.
انحنت بتذكر لذاك الرجل وهمست بصوت يكاد يكون مسموع:
"هو أنت بتشك في حد معين؟"
مال عليها قليلاً وهمس:
"أجل أني أشك بديف وجون أكثر اثنين، فمايكل حذرني منهما كثيراً؟"
شهد أومأت برأسها له وهمست له ببعض الكلمات.
نظر لها بصدمة وقال:
"لا لن أقبل ذلك إن تمت تلك الصفقة سأخسر كل شيء بنيته…"
فقالت برفض وإقناع وهي تهمس:
"لا مش هتخسر حاجة وبالعكس صفقة مضمونة ولا أنت مش واثق فيا؟ وعلي ضمانتي الخسارة!!"
نظر لها بإعجاب وهمس:
"فكرتك جيدة ولكن لم أقم بها من قبل فلا أدري إن ستنجح أو لا وهذه أول مرة لكي فلن أثق بكي بهذه السرعة…"
نظرت له بتعمق وهمست بثقة:
"ودي فرصتك عشان تثق فيا وأوعدك أكون عند ثقتك؟"
همسا ببعض الكلام حتى وقف وهو يقول:
"انتهى الاجتماع؟"
وغادر وخلفه الكثير من الرجال.
هبت شهد واقفة وألقت نظرة نارية لجون وثبتت نظرتها.
كادت أن تغادر ولكن بطرف عينيها لاحظت حركات عدنان لفيكتور بخفية.
غادر الجميع.
بمنزل جون يقف بغضب وهو يدفع كل ما يقابله حتى وقف أمام عينيها وصرخ بصوتاً عالٍ:
"عملتي كدا ليه؟ هنتيني قدام الكل ليه؟"
رفع مسدس برأسها.
نظر اللواء أمجد لها بخوف شديد عليها.
نظرت بخوف لعينيه ورسمت الرعب على معالم وجهها وقالت بصوت خائف:
"ياااا مامي"
"وضعت يدها على فمها وهزت رأسها"
"أنا خوفت عاوزه ماما.."
تفاجأ جون من ردة فعلها.
فوقعت على الأرض من فرط الضحك وقالت:
"لا تصدق خوفتني…"
وصاحت بوجهه:
"أنا مبخفش من حد عايز تقتلني"
"أمسكت يده بالمسدس ووضعته بنصف جبينها"
"اقتلني يلااا مستني إيه؟"
تركت يده وأبتسمت بسخرية:
"مش هتقدر لأنك محتاجني بس هقولك لو عاوزني أكمل وأنفذ المهمة يبقى صوتك ميعلاش عليا، كل طلباتي تكون مجابة."
سارت لتجلس على المقعد ورفعت قدم فوق قدم وأكملت بصوت جهوري:
"وأياك تعمل تصرف ميعجبنيش هتندم ودلوقتي أنا عايزك تجبلي أكل…"
أشارت لكامل وأمجد وعبد الرحمن:
"اقعدوا واقفين ليه كدا؟ يلا تعالوا…"
بغيظ نادى على عدنان الذي كان يشاهد ذلك باستمتاع وفرحة في جون.
أتى مسرعاً ووقف أمامه.
فقال جون وهو يجز على أسنانه:
"حط لهم الأكل؟"
رمقته بنظرة نارية وهتفت بصوت مخيف:
"أنت سمعت قولت إيه؟ قولت جبلي أكل! أنا مطلبتش من عدنان يلاااا؟"
أرتجف جسده من صوتها وقال بثبات مصطنع:
"بقى أنا؟ أخدمك انتي!"
أشارت له ببرود:
"دا لمصلحتك والله؟"
ذهب جون وهو يتمتم ببعض الكلمات.
بينما أمجد وكامل وعبد الرحمن انفجروا ضحكاً عند مغادرته.
كان عدنان يراقبهم باهتمام.
جذب هاتفه وبعث بعدة رسائل لفيكتور ووضعه مرة أخرى.
ألتفتت لأمجد ورفعت حاجبها:
"بس بقا بتضحكوا على إيه؟ وبعدين هو لسه شاف حاجة أصلاً إحنا لسه في البداية؟"
"اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وأصحاب إبراهيم إنك حميدا مجيد"
أبتلعت ريقها بصعوبة.
وأعين دامعة تنظر له.
خبأت رأسها منه أمام عينيها بيدها وهي تقول:
"أنا مش حبيبة أنا مش حبيبة خالص حبيبة في البيت، دا أنا شبح بتاعها هي اللي بعتتني…"
أمسك يدها بعصبية وحزم وهو يقول:
"اطلعي؟"
رفعت بصره بها قالت بتزمر:
"لا مش طالعة واللي عندك أعمله؟"
ضيق عينيه مستغرباً:
"يعني مش خايفة؟"
أبعدت يده ولوت فمها:
"لا مش خايفة وهخاف منك ليه يعني كنت عفريت مثلاً؟"
كبت ضحكته بصعوبة وقال:
"طب اطلعي بدل ما أقلب لك عفريت دلوقتي؟ وأنتي حرة؟"
رمقته بصمت وابتسامة مطولة.
فقال مستغرباً:
"إيه مالك؟ اطلعي يا حبيبة؟"
فأجاب بتسلية:
"وإن مطلعتش؟"
دون كلمة وسابق إنذار مال بجسده ليحملها بين يديه.
صرخة بفزع وهي تتشبث بملابسه ومغمضة عينيها بقوة.
سرح بها وهي مغمضة العينين وتفعل حركات مضحكة كالأطفال بوجهها وأظافرها التي جرحته بعنقه من مسكة يدها فلم يشعر بألم.
وكيف يشعر بألم وهي بين يديه فهي بلسم لجروحه أضاءت قلبه المظلم بشتى الأنوار، كما يضيء القمر الليل.
وعيناها بحر من الحياة إن نظر لها كأنه امتلك حياة أخرى يوجد بها هي فقط وكأنها شعاع أمل وسعادة.
كان ينظر لها وابتسامة واسعة.
عاشقة.. دائبة.. تزين ثغره.
أطرقت بعينيها وفتحت نصف عين نظرة له وهو يتأملها فأحمرت خجلاً.
فقالت بتزمر لتنشله من شروده:
"والله خايفة لتوقعني هقول لحبيبة؟"
ابتسم رغماً عنه:
"حبيبه؟ ليه أنتي مين؟"
فهمست بأذنه وهي تغير صوتها:
"عفريتة خاف بقاضحك ولكن تلك الضحكة كانت تنبع من القلب:
"طب ويا ست العفريتة فين مراتي؟"
خفق قلبها بشدة وهو ترمقه بخجل شديد فهمست مازحة:
"أكلتها؟؟؟"
أنتبهت لذاتها وهو يحملها فنظرت للأسفل واعتدلت برأسها وهي تقوله:
"والله خايفة لتوقعني عشان تنتقم مني؟"
ضيق حاجبيه باستغراب:
"والله؟"
"أه والله…"
ما كادت أن تكمل تلك الجملة حتى أبعد يده وصرخت صرخة قوية بخوف ورعب.
فأسرع بأمسكها وهو يضحك بشدة عليها.
ضربته على كتفه:
"تصدق والله إنك واحد بارد افتراضاً وقعت يعني هتعمل إيه؟ كنت هتشل بسببك أي ياختي ده؟"
ضحك بشدة وكاد أن يقع من فرط الضحك:
"ما أنا لو عاوز أوقعك هوقعك بس، معلش مرة ثانية!"
لوت فمها بغيظ وهمست بصوت بطيء:
"على أساس في مرة ثانية؟"
رفعت أعينها بعينيه:
"هو أنت هتفضل شيلني كدا متسبني؟"
فقال بتسلية:
"متأكدة عايزني أسيبك؟"
فردت سريعاً:
"لا نزلني بشويش؟"
أنزلها برفق وما زالت يده تحاوطها.
فذهبت أعينهم بموعد غرام وكأن الأعين تلاقت لتخبر بعضها أن هناك عشق أبدي سيتحدي القدر ليحيي.
طال الصمت ولكن لغة الأعين ما زالت عالقة بعشق.
فاقت لذاتها لتبتعد للخلف وهي تقول بخجل وتخفض بصرها:
"شكراً…"
ابتسم لخجلها.
نظرة للمشفي خلفها وقالت:
"هو أنت كنت عارف من بدري أني في العربية؟"
هز رأسه بتأكيد بأنه يعلم.
فقالت بتزمر:
"طب جبتني ليه المستشفى؟"
أشار لها للداخل:
"عشان متقوليش بس أني حابسك؟"
وضعت يدها بخصرها:
"تقوم تجبني المستشفى؟"
"هئ هئ هئ اتفقنا أنا وهو أنه يطلق حبيبة ونتجوز… بس يبدو أنه بيكذب عليا عااااا رأيكم كدا برضه كدا بيكذب عليا صح"
ولجت للمستشفى وهي تمشي بجواره بصمت وخجل من نظرات الموظفين.
طرقت يدها بيده دون قصد فأمسك يدها بين يديه.
وسار بثبات.
نظرات الجميع كانت تحرقها وكأنها قد أذنبت.
ولجت معه للمكتب ذو اللون الداكن أشار لها بالجلوس.
وتوجه هو ليجلس.
"مايكل…"
نادته حبيبة بتوتر قبل أن يجلس.
فأستدار لها:
"نعم؟؟؟"
قالت بارتباك وحذر:
"ممكن أروح أشوف البنات؟"
أشار لها بابتسامة:
"أكيد روحي…"
أتسعت ابتسامتها بفرحة جعلته يفرح لتلك الفرحة التي رآها في عينيها.
خرجت مسرعة بسعادة.
تلاشت ابتسامتها وهي ترى نظرات الاتهام من الجميع حولها.
ولجت للغرفة التي بها أصدقاؤها التي جاءت معهم من القاهرة.
أدخلت رأسها وهي تقول:
"الجزم اللي نسوني؟"
هبوا واقفين بفرحة إلا من واحدة.
ذهبوا تجاهها وجذبوها ليعانقوها بفرحة واطمئنان.
أبتعدوا عنها وقالت بنوته منهم بدموع:
"كنتي فين يا حبيبة قلقنا عليكي يا حبيبتي واحنا في غربة منعرفش حد كنت هموت من خوفي عليكي…"
ابتسمت باطمئنان وهي تربط على كتفها بحب.
كادت أن تتحدث فقطع حديثها تلك الفتاة "الحقودة".
"أحنا هنا قلقانين عليها وهي يا علم كانت بتعمل إيه مع البيه طول الأيام دي بنات مش متربيات بجد خانت ثقة أهلها وجت هنا تتسرمح مع ده وده وكل المستشفى بتتكلم عليها… مش كنتوا بتموتوا نفسكم من قلقكم وهي ولا همها…"
دموع لا حصى لها هوت على وجنتيها بصمت.
فأقتربت منها إحدى صديقاتها وقالت غاضبة:
"مش حبيبة اللي تعمل كدا وأنتي عارفة أكتر مننا مين حبيبة وأخلاقها فمتفتحيش بقك وهي أكيد عندها سبب؟"
فقالت أخرى بعصبية:
"ملكيش حق تتكلمي عليها نص كلمة لأنها أحسن منك تعلمي تبقي زيها ودلوقتي تفضلي شوفي شغلك؟"
خرجت وهي تصفق الباب خلفها.
فأقتربت الفتاتان من حبيبة وجذبوه لتجلس.
وتقول إحداهما:
"بس يا حبيبتي متبكيش ما أنتي عارفة أنها مش بتتمنالك الخير وواقفالك على غلطة.. متزعليش…"
أزاحت لها دمعاتها وهي تقول:
"بس يا بيبه بقا كدا تخوفينا عليكي… كنتي فين؟"
رفعت بصرها بهم وشرعت بقص عليهم كل شيء.
مر بعد الوقت وهي معهم حتى سمعوا لطرق الباب.
توجهت إحدى الفتيات لتفتح فرأت مايكل أمامها فقالت بعدم تصديق:
"دكتور مايكل تعالي اتفضل أنا مش أشد المعجبين بيك قصدي حبيبة هنا…"
أكتفى بإشارة بسيطة:
"طب قوليلها أني هنا…"
"أنا أهووه!"
أشار لها بعينه فاقتربت منه لتقف أمامه مباشرة وهمس لها:
"خلصتي؟"
أومأت برأسها فقال:
"طب تعالي…"
سارت معه للمكتب.
أستدار وهو يقول لها:
"دقائق ونمشي أقعدي؟"
جلست أمامه على المكتب وتذكرت كلمات زميلتها.
ربعت يديها أمام صدرها بحزن وهوي الدمع لا إرادياً بحرقة.
خطف نظرة سريعة عليها فوجدها تبكي بصمت وشارده.
شعر باختناق نفسه وانقباض قلبه فردد:
"حبيبه"
فلم يجد رد.
فأكمل بقلق وهو يترك القلم من يده ويرمقها بألم:
"حبيبه مالك في إيه؟"
نظرة له وازدادت دموعها.
هب واقفا بسرعة ليتجه نحوها وجذبها من يدها لتقف أمامه وصاح بها:
"أحكي مالك قلقتيني بتبكي ليه؟"
ازدادت صوت شهقاتها فوضع يده على وجنتها وبقلق وحنان وأعين عاشقة:
"مالك بتبكي ليه حد ضايقك؟"
رفعت يدها لتحاوط ظهره ووضعت رأسها على صدره وبكت بحرقة.
أنصدم من فعلتها.
وتردد أن يحاوطها ولكنه ضمها بحنان وشدد من ذراعيه عليها وهو يقول بألم:
"مالك بس بتعيطي ليه مين ضايقك؟"
كانت تبكي فقط وهي تدفن رأسها به.
قبل رأسها بحنان وشدد على ذراعيه أكثر وفضل الصمت حتى تهدأ.
بعد دقائق ابتعدت بقوة وهي تدفعه للخلف.
وتصيح به:
"أنت السبب بسببك كلهم مفكرين إني بنت مش كويسة بس عشان شافوني ماشية جنبك فحكموا عليا أنت السبب في حزني أنت اللي دمرتلي حياتي ياريتني مت قبل ما أشوفك…"
ألقت تلك القنبلة بقلبه وتركته وحيداً لينفجر.
علم أنها استمعت لكلام لم تحبه فخرج بهدوء من المكتب.
جثت على ركبتيها مجهشة بالبكاء.
وهي تستغفر ربها بصوت عالي نسبياً.
أحست بغيابه وأنتبهت لما قالته.
أعتدلت واقفة لتخرج من المكتب وجدت الجميع ينظر لها باحترام وأسف.
بحث عيناها عنه حتى وجدته يقف مع "تالا".
خطت نحوه بضع خطوات وتوقفت على صوت صديقاتها:
"حبيبه…"
أستدارت لهم بأعين دامعة أثار الدمع عليها.
اقتربوا منها وهتفت إحداهما:
"كنتي فين يابت يخرب بيتك مايكل أعلن أنك مراته وكمان ترد اللي ما تتسمى…"
صدمت حبيبة من قولهم وقالت:
"بجد هو عمل كدا؟"
فأكدت لها قائلة:
"أيوه والله…"
رأت وقوف مايكل مع فتاة وتذكرت شيئاً.
نظرة لحبيبة بتوهان:
"مين اللي واقفة مع جوزك دي؟"
دون أن تنظر هتفت:
"أخت صديق ليه!!!"
وضعت يدها على ذراعها وقالت بقلق وحذر:
"طب خلي بالك منها لأن البت دي هي نفسها اللي كانت مع اللي ما تتسمى وسمعتهم جايبين سيرة"
حبيبة بصدمة:
"يعني هي اللي خلتها تقول كدا؟"
أشارت لها بتأكيد.
أستأذنت منهم وأقتربت لتقف جوار مايكل.
رمقت "تالا" مطولاً فوجدت الحب بعينيها.
رفعت يده لتحاوط ذراعه وهمست بأذنه بصوت عالٍ لتسمع "تالا":
"حبيبي مش يلا بينا نمشي من هنا أنا زهقت؟"
نظر ليدها باتساع عين وصدمة من كلمة حبيبي سرعان ما ابتسم وقال:
"طب يلا…"
أشار لـ تالا بيده:
"يلا عشان أوصلك معانا؟"
أشارت له بغيره:
"لا روحوا أنتوا أنا هروح لوحدي…"
أومأ برأسه وخرج هو وحبيبة.
ما كاد أن يبعدوا حتى أبعدت يدها بعصبية وهي تقول:
"أنت بتطرد صحبتي ليه؟"
بنفاذ صبر وتأفف أشار لها:
"والله أنا حر؟"
وتركها وغادر ليصعد سيارته.
لحقت به شبه راكضة وصعدت جواره وصفقت الباب خلفها وقالت بتزمر:
"وأنا بتكلم مينفعش تسبني وتمشي كدا؟"
رمقها ببرود وقاد سيارته وتركها تثرثر مع ذاتها.
أفتكرت وقوفه مع "تالا" فقالت بغضب وغيره وهي تستدير بجسدها له:
"وبعدين أنت بتقف ليه مع البت دي! أخت صديقك ماشي بس متتمشيش معاها ولا تقف معاها ولا تكلمها حتى؟"
لم ينظر لها ولم يعيرها اهتمامه.
فهزت يده بعصبية:
"جاوبني بقا وبلاش أنك تطنشني؟"
نظر لها وقال ببرود:
"نعم يا حبيبة؟"
ضربت رأسها بكلتا يديها وهي تقول:
"عااااا كل وبتقولي نعم؟"
زفر بحنق وقال:
"قولتللك مش تالا اللي تغيري منها تالا بالنسبالي أخت مش أكتر؟ وسكتي بقا صدعتيني إيه ده!!!"
تنهد تنهيدة طويلة وهمس:
"أنا اللي جبته لنفسي؟"
أستمعت لجملته فصاحت به وهي تنخزه بكتفه:
"أيوه صح أنت اللي جبته لنفسك بتتجوزني ليه أصلاً؟"
نظرة أمامها وقالت بعصبية:
"إيه ياختي ده في الآخر أنا اللي صدعته و هو واقف مع ست تالا بقا مش مبطل!!!"
تعالى صوت ضحكاته عالياً رغماً عنه.
فرمقه بغيظ شديد.
أوقف سيارته وأشار لها وهو يهبط:
"انزلي؟"
هبطت بغيظ وهي تقول:
"أنت جايبني فين؟"
فأشار ببرود:
"هخطف؟ هنتغدى ونمشي؟"
أشارت له بضيق:
"طيب"
"الحقوا دا بيغيظني"
"اللهم اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعائي"
تجلس هالة جوار لمار بسعادة وهي تعبث بهاتفها.
يجلسوا أمامها بسنت وريم أما ورد فـ تجلس بعيد بحنق.
فكرها حائر وهناك ضجة كبيرة برأسها وفؤادها وهي تحادث ذاتها:
"إذا لمار هنا فأين والدها بماذا تخطط لمار وما برأسها؟ لم تستطع أن تخبرها بما يدور بعقلها؟؟؟ ولكن تلك الحيرة ستقتلها؟؟؟"
أستمعت لرسالة ما من رقم غريب على تطبيق الواتساب.
فتحتها فوجدت:
"وحشتيني؟؟؟"
أستغربت تلك الرسالة ومن من قد تكون.
فردت مستغربة:
"مين؟"
فجأتها رسالة أخرى:
"عاشق في الغربة مشتاق؟"
بسمة واسعة زينت ثغرها بفرحة ولهفة كتبت:
"أيهاب؟؟؟؟؟"
فأجابها على الفور:
"يا عيون وقلب أيهاب عاملة إيه؟"
فكتبت بفرحة:
"الحمد لله كويسة.. أنت عامل إيه؟"
فرد عليها:
"كذابة مش كويسة مالك؟"
تذكرت على الفور أخاها الذي فارقها فهوي الدمع على وجنتها وردت بابتسامة باهتة:
"لا أنا تمام مفيش حاجة؟ أنت هتيجي أمتي؟"
أجاب بمزاح:
"أنتي عايزة إيه أجي إمتي 😹؟"
فأجابت بمناغشة:
"مش عايزة تيجي خالص 😜"
تمدد على الفراش بظهره بفرحة وابتسامة من صميم قلبه ورد عليها:
"ياااا كذابة؟ يعني مش عايزة تشوفيني 😔 أني حزين؟"
فردت مسرعة:
"لا لا عايزك تيجي؟"
فرد بصدق:
"قريب إن شاء الله…"
فهل ستلاقوا مرة أخرى أم أن للقدر رأي آخر؟
أجابت بفرحة:
"بجد والله 😍"
فأجاب:
"اه والله!!!"
"البت لمار عاملة إيه هي كويسة؟"
فردت بحزن:
"ايوه كويسة!"
رن هاتف لمار فأسرعت لتبعد بعيداً عنهم وتجيب.
بطرف عينها نظرة لورد ولماذا تجلس بعيداً عنهم؟
أقتربت بكرسيها إليها لتصبح أمامها.
أستمعت لهمسها وهي تقول:
"أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه."
قطعتها ورد بتساؤل واستغراب:
"ورد"
"رفعت بصرها لها بابتسامة"
فأكملت قائلة:
"حبيبتي أنتي ليه دايماً بترددي الجملة دي؟"
فأجابت ورد مسرعة:
"ما كان الله معذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون… الإستغفار بيمنع العذاب وبيفرج الهم ويبعد السيئات وبيخلي كل دعواتنا مجابة وبيقربنا من رب العالمين وكل أمورنا بتم لأن الاستغفار يبعد الهم ويفرج الكرب ويفتح جميع الأبواب التي مقفولة بوجهك… الاستغفار بيحقق المعجزات…"
ابتسمت ريم بفرحة وقالت:
"أنا أول مرة أعرف أن الاستغفار بيخلي الأماني والدعوات تستجاب وعد هقولها دايماً عشان ربنا يفرج همي ديما ويغفرلي؟"
صمتت بتذكر وقالت:
"ورد أنا ملاحظة حاجة برضوه أنتي ليه قبل النوم بتصلي على النبي كتير؟"
ابتسمت ورد ببراءة:
"لأن الصلاة على النبي معروضة عليه والملائكة بتوصله صلاتي عليه وبيفرح بيها ولأن الصلاة تفريج للهم وبتقربني من الرسول وأنا بقولها لأني بحبه والرسول بيشفع لنا يوم القيامة وأتمنى أنه يشفع لي عشان كدا أنا بحب أردده لأني بحس براحة وفرحة ولأن لما بقولها بحس إن ربنا كل شر وكل هم وكل حزن ودعواتي بتستجاب فوراً؟"
فقالت ريم بفرحة وأمل:
"ادعيلي أخف ورجع أمشي؟"
حركت ورد يدها وهزت رأسها وهي تقول مفزعة:
"لا يا ريم لا؟"
قطعتها ريم باستغراب:
"أنتي مش عايزة تدعيلي؟"
ردت مسرعة:
"لا مش كدا طبعاً… بس يا حبيبتي ربنا أراد ليكي كدا مين أنتي عشان ترفضي؟ ارضي واحتسبي ذلك عند ربك إذا أحب الله عبداً أبتلاه وربنا بيحبك بالعكس أحمديه أنه ابتلاك في الدنيا مش في الآخرة وأصبري ربنا هيجزيكي وهيعوضك في الآخرة أبشري لعل الله يدخلك الجنة ولعلك تدخلي الجنة برجلك سليمة قولي الحمد لله وأياكي إنك تقولي ليه أنا أو تبصي لغيرك وهما بيمشوا وأنتي لا… أنتي أحسن منهم كلهم لأن ربنا اختارك من بين خلقه كلهم أبشري لعل منزلتك منزلة الشهداء… أياكي تزعلي وتقولي إنهم أسوأ أيام حياتك دول أجمل أيام حياتك… لو قولتي كدا يبقى أنتي بتعصي أمر ربنا ومش هقولك مبروك الجنة؟؟؟"
هوي الدمع من أعينها بصمت كالمطر وقالت بفرحة:
"أنا مش زعلانة وراضية الحمد لله."
أزاحت دمعاتها وقالت بتذكر:
"أنتي قاعدة ليه لوحدك صح؟"
فردت ورد:
"عادي…"
"ريم:- طب تعالي علشان نأكل سوي؟"
فرد بابتسامة:
"لا أنا صايمة…"
فقالت باستغراب:
"صايمة ليه؟ أنا ملاحظة إنك بتصومي اتنين وخميس؟"
ردت ورد برضا:
"روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ : اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا ) . علشان كدا بصايم اتنين وخميس لاني عايزة أعمالي تترفع وأنا صايمة وعاملة عمل كويس…"
قطعتهم لمار وهي واقفة تقول:
"يلا نطلع علشان هالة أهووه نخرجها شوية من اللي هي فيه!!!"
أومؤا برأسها.
أخذتهم ليخرجوا سوياً وما كادت لمار أن تخطي من الباب حتى اخترق جسدها برصاص كالمطر.
فردت ذراعيه وهي تسد ذاك الباب لتمنع البنات من أن يخطوا غير عابئة بالرصاص الذي اخترق جسدها.
ووقعت في بحر من الدماء.
أما تلك الدراجة النارية فأسرعت بالهرب عند وقوعها.
صرخ الفتيات صرخة قوية.
أقتربت بسنت بعينان تذرف الدمع بصدمة.
أما هالة فحدقت بها حتى أُغشي عليها.
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى ممدوح
اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل قلبي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والمأثم والمغرم.
أخذتهم ليخرجوا سوياً، وما كادت لمار أن تخطيء من الباب حتى اخترق جسدها برصاص كالـمطر. ردت ذراعيه وهي تسد ذاك الباب لتمنع البنات من أن يخطوا، غير عابئة بالرصاص الذي اخترق جسدها. ووقعت صريعة في بحر من الدماء.
أما تلك الدراجة النارية، فأسرعت بالهرب عند وقوعها.
صرخ الفتيات صرخة قوية.
اقتربت بسنت بعينان تذرف الدمع بصدمة. أما هالة، فحدقت بها حتى أُغشي عليها. انتبهت بسنت فوراً لذاتها، فجذبت هاتفها مسرعة. ورنت على زيد.
وضعت يدها على وجنتها وهوت على وجهها بصفعات متتالية وهي تقول ببكاء:
لمار! قومي يا حبيبتي، متسبينيش يا لمار، قومي أبوس إيدك يا حبيبتي، قومي. دا أنتي سندي الوحيد، دا أنا لما بقع محدش بيسندني غيرك. قومي يا أمي، دا أنتي أمي اللي ديما بتحميني وتخاف عليا، وتشلني وقت همي. طب مين هيسندني من بعدك.
هزتها بعنف وقوة وصرخت. ضمتها وصرخت صرخة قوية:
لا يا لمار، متسبنيش. حرام عليكي يا حبيبتي، قومي يا أمي، يا أبويا، قومي. قومي بقا، مش لمار اللي تتكسر ولا تقع. يلا قومي بقااااااا. يارب.
ضمتها أكثر وارتفعت صوت بكاءها ونحيبها.
جاء فهد راكضاً دون كلمة، جذبها من بين ذراعي بسنت وحملها وركض بها للسيارة، وخلفه بسنت.
بقيت ورد مع هالة. وحاولت أن تجعلها تفيق، هي وريم. بعد وقت قد نجحوا في ذلك.
انعدلت هالة وهي تنظر حولها بتوهان شديد وهمست وكأنها تكذب ما رأته منذ قليل:
فين لمار؟ هي مش جت؟ هي كانت هنا صح؟
صمتت ريم إلا من صوت بكاءها. أما ورد، فتقف جوارها بتفكير شديد. رفعت يديها لتغلق أذنيها عن السماع وصاحت بريم:
بس بقا اسكتي. بتبكي ليه؟ مش عايزة أسمعك بتبكي. لمار رجعت، هي هنا. أنا رايحة أشوفها.
قالت هذه الجملة وهي تهم لتقف. فأمسكت ورد يدها لتجعلها تجلس مرة أخرى وهي تقول في ذات الوقت:
متقلقيش، لمار كويسة.
نظرت ريم بصدمة لثقتها وقالت ببكاء وصوت بطيء:
خلاص، لمار ماتت. ماتت قدامنا ومقدرناش ننقذها خالص. هي راحت، مستحيل ترجع.
اتسعت عينا هالة بصدمة وهتفت بصوت تايه تماماً:
مين اللي مات؟ لمار ممتتش.
هتفت بها ورد بحده:
بس أسكتوا، مش عايزة أسمع صوتكم.
نظروا لها بصمت. فنقلت بصرها بهم. وأمسكت بيد هالة وهي تقول:
لمار كويسة، والبنت اللي هنا كويسة؟
فقطعتها ريم بذهول:
إيه اللي بتقوليه ده؟ لمار خلاص ماتت واحنا شفنا كدا؟
رفعت ورد يدها أمامها لتشير لها بالصمت وتابعت قائلة:
مش ديما العين بتشوف الحقيقة. لمار كويسة، وهي دلوقتي هترجع حق عمرو. أما دي، فهي مش لمار، دي بنت تانية تقرب لفهد وهي بتساعد لمار.
نظر ريم وهالة لبعضهم بصدمة.
عاودت ريم النظر لورد وهي تقول:
يعني دي مش لمار؟
أومأت برأسها.
فقالت ريم بتساؤل:
انتي عرفتي كل ده إزاي؟
فردت ورد مسرعة:
أنا أول ما شفتها وأنا حاسة إنها مش لمار. ففهد هو قلي كل ده.
انتبهوا لصوت هالة وهي تقول بتوهان:
بس أنا عايزة لمار. أنا مش عايزها ترجع حق حد خلاص. أنا مش عايزة أخسر حد تاني. كفاية والله، مش قادرة أعيش وجع موت حد غالي تاني.
جلست ورد جوارها وأمسكت يدها. لتنظر لها هالة. ابتسمت وأسترسلت قائلة:
ليه مش عايزة ترجع حق كل الناس اللي ماتوا واللي عايشين ميتين بحرقة قلبهم؟ هل أنتي من جواكي مش عايزة حق أخوكي؟ طب أنا هقولك حاجة، دا واجب لمار إنها تمسك المجرمين وتسلمهم للمحكمة، مش صح؟
أومت هالة برأسها. أما ريم، فكانت تنصت لها باهتمام شديد، وهي ملتزمة الصمت.
ابتسمت ورد وهي تقول:
زمان أوي كان في شاب اسمه "سلمان الفارسي". سلمان فضل يبحث عن الحق أو الحقيقة، فضل يبحث عن النور وعن الدين. سلمان ترك والده غير آسف لفراقه ولا لدينه الذي تربى عليه في سبيل الوصول للحق. فضل يذهب من بلد لبلد لحد ما عرف بقدوم النبي. سلمان واجه حاجات كتير في وصوله للحق. ولكن بإرادته وعزمته وثقته، وصل لغايته. عندما مات الرجل الذي كان يعمل لخدمته، فقال له سلمان: إلي من توصي بي؟ قالوا: مفيش حد زي حالي، ولكن سيظلك زمان النبي المنتظر. قالوا: إنه رسول من الله يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وعلى كتفيه خاتم النبوة. ذهب سلمان للمكان الذي قيل له ظهور النبي فيه. واجه حاجات كتير لحد ما سمع خبر قدوم النبي وذهب له بصدقة، فأعطاها النبي.
"اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وأصحاب إبراهيم إنك حميد مجيد."
لصحابه ولم يأكل منها شي. في المرة الثانية أهداه هدية، فقبلها وأكل منها. وفي يوم، النبي بيحضر جنازة، فلحقه سلمان حتى يرى خاتم النبوة. أحس به صلي الله عليه وسلم، فألقى رداءه، فلمّا رأى سلمان خاتم النبوة يقول: "فانكببت عليه أقبله وأبكي".
امتلأت عيون ورد بالدمع، وكأنها ترى أمامها مشهد سلمان وهو يقبل رسولنا. فقالت بدموع لا حصر لها بشرود:
شوفي سلمان انكب يقبل خاتم النبوة بنهم وشغف شديد ورأى النبي. هو مكنش يعرف إنه هيشوفه. شوفي ترك والده في سبيل بس إنه يوصل للحق والحقيقة، لأنه كان متأكد أن هناك دين أحسن من الدين الذي هو عليه. واجه حاجات كتير ممكن تغويه. ولكن ببصيرته النافذة تخطى كل حاجة لحد ما وصل لمبتغاه وشاف رسول الله. هل كان عارف بده؟
هزت رأسها وهي تقول:
لا.
كانت ريم وهالة ينظرون لها بصمت، إلا من أعينهم التي تذرف الدمع وتتوقان لرؤية النبي كـ سلمان.
أزاحت دمعاتها واقتربت من هالة لتقف أمام عينيها مباشرةً، وقالت بصدق وبراءة وثقة:
لمار هتتحاسب لأن ده واجبها، وهي حماية بلدها. لمار مش هتنتقم بس لعمرو، هي هترجع حق بلدها من الدخلاء والأجانب. بتداوي قلوب محروقة على عيالها. طبعاً ربنا هينتقم منهم أشد انتقام وأكبر انتقام، بس من واجب لمار كمان إنها تحمي الناس والأطفال. تخيلي أنتي حد يخطف ابنك في عز النهار ولما يتمسك يطلع براءة؟ عارفة ليه براءة؟ علشان في ناس أغنياء وليهم سلطة يشتروا الناس ويطلعوه براءة. براءة عارفة يعني إيه؟ أما لمار، برغم إن أكيد في كتير عرض عليها وممكن بمال أكتر من مرتبها، بس هي رفضت. لأن الدنيا لسه بخير. لازم تساعديها وتشجعيها إن تكمل وتمسكهم مهما خسرت، كله في سبيل ربنا. محدش هيموت قبل أوانه، فليه الخوف؟
بأعين تملأها الدمع رمقتها بتوهان وقالت:
وأنا هساعدها والله.
ضمت ورد بحب لصدرها وهي تقول:
بجد، أنتي غيرتي فينا حاجات كتير، مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه.
شدت ورد من احتضانها بيديها الصغيرتين وهي تقول:
أنا مش عارفة من غير لمار كان حصلي إيه، ولا كنت فين.
اقتربت ريم إليهم لتضمهم بقدر استطاعتها.
ابتعدت ورد وهي تجفف دموعها وقالت:
يلا بينا نروح المستشفى نطمن على البت.
أومأوا لها بالموافقة وهبت هالة لتجذب كرسي ريم وتخرج. وتسير ورد جوارها.
♥ اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا.
بإحدى غرف المشفى ترقد لمار على الفراش كالجثة. أما فهد، فيقف بقلق شديد وهو يهز بقدميه حتى صاح:
إيه يا ميار؟ هي مالها مش بتفوق ليه؟
استدارت برأسها بابتسامة على محياها وقالت:
متقلقش، هتفوق والله وهتبقى كويسة، بس اصبر. وبعدين لازم تكون فرحان، الخطّة نجحت!
زفر بارتياح وقال بنبرة تغمرها السعادة:
الحمد لله، الله أكبر أنها تمت على خير.
أشارت له أن يجلس:
تعال نقعد لحد ما تفوق.
اتجه ليجلس على أقرب مقعد وهي جواره عن بعد. بعد صمت قطعه فهد بتساؤل:
هو أنتي تعرفي لمار من فين؟ أو أقصد إمتى؟ عارف سؤالي رخـم شوية بس فضول بقا.
بدمع ترقرق بعينيها، بوجع قلب، ونبرة يفعمها الحزن والوجع قالت:
أعرف لمار من وقت قضية ريم.
بصدمة شرد في تلك القضية ليصيح قائلاً باتساع عين:
مش ممكن! أوعي يكون أنتي بنت الشاهد الوحيد على القضية اللي اتقتل؟
تذكرت موت والدها، فكان يحادثها في ذات الوقت وكأنها تشاهد ما حصل مرة أخرى أمام أعينها. سال الدمع على وجنتها بغزارة وهمست بوجع:
أيوه، أنا بنته.
فقال فهد متلهفاً:
بس اللي أعرفه إنك كنتي بتدرسي في الخارج.
"وبتذكر قال" أنتي اللي قتلتي.....
وصمت عن الحديث. فصاحت وهي تهب واقفة ببكاء حارق:
أنا مقتلتش حد، كنت بدافع عن نفسي. ولما جمعت عنه أدلة تدينه، حاول إنه يقتلني. معرفش السكينة غرست في قلبه إزاي، معرفش؟ دي كانت أمنية بابا، وهو حق ريم، وأنا بس كنت عايزة أكمل بداله.
بألم لمعاناتها وتفهم قال:
الحمد لله. أيتها الفتاة المقنعة.
ابتسمت رغماً عنها وهي تقول:
مش عارفة ليه لمار طلعت عليا الجملة دي.
ابتسم وهو يقول برفع حاجب:
هو مضايقك؟ طب دا لقب جميل.
واسترسل قائلاً بثقة:
عايز أقولك إن وحدة في شجاعتك عرضت نفسها للخطر عشان براءة بنت زيها، دي تبقى شجاعة منها. البنت الغريبة الجدعة اللي وقفت مع وحدة متعرفهاش، في وقت أهلها كانوا هيتخلصوا منها عشان كلام الناس. دي تبقى بنت بمائة راجل.
قطع حديثهم صوت لمار وهي تهمس:
فهد.؟
ركض إليها وعاونها على الجلوس. نظرت له باهتمام وقالت:
كله تمام؟
فردت ميار قائلة:
أيوه، وتصريح الدفن المزيف جاهز؟
كله جاهز، بس دلوقتي انتي كويسة؟
أومأت برأسها وهي تقول:
قولته للمار ولا لسه؟
فأجاب فهد بجدية:
هو لسه، بس هي وصلها الخبر أكيد. أطمني.
تنهدت بعمق وكأن هماً انزاح. رفعت يدها لوجهها وسحبت ذاك القناع وهي تقول:
ياااااربي، القناع ده خانقني أوي.
ابتسم فهد مازحاً:
بنت وربنا، وأنتي لابسة ما شكيت لحظة إنك شهد. لو باباكي سليم نفسه كان لسه موجود، مكنش عرفك.
بألم ابتسمت وقالت:
كنت لمار. لمار. مفيش كلام. أنا أتمنى أبقى زيها أصلاً.
بالخارج، وصلا الفتيات. رأت ورد زيد وأياد. فقد كان يجلس زيد بحزن، وألم يظهر على وجهه، وهو ينفث السيجارة بشراهة وكأنه يعاقب نفسه، وجواره أياد. رأت ورد ذلك، سرعان ما ركضت نحوه. وقفت أمامها وجذبته بحده من فمه وألقتها بعرض الحائط. وتردد في ذات الوقت:
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه. أستغفر الله العظيم.
نظر لها زيد بوجع وتوهان وقال بحده:
ليه عملتي كدا؟
فأجابت وهي تضع يدها بخصرها:
عشان حرام ومن الكبائر. أنت كدا بتشيل ذنوب. قوم استغفر ربك عشان يسامحك. مش معنى إنك تحزن فتعمل ذنوب. احزن بس قرب من ربنا أكتر وأكتر عشان يردلك لمار كويسة، عشان يفرج همك ويلبي نداء قلبك. مش تعمل ذنب. اجعل المسجد بيتك. قال أبو الدرداء لشاب: يا بني، فليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "المسجد بيت كل تقي". اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء. اذكر الله دائماً وأبداً عشان يذكرك ويفرج همك.
نظر لها زيد بدموع عالقة بمقلتيه. جذب علبة السجائر ليلقيها دون اكتراث، وهب واقفاً بصمت وغادر.
جلست ورد بالمقعد الذي يلي أياد. بينما اقتربت هالة بريم إلى بسنت. نكزت ورد أياد وهي تقول بمناغشة:
أنت يا طويل يا هبل؟
رمقها بغيظ وقال:
بس يا شبر ونص.
أشارت لنفسها وهي تقول:
أنا؟ ماشي. وأنت طويل كدا لكل طويل لا يخلو من الغباء؟ أنت ليه مش طالع عاقل لأختك؟
طرق كفاً بكف وهو يقول:
يا حول الله يارب.
جذبها من مؤخرة رأسها وظل يميل برأسها ويرفع وهو يقول:
أنتي يابت مش بتبطلي كلام ليه؟ أنتي جايالنا منين؟ عايز أعرف.
بعدت يده بغيظ ولوت فمها بتهكم وقالت:
أنت أكيد غيران عشان مش بتعرف تتكلم كتير زيي، صح؟
ضحك رغماً عنه وقال:
بس يا ماما، يلا روحي العبي مع حد قدك كدا، مش أكبر منك.
مالت قليلاً عليه وهمست:
ليه ياخويا؟ هو أنت شايفني صغيرة عشان يعني قصيرة؟ وبعدين أنت كبير وطويل، أما أنا صغيرة والعمر قدامي؟
ارتفعت صوت ضحكاته عالياً.
فهمست بحب وابتسامة تغمرها:
الحمد لله، عرفت أضحكك أخيراً.
نظر لها بحب لتلك الطفلة التي تفعل أي شيء لتسعد من حولها ببراءة. قال بمناغشة ودون قصد:
بت، أنتي ديما مبسوطة كدا؟
تلاشت ابتسامتها ونظرت له بدمع وهي تشتاق لجدها، فترحمه عليه، وهمست وقالت:
مش كل شخص بيضحك بيبقى فرحان، بس في شخص بيكون راضي بقضاء ربنا وقايل الحمد لله.
ابتسم لها بإعجاب شديد وغير الحديث وظلا يتنازعان سوياً.
قصت هالة الخطة على مسمع بسنت التي غمرتها الفرحة بفرحة لا مثيل لها وحمدت ربها.
كان يسير بألم، يخشي الفراق، ويخشي عليها من الغربة. الخوف يكاد أن يقتله حياً. وكأن قلبه لم يعد ينبض إلا بالألم. فلم تعد به حياة، وكأنه قد فقد كل شيء. فما ذاك القدر؟ لماذا يختبره بأخته الوحيدة؟ لا يدري ماذا تفعل وما سيحصل وسيحدث معها. وجد ذاته لا إرادياً، عيناه تبحث عن مسجد ليجد حياة قلبه. يخطو بقدم ثقيلة وكأنها شلت تماماً عن الحركة، وكأن هناك يد خفية تحركها بثبات. يكاد أن يتعثر ولكنه يسيطر على ذاته بأعجوبة.
دوى أذان العصر بالأرجاء. إنه يخترق السمع أولاً، إلا أنه اخترق قلبه أولاً. فكان ينصت له كأن لأول مرة يستمع إليه. أنصت لكل كلمة ينطق بها المؤذن، وقلبه يردد خلفه. جذبه الأذان لوجهته. فوقف أمام المسجد ينظر له بتردد وخوف لا يدري مصدره.
أدمعت فؤاده وقد علم كم كان مقصراً بحرمان نفسه تلك اللذة. رفع قدمه بثقل وخفة في آن واحد، وخطي بثبات للداخل ببطء وعيناه تتفحص المصلين.
وقف أمام بابه، فهوى الدمع، فأسرع ليجففه. اقترب ليقف بصف ورفع ساعديه وقال: "الله أكبر".
وانهمر الدمع رغماً عنه وهو يشعر كأنه قد وُلد الآن. فهل كان عايش من قبل؟ أكيد لا.
لم يدري أن الصلاة قد انتهت وأن المسجد يكاد أن يخلو من الناس بتاتاً. فلم يشعر بذاته. وكيف يشعر وهو في مقابلة مع الرحمن؟ أخبروني؟ إنه في عالم آخر. إنه هلا وُلد وجاء على تلك الدنيا. بقلب مطمئن بالإيمان، بذكر الرحمن، بقلب يردد "لا إله إلا الله" باطمئنان، براحة لم يعتادها من قبل. أنهى صلاته وجلس ليتنهد براحة لا مثيل لها.
غمرت قلبه سعادة عارمة لا توصف. لقد علم زيد وهانت عليه نفسه، فكيف حرم ذاته من تلك اللذة والسعادة؟ لقد غمرت السعادة جوانبه، إنها فرحة عارمة قد هزته وهزت فؤاده. يا ليتهم يستشعرون فرحتك تلك! آه لو علموا مقدار وقيمة تلك السعادة! يا ليتهم يعلمون! آه يا ليتهم يفيقوا من غفلتهم تلك. فقد أصبح الموت لا يعرف كبيراً ولا صغيراً.
فاللهم خذ أرواحنا وأنت راضٍ عنا. اللهم اغفر لحينا وميتنا. إنهم في غفلة يا الله لا يعلمون أن تلك الحياة ليست سوى دار غرباء وجميعنا راحلون. يموت شبابنا في سن صغير واحد تلو الآخر. اللهم اعف عنهم واغفر لهم، واجعلهم من أهل الفردوس الأعلى. اللهم اهدي شباب أمة محمد ليفيقوا من غفلتهم ليفعلوا لآخرتهم ولجنتهم. ولكنهم يا الله أولعوا بالترف وانغمسوا في نعيم الدنيا. ونسوا نعيم الآخرة ونسوا أنها ليست دار مقام وسيأتي الموت في أي وقت وأي حين، دون استئذان، دون موعد يأخذهم. لا يدرون أن عليهم أن يعملوا لدار الآخرة، فحينما يأتي لهم الموت يموتوا مطمئنين بأعمالهم الصالحة. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، فإنك تغفر الذنوب جميعاً. اللهم اعفو عنا وارحمنا. ارحم أمواتنا يا الله وخفف عنهم واجعلهم من أهل الجنة. أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله.
أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. أستغفرك يا رحيم يا مجيب يا رحمن يا رحيم يا مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين بأن ترحم أمواتنا وتعفو عنهم وتغفر لهم خطاياهم وتنقيهم.
للهمَّ إنِّي أسْألُكَ بأنَّ لكَ الحَمدَ لا إلَهَ إلَّا أنتَ، المنَّانُ، بَديعُ السَّمواتِ والأرْضِ، ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، أسألُكَ أن تقيني الخوف من الموت. لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ.
"ادعوا الآن فلا نعلم متى أجلنا. ادعوا لشباب أمة محمد بصلاح الحال وربنا يرفع عنا البلاء."
اللهمّ ارحمنا إذا أقمنا للسؤال، وخاننا المقال، ولم ينفع جاهٌ ولا مال ولا عيال، وقد حال الحال، وليس إلا فضل الكبير المتعال.
جلس على مقعد مكتبه بشرود تام. كأنه فاصل تماماً عن هذا العالم. صورتها لا تغيب عن باله. لماذا كلما ابتعدت عن ناظره أشتاق إليها فوراً؟ تذكر عندما غادرته لترى صديقاتها. فلم يستطع فعل شيء سوى التفكير بها والشوق لها. ذهب ليأتي بها. أرادها فقط أمام عينيه ليتأملها بعشق جارف يغمر قلبه بجنون.
تنهد بضيق واشتياق. فها قد غابت عن ناظره، يشعر أنها فارقته تماماً. يشتاق لصوتها الذي توغل لصميم قلبه.
زفر بضيق وهو يريد أن يراها ويفكر كيف يراها وهي الآن بغرفتها، فماذا سيقول لها؟ تردد أيذهب أم لا. لملم شتات ذاته وهب واقفاً وهو يعدل من ياقة قميصه. خطى وما كاد أن يمسك المقبض ليخرج حتى عاد لمكتبه وجلس مرة أخرى. فتح درجاً وأخرج مرآة وهو يعدل من تصفيف شعره. نظر نظرة أخيرة برضا. وعاد بإرجاعها لدرج وهب واقفاً وغادر مكتبه.
صعد الدرج بثبات. وسار ببطء نحو غرفتها. وقف أمام بابها بتردد وعاود تعديل شعره وزفر بعنف. ومد يده وطرق على الباب. ما كاد الباب أن يفتح، حتى اتسعت عيناه بصدمة وصرخ بفزع وهو يبعد للخلف قائلاً:
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إن كان هذا سحراً فأبطله. اللهم إن كان جنناً فأصرفه.
أسرعت لتتشبث به وهي تقول برعب:
فين فين العفريت؟ فين فين؟ اقرأ بسرعة. اقرأ خليه ينصرف. بسم الله الرحمن الرحيم. فين....
تقول ذلك وهي مغمضة العينين بخوف وتتشبث بذراعه وعن قرب منه. كاد أن يقع من فرط الضحك. فنظرت له بتعجب وهي تقول بتذمر:
أنت كنت بتضحك عليا عشان تخوفني؟
فأشار لها وهو لا يستطيع أن يسيطر على ضحكه:
لا لا، العفريت قدامي.
عيناها جابت المكان بخوف وهي تقول:
فين طيب؟ هو أنا ليه مش شايفة؟
أشار بأصبع يده على وجهها وهو يقول:
أهوووه، العفريت. يخرب بيت عقلك، إيه اللي عاملة في نفسك ده؟
وضعت يدها على وجهها وقالت بتذكر:
دا مسك؟
فقال بضحكة:
يا شيخة حرام عليكي، وقفتي قلبي. روحي اغسليه، أنتي مش محتاجة مسك؟
ركلت الأرض بقدمها بطفولة وهي تقول:
على فكرة أنا مش عفريت.
فأشار لها:
بشكلك ده يبقي عفريت.
وأصلاً خناقهم ولم يلاحظا وقوف "فيكتور" الذي يقف عن بعد عنهم مستنداً بجسده على الحائط بفرحة لضحكة صديق عمره، فهذه أول مرة يرى لمعة الفرح بعينيها. رمقهم بحب وغادر.
♥ آلَلَهّمً أغُفُر لَيَ وٌلَوٌآلَدٍيَ وٌلَلَمًؤمًنِيَنِ يَوٌمً يَقُوٌمً آلَحًسِآبً ❤
بإحدى غرف منزل "جون"، تقف شهد تنظر من النافذة بشرود تام. اقترب منها أمجد ورفع يده على كتفها، فاستدارت برأسها له.
أمجد باطمئنان وقلق من صمته:
إحنا لوحدنا دلوقتي. احكيلي مالك؟ ساكتة ليه كدا ومش بتتكلمي؟
أشارت له بوجع:
مفيش، بس بفكر.
أمجد:
في إيه يا بنتي؟
قاطعة باقي جملته وهي تشير له:
هش، شهد. شهد وبس. حتى لو لوحدنا، مش عايزة حتى أقل غلطة.
أومأ برأسه أسفاً وهمس لها وهو يتحرك ليقف مقابل لها:
طيب احكي إيه بس اللي مضايقك كدا؟
فردت بتوهان وشرد:
بفكر، والتفكير هيقتلني.
رد بقلق ينهش قلبه:
بتفكري في إيه؟ أنا مش عايزك تقلقي، الخطّة هتم بنجاح تام أكيد.
هزت رأسها وهي تربّع يديها أمام صدرها:
مش بفكر في الخطّة.
"كاد أن يسألها إذا بماذا"، فأشارت له بالصمت وهي تقول بشرود وتفكير وتتنهد بوجع:
اللي قتل عمرو مش حد غريب.
نظر لها بصدمة وأعين متسعة وهو يقول:
بتقولي إيه؟
فأشارت له متقطعة:
متقاطعنيش.
استدارت للنافذة وأسندت بكفتي يديها وهي تنظر للفراغ أمامها وقالت:
لو حد مثلاً غريب كان هيدخل كذا أوضة يدور عنه. كنت هلاقـي كركبـة حتى لو بسيطة. بس اللي دخل عارف وجهته بالظبط. دخل خده ومشـي. معنى كدا حد بيدخل بيتي، بس مين؟
"تذكرت هالة" هالة مستحيل، دا أخوها. ريم ومشـلولة حتى مش هتقدر تمشي. بسنت وبتحبه، متعملـهـاش. طب زيد؟ أنا شك في نفسي إلا هو. أحمد؟ طب دا ابني. فهد؟ وفهد لا برضه. مش عارفة أشـك في مين، بس متأكدة حد منهم.
صمتت بتوهان ووجع وتفكير. انتبهت لأمجد وهو يقول:
بس في حد أنتي نسيتيه؟
نظرت له بعدم فهم وقالت:
أوعي تقول ورد؟
هز رأسه نافياً وهو يقول:
عمك رؤوف، ليه مشكتيش فيه؟
بحدة وجدية وثقة هتفت:
لا، مستحيل يكون عمي. طبعاً دا بيعتبرنا عياله. أكيد. وأياك تقول عليه كدا تاني، هزعل.
"لا تعجبوا، فإنه تسمى الثقة العمياء. لم تشك به وتثق به، وسيكون هو من طعنها بسهم مسموم بقلبه. ألم يكن هذا هو من أحبته كوالدها وتثق به؟ هذه هي الحياة، فانتظر الغدر من أقرب ما لك."
طرق الباب عدنان ودلف وهو يقول بجمود:
سيد جون عايزكم تحت.
أشارت له لمار:
تمام، جايين.
ذهب عدنان. لتبتسم لمار بخبث وهي تقول:
الواد ده مخبي حاجة، لازم نعرفها.
اقترب منها عبد الرحمن وهو يقول بقلق:
يا ترى عايزنا في إيه؟
خطت لتسير من أمامهم وهي تقول:
أصل لمار ماتت؟
هبطا للأسفل، فوجدت جون يقف بانتظارهما. تقدمت لتقف أمامه، فـقال بفرحة رأتها في عينه:
الكابوس انتهى. لمار خلاص ماتت. مش عارف أقولك إيه؟ ولا أشكرك إزاي!
رمقته ببرود وهي تضع يدها بجيبها:
خير، عايزني في إيه؟ معنديش وقت.
أشار لها بفرحة:
الريس أعلن عن اجتماع. متأكد هيكون ليكي. افرحي بقا. من النهاردة هتعيشي ملكة، مش محتاجة حاجة خالص؟
بصمت تام تركتـه يحدث نفسه وذهبت لتصعد السيارة، وهم خلفها. تمتم ببعض الكلمات "جون" وذهب معهم.
وصلت لمار ومن معها، رأت الفرحة بكل وجوه الحاضرين عارمة. فهمست بداخلها:
هو أنا لدرجة دي؟ موتي فرحة للي زيهم؟ إنهم موتوه؟
رحبوا بها جميعاً، بترحيب شديد وفرحة. والكل يهنئها أجمل التهاني والشكر. ولكنها كانت عيناها تبحث عن سندها، حبيبها، غائبها. فلم تجده. حتى ذلك الشاب "فيكتور" لا يوجد. انتبهت لصوت ذلك الرجل وهو يقول بفرحة لا مثيل لها:
لا أدري ماذا أقول لكِ يا شهد، وكيف أعبر لكِ عن فرحتي؟ فأنـتِ قد فعلتِ ما دمنا لسنوات نتمنى حدوثه، وأنتِ بلحظات فعلتِ ما لم نعرف نحن فعله. أني أهنئكِ عزيزتي.
ابتسمت له ببرود وقالت:
أنت جيباني عشان كدا؟
أشار لها متعجباً:
وهل هذا شيء تافه؟
فردت:
لا، بس مش شايفة إنها مستاهلة. دي حاجة سهلة جداً بالنسبة لي.
نظر لها وابتسم:
كم أنتِ شغوفة لعملك، ولذلك إليـكِ بالمهمة الثانية، والتي من بعدها ستكوني ذراعي اليمين في كل شيء، شغلي وبيتي وحياتي الخاصة بين يديكِ؟
فردت ببرود:
اللي هي؟
ابتسم قائلاً:
كما قلتي، أكبر شحنة مخدرات. أنتي من ستقومين بها، ولكن ستكون غلي اسمك. فإن أمسكتِ، فهي لكِ وليـس لي دخل بكِ. ولا تخافي أن أمسكتِ، فلن أتخلى عنكِ، سأخرجكِ منها بسهولة. والآن أثبتي لي ولاءكِ على الساعة 12 بمنتصف الليل. سأرسل لكِ مكان الشحنة لترحليهـا للقاهرة.
استمعت لكلماته ووقفت ببرود وهي تقول:
تمام، لقاءنا بالليل إن شاء الله.
أشارت له بيدها:
سلام.
ذهب خلفها اللواء أمجد وعبد الرحمن. أمجد اقترب منها وهمس:
لمار، هتعملي إيه ناو؟ هتعملي إيه؟ أكيد الشحنة دي مش هتوصل القاهرة.
ردت ببرود وهي تسير:
هتدخل.
فقال بغضب:
اتجننتي.
وقفت أمام عينيه وهتفت:
أنا عارفة أنا بعمل إيه؟ فـمتسألش بقا.
هل ستنجح لمار بالمهمة الثانية وتستطيع اكتساب ثقته أم لا؟ أحمد أين اختفى؟ ماذا سيفعل زيد أن علم أن أخته بخطر؟ هل سينقذها أم سيكون قد فات الأوان؟
توقعاتكم ورأيكم...
لايك وكومنت وتفاعل حلو بقا بدل ما أبعت لمار تجيبلي الناس اللي بتقرأ وتجري وتسجنهم 😂😂
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندى ممدوح
رجعت لمار لمنزل جون وبعدها للغرفه التي تمكث بها.
عقلها، فكرها، فؤادها في حيرة من أمرها، حيث لم تستمع للواء أمجد وحديثه وتساؤلاته.
لم تكن تفكر سوى لماذا لم يظهر لحد الآن.
تذكرت جملة ذاك المجرم: "أنضموا إلينا جديد".
معنى هذا أنه عن قرب ظهر بينهم، إذا أين كان يوجد ولماذا لا يظهر بينهما؟
من فيكتور؟ ولماذا لم يحضر هذا الإجتماع؟ ومن ديف؟ هل شخص تعلم جيدا من يكون؟
من الذي قتل والديها إذ لم يكن جون؟
أنشغل تفكيرها بأسئله لا توجد لها أجابات بتاتا.
انتبهت لذاتها على صراخ أمجد بها وهو يقول غاضباً:
"أنتي بتفكري في أيه بالظبط؟ يعني إيه الشحنة هتدخل مصر؟ أنتي عشان تكسبي ثقتهم هتعملي كدا؟"
رمقته ببرود قائلة:
"مين قلك أن في مخدرات هتدخل مصر؟"
رد متأففاً بنفاذ صبر:
"يا بنت الناس رسيني أنتي هتعملي إيه بالظبط؟ مش قولتي الشحنة هتدخل؟"
فردت باستعباط:
"أيوه قولت كدا؟"
فقال بحده:
"طيب إذا ناويه تدخليها إزاي مفيش مخدرات فهميني هتشل وهتجن؟"
أطلقت ضحكة عالية وهبت واقفة، ربتت على كتفه قائلة:
"أيوه أنا قولت أن الشحنة هتدخل مصر بس مش المخدرات؟"
نظر لها بمكر:
"أنتي ناويه على إيه يابت الشرقاوي هتعملي إيه؟"
ردت بابتسامة:
"مش أنا اللي هعمل."
نظر لها متعجباً، فتابعت قائلة:
"فيكتور ومايكل هما اللي هيعملوا مش أنا."
نظر لها متسائلاً بعدم فهم:
"هما معاهم ولا ضدهم أفهم؟"
ابتعدت قليلاً وهي تقول:
"ركز شوية في كلامي هتفهم."
فقال بتذكر:
"أيوه فهمت معني كدا أن فيكتور ده هيغير الشحنة؟"
أومأت برأسها بتفكير.
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
بالمشفى، ولجوا جميعاً للداخل ليروا من تلك الفتاة.
بصدمة وأعين متسعة هتفت هالة:
"شهد."
رفعت بصرها بها وابتسمت:
"هالة."
وتابعت قائلة بأسف:
"أنا بجد أسفة أني عملت كدا ووجعتكم بس دي كانت خطة."
اقتربت هالة مسرعة لتجلس جوارها وضمتها بحب وهي تقول بقلق:
"أنتي كويسة حصلك حاجة؟"
ابتعدت عنها وهي تقول:
"لا يا حبيبتي أنا كويسة كنت لابسة واقي للرصاص متقلقيش عليا."
بلهفة مسكت ذراعها وهي تقول بعتاب:
"أمال إيه ده أنتي تأذيتي؟"
هزت رأسها نافية وهي تقول:
"دا جرح سطحي متقلقيش."
فصاحت هالة:
"بس أسكتي."
وقفت بحده وهي تقول لميار التي تنظر لريم وريم تبادلها النظرات:
"هي كويسة صح؟ ولا تأذت قوليلي؟"
انتبهت ميار لها ونظرت بنظر مطمئن:
"متقلقيش هي كويسة وهتخرج النهارده."
عادت هالة لتجلس جوار شهد.
أما ميار فتقدمت من ريم وجثّت على قدميها أمامها وأمسكت بيدها.
أخفضت ريم بصرها للأسفل.
رفعت ميار وجهها وهي تقول بابتسامة:
"عاملة إيه يا ريم؟"
أومأت برأسها بصمت.
فقالت ميار بتساؤل:
"مالك مش بتبصيلي ليه؟"
نظرت لها ريم بدمع:
"يعني عايزاني أبصلك إزاي؟ وأنا السبب في موت بباكي!!"
هزت ميار رأسها رفضاً وهي تقول:
"يا حبيبتي دا قضاء ربنا والحمد لله أنتي ملقيش ذنب."
ابتسمت ريم بامتنان.
تعدلت ميار وهي تبتسم لها وقالت:
"هسيبكم أنا عشان أشوف المرضى بتوعي عن إذنكم."
بالخارج، تجلس ورد جوار أياد وهي واضعة يدها أسفل ذقنها.
لاحظ أياد صمتها فقال ضاحكاً:
"إيه ده مش ممكن خالص الراديو فصل أخيراً؟"
نظرت له غاضبة وهي تقول:
"أنا مش راديو يا طويل."
مرت فتاة أمامه فغمز لها وهو يقول:
"إيه القمر ده؟"
تلاقي ضربة من ورد على رأسه وهي تهتف:
"حررررام."
ضحكت تلك الفتاة وهي تقول:
"حرام أسمع كلام ماما!" ورحلت.
بأعين متسعة رمقه وهو يقول:
"بت أنتي هو أنتي طلعتيلي منين؟"
فقالت بمزاح:
"من البخت يا حبيبي."
دفشها من على المقعد:
"أمشي يابت من جنبي حرام أصلاً تقعدي معايا يلا يابت من هنا."
ذهبت ورد لتقف خلف الباب وهي تراقبه.
وعندما أمسك موبايله وأندمج به.
تسللت بخفة إليه وصاحت بأذنه:
"حرااااااام؟"
كاد أن يقع من على المقعد وهو يغلق أذنيه بكلتا يديه.
هب واقفاً فأسرعت هي لداخل الغرفة التي بها الفتيات.
أغلقت الباب بوجهه فركله وهو يقول:
"أياكي بقا أسمع صوتك إيه ياختي ده دي كرهتني في العيال؟"
انفجرت ورد ضاحكة من الداخل وهي تقول:
"أحسن."
"اللهم أنك عفوا كريم تحب العفو فاعفو عنا."
خرجت حبيبة من المكتب متجهة لتطمئن على والدة يوسف.
ولجت للداخل وما كادت أن تفتح ذاك الباب تدريجياً.
حتى رأت فيكتور يجلس جوارها وممسك بيدها.
أيقنت أنه كان يتحدث معها.
لاحظ وجودها فهب واقفاً.
بارتباك، وحرج وهي تخفض بصرها قالت:
"أنا أسفة مكنتش أعرف أنك موجود."
وأشارت للخارج:
"أنا هخرج."
سار نحوها وهو يقول بابتسامة:
"لا لا خليكي أنا خارج أصلاً عندي مشوار."
خطفت نظرة سريعة به وأومأت برأسها وهي تتنحى جانباً ليمر.
كاد أن يخرج فرجع خطواته ليقف أمامها وهو يقول:
"هي ماما عاملة إيه؟"
أشارت له مستغربة:
"هي والدتك؟"
أكتفى بإشارة بسيطة لها.
فقالت ببسمة:
"متقلقش بقيت أحسن من الأول وكم يوم وهترجع تمشي وتتكلم إن شاء الله."
قطعهم ولوج مايكل قائلاً بغضب وعصبية وجمود واتهام:
"بتعملوا إيه انتوا الاتنين هنا؟"
رمق فيكتور الذي نظر له باستغراب وصدمة وقال بأعين مشتعلة كالصقر:
"بتعمل إيه مع مراتي؟"
بصدمة وأعين تذرف الدمع نظرت له بعدم تصديق.
فيكتور بابتسامة وقلق:
"مايكل مش بعمل حاجة أنا كنت بسألها عن حالة ماما."
أقترب منه وهو يضع يديه بجيب بنطاله فتراجع فيكتور للخلف.
بأعين تطلق شرار قال:
"بتعمل إيه مع مراتي لوحدكم؟ وبعدين بتخوني؟"
وقف فيكتور بصدمة وهو يشير لنفسه:
"أنا يا مايكل أخونك؟ أنا، أنت بتشك فيا دي مراتك بعتبرها أختي؟"
تعالت صوت ضحكاته الساخرة قائلاً:
"أختك؟ طب كويس إنك قولتلي أصل مكنتش عارف."
أقترب أمام عينه ومال على أذنه وهمس بصوت مخيف:
"قبلك قالها كتير وكانت آخر الثقة قتل أخوه واغتصب مراته."
نظر لعينه فلم يجد سوى الكره والجمود.
نظرات أول مرة يراها بعينه.
نظرة الاتهام كادت أن تقتله.
فصديق عمره أيعقل أن يتهمه بشيء هكذا؟
بصوت مهزوز، تايه، موجوع، وأعين فاض بها الدمع قال:
"أنت بتشك فيا أنا؟ أنت أكتر واحد عارف أني مستحيل أخونك؟ وبعدين أنت شفت إيه أصلاً عشان تقول كدا؟ هاا قول."
دفعه بعنف للخلف وهو يصيح به:
"يلا قول شفت إيه خلاك تشك احكي!"
بادله الدفع بقوة وهو يقول:
"لما أدخل والاقيك واقف معاها بتتكلموا بهمس يبقى إيه؟ شمعنى هنا ما تتكلموا برا."
لكمه فيكتور بحدة وهو يقول:
"أنت غبي وهتفضل طول عمرك غبي مش بتفهم؟"
رد له اللكمة قائلاً:
"فعلاً غبي إني أمنتك."
قطعتهما صراخ حبيبة به وهي تقول:
"بس بقا كفاية؟ من لما دخلت البيت ده وأنا شايفاكم إيد واحدة مش عايزة أكون سبب تفريقكم."
دفعت مايكل للخلف لتقف أمامه وظهرها لفيكتور الذي ابتعد جانباً وهو يغرز أصابعه في شعره ليهدئ من ذاته.
صاحت حبيبة به ببكاء:
"اسكت بقا وبلاش تزعق أيوه أنا وأخوك بينا علاقة استريحت."
بأعين متسعة وعدم تصديق نظر لها وهو يقول برفض قاطع:
"أنتي بتقولي إيه اتجننتي؟"
نظر لمايكل وقال بصدق:
"متصدقهاش والله كدابة."
أخرج مايكل مسدسه ورفعه برأس فيكتور بأعين متسعة.
وضعت حبيبة يدها بصدمة على فمها وهي تقول:
"لا متعملش كدا والله أنا قولت كدا لأنك شكيت فيا لكن والله هو كان بيسألني عن صحته أمه."
سال الدمع بحرقة وخوف وهي تترجاه.
لم يستمع لها وأقترب من فيكتور وهو يقول:
"نفس الموقف اتكرر تاني بس المرة دي أنا مش هسمحلك سلام يا خويا."
أغمض فيكتور عينه وهو يقول:
"حتى لو هتموتني لازم تعرف أني مخنتكش."
استعد مايكل لإطلاق النار.
وضعت حبيبة يدها على أذنها وهي تخفض رأسها وتقول لا.
بينما لم تستمع لشيء سوى ضحكات مايكل العالية.
فتح فيكتور عينه بصدمة وزهول وهو يفتش بجسده ويقول:
"أنت مقتلتنيش."
لم تستوعب حبيبة شيء.
وقع مايكل أرضاً من فرط الضحك.
اتسعت أعين حبيبة بدهشة وهي ترمقه بعدم فهم.
صاح فيكتور غاضباً:
"مقلب يا مايكل أنت بتهزر؟ هي دي مواضيع فيها مقالب؟"
ركله بقدمه وهو يقول:
"اسكت طيب بطل ضحك."
جثا جواره وهو منفجر ضحكاً ويقول:
"يخرب بيت تمثيلك دا أنا صدقت إيه ده أنت المفروض تبقى ممثل."
قال مايكل وهو يلهث من كثرة الضحك:
"كنت عايز أصورك وأنت خايف كدا؟"
أما حبيبة فكانت ترمقه بغضب وقالت:
"مقلب؟ أنت متصور أنا اتوجعت قد إيه وأنت بتقول كدا وفي الآخر مقلب."
ذرفت عيناها الدمع وقالت بألم:
"أنت مبتحسش أبدا."
هب واقفاً وهو يقول بأسف:
"آسف حبيبة أنا."
لم يستطع تكملة جملته وركضت من أمامه باكية.
وقف فيكتور وربت على كتفه.
فنظره له بأسف وهو يقول:
"شكلي ذوّت صح؟"
أشار له بتريقة:
"انت لسه بتسأل دا مقلب من حقها تزعل الصراحة ومن حقك متنمش غير لما تصالحها."
أشار له:
"رايك كدا."
دفعه من كتفه لجهة الخارج وهو يقول:
"أيوه يا بني روح."
ركض مسرعاً ليصعد إليها.
فتح الباب ودخل فوراً وجدها تجلس على الفراش تبكي بصمت.
صفق الباب خلفه واقترب ليجلس على الفراش وأستدار برأسه لها قائلاً:
"والله كنت بهزر وأنا عارفك كويس وعارف فيكتور مستحيل أصلاً أشك فيكم بس أعمل إيه مقدرتش قولت لازم أعمل فيكم مقلب."
لفت رأسها للجهة الأخرى وهي تقول:
"متكلمنيش."
فقال بمناغشة:
"إيه ده أنتي زعلانة من حاجة ولا إيه يا ست العفريتة؟"
ضحكت رغماً عنها.
هب واقفاً وصار ناحية النافذة.
وقف أمامها وأستدار لها قائلاً:
"هو أنتي ليه قولتي أنك على علاقة معاه؟"
حبيبة نظرت له بمحاولة فهم ما يدور بعقلها.
وهبت واقفة من على الفراش وسارت نحوه بحيث تقف أمام عينه قائلة بنرفزة:
"ما أنت اللي شكيت فيا هي دي مقالب تتعمل أصلاً دي مقالب واحد مجنون."
وأكملت قائلة وهي تقلده:
"بتعمل إيه مع مراتي بتخوني."
وتابعت وهي تقول كالأطفال:
"واحد مجنون."
"مين اللي مجنون؟"
قالها مايكل بغضب وهو يضغط على معصمها بقوة.
تأوهت بألم وهي تقول برفض وتهز برأسها:
"لا لا مش أنت المجنون دا فيكتور أخوك."
أبعد يده ورمقه بأعين تكاد تحرقها وقال بصوت عال:
"كنتي بتقلدي مين وبتعيبي عليه؟"
نظرت له بأعين متسعة:
"ده فيكتور طبعاً."
تعالت صوت ضحكاته عالياً وهو يقول:
"أنتي بتبيعي أي حد في ثانية كدا؟"
أشارت له ببراءة:
"لا مش ببيع غير الشياطين اللي بيخوفوا."
مال عليها وهمس بصوت مخيف:
"اللي هما مين دول؟"
ابتعدت برأسها قائلة بتزمر:
"فيكتور طبعاً."
هز رأسه بضحكة وقال وهو يتوجه للخارج:
"أنا رايح المستشفى لو هتيجي تعالي."
فقالت بصوت عال وهي تشير أن يذهب بيدها:
"لا لا مش عايزة أجي روح أنت."
وعند ذهابه قالت بطفولة:
"روح إيه ياختي ده عامل زي العفريت اللي بيرعب اللي حواليه وهو مز كدا يخرب بيته ولا عضلاته يالللهوووي وأنا غبية أسيبه يروح لوحده في ممرضات كتير هناك دول ممكن ياكلوه أكل من حلاوته."
ركلت بقدمها الأرض بطفولة وتزمر واتجهت لتجلس على الفراش وهي تهز بقدمها.
"اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وأصحاب إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على سيدنا وآل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد."
يقف أحمد أمام شركة كبيرة حيث العملاء يخرجون ويدخلون بكثرة.
وقف تنهد تنهيدة طويلة وزفر بارتياح وسار للداخل بخطوات واثقة ثابتة.
أقترب من موظف الاستقبال وهو يقول:
"أنا عايز أقابل السيد رؤوف الشرقاوي."
نظر له الموظف باستغراب:
"عذراً ولكن لا يوجد أحد هنا بهذا الاسم."
بأعين متسعة نظر له وتمتم بذاته:
"يعني إيه مفيش حد بالاسم ده أنا شفته داخل."
ابتسم بمجاملة ابتسامة باهتة وقال حتى لا يحسه على الشك:
"تمام ممكن أنا جيت العنوان الغلط شكراً."
خرج أحمد من الشركة بتوهان.
وقف بمكان خالي نسبياً وعيونه مثبتة على الشركة بترقب وحذر.
توقفت سيارة فجأة ورأى رجلاً بجسد رياضي لا يظهر عليه كبر السن، هبط منها بشموخ بعدما فتح له أحد حراسه الباب.
ولج للشركة بهيبة وخلفه العديد من الحراس.
انتظر أحمد قليلاً ولديه فضول قوي أن يعلم من هو ذلك الشخص.
تأكد أنه شخصية كبيرة مما هو عليه.
أستدار يمنة ويسرة وسار تجاه السيارات التي هبط منها.
حيث كان يقف عدد من الحراس.
تقدم بحذر وتخطاهم بخطوة.
ورجع تلك الخطوة بحيث يصبح أمامهم وهو يقول:
"ما لقيتش معاكم مياه."
نظر الحراس لبعضهم البعض.
فأشار أحدهما للآخر:
"أعط له الماء."
أنصاع الآخر لأوامره وفتح باب السيارة وجذب زجاجة مياه وأهداها لأحمد.
جذبها بشكر وارتشف القليل.
وعاودها له وشكره.
تنهد بضيق وهو يقول بملام:
"بدور من صباح ربنا على شغل ومش لاقي."
تبادلا الحراس النظرات وقال أحدهما لأحمد:
"أستطيع أن أأمن لك شغل ولكن أخبرني هل أنت آتٍ بهجرة غير شرعية أم ماذا؟"
أبتلع أحمد ريقه الجاف بقلق وابتسم بتكلف:
"آه آه هربان؟ وجاي بطريقة غير شرعية وياريت عندك شغل تساعدني؟"
ثم قال وهو يشعر بأنه قد وصل لمبتغاه:
"الشغل هيكون مع مين؟"
فقال ذاك الحارس بتوضيح:
"مع سيد جون."
بأعين متسعة نظر له أحمد, فاق لذاته مسرعاً حتى لا ينكشف أمره وقال:
"مش مهم المهم إني عايز شغل مش مهم إيه ومع مين."
ابتسم الحارس ماكراً وقال:
"إذن يجب عليك أخذ رقم هاتفي."
أخرج من جيبه كارت:
"هذا هو رقمي رن ليلاً حتى نتقابل وأكون قد كلمت لك رئيسي."
أحمد ابتسم نص ابتسامة وقال:
"آه شكراً وهرن عليك."
أستدار وسار بخطوات بطيئة وأبتدأ يحلل المواقف ببعضها.
يسير كالتائه لا يدري بشيء عقله واقف تماماً من كل شيء.
فكره حائر في كل ما يدور حوله.
أنعقد لسانه فلم يستطع التحدث.
سار ببطء شديد وهو يفكر:
"معنى هذا أن رؤوف عم لمار هو شريك جون!! هو من قتل عمرو! هو من قتل اللواء سليم وأهل لمار!! معنى كدا هو السبب في كل اللي حصل للمار!!"
ولكن السؤال هنا لماذا؟
كان دائماً يرى لمار تعده بوالدها، كانت تحبه أكثر من نفسها، كانت تستمع لكلامه، رغم أنها لا تستمع لكلام أحد إلا هو، كانت تعشقه بشدة وتنفذ ما يطلبه دون اعتراض.
فكيف ذلك أنها تثق به ثقة عمياء، أقسم بداخله إلى أنها قد تكون شكت بالجميع إلا هو!!!
أيعقل هو من أضرها وعذبها.
وقف بتوهان وشرود وهو ينظر حوله وكأنه قد نسي أين هو يحاول أن يتذكر:
"كل فكرة كيف يخبرها أن عمها هو من فعل كل ذلك."
في لحظة تخيل حالتها فلن يستطيع أن يسبب هو لها صدمة وألم وحرقة قلب وكسرة.
لن يستطيع أخبارها أبداً.
وقفت سيارة أمامه وهبطا منها رجال شرطة متوجهون نحوه.
رمقهم بتعجب واستغراب.
دون كلمة أقترب واحد ليقيد يده من الخلف.
حاول بشتى الطرق أن يفلت من بين يديه فلم يستطع.
جاء آخر وظل يفتش بملابسه حتى أخرج كيساً من المخدرات من جيب جاكته التي يرتديه.
بصدمة وعدم تصديق هز رأسه نافياً:
"مش ليا؟ أكيد حد حطه مش ليا."
فصاح به:
"اصمت عليك أن تأتي معنا في الحال وهناك ستعرف إن كان لك أو لا."
جذبه أحمد من ملابسه وهو يقول بحدة:
"أنت تعرف أنا مين أنا المقدم أحمد الرفاعي."
ابتسم بتريقة وهو يقول:
"وهل كل أحد سيخبرنا بذلك سنصدقه وحتى إن كنت المقدم فأيضاً يجب محاسبتك والآن."
صرخ بصوت عال:
"أجلبوه."
جذبوه داخل السيارة بحدة.
عن بعد كان يمر عدنان صدفة ووقف ليستمع لحديثهم.
وعندما علم من يكون وأنه صديق لمار.
أسرع بجذب هاتفه ورن على فيكتور وأخبره بكل شيء.
"اللهم أسألك الفردوس الأعلى. اللهم أسألك الفردوس الأعلى وأنا حبايب قلبي اللي بقوا عائلتي الثانية متابعيني الغاليين ربي يجمعنا في الجنة."
بقلق وتوتر وارتباك بعد الشيء تجلس وهي تعد اللحظات والدقائق.
تأخذ الغرفة ذهاباً وإياباً تارة.
وتارة تجلس بقلق وتوتر وفكر حائر.
وتارة تقف من النافذة بشرود.
قلبها المجنون يشتاق وبشدة لسنده الذي سيتحمى به دائماً.
لم يعد قلبها المجنون على الانتظار أكثر من ذلك.
ولكن كيف تراه ومن تسأل؟
مرت سنوات وهي تعيش على ذكراه.
ذكريات كانت تحاصرها وكأنها داخل سجن.
تعيش على وجع موته وهو حي فكيف ذلك؟
تتوقان الأعين لرؤياه بشوق عارم فكيف كانت تتحمل غيابه كل تلك المدة.
فاقت لواقعها على صوت أمجد وهو يقول بقلق:
"لمار يا بنتي الساعة ١٢ المعاد دلوقتي."
نظرت له لمار وتنهدت تنهيدة طويلة.
جاءت أن تخرج ولكن تقدم عبد الرحمن وهو يقول:
"مش هسيبك لوحدك لازم تعرفي ده أنا معاك وهسافر معاكي وفي التسليم هكون معاكي."
تطلعت به لمار بصمت ووضعت يدها بخصرها وقالت بحسم:
"أنتوا هتفضلوا هنا. الموضوع مش هيعدي بالساهل وهيحاولوا يوقعوني عشان يختبروني وأنا لازم أكون جاهزة لأي حاجة فلو كنتم معايا مش هكون مركزة بما فيه الكفاية."
"لا يا لمار مفيش كلام مش هسيبك وهكون معاكي خطوة بخطوة."
بإصرار وحسم نطق بها عبد الرحمن ليؤكد أنه سيذهب معها.
رأت الإصرار بعينه فأومأت له وأشارت له للخارج.
كادت أن تمسك المقبض فناداها كامل فتوقفت لتستدير إليه.
أقترب منها ليقف أمام عينيها وقال بصدق وعينان تذرف الدمع:
"سلميلي على ورد ولو حصلي حاجة هي أمانة في رقبتك. عارف أنهم مرقبينك فمش هتقدري تروحي البيت بس متأكد إن بطريقتك هتروحي هناك."
مد يده لها بورقة مطوية بين يده وهو يقول:
"الرسالة دي أديها لورد وقوليلها تسامحني وتدعيلي لأن دعواتها مجابة."
ربتت لمار على كتفه باطمئنان:
"هترجع لها قريب وهتعيش معاها ورد بتحبك وبتدعيلك متأكدة."
فقال وهو مجهش بالبكاء:
"أنا ظلمتها كتير ومكنتش ليها الأب الكويس الحنين بس خلي بالك منها لو حصلي حاجة اعتبريها زي أخت ليكي."
فردت لمار بتأكيد:
"هي فعلاً بنتي مش أختي وبس وبقولك أهووه هترجع لها."
أومأت له وهي تطرف له بعينها بتأكيد.
نظرت لعبد الرحمن واشارت له وهي تخرج:
"يلا بينا."
هبطا سوياً للأسفل ووجدت سيارة بانتظارها.
صعدوا سوياً وبعد وقت توقفت بهم أمام منزل ذاك الرجل.
نظر عبد الرحمن وهمس بصوت بطيء:
"أنتي مش خايفة؟"
ابتسمت باللامبالاة وولجت بثبات وثقة.
أستلمت الشحنة واللي كانت عبارة عن شنط وبداخلها المخدرات وهي عليها أن تعلم كيف تدخلها للتسليم.
قال لها عن اسم الشخص الذي سيستلم منها.
أكدت له لمار أن كل شيء سيتم ولن يكون هناك خلل أو خطر عليهم.
حملها بعد الرجال الشنط ووضعوهم بالسيارة التي قد جاءت بهم.
كادت أن تخرج ولكنها لمحت طيف شخص يسير بسرعة وبيده شنط.
تمعنت النظر به بتأمل فأبتسمت وهي همست:
"فيكتور؟"
عيناها جابت المكان حولها على أمل أن تراها لكن لا أثر له.
بفقدان أمل خطت للخارج وما كادت أن تصعد السيارة حتى وجدت من يسد طريقها وهو يقف بثبات ويضع يده بجيبه:
"ربعت يدها أمام صدرها وببرود قالت: نعم يا أستاذ فيكتور."
خطف نظرة نارية تجاه عبد الرحمن ومن ثم عاد النظر لها وقال بصوت جهوري:
"متلعبيش بعداد عمرك وأحسن لك سيب المكان والشغل هنا وملكيش دعوة بحاجة بدل ما تكون نهايتك يا أما السجن يا أما ميتة."
رمقته ببرود تام وابتسامة مستفزة وقالت وهي تدفعه جانباً:
"اللي جابني جابك، ومتخافش المخدرات لو مكنتش بدلتها أنا برضه كنت هبدلها فاطمن وطمنه."
لوهلة لم يفهم ماذا تقصد بكل حرف نطق به.
أمسك معصمها قبل أن تصعد بالسيارة وقال بجمود:
"مفيش حاجة اتبدلت وتأكدي بنفسك."
بعدت يدها بابتسامة وقالت بهدوء تام:
"لا في."
نطقت بتلك الجملة وصعدت بالسيارة وهي تفتح تلك النافذة التي أندرجت للأسفل واخرجت رأسها وغمزت له بغموض.
صعد عبد الرحمن بعدها وأنطلقت السيارة.
بالمطار أخرجت هاتفها وأبتعدت بمكان خالي وأجرت بعد المكالمات بثقة.
خرجت حيث كان ينتظرها رجال من الشرطة التي أعطت لهم إشارة.
وأخذوا الشنط وسارت خلفهم.
ولجوا للطائرة وعند المقاعد أبتدأوا بفتحها وأدخال المخدرات بها بسلاسة حيث الذي يجلس عليها لا يشعر بشيء.
بعد الانتهاء من كل ذلك.
وقفت لمار مع عبد الرحمن.
فنظر لها عبد الرحمن بخوف وقال:
"أنتي عملتي إيه بالظبط والله أنا خايف."
لمار أشارت له بالجلوس بالانتظار ونظرت لعينه وهي تقول ببرود:
"وتخاف ليه إحنا مسافرين عادي مفيهاش خوف ولا حاجة."
تم الإعلان عن إقلاع الطائرة واتجهوا للصعود وأخذ أماكنهم.
بعد يوم كامل من السفر والتعب والإجهاد تقف لمار مع زيد وميار.
لمار بتفكير:
"يعني دي مش مخدرات نهائي؟"
ميار بتأكيد:
"أيوه دي مش مخدرات دي حاجة مفعولها مش بيدوم ومش بتدمن الإنسان."
لمار ابتسمت وهي تقول:
"إكيد يوسف اللي عمل كدا معني كدا شكلي في محله إن فيكتور مع يوسف حبيبي."
غادرت ميار شركة زيد.
بالمكتب جلست لمار وزيد وعبد الرحمن.
زيد بتذكر وهو ينظر بتركيز للمار:
"تفتكري شحنة الأسلحة اللي قبضتي عليها وقتها برضه الأسلحة كانت متعطلة مضروبة يعني. وهكذا بالمخدرات. بس الغريب إن في البداية مكنش كدا من شهور وكل ده ابتداء يحصل ومعلومات بتجيلك."
نظر لها بتمعن وهمس وهو يبتسم:
"هو اللي بيعمل كدا؟"
أومأت برأسها بتأكيد.
أما عبد الرحمن يجلس دون فهم لشيء.
أبعدت نظرها بعيداً وقالت شبه شارده:
"إحنا لازم نرجع تاني في أقرب وقت أنا كدا كسبت ثقتهم جميعاً وهوقعهم كلهم وكل الشركة اللي معاه."
أخرجت تلك الرسالة من جيبها وأستدارت قائلة لزيد الذي هب واقفاً بقلق وخوف.
مدت يدها له بالرسالة وهي تقول:
"زيد الرسالة دي أديها لورد بالنيابة عني. هي من والدها وخلي بالك من البنت. أنا كنت حابة أروح أطمئن عليهم."
ابتسمت ببؤس وتابعت قائلة:
"بس أنا مستعجلة مش هقدر."
قطعها زيد قائلاً:
"أنا هاجي معاك مش هسيبك لوحدك خصوصاً إننا لسه منعرفش مين الشخص اللي نعرفه مشترك معاه."
أردفت لمار قائلة له بتأكيد واطمئنان:
"متقلقش مش هيقدر يعرفني. دا أنا رامية مخصوص عشانه دا قتل لي كل الحبايب."
شردت بتذكير بكل ما مرت به وتابعت بوجع:
"وأنا مش هرحمه زي ما مرحمنيش وهخليه يتمنى الموت ومش هيطوله."
ربت زيد على كتفها وسار كم خطوة ليصبح أمامها وقال بقلق واضح من نبرة صوته:
"أنا مش هسيبك بينهم لوحدك عارف إن ميتخفش عليكي بس قدري إني أخوكي وإني هفضل في قلق وقلب بيتقطع."
لمار ابتسمت ابتسامة رقيقة نابعة من قلبها وبأطمئنان قالت:
"مش هينفع تكون معايا؟"
كاد زيد أن يهم بالحديث فقطعه عبد الرحمن وهو يقف جوار لمار مقابل له وقال:
"متقلقش عليها أنا أفديها بروحي أطمن."
صدح صوت الأذان عالياً فأغمض عينه باستمتاع وقلب منشرح يهلل فرحان وردد خلف المؤذن.
نظر فوجد لمار أيضاً لا تقل فرحتها عنه بقلب منشرح.
وكأن قلوبهم تلك كانت ضيقة تضيق رويداً رويداً حد الاختناق ولكن على صوت الأذان أنشرحت وكأنها لم تضيق يوماً.
تنقلت أنظار لمار ما بين زيد وعبد الرحمن وقالت:
"يلا نصلوا وبعد كدا نشوف هنعمل إيه ربنا هيفرجها."
نظر عبد الرحمن لها بخجل شديد وقال بهمس:
"أنا مصليتش قبل كدا ولا أعرف إزاي أصلي محدش علمني ولا قلي."
لمار ابتسمت له برضا وأشارت لزيد:
"يلا خدوه وصلوا سوي."
أشار لعبد الرحمن:
"يلا روحوا صلوا في الجامع وهو معاك هيعلمك كل حاجة وأنا هصلي وهستناكم هنا."
توجه زيد وعبد الرحمن للخارج وشرعت لمار بوضوئها لتصلي.
"سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه."
بإحدى الشقق الفخمة ألوانها الهادئة الجميلة أساسها الراقي.
يجلس أحمد على تلك الأريكة الداكنة اللامعة.
زفر بنفاذ صبر وقال متعصباً:
"أنا عايز أعرف أنت مين وإزاي قدرت تثبت إن المخدرات مش ليا هو أنت تبع الداخلية؟"
"_ كل اللي قولته وهقوله معنديش معلومات أقولك حاجة دلوقتي سوي أنا مين وليه ساعدتك؟ فلانك بريء والمخدرات مش ليك."
قالها فيكتور الذي يقف وهو ينفث سيجارته ويتنهد بتأفف.
هب أحمد واقفاً بضيق بعدما ألقى تلك النظارة وهو يقف أمامه صاح به:
"تعرف لمار منين؟ وانت مين؟"
هرب فيكتور من الحديث وأمسك ذاك الذقن المستعار والشارب وهو يقول ضاحكاً:
"هي الفكرة حلوة بس بعد كدا ابقى شوف خطة أحسن لأن رؤوف محدش يقدر يخدعه بسهولة."
طرق أحمد كف بكف وقال بنفاذ صبر:
"هو أنت تعرف رؤوف منين أصلاً."
صمت قليلاً بتذكر وتفكير:
"مش أنت نفس الشخص اللي نزل من عربية جون؟"
نظر له بتمعن وقال:
"هو أنت معاهم ولا معانا ولا إيه بالظبط؟"
رفع فيكتور يده اليمنى على كتف فيكتور وقال بهمس:
"أنا ولا مع ده ولا ده أنا مع الحق وأطمن أنا مش ضد لمار."
أغمض عينه يحاول فهم ما يدور حوله وقال:
"مش مهم أنت مين ولا مع مين أنا لازم أرجع وأحذر لمار من كل حاجة."
أشار له فيكتور:
"يستحسن تفضل هنا كم يوم لحد ما أرتب لك أمور السفر وأحجز لك مش عايزك تظهر لحد لأنهم عينهم عليك."
عاد ليجلس على مقعده ووضع رأسه بين يديه وتنهد بضيق وأسترسل قائلاً بعد تفكير وتيقن أن فيكتور معه حق:
"تمام ماشي."
جذب فيكتور جاكته ومفاتيح سيارته من على الطاولة التي كان مسنداً بجلسته عليها وقال:
"أنا همشي دلوقتي لو عاوزة أي حاجة رقمي عندك في التلفون وهرجع لك تاني."
أومأ أحمد برأسه فرحل فيكتور.
"الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير."
بتمر الأيام يوم ورا يوم وكأنها سنين فلم تر ولم تعرف شيئاً عن معشوقها.
طال الانتظار ولهيبه أحرق قلبها بمرارة الأيام.
توغلت بينهم وعملت اسم وشخصية خاصة بها.
تملكتهم كلهم بذكائها وأصبح لا يمر شيء إلا بمشورتها هي.
وب يوم ما، قلب كل الموازين رأساً على عقب.
يوم لم يكن يخطر على بالها بتاتاً ولم تحسب له حساب قط.
مكالمة ستقلب حياتها وتكون فريسة ليفترسوها كما يشاؤ ولماذا؟
من أجل صدقها وبرأتها.
فهذا الزمن أصبح قول الصدق يكلفنا الكثير، فتصبح أوجاعنا مرضنا آهاتنا همومنا دموعنا حرقة فؤادنا وعذابنا من كلمة صدق.
تجلس لمار بتلك الشقة التي أهداها لها ذاك الرجل كهدية من أجل نجاحها بمهامها.
تجلس بقلق فقد تعبت كثيراً لتجمع كل معلومات قد تحتاجها لتؤدي بتلك المنظمة للجحيم.
وبلحظة لم تجد أي شيء كل شيء تبخر بالهواء وكأنه لم يكن.
لم تدري أين ذهبت الأدلة تلك ومن أخذها ومتى أخذها ومن غيرها يعرف أين تخبئهم؟
يقف أمجد بمرارة وقلق وهو يأخذ الطرقة ذهاباً وإياباً.
وقف أمامها بغضب وصاح:
"يعني إيه يا لمار الأدلة أختفت دا أنتي حتى أنا مردتيش تقوليلي مخبياهم فين وفجأة مش لاقياهم يعني إيه؟"
كانت تضع رأسها بين يديها.
رفعت بصرها به بتوهان غريب وكأنها لا تريد أن تصدق عقلها أو بما وصل به.
فمن الممكن أن يكون من أخذهم.
فاقت على صوت أمجد وهو يصيح بها:
"انطقي متسكتيش كدا الأدلة فين؟"
قطعهم خبط على باب الشقة فهب عبد الرحمن واقفاً وأمسك المقبض ليفتح فوجد أحد حرس جون.
عبد الرحمن باستغراب:
"خير في حاجة؟"
رأته لمار فوقفت فوراً متجهة للباب وهي تقف جواره.
عبد الرحمن:
"خير في حاجة؟"
الحارس بجمود:
"أجل في اجتماع وبعثوا بي إليك لأعلمك بذلك أنهم بانتظارك الآن."
رمقته بحدة:
"طيب روح أنت وأنا جايه."
عند مغادرته صفقت الباب وهي مستندة بظهرها عليه.
أقترب كامل منها وهو يقول:
"أنتي كويسة؟ هتحضري الإجتماع؟"
انعدلت بوقفتها قائلة:
"أيوه هحضره."
أمجد بقلق واقباض:
"تمام يلا."
لمار برفض:
"لا أنا بس اللي هحضر هما طلبوني أنا بس خليكم أنتوا هنا."
أمجد بقلق أمسك مرفقها:
"لا أنا هروح معاكي مستحيل أسيبك."
أبعدت يده برفق وهي ممسكة بكفة يده ووضعت يدها الأخرى على يده وقالت:
"أنا هكون كويسة ولازم أروح أنتوا خلوا بالكم من نفسكم."
تنقلت أنظارها بينهم بابتسامة رقيقة وتراجعت كم خطوة للخلف وهي تنظر لأمجد بمشاعر متلخبطة وقالت:
"ابقي خلي بالك من البنات."
أستدارت وأمسكت مقبض الباب وزفرت بارتياح لتهدأ من العاصفة التي تهوج بقلبها بثبات وشجاعة.
فتحت الباب وغادرت.
أغلقت الباب ليستند أمجد على أقرب مقعد وجلس وكأن ظهره أنكسر فجأة.
نظر له كامل وربت على كتفه قائلاً:
"هتكون كويسة."
صعدت لمار السيارة التي كانت بانتظارها ورحلت بها.
بعد وقت طويل وقفت أمام منزل صغير نسبياً.
نظرت لمار من النافذة لذاك البيت بتمعن وعيناها تجوبه حتى شعرت بحركة خفية.
عاودت نظرها للسائق قائلة بغموض:
"أنت جايبني فين مش هنا بيكون الإجتماع."
أستدار برأسه لها قائلاً:
"لقد جاء لي أمر بأن آتي بكِ لهنا."
أومأت برأسها وفتحت الباب وهبطت وسارت لذاك المنزل وهي مستعدة لأي شيء يمكن أن يحصل بالداخل.
ولجت للبيت وعند ولوجها مباشرة أغلق الباب.
ألتفتت للخلف مسرعة فرأت بعد الحراس.
توجهوا لها فأستعدت هي لقتال مرير.
تقدم أحداهما مسرعاً ليصد لها لكمة فأمسكت بيده وكسرتها.
وعلى غفلة منها جاء آخر وكاد بأن يطيح برأسها بتلك الحديدة التي بيدها فأسرعت بأثناء ذلك لتطأطأ رأسها فجأت بزميله، رفعت قدمها وهي منعدلة لتدفعه بقوة من بطنه.
تقدم منها آخر وهو يركض وما كاد أن يقترب حتى رفعته لتلقيها من فوقها أرضاً.
هم يزدادون عليها وهي بشراهة تقضي عليهم.
وفجأة أنقطع الضوء وصاد الظلام ذاك المنزل.
تعالت صوت ضحكات أحداهما.
بأعين متسعة كانت تدور حول نفسها وهي لا ترى شيئاً بتاتاً.
صرخت بصوت عال وهي تصد أذنيها بكلتا يديها.
حتى لا تستمع لذاك الصوت الذي يبث بقلبها الخوف.
وتلك الضحكة بثت بقلبها الخوف ليس خوفاً على نفسها وأنما خشيت ذاك اليوم فذكراه قد مر على مخيلتها وكأنه ينعاد أمامها موت والدها وأخاها ووالدتها وضحكة ذاك الرجل.
أستمعت لخطوات تقترب منها وتوقف تلك الضحكات.
فوقفت محلها بثبات وشجاعة وهي توعد له بالانتقام فعليها أن تثلج قلبها بناره.
ارتفعت صوت الضحكات مرة أخرى.
نظرت حولها ولأن الظلام يحاوطها فلم تر شيئاً.
لم تشعر سوى بتلك الخبطة بمرات متتالية بمؤخرة رأسها.
كانت تحاول بكل قوتها أن لا تغمض عينيها ولكنها لم تستطع فوقعت مغشياً عليها.
فاقت بعد لحظات وهي فاقدة الشعور بيديها وقدميها المكبلتان فقد كانت تجلس على كرسي مكتفتا الأيدي للخلف بتلك الربطة حتى قدميها مقيدتان وجسدها.
رفعت بصرها لتجد شاب طويل وعريض ذو جسد رياضي بتلك العضلات التي تبرز بحدة يقف أمامها بنظرات نارية كادت أن تحرقه وجهها الذي تشوه من كثرة الضرب وجسدها الذي يؤلمها بشدة.
تطلعت به بابتسامة مستفزة وقالت:
"وقفت ضرب ليه متقلقش مش هقدر أعملك حاجة على الأقل حالياً بس لو فقت بس أيدي أقسم بالله أدفنك مكانك."
قالتها بصوت عال أفزعه.
فأنهال على جسدها بضرب مبرح بتلك الحديدة وهي لا تشعر بأي ألم فقد اعتادته وماذا يكون ذاك الألم مقارنة بوجع وألم قلبها.
ارتفعت صوت ضحكاتها عالياً بتريقة.
فأبتعد ونظره مثبت عليها باستغراب وهو يقول:
"هل لا تشعري بشيء، كيف ذلك؟"
صرخت به بعينين متسعتين:
"لأن الوجع بيعلم الإنسان القوة أكثر الوجع بيقوي مش بيضعف."
أبتسم بمكر لها وقال:
"لماذا لا تموتي يا لمار؟ لقد حاولنا قتلك مرات عدة ولكنك قطة بسبع أرواح كلما متِ عدتِ مما أنتي مصنوعة يا فتاة."
ارتفعت صوت ضحكاتها عالياً وهي تقول بسخرية:
"من أمك."
جذب شعرها بقوة وحدة حتى أنقطع بيده وقال غاضباً:
"إن لم تموتي فأني سأقتلك الآن لقد دفعوا لي الكثير وسيدفعون أكثر، وعلي أن أموتك."
خرج وعاد مرة أخرى وبيده حديدة ملتهبة من النار يزداد لونها الأحمر اشتعالاً تطلق شراراً يلهب الأجساد.
وقف أمامه ومال برأسه أمام وجهها وضحك عالياً وهو يقول:
"قيل موتك يجب أن أعذبك يا فتاة ولكني حقاً بأس على جمالك هذا."
مرر يده على وجنتها وبذاك الجرح تعمد على الضغط عليه بقوة فلم تصرخ ولا تأوهت ولم تتألم حتى.
نظر لها متعجباً فضحت بصوت عال قائلة:
"مش بنت عز الدين اللي تضعف أبداً وقل ما هتعذبني كل ما هتزيدني قوة على قوتي أنا بنت من صغري قلبي محروق ومش هيلجأ غير بنار الانتقام مش هموت غير لما أخلص عليكم واحد واحد وربي الذي خلق الخلق مش هيخذلني أبداً أنا واثقة ومتاكدة انه مش هيخذلني وهنتقم منكم كلكم وأولهم."
وصاحت به بصوت عال:
"رؤوف قولوا إني روحي مش هتطلع للي هلقاها غير على موته وكله العذاب ده هعذبه فيه أضعاف."
صمتت عندما وضع الحديدة على كتفها.
نظر لها متعجباً وهي تجز على أسنانها بقوة وبأعين مشتعلة تنظر له بحقد لا تأوه ولا تتألم وكأنها لا تشعر بشيء.
ثباته ثبات مخيف.
قاومت الإغماء ولكنها لم تستطع فأغمضت عينيها بثبات هروباً من ذاك الألم الذي قد صهر جسدها.
لكمها بقوة حتى وقعت أرضاً بذلك الكرسي وهو يصيح في ذات الوقت:
"ما بكي هل متِ الآن؟"
أسرع خطواته للخارج وعاد وبيده دلو من الماء سكبه على وجهها.
فتحت عينيها واحدة واحدة.
أسندت بيدها على الأرضية وأستدارت برأسها له قائلة بتعب وهن وابتسامة:
"يااااه هو أنا وحشتك أوي كدا لدرجة حتى مقدرتش تغيب عني ثانية."
نظر لها بتعجب شديد من تلك الفتاة التي رغم تلك الكدمات والحروق التي تملئ جسدها إلا أنها ما زالت قوية وكأنها جبل صامد لا يتحرك.
لديها قوة غريبة بعينيها.
أسرع خطواته للداخل بوعيد.
وجلب أنبوبتين غاز ولج بهما للدخل واضعهم جانباً.
واقترب منها جثا على ركبتيه بمستواها وأبعد الكرسي عنها.
فك قدميها التي أوسعهم ضرباً بالحديد حتى لا تستطيع التحرك وقال:
"والآن قد حررت قدماكي يا فتاتي الشجاعة ساعدي نفسك من الموت إن استطعتِ التحرك مرة أخرى."
شاور لها بيده بابتسامة خبيثة.
وهب واقفاً ناحية الأنبوبتين وفتحهم.
أستدار برأسه لها قائلاً:
"والآن إلى اللقاء عزيزتي موتاً هنيئاً لكِ."
تحرك للخارج ووقف وهو ينظر لها بشماتة وأوصد باب تلك الغرفة ورحل.
بالداخل كانت تزحف بألم شديد حتى توصل لتلك الأنبوبة ولكنها لم تستطع فجسدها أصبح هشاً للغاية.
أسندت رأسها على الأرض وهي تتنفس بأعجوبة ونفسها يكاد أن يتلاشى من تلك الرائحة.
رفعت بصرها وكأنها تناجي ربها ورددت بذاتها:
"أنا كلي يقين وثقة أنك مش هتخذلني ساعدني يارب عشان أنتقم مش بعد معرفة قاتل أبويا أموت."
شعرت باختناق نفسها فهمست بتعب شديد:
"يارب يا أياد تكون بخير يا حبيبي وتخلي بالك من البنات أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله."
"صلى الله عليه وسلم."
كانت تطرف بعينيها تحاول الصمود لأكبر وقت ممكن.
أغمضت عينيها بتلقائية ففتحتهم ببطء نصف فتحة وهي تغلق وتفتح.
بدأت برؤية ظلام يكاد أن يحاصرها ولكنها رأت الباب يتفتح بقوة على مصرعيه وهبط شاب.
رأت قدمه فهي لا تستطيع الاعتدال.
أغلقت عينيها رغماً عنها وهمست بابتسامة فرحة وشوق وحنين:
"يوسف."
لم تشعر بشيء وأغمضت عينيها بأمان.
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندى ممدوح
كانت تطرف بعينيها تحاول الصمود لأكبر وقت ممكن.
أغمضت عيناها بتلقائية ففتحتهم ببطء نصف فتحة وهي تغلق وتفتح.
بدأت برؤية ظلام يكاد أن يحاصرها، ولكنها رأت الباب ينفتح بقوة على مصرعيه.
ولج شاب، رأت قدمه فهي لا تستطيع الاعتدال.
أغلقت عيناها رغماً عنها وهمست بابتسامة فرحة وشوق وحنين:
يوسف...
لم تشعر بشيء وأغمضت عينها بأمان.
أستسلمت لواقعها وشعور أمان توغل لقلبها وجوارحها.
وطالما أخاها ها هنا فمن أي شيء ستخشي؟
سيفديها هو بنفسه أكيداً.
أسرع بخطواته ورفع رأسه بقلق وخوف.
على قدمها بصعوبة حملها وتحرك بها للخارج.
وضعها داخل السيارة ورفع قدمه تلك التي تنزف.
رفع رأسها مرة أخرى على قدمه وأشار لذاك الشاب الذي ينظر له فقط:
أمشي على بيتي؟
فقال ذاك الشاب بقلق من قدمه التي تنزف:
ولكن؟
قطع حديثه وهو يقول بحدة:
اسمع الكلام وسوق!
قاد بسرعة.
أما مايكل، فنظر لوجه لمار الذي كله كدمات وحروق وجروح.
وسار بأصابع يده على وجهها بألم.
تمنى أن يكون هو مكانها الآن.
أنسابت دموعه على وجهها بوجع وخوف أن يفتقدها.
وصاح بالسائق وهو يلكم المقعد أمامه:
بسرعة سوق بسرعة..
نظر له من المرآة وأومأ برأسه له.
وقاد بسرعة وكأنه يطير.
نظر لها بتتمعن واشتياق.
فكم كان يتمنى ذلك اللقاء.
كم كان يتمنى أن يراها ليأخذها بحضنه وليس أن تكون بين الحياة والموت.
تذكر مكالمة منصور الذي يعمل مع زيد وأخبره أن تلك الفتاة هي ذاتها لمار.
علم حينها أنها بخطر.
بصوت متقطع مهزوز وموجود قال وهو يلامس وجهها وكأنه يحفرها في صميم قلبه:
لمار يا قلب أخوكي أوعي تسبيني يا حبيبتي.
أنا حياتي تنتهي عند موتك.
أوعك يا أميرة أخوكي تسبني.
دا انتي سندي في الدنيا.
دا أنا عايش عشانك.
أغمض عينيه بألم وهبطت دموعه بتزايد وكأنها براكين قد انفجرت.
أمسك يدها وقربها من شفتيه وقبلها بحب واشتياق مرة وراء مرة.
لم يهمه قدمه التي تنزف وأنفاسه التي تنقطع رويداً رويداً.
قرب يدها لقلبه وأغمض عينيه وكأنه في حلم لا يريد الخروج منه.
مع كل دمعة تهبط من عينه على وجهها يشعر بتوقف الحياة حوله.
وكأن قلبه واقف عن الخفقان.
إنها أخته الوحيدة.
لقد ظل تلك الأعوام والسنين بعيداً عنها وعندما يراها لأول مرة يجدها هكذا مريضة ضعيفة هشة منكسرة.
أين تلك الفتاة التي تقاتل دون خوف؟
الشجاعة هي جزء منها لا تدري شيئاً اسمه ألم أو وجع.
فاق من شروده على صوت السائق الذي يفتح له الباب قائلاً:
سيد مايكل لقد وصلنا.
مد يده له:
ضعني أساعدك!
جذب لمار ليحملها وهبط من السيارة.
حمل على قدمه ليخطو للأمام فازداد الدم منهمراً من قدمه بغزارة.
ودقات قلبه انخفضت ويكاد أن يأخذ نفسه.
سار للأمام بخطوات بطيئة وصعد الدرج وتوجه لغرفة حبيبة.
أعينه تغلق تلقائياً ولكنه يجاهد حتى يبقى ثابتاً.
فهذه أخته عليه إنقاذها على سبيل حياته.
وقف أمام غرفة حبيبة وهو يلهث بضيق ويفتح ويغمض بعينيه بصعوبة.
رفع قدمه وتأوه رغماً عنه وركل الباب مرة تلو الأخرى.
ولكن لا حياة لمن تنادي.
ظل يركله مرات عدة دون جدوى.
فقد كانت جالسة في منتصف الفراش واضعة السماعات بأذنها وتستمع "القرآن الكريم".
استمعت لصوت يتأوه وانقباض قلبها يزداد.
أبعدت السماعات وألقتهم دون اكتراث.
وانعدلت بوقفتها متجهة بخطوات شبه راكضة ناحية الباب.
ما كادت أن تفتحه حتى وجدت أمامها مايكل وهو يغمض بعينيه ويجاهد أن يفتحهم ويبقي صامداً.
لم تنتبه للمار فقد كانت تنظر له بأعين تلمع بها الدموع.
ابتسم لها بوهن وجثا على ركبتيه وتألم بخفوت وهو يرفع لمار قدر استطاعته حتى لا تتأذى.
وبأثناء وقوعه تمسكت هي بذراعيه ووقعت جواره وتنظر لعينه فقط بدموع تسيل على وجنتيها.
قاوم على ذاته ليعتدل.
أما حبيبة فتحركت كما تحرك وكأنها غائبة عن هذا العالم.
قدمه التي تنزف أوجعت قلبها.
تقدم للداخل بألم يعصف به برأسه وقدمه.
اقترب من الفراش ومال بالم يكتمه ليضع لمار بحذر.
استدار لحبيبة وأغمض عينيه.
كاد أن يقع فأسرعت هي لتضمه ووقعت ولكن رأسه بين يديها.
ضمته بحب جارف وشدته من احتضانه وهي تبكي.
فتح عينيه وابتسم بتعب وهن وقال:
لمار لازم تعيش.
ساعديها.
لمار أهم حاجة هي لازم تعيش.
لو حصلها حاجة مش أنا بس اللي حياتي هتقف.
حياة ناس كثير وكلهم بين إيديكي.
لمار؟ لمار أختها؟
هي لم تنتبه لها؟
بصدمة أبعدت بصره للفراش واتسعت عيناها أكثر.
عادت لتنظر لمايكل ووجدته قد أُغشي عليه.
أسندت رأسه جانباً.
نهضت بخوف وألم وقلق للمار.
وقفت أمام الفراش بصدمة رهيبة وهي تردد:
لماررر.
مالت عليها وقبلتها من جبينها.
وجدت أن أنفاسها منقطعة أو تكاد تكون.
تنقلت أعينها ما بين مايكل ولمار بتوهان.
الاثنين حالتهم صعبة.
لم تدرك ما عليها فعله.
تذكرت فيكتور فصاحت وهي تركض للخارج:
فيكتور.
بلهفة وجنون كانت عيناها تجوب المكان ولكنها لم تجده.
ولجت للمكتب على أمل أن يكون هناك ولكن لم تجده.
نظرت حولها وجذبت الأجهزة بصعوبة وصعدت بها للأعلى وهي تثبت نفسها بأن أختها بخطر وزوجها من عشقها فؤادها ولن تسمح لأي شيء أن يصيبه.
وما أدراك وجع القلب.
وجع يصعب شرحه وقوله.
فيظل بالقلب مكمنه.
حتى إن وجدت الابتسامة تزين الوجوه فأعلم أن خلفها وجع مكتوم بالقلب.
أما بالأسفل كانت ممددة على الفراش.
عيناها توحي بألم وحزن وعجز وانشراح بآن واحد.
عيناها مثبتة على الباب فقط وكأن أحد غائب سيأتي لها بعد سنين طوال.
بأمل يلمع بأعينها كانت تنتظر باشتياق ودمع متسلسل على خديها يهبط بفرحة.
أسرعت حبيبة لتضع جهاز التنفس للمار.
تنقلت ببصرها تجاه زوجها وأختها بعجز تام.
فهذه أول مرة تشعر أنها متكتفة الأيدي.
كانت تشعر بوجع شديد وهي تعالج أحدهم.
كانت تتنقل بينهما بسرعة.
حتى جلست بعد ساعات طوال بتنهيدة عميقة وبكت بحرقة وهي تتنهد بحمد.
ساندت نفسها لتتوجه للمرحاض توضأت وخرجت لتصلي ودموعها لا تفارقها بتاتاً.
أنهت صلاتها ومناجاتها وجلست ببكاء وهي تذكر ربها وتدعوا لهم.
ولكنها لوهلة لم تستوعب شيء.
إذا أراد قتل لمار فلماذا جاء بها لينقذها؟
كيف كان يقاتل نفسه ليبقي ثابتاً لأجلها؟
أسئلة راودتها فجأة تكاد تفجر رأسها وهي تشعر أنها غريبة بينهما.
استمعت لهمس يخرج منه.
فهبت واقفة بسرعة واقتربت لتجلس جوار رأسه واستمعت له يقول بصوت متقطع:
لمارر...
أمسكت بكفه يديها بين يديها وهي تقول:
لمار هتبقى كويسة متقلقش أنت؟
جلست لوقت طويل وهي تنظر لهم بقلق حتى شعرت بنعاس شديد.
حاولت بشدة التغلب عليه فلم تستطع.
فوضعت رأسها على كتفه بأمان ولكنها لم تستطع النوم.
فتح عينيه أخيراً تذكر لمار.
فهب واقفاً بعدما أحست هي لتبعد مسرعة عنه.
أقترب من لمار وهو يقول بلهفة:
مال لمار فيها إيه؟ هي كويسة؟
أومأت برأسها باطمئنان:
أيوه هي كويسة متقلقش.
أغمض عينيه براحة.
فأقتربت وهي تصيح به:
انت السبب في اللي هي فيه.
انت مين؟ عايزة أعرف ليه مش عايز تقولي أي حاجة عنك؟
كل اللي أعرفه أن اسمك يوسف بس انت مين؟
كاد أن يتجه للخارج فتوقف على صوتها واستدار لها بحدة قائلاً بهدوء:
يوسف عز الدين الشرقاوي!
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
الحزن كان يخيم على الجميع.
حتى جدران هذا المنزل تشعر بالحزن.
أين الضحكة التي كانت تعبئ ذاك المنزل بفرحة؟
أين ذهبت الحياة منه؟
لقد كان عامر بها.
كانت الحياة تدب به بفرحة تملأ جدرانه وتملأه دفئ.
أين ذهبت الحياة؟
بخوف، قلق، وحدة يجلسن الفتيات الأيام شبه بعضها.
ينتظرن قدوم لمار بلهيب حاد يعصف بقلوبهم.
تعلم هالة جيداً أن تلك المرة لن تستسلم لمار أبداً وهذا ما يزيد من قلقها وخوفها.
أما ريم فكانت تخشى الوحدة.
فمن غير لمار سيهديها الأمان.
أجل يعيشون معاً، يجلسون بمكان واحد.
إن رأيتهم قلت أنهم لا يفترقون ولكن رغم قرب الأجساد لكن إن نظرت للقلوب والفؤاد وجدت أنهم أبعد ما يكونون من بعضهم.
فكل واحدة مشغولة بتفكيرها بعيدة عن الأخرى وكأنهم بعاد لأميال رغم قرب المسافات.
يعيشون سوياً منفصلين يخشون فراق من كانت لهم أم قبل أن تكون أخت.
تنهدت ريم تنهيدة طويلة بوجع وقالت وهي تستدير بوجهها لهالة:
هالة إحنا هنفضل كدا مستنين أي خبر للمار.
أدمعت عيناها بحزن وهتفت:
طب افترض جرالها حاجة؟
هزت هالة رأسها برفض وقالت بثقة:
متقلقيش مش هيجرالها حاجة وهتكون كويسة وهترجع تكون بينا من تاني.
قطعهم طرق الباب لتنعدل هالة بوقفتها وهي تقول:
أكيد أياد.
توجهت وفتحته فرأت أياد أمامها.
أمسك وجنتها بمناغشة وهو يقول:
إيه القمر ده.
أبعدها بيده لتتنحى جانباً وهو يقول:
أوعي بقا كدا من طريقي.
ولج زيد بهدوء وصمت وجلس فوراً دون كلمة.
أوصدت الباب وركضت تجاهه.
نكزته بكتفه بقوة وهي تقول:
ولا مش تتكلم حلو؟
استدار لها قائلاً بمشاكسة:
قدها إنتي دي؟
وضعت يدها بخصرها بتريقة وهي تقول:
نعم يا أخويا سمعني تاني.
# بس يا بابا.
قالها أياد وهو يدفعها بخفة وتخطاها ليجلس جوار زيد.
تمتمت ببضع كلمات بطفولة وغيظ وجلست.
عيناه جابت أرجاء المنزل وهو يتلفت حوله وقال بتساؤل:
هي فين شبر ونص صح؟
فردت ريم بتذكر:
ورد؟ دي جوه تصدق مش عارفة مالها وليه قاعدة لوحدها! هروح أشوفها.
قطعها أياد قائلاً وهو يهب واقفاً:
لا لا خليكي هروح أشوفها أنا.
تقدم بخطوات بطيئة بحذر تسلل إليها بخفوت وفتح الباب وطل برأسه وجد أنها تسجد.
واستمع لصوتها الباكي وشهقاتها.
فتح الباب قليلاً وأتكأ ليسند على الحائط بجسده وربع يده أمام صدره وظل متأملاً.
سمع لهمهما ولكنه لم يستطع سماع ما تردده.
ظل هكذا لوقت طويل وهو يتأملها بحب وأقسم بداخله أن يجعل أبناءه مثلها هكذا.
رآها ترتفع من السجود وجلست ودموعها تنساب من أعينها بغزارة.
تقدم إليها بصمت وجلس جوارها على المصلى وقال بضحكة حتى يجعلها تضحك:
شبر ونص مالها بتبكي ليه؟
أزاحت دمعاتها سريعاً ونظرت له مبتسمة:
مليش.
فقال أياد بحسم:
لا بجد مالك في حاجة مضايقاكي؟
فهزت رأسها بالرفض.
فقال ليتأكد:
انتي كنتي بتصلي؟
هزت رأسها بالرفض.
فضيق حاجبيه بعدم استيعاب وفهم وقال وهو يرفع إحدى حاجبيه:
إنتي أنا شفتك ساجدة امال؟
ابتسمت برقة وهي تتذكر وقالت بشرود وهي تنظر للفراغ:
جدو الله يرحمه علمني أني لما أضيق محكيش للبشر وأن مهما كان الشخص ده قريب وممكن يفهمني ويحس بيا إلا أنه مش هيحس بنفس ألمي ولا معاناتي زي الله عز وجل.
وهو ربنا لأنه هو شايفني وسامعني.
والأماني والأحزان والهموم اللي في قلبي مكتومة محدش يعلم بيها هو بس اللي بيسمعها لما قلبي بيصرخ بيها هو بس يعرف جواتي إيه وهو اللي ديما بابه مفتوح وهيسمعني في أي وقت وحين وهيطبطب عليا بكرمه وحبه وعوضه ورحمته.
تعلمت من جدي أن لما أضيق والدنيا تقسي عليا أسجد وأفضفض باللي في قلبي لربنا.
ابتسمت بحب وهي تنظر له.
وفي لمح البصر كله هيروح.
عمر البشر ما هتسمعك زي ربنا من غير ملل ولا ضيق.
آه فيه بس مش كله عنده شخص يحبه ويسمعه بصدق.
ابتسم زيد بحب لكلامها المؤكد وقال وهو يهب واقفاً:
طب تعالي نقعد برا يلا؟
هبت واقفة وهي تقول:
حاضر.
فقال أياد وهو يتوجه للخارج:
هسبقك أنا.
أومأت رأسها له بابتسامة.
يجلس زيد واضع رأسه بين يديه بتفكير يشعر بانقباض قلبه.
وقلق على أخته التي لم تفارقه يوماً وكأنها دائماً جنباً لجنب.
خرجا أياد وجلس جواره ومال على زيد قائلاً:
فوقها بقا والله حاسس أنها كويسة.
رفع رأسه من بين يديه ونظر له وعاد مرة أخرى لوضعها.
استمع لصوت ورد وهي تقول بهزار:
خير اللهم اجعله خير.
انت واكل ناسك ولا إيه؟
رفع رأسه ونظر لها بابتسامة وكأنها تنسيه ما يشعر به فيكفي وجهها ذاك الباسم الضحوك المشرق بنور.
فقال بهزار:
آه يابت يا ورد.
وأكل أياد؟
فتحت فمها بصدمة ووضعت أناملها عليه واتسعت عيناها وقالت وهي تشير لأياد:
أمال مين ده؟
لوي أياد فمه بغيظ.
أما زيد فأنفجر ضاحكاً وقال:
معرفوش شكله عفريتة يابت.
لكم أياد زيد فوقع على الأريكة.
وصوت ضحكاته عالية.
جلست ورد جوار هالة بصمت.
تنهد زيد بضيق وكل مدة ينظر بساعة يده أو موبايله.
فقالت هالة:
انت وراك معاد ولا إيه؟
ولا مستني حد.
فقال:
مفيش بس أحمد رن عليا وقالي أستناه هنا وقالي موضوع مهم ومش عارف أتأخر ليه؟
فردت هالة باطمئنان:
هيجي دلوقتي متقلقش.
شعرت ريم بحزن فهو له فترة لا يظهر ولم يحادثها ولم يطمئنها عنه حتى فلماذا؟
هل قرر الابتعاد؟
استمعا لطرق الباب فهب زيد مسرعاً ليفتح وهو يقول في ذات الوقت:
أكيد أحمد.
بلهفة فتح الباب وأشار لأحمد بجدية:
انت كويس كنت فين وإيه الموضوع؟
ابتسم أحمد بتكلف وقال:
طب ادخل الأول ولا هتسيبني على الباب كدا؟
# أسف مخدتش بالي.
ادخل.
لفظ بها زيد وهو يتنحى جانباً لأحمد.
أوصد الباب عندما دلف وسار ليجلس أمامه بصمت بانتظار أن يتكلم.
ابتلع أحمد ريقه الجاف بصعوبة لم يدري ماذا يقول وكيف سيخبرهم بكل ذلك.
عيناه جابت الموجودين فلم يجدها فقال بتساؤل:
هي لمار فين؟
# مش مهم دلوقتي لمار واحكيلي إيه الموضوع المهم.
لفظ بها زيد بعدم صبر.
أرجع أحمد رأسه للخلف وزفر بعمق.
انعدل بجلسته ونظر لزيد وأسترسل قائلاً وهو ينظر تارة لزيد وتارة لهالة:
أنا كنت براقب رؤوف.
نظر أياد لهالة وزيد بعدم فهم.
تنقلت أنظارهما لبعضهما.
أما ورد هتفت بثقة:
وتأكدت من كلامي صح؟
هو السبب في موت عمرو وهو اللي بيخطف العيال وهو اللي أذى لمار!
تطلعوا بها جميعاً بصدمة والعيون متعلقة بها فقط.
فقالت:
مالكم بتبصولي كدا ليه؟
صمت المكان فهبت هالة واقفة وهي تقول بدمع لمع بعينها:
كنت حاسة أن هو دا واحد خبيث بوشين.
حركت إصبع يدها بوجوههم وصوت بكائها تعال:
لا لا لا دا واحد بمليون وش كل وش بشخصية.
دا كان عمرو بيخاف منه بس ياريتني قلت للمار كنت مفكرة عادي عشان بيحترمه بس إزاي أنا كنت غبية كدا!
تنهد زيد بتوهان وقال:
يا هالة استني بس نسمع أحمد.
نظر أحمد لزيد قائلاً:
كل كلمة قالتها ورد صح.
رؤوف هو مع جون اسمه ديف دا الاسم اللي الكل بيعرفه هناك بيه.
هو السبب في كل حاجة بتحصل.
لمار لازم تعرف بكل ده.
فقال زيد بعدم صدق أو ما يقنع نفسه:
انت عرفت إزاي كل ده؟
قص عليهم أحمد قول ورد ومراقبته لرؤوف وكل شيء.
كان الجميع في حالة ذهول تام.
إلا هالة التي تبكي.
فصاح أياد بقلق وخوف:
إذ عرفك أكيد هيعرف لمار كمان.
نظر لزيد واقترب منه بدمع وهو يقول:
لمار أمي لازم ترجع.
أحنا لازم نسافر لها أنا مش هسيبها لوحدها.
أقترب أحمد ووضع يده على كتف أياد قائلاً بصوت مهزوز:
هي لمار هناك وسطهم؟
أومأ أياد رأسه بالموافقة.
ما يخشاه قد سمعه رفيق دربه وسط حشد هائل من المجرمين الذين لا يدرون معنى كلمة رحمة.
شعر وكأن الدنيا تدور به فجلس فوراً.
أحتضن زيد يد أياد بين يديه وقال بتأكيد:
مين قال لك أني هسيبها؟
أنا لازم أكلم الرؤساء ونعرف إيه الأخبار.
فهب أحمد واقفاً:
وأنا معاك يلا.
كاد زيد أن يهم بالرحيل فوقف على يد أياد تمنعه وهو يقول:
أنا هروح معاك.
أشار له زيد بعينيه:
لا يا حبيبي خليك انت مع البنات هنا متقلقش.
أومأ أياد رأسه ورحل زيد وأحمد.
جلس أياد بحزن ينهش قلبه.
فأقتربت ورد قائلة لهالة بعدما رأت دموعها:
حبيبتي متزعليش هي هتكون كويسة صدقيني.
ضمتها هالة ببكاء.
أما ريم فبكت بصمت.
♥ سبحان الله وبحمده. سبحان الله العظيم ♥
يوسف عز الدين الشرقاوي.
نطق بها يوسف دون أن يستدير لها.
وقفت بحالة زهول وبلاهة وأنشغل فكرها.
هل هو حقاً أخو لمار؟
كيف؟ ألم تعلم أن والديها وأخاها توفوا؟
فمن هذا؟ وما الذي يدور حولها؟
باتساع تلك الحياة تشعر وكأنها تضيق شيئاً فشئ.
سارت متوجه لتقف أمام عينيه وقالت بعدم فهم وهي تنظر لعينه:
أنا مش فاهمة حاجة فهمني؟
أنت أخو لمار فعلاً؟
ولو أخوها طب إزاي وأنا كل اللي عرفته أن أخوها ووالدتها ووالدها توفوا!
بجد مش فاهمة حاجة فهمني.
تطلع بها بصمت، ورمق لمار بنظرة خاطفة حانية، واستدار مرة أخرى لحبيبة.
جذبها من معصمها خلفه وخرج بها من الغرفة وأوصد الباب خلفه.
فقالت وهي تحاول إبعاد يده:
أوعي يا والله مش عارفة أناديك بإيه.
أوعي سيب أيدي.
دون كلمة سحبها خلفه وولج لغرفته تركها وأوصد الباب.
أقتربت هي لتفتحه فسد الباب بظهره العريض وقال وهو ينظر لعينها:
أهدي واسمعيني.
جذب من معصمها وهو يعرج وجلس على الأريكة وهو يقول:
اقعدي.
جلست جواره بغيظ وهي تتمتم.
تنهد تنهيدة طويلة وقال بوهن:
أنا دلوقتي لازم أمشي.
لمار مش عايزها تعرف عني حاجة.
ومتي تتكلمي خالص ولا تجاوبي على أي سؤال تمام كدا؟
هبت واقفة بنرفزة وعصبية وهي تضع يدها بخصرها قائلة:
لا والله على أساس إني هسيبك تروح أي مكان بحالتك دي.
أنت متعرفش حالتي كانت إزاي وانت كدا.
هدأت من صوتها وقالت بصوت موجوع مهزوز:
أنت متعرفش حالتي كانت إزاي وأنا شايفة كدا كنت خايفة تسبني وتبعد عني.
أنا بحسك أبويا التاني.
وتابعت بصوت مرتفع:
ودلوقتي عايز تسبني وتمشي وكمان مش عايزني أعرف لمار أنك ساعدتها؟
أنت متعرفش هي هتكون مبسوطة قد إيه لما تعرف.
نبرة صوتها الموجوعة ألّمت قلبه.
فهب واقفاً ليقف أمامها وأمسك يدها بحنان وقال بحب:
حبيبتي مش هتأخر بس لازم أبعد.
أنا حالياً مش عايز لمار تعرف أني عايش.
أنا عايز أساعدها من بعيد.
وأوعديني أنك مش هتقولي.
وهمس بذاته: مش هخليكي يا حبيبتي تعيشي وجع موتي مرتين أبداً.
وجد الصمت يحتلها والحيرة.
فأحتضن وجهها بين يديه قائلاً بهمس أداب قلبها:
حبيبتي أنا راجع بس أنا حالياً عندي مشوار مهم لازم أنفذه.
لمار مش هتقوليلها تمام.
بعدم اقتناع أومأت برأسها.
فقبل جبينها بحب.
"عجبكم كدا يعني بيغيظ فيا، عشان أما أفرقهم متسألوش هئ هئ هئ"
استمعا لطرق الباب.
فابتسم يوسف وهو يقول:
أكيد هو.
سار قليلاً ناحية الباب وقبل أن يصل إليه استدار لها قائلاً:
ظبطي حجابك.
وأكمل ليفتح الباب.
أسرعت هي لتعدل حجابها ووقفت وهي تهز بقدمها بتوتر تشعر بأنه يخبيء شيئاً ما.
اتسعت عيناها بصدمة عندما استمعت صوت يقول بلهفة وجع:
فين لمار عايز أشوفها.
هي كويسة؟
همست بعدم تصديق:
أدددددهم؟
"حبيبكم أهو ظهر، ملكوش دعوة بيوسف بقا 😡"
اتسعت أعينها وتقدمت شبه راكضة بفرحة وضمته فوراً.
فبادلها العناق بحنان واشتياق.
أما يوسف فكور قبضة يده بعصبية وغيره في آن واحد.
شعر بنار تتأجج بقلبه ولكن هذا أخاها عليه الهدوء.
شعر بألم بقدمه فجز على أسنانه ورفعها قليلاً.
رمقهم بغيرة وهو يقول بابتسامة مصطنعة ويجذبها بعيداً عن أدهم:
بس خلاص مش سلمتي عليه خلاص.
ضغط على معصمها فتأوهت بخفوت وهي تفكر بمكيدة له.
نظر لأدهم وقال:
لمار دلوقتي حبيبتي هتوديك عندها ومتنساش زي ما قولتلك تمام؟
هز رأسه موافقاً وقال:
طب أنا هروح أشوفها.
هي في الأوضة "أشار على إحدى الغرف من جهة اليسار" اللي هناك دي ومتقلقش مش هتعرف حاجة.
سار كم خطوة وأستدار عائداً وهو يقول:
اللواء أمجد كويس هو وكامل بس؟
- بس إيه انطق.
نطق بها يوسف بعصبية.
فأكمل أدهم قائلاً:
لما وصلنا هناك كانوا هما وصلوا قبلنا وعبد الرحمن تعيش أنت هنبعته مصر عشان يدفن هناك واللواء أمجد أتصل بيهم وعرفهم بكل اللي حصل منتظرين بس لمار.
أشار له يوسف قائلاً:
تمام خلي بالك بس أنت من لمار.
أومأ برأسه وذهب باتجاه الغرفة.
أما حبيبة فخطت لتقف أمام يوسف قائلة بغيظ:
ودلوقتي فهمني انتوا الاتنين ناويين على إيه.
وأدهم بيعمل إيه هنا وهو هنا من إمتى أصلاً؟
نظر لها ببرود ورفع يده وأمسك وجنتها قائلاً بضحكة:
أما أرجع نتكلم.
وما كاد أن ينتهي من جملته حتى خطى مسرعاً على قدر استطاعته حتى لا يدخل في نقاش معها.
فصاحت به بغضب:
ماشي أهرب أهرب بس لما تيجي.
بغيظ توجهت لغرفة لمار.
وقفت على الباب بعيون يترقرق بها الدمع وهي ترى أخاه يجلس جوار لمار يبكي وهو ممسك بيدها ويقول بنبرة يملأها الحزن والندم:
لمار يا حبيبتي أنا أسف والله سامحيني.
أنا عارف أني وجعتك بس كان غصب عني كنت مجبور.
كنت خايف عليكي وعلى أهلي.
أسف أني جيت عليكي مع أن المفروض أكون جنبك وسندك.
أنا أسف يا حبيبتي بجد أسف.
وضع جبينه على كف يدها وانسالت دموعه بكثرة.
بألم ووجع وقلق أقتربت "حبيبة" لتضع يدها على كتفه قائلة:
أدهم أنت كويس؟
قال وهو ما زال على حاله:
لا أنا مش كويس.
أنا مش كويس وهي بعيدة عني كدا؟
أنا مش قادر أشوفها كدا!
أنا وجعتها أوي ومش هتسامحني.
جلست جواره بأعين دامعة وقالت:
لا يا حبيبي لمار مش بتزعل ولا بتشيل من أي حد فما بالك بحبيبها.
شعرت حبيبة بهمس لمار:
باسم يوسف.
فعلمت حينها أنها قد بدأت أن تفيق.
خرج أدهم مسرعاً.
ففتحت "لمار" عينيها ببطء شديد، وأغلقتهم مرة أخرى، فتحتهم وهي تدير رأسها لجهة حبيبة بتوهان ونظرة حولها وقالت:
يوسف! يوسف فين؟
بتوتر أبتلعت ريقها الجاف بصعوبة ونظرت لها بابتسامة باهتة حاولت رسمها وقالت:
لمار حبيبتي حاسة بإيه دلوقتي.
لم تدري بما يدور حولها فكيف هي بجوار حبيبة الآن ولكن ليس الآن فالشوق قد أحرق قلبها.
فعادت سؤالها مرة أخرى بفرحة وشوق:
يوسف فين هو هنا صح قوليله أني عايزاه.
أبعدت عينيها عنها وهي تقول:
يوسف مين ده؟
محدش هنا يا لمار اسمه يوسف.
أنتي عايزة حد معين ولا إيه؟
نظرت لها بجمود قائلة:
فين يوسف يا حبيبة متكدبيش هو اللي جابني هنا أنا متأكدة.
# بس أنا اللي جبتك محدش غيري.
فمين يوسف ده.
قالها أدهم وهو يدلف من الخارج.
رمقته بأعين مشتعلة تتوقد بها النيران وبغضب قالت:
أنت بتعمل إيه هنا.
ربع يده وضحك ضحكة خفيفة وقال:
حتى وأنتي عيانة وهتموتي عايزة تتخانقي.
كادت أن تعتدل فلم تستطع فعادت مرة أخرى كما كانت.
كادت حبيبة بالاقتراب وبإشارة من يدها وقفت محلها.
عادت لمار لكي تعتدل دون استسلام لآلامها ورمقته بحدة.
جذبت الوسادة من جوارها وألقتها عليه بحدة وهي تقول:
امشي من وشي يا أدهم دلوقتي.
نظرت لحبيبة غاضبة:
قلت فين يوسف يا حبيبة متكدبيش هو فين؟
فقال أدهم بهدوء واستعداد لمهاجمتها:
أنا اللي جيتك من هناك محدش غيري ومفيش لا يوسف ولا أي حد.
نظرت له بحدة وقالت:
فين مايكل.
# أنا مايكل.
التفت بعينيها لذاك الصوت وبأعين محدقة بمن يقف أمامها قالت:
فيكتور؟ أنت مستحيل تكون مايكل.
فين يوسف؟
قالتها بصوت عالي مخيف.
ابتلع فيكتور ريقه بصعوبة وقال وهو يحادث ذاته:
البت واخوه بيخوفوا ليه كدا.
نظر لها بتوتر وقال بتلعثم:
هو أنا فيكتور مايكل؟
انعدلت بوقفتها بألم وهي تقف بصعوبة على قدمها وصاحت بفيكتور بأعين تكاد تقتله:
لما تحب تضحك على حد بكلمتين تأكد ميكونش أنا.
ودلوقتي إذ يوسف مش عايز يشرفني بس هيجي اليوم اللي هنقابل.
استدارت لأدهم قائلة:
وأنت بتعمل إيه هنا.
نظرت لحبيبة:
وأنتي كمان بتعملي إيه هنا.
رد أدهم مسرعاً:
أنا وفيكتور جبناها عشان تعالجك.
وأنا بعرف فيكتور من لما جيت المنظمة هنا.
ابتسمت بمكر يصاحبه ألم وقالت:
مع رؤوف؟
نظر لها أدهم بصدمة فكيف علمت أنه هو؟
استندت على المقعد لتجلس بألم وصاحت بهم بهدوء:
برا.
نظروا لها بصمت وعدم استيعاب فهتفت بغضب:
قلت برا إيه مبتسمعوش.
توجهوا ثلاثتهم للخارج بسرعة.
أما هي شردت بتذكر.
قبل أن تختفي الأدلة جاءها اتصال من عمها "رؤوف" بفرحة عارمة ردت وقصت على مسامعه كل ما حصل وما سيحصل وكل شيء قد فعلته بطيب قلب وبراءة أخبرته بكل شيء.
لم يمر ساعات حتى اختفت الأدلة ولم يدخل أحد سوى حراس جون المنزل.
رتبت أفكارها بكل ما دار سابقاً.
فمن غيره قد يدخل منزلها وهو بحفظ كل أنثى به، معنى هذا أنه هو من أراد قتل عمرو.
تذكرت يوم فقدان الذاكرة وموت اللواء سليم فقبلها بساعات أيضاً حادثته بكل شيء وبالمكان التي سيتواجد به التسليم.
ظلت ترتب كل شيء إلى أن توصلت إلى أنه هو من قام بكل ذلك.
تذكرت موت والديها أمام عينيها فكيف ولماذا؟
لماذا قتل أخاه؟
إنها تضحي بحياتها من أجل أخواتها ولكن كيف هو فعل ذلك؟
لقد وثقت به وأخبرته بكل شيء كيف غدر بها هكذا.
فاقت من دوامتها على فتح الباب.
رفعت بصرها فوجدت حبيبة بيدها بعد الحقائب وقالت بابتسامة:
حبيبتي جبت لك كم طقم كدا أتمنى يعجبوكي.
انعدلت بوقفتها وجذبت منها الحقائب ووضعتهم جانباً.
فابتسمت حبيبة وهي تقول:
هسيبك أنا دلوقتي.
كادت أن تسير فمسكت لمار بمعصمها قائلة:
استني.
استدارت لها "حبيبة" بابتسامة.
فتابعت لمار قائلة:
فين يوسف يا حبيبة.
رأت التردد والتفكير بادٍ على ملامحها فقالت بجمود لتحسها على الحديث:
اعرفي أني مش هسامحك لو كنتي تعرفي حاجة ومش عايزة تقولي.
فضلت حبيبة الصمت التام.
ففهمت لمار أنها لا تريد التحدث فقالت بحسم:
اطلعي بره عايزة أغير.
أومأت برأسها بحزن وغادرت.
كان أدهم وفيكتور يقفان أمام الغرفة.
وعندما خرجت تقدموا منها وقال أدهم:
إيه هي بتعمل إيه؟
كلمتك صدقت أن يوسف مش موجود؟
نظرت حبيبة له بأعين دامعة وقالت:
لا مش مصدقة.
أنا كذبت عليها تاني.
ربت أدهم على كتفها بحنان وهو يقول:
يا حبيبتي متزعليش كل حاجة هتتصلح وهترجع أحسن من الأول.
استمعا لفتح الباب.
فتظروا جميعاً بترقب للتي تخرج بثبات مخيف وهدوء ما قبل العاصفة.
أوصدت الباب خلفها وسارت من أمامهم بثبات.
وقفت عند أول درجة وقالت بجمود:
يلا يا أدهم لو اتأخرنا هيهربا.
مش لازم نتأخر عن كدا لازم نمسكهم.
ما كادت أن تنهي تلك الجملة حتى هبطت الدرج مسرعة.
لحق بها أدهم سريعاً وحبيبة وفيكتور.
كادت بالخروج ولكن قدمها توقفت على باب المكتب وخطفت نظرة سريعة له فقد استمعت لصوت أحد يناديها.
بتردد وقلب يجذبها للداخل نظرة بتمعن للمكتب.
رأتها حبيبة فابتسمت بحب.
عادت لتستعيد ذاتها وخرجت مسرعة ولحق بها أدهم.
صعدا السيارة وغادرا.
حبيبة تقف بحزن.
نظر لها فيكتور قائلاً:
متزعليش نفسك كله هيتحل ويرجع أحسن من الأول.
ابتسمت له برقة.
استمعت لصوت آتٍ من جهة المكتب يقول:
هي مشت؟
استدارت برأسها فوجدت يوسف يطل برأسه من الباب.
خرج وهو يصفقه خلفه.
فتقدمت هي نحوه حتى وقفت أمامه قائلة:
أنت مش قلت بأنك خارج رايح مشوار؟
هز رأسه وهو يقول:
قلت كدا عشان تبطلي رغي.
وضعت إحدى يدها بخصرها وهي تقول:
يا سلام برضه عايزة أعرف كل حاجة.
جذبها من معصمها دون كلمة ليصعد بها الدرج.
فقالت بتذمر:
انت كل شوية تشدني كدا فين الذوق.
فتح باب غرفته وألقاها بقوة داخلها ودخل وهو يوصد الباب خلفه.
رأيكم وتوقعاتكم.
*****
أخلق لأخوك المسلم ألف عذر.
ركزوا في ألف.
ولكن أنتم حتى عذر واحد لم تضعوه لي.
عموماً أنا من بداية الرواية، هل غيرت طريقة الكتابة.
مرة واحدة في الفصل الخامس والعشرين وأغلبكم قال أني بشوه وبشكل وكلكم كتير اتهمتوني بيه.
بصفة إيه تقولوا كدا؟
من غير ما تسألوني ولا تعلموا شيئ.
عموماً يا عالم لوحة المفاتيح تبدلت بالغلط لم أدري كيف أرجعها كما كانت، وكتبت لأني كنت متأخرة.
وغيرتها لي أختي.
ثانياً أنتوا مين لأن تقولوا أني بشوه وبشكل في كلام.
ربنا بس اللي بيحاسب.
وقلت يا جماعة والله لوحة المفاتيح تبدلت بالغلط وكله معرض للغلط.
أستغفر الله العظيم.
دا لو أعدائي مش هيقفولي على الوحدة كدا.
ثانياً: واسمحولي أكتب بالعامية.
بتقولوا مينفعش ورد تمنع زيد، وتشد منه السيجارة.
وأن هو يبطلها بنفسه.
هل هي غصبته.
واحدة رأت أمامها شاب لم يمسك أبداً سيجارة ولم ترآه ممسكها في تلك الفترة التي قضتها معهم.
رأته لا يستطيع السيطرة على نفسه ولا يدري بماذا يفعل.
يعني عايز حد يفوقه من دوامته.
واحد من خوفه على أخته ابتدأ يشرب لأول مرة.
وبدل ما يحمد ربنا ويصبر ويثق فيه ويستودع أخته، لجأ لأيه لشرب؟
هل ده حل؟
ورد سحبتها منه ورمتها.
هي عارفة أنه مش بيشرب ف ليه دلوقتي يشرب عشان مخنوق حاسس بالعجز يعمل كدا؟
ويضيع آخرته.
بعد كدا تكلمت معاه وقالت له:
فأجابت وهي تضع يدها بخصرها:
عشان حرام ومن الكبائر.
أنت كدا بتشيل ذنوب قوم استغفر ربك عشان يسامحك.
مش معني أنك تحزن فتعمل ذنوب.
أحزن بس قرب من ربنا أكتر وأكتر عشان يرد لك لمار كويسة.
عشان يفرج همك ويلبي نداء قلبك.
مش تعمل ذنب.
أجعل المسجد بيتك.
قال أبو الدرداء لشاب: يا بني فليكن المسجد بيتك فأني سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: المسجد بيت لكل تقي.
اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء.
اذكر الله دائماً وأبداً.
علشان يذكرك ويفرج همك.
نظر لها زيد بدموع عالقة بمقلتيه.
جذب علبة السجائر ليلقيها دون اكتراث وهب واقفاً بصمت.
وغادر.
أهي هي مقلتلوش ارمي علبة السجائر لم تقل هذا.
هو من ألقاها بنفسه.
ركزوا لو سمحتوا ومتقولوش حاجة أنا مكتبتهاش.
بعد كدا خرج راح المسجد هي لم تقل له روح على المسجد.
لم تقل له ذهب لوحده.
ربنا لأن قلبه.
ثالثاً: إزاي ورد تقول لريم لا متدعيش.
إزاي الدعاء مش مسموح.
أنا مقلتش أنه مش مسموح نهائي.
بس اسألوا ليه ورد قالت كدا لريم؟
محدش سأل ولا خطر على باله.
أنا هقولكم أنا مريضة ليا سنينننننننننن ومفيش أي علاج جايب نتيجة ومش بملك غير الدعاء وليل نهار بدعي لنفسي برضا ويقين وإرادة.
دا مثال بسيط.
أما ريم، هي ليه حاطة رجلها حاجز وسد قدام أي حاجة؟
ليه شايفة أنها قليلة عنهم.
ليه كل حاجة مش هتقدر تعملها عشان رجلها.
ليه بتبكي بسببهم.
ماشي تبكي بس تبكي حزن لنفسها.
ورد حستها مش راضية.
هي كان لازم تقويها وتشجعها وتحسسها بالرضا وأنها مش أقل وأحسن من الجميع.
ليه طلبت من ورد تدعيلها.
ليه.
هل هي أقل منها.
ليه حاسة أن دعواتها مش مستجابة وورد مستجابة.
أي نعم ورد مقربة من ربنا.
بس هي لو قربت ودعت بيقين ورضا هيستجاب.
فكان لازم ورد تحسسها على كدا.
فهموني مين ممكن يدعيلك بقلبه لحد ما تخف.
ورد آه طبعاً ورد هتدعي لأن قلبها أبيض بس مش كله زيها وأنا قولت في مرة أنها بتدعي للكل.
فيجماعة الدعاء أجمل حاجة في الدنيا.
بس مش مجرد أقول يارب اشفيني والسلام كدا.
فين الثناء فين اليقين فين الثقة فين الرضا.
أنا قولت أن إحدى الصحابة كان مبتلى بحبيبتيه عيناه أعمت فقد نورهما.
كان مستجاب الدعوة لأن الرسول دعاله.
كان الكل بيروحله الجامع عشان يدعولهم وكان بيدعي للجميع.
فاستغربوا أنه مستجاب الدعوة بس مش بيدعي لنفسه أن ربنا يرجع له بصره ليه.
لأنه كان راضي.
الدعاء مش وحش وأنا مقلتش مرفوض في البلاء استغفروا وادعوا وتوبوا.
في الابتلاء اصبروا واحمدوا ربنا.
احم احم في كلام كتير فرحني أوي.
أنكم عايزين أكثر عن ورد لأن كلامها حلو وبتتعلموا منها حاضر هحاول والله وعد.
وبفكر أعملها جزء تاني خاص بورد لسه هفكر.
اللي مش واثق في كلامي وقلمي ميقرليش.
الناس اللي بتقولي متكتبيش كلام وخلاص.
أنا هتحاسب على كل كلمة هكتبها.
وعشان كدا أنا ببحث أكتر من مرة برغم أني ببقى متأكدة من اللي بكتبه.
وبكل سهولة هقولكم ابحثوا عن الأقوال اللي ورد بتقولها ولو لقيتوها غلط قولولي.
اتفقنا كدا.
بس متقولش أن كلامي غلط طالما متعرفوش ومبحستوش.
الناس اللي بتقول خلصي الرواية بسرعة.
هقولكم اللي حابة تقرأ رواية عشان تضيع وقت اتفضلوا في روايات كتيرر واتفضلوا.
بس أنا مش هختصر منها أبداً لأن في ناس كتير بتستفاد منها وفي ناس تعلمت منها حاجات كتير.
فأنا هريحكم لا هوقفها ولا هسرع الأحداث.
إن شاء الله تقعد 100 حلقة برضه مش هستعجل فيها.
قولولي رأيكم هل تعلمتوا منها حاجة.
هل استفدتوا معلومة حتى لو بسيطة.
هل لمار أدتكم ثقة في نفسكم.
طولت عليكم معلش بس بجد أنا الرواية دي متعلقة بيها لأني جايباها مشاهد من الواقع كلكم غافلون عنها.
معلش بس لما أنا هيأس هقرأها عشان أرجع أقوى من كلام ورد لأني هحتاج لحد يفوقني.
فورد ولمار متأكدة هيفوقوني.
دي مش مجرد رواية والسلام بالنسبالي أنا بستفاد منها وكمان دي أفضل رواية هكتبها.
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندى ممدوح
جذبها من معصمها دون كلمة ليصعد بها الدرج.
فقالت بتزمر:
- أنت كل شوية تشدني كدا فين الذوق؟
فتح باب غرفته وألقاها بقوة داخلها ودخل وهو يوصد الباب خلفه.
أستدار لها بحده وأشار لها:
- عايزة أيه؟
وقفت بتردد وهي تهمس بذاتها:
- ماله ده هو لحق نسي يعني؟ معلش يا حبيبة فكريه! علي الأقل تكسبي ثواب فيه.
رفعت بصرها فلم تجده، أستدارت فوجدته يجلس علي الأريكة وبيده الريموت ويقلب بعشوائية.
أتجهت لتقف مقابل له وحجبت عنه الرؤية وهي تقول:
- عايزة أعرف كل حاجة ودلوقتي؟ أنت مين؟ ليه مش عايز لمار تعرف أنك عايش؟ ليه عايز تفضل بعيد عنها؟ وإذا أنت فعلاً يوسف كنت فين كل الفترة دي؟
وضعت يدها علي مقدمة رأسها بتذكر وقالت بدهشة:
- أيوه فهمت عشان كدا بابا وأدهم وافقوا علي زواجنا. معني كدا أن بابا عرف أنك عايش؟ ودلوقتي بقا أحكيلي كل حاجة!
رمقها بحده مزيفة وهو يشير لها:
- أوعي يا حبيبة وتعالي يا ماما أقعدي جنبي أسمعي مسلسل "أين أنتي وأين أنا" وربنا يهديكي ويصبرني!
رمقته بغيظ وقالت بطفولة:
- نعم "أين انتي واين انا" مين دي وربنا لتحكيلي كل حاجة دلوقتي!
وجدته يميل بجسده علي الأريكة مندمج بالتلفاز.
فرمته بخبث وهمست بخفوت:
- أتفرج براحتك دا أنا هخليك تتفرج حلو دلوقتي أستني عليا بس أن موريتك.
بنظرة ماكرة استدارت لتغلق التلفاز وتمتمت:
- أتفرج بقا براحتك؟
بتسلية جذب هاتفه من جيب بدلته وظل يعبث به، وهو يخطف النظرات تجاهها بمكر.
وقال ليغيظها حتي تجن:
- يا سلام والله تسلم إيد اللي صنع التليفون مريح جداً!
كبت ضحكته بصعوبة وهو يراها تكاد تنفجر.
حتي أقتربت منه شبه راكضة وجذبت منه الهاتف وهي تخبئه خلف ظهرها.
انعدل بجلسته ونظر لها مطولاً.
حتي أبرزت عروق يده ظل محدق بها بأعين تكاد تحرقها.
فهب واقفاً كمن يستعد للانقضاض علي فريسته.
أبتلعت ريقها الجاف بصعوبة وهي تنظر لعينيه بخوف وفزع.
تراجعت كم خطوة للخلف.
وعندما وقف مقابلها.
أخرجت الموبايل من خلفها بابتسامة مزيفة وقالت:
- أتفضل تليفونك أصل وقع منك فعلشان كدا شلتهولك عندي!
كبت ضحكته بصعوبة وتسلية وقال بجمود وحسم:
- متتكررش تاني أنتي فاهمة.
وجذبه منها.
عاد ليجلس.
وضعت يدها علي قلبها لتهدئه وهي تقول:
- الحمد لله أنا لسه سليمة مكلنيش؟
أغمضت عيناها وتنفست بعمق.
فتحتهم لتنفزع من رؤيته أمام وجهها.
فتعالت صوت ضحكاته العالية علي خوفها.
ربعت يدها أمام صدرها وقالت بغيظ:
- أضحك أضحك ما أنت عايز تموتني بعمايلك أكيد! ودلوقتي أحكيلي يلا كل حاجة؟
زفر بضيق فمجرد تذكره بكل ما مضى يؤلم قلبه.
تنهد تنهيدة طويلة وأستدار ليجلس على الأريكة وأرجع رأسه للخلف وهو يتذكر كل ما مر به.
ضيق عينيه ونظر لها بصمت قليلاً.
أما هي فشعرت أن ما يخبئه يؤلم قلبه حتماً.
تألمت وهي ترى الوجع يتمكن من عينيه واللمعة قد هجرتهم.
فأقتربت لتربت على كتفه وقالت بتفهم:
- يوسف!
"نظر لها"
لو مش عايز تتكلم خلاص أنا واثقة ومتأكدة أن عندك أسباب.
تذكر شيئاً فجأة فأبتسم لها بحب وجذبها من معصمها لتجلس وهو يقول:
- قعدي وأسمعي كلامي دا كويس وخليكي ديما مفتكراه.
جلست جواره فأستدار بجلسته مقابل لها.
أنصتت إليه جيداً فأسترسل قائلاً بوجع:
- أول حاجة عايزك تعرفي أني عمري ما حبيت غيرك! ولا هحب. ممكن أه معرفشِك من زمن؟ بس الفترة دي كفيلة تخليني أحبك. لما تزوجتك كان في مشاعر نحيتك بس مكنتش مصدقها أو مش عايز أعترف بقا. اتجوزتك عشان أحميكي من جون بس حبيتك. حبيتك شقاوتك وثرثرتك وجنونك.
"أحتضن وجهها بين يديه ونظر لعينها"
بقي يومي مش بيكمل غير بيكي وليكي. بقيتي كل دنيتي في لحظة. لو بعدت عايزك تتأكدي أني بحبك. أنتي وقلبي مفيهوش غيرك يا بنتي الأولى. كمان اعرفي اني مش هكون غير ليكي. طول ما أنا عايش. ولو سبتك في يوم متنسنيش وخليكي فكراني وخليكي ديما جنب لمار وأياد وأيهاب. خليكي جنبهم أنتي وأدهم وعيشي حياتك متوقفهاش عشاني.
قطعته بدموع تنساب على وجنتها بمرارة وقالت بتوهان:
- أنت عايز تسبني؟
أزاح دمعاتها بأنامله وقبل جبينها وهمس أمام وجهها:
- مين قال كدا بس؟ بس منعلمش الدنيا مخبيلنا إيه. متقطعنيش وخليني أكمل.
رأت بعينيه الكثير من الحديث والوجع فوضعت يديها على يديه التي تحتضن وجهها وأومأت له بعينيها أن يكمل.
فتابع قائلاً بهمس:
- من غير ما تسألي ليه فأنا مش عايز لمار تعرف أني عايش! بس عايزك تعرفيها أني بحبها وكنت ديما جنبها.
هبطت دموعها أكثر وهي تشعر أنه يخبئ شيئاً ما.
فأسترسل قائلاً بشرود:
- بنفس اليوم اللي ماتوا فيه أهلي "ابتسم بوجع" ماتوا قدام عيني. كنت ضعيف مش عارف إيه اللي حصل بس لما دخلت لقيت بابا بيدبحوه وأمي مرمية على الأرض ولما وصلت عندهم طعنوني في جنبي. بس أنا فضلت عايش. اللواء سليم الله يرحمه صاحب بابا خدني وسافرني بلاد بره. عشت مع فيكتور وأخوه اللي توفى مايكل وأهله، الله يرحمهم ماتوا في حادثة هما التلاتة. عشت أنا وفيكتور. بعد ما اللواء سليم سبني هنا قلي إن "لمار" و "أياد" توفوا كنت هرجع. بس لما عرفت بموتهم هرجع ليه؟ ولمين؟ فضل عندي هدف واحد بس وهو جون.
تعذبنا كتير أنا وفيكتور بعد أهله ما توفوا واللواء سليم لا بنشوفه ولا بيسأل. أتعذبنا أوووي بس كنا إيد واحدة وأبتدينا من الصفر وكبرنا وتعلمنا واللواء سليم عاد وهو اللي ليه الفضل إني أكمل وتشوفيني زي ما أنا كده. لولاه فا أنا كنت ميت لا محالة. بعد ما فيكتور أسس شركته وبقا شريك لجون ابتداء نوقع فيهم وحدة وحدة هو وديف. مكنتش أعرف إنه هو ولما شفته "ابتسم بمرارة" عرفت إنه عمي. عمي اللي كان بابا بيحبه أكتر مننا وبيعمله أي حاجة وطلباته أوامر. أنا ما شفتوش يوم ما قتل أهلي كان لابس قناع.
قطعته حبيبة قائلة بذهول ودهشة وصدمة:
- عمك؟ مش ممكن!
أشار لها بالصمت فأنصاعت له وأكمل بوجع:
- ليه مش ممكن؟ المهم أبتديت أرقبه عرفت إن ليه ابن "ابتسم بحب وفرحة تنبع من قلبه" أيهاب. وعرفت أنه بيحبه قررت أحرق قلبه عليه وبدأت أتقرب منه لدرجة أكتر من صديق بقيت ليه الأخ والأب. وفي يوم أيهاب كان في شركة والده وعرف بعمايله السودة. وأنا أول واحد جه قالي. بقيت أحرضه على والده وصنعت بينهم شرخ. أيهاب بدأ ياخدني على بيته بس لسبب إني أنقذ أمه من بين إيدين أبوه لأنه بيعذبها. هو اكتشف ده متأخر وقالي إن والدته مشلولة وكان رؤوف جايب وحدة تربية داده يعني وحصلت بينهم علاقة وجابت "تالا". علاقته كلها محرمة زيه. المهم قررت فعلاً بطيب خاطر أساعده بعد ما شفت قد إيه أيهاب إنسان جميل مش زي والده. مكنتش عارف أكره ولا أؤذيه. ولما عرفني على والدته عرفت إنها أمي ولسه عايشة. أتوجعت لما شفت الحروق والكدمات على إيديها. بس خطفتها فوراً من عنده وجبتها هنا. وهو قلب الدنيا عليها ولما يأس خلاص بقا هيتعب نفسه ليه. بقيت أدور وراءه أكتر وأكتر وأوقعه وأخسره أكتر لحد ما بقي تحت إيدي ودخلت بينهم أنا وفيكتور وعملنا اسم بينهم وبقينا فوق الكل وعرفت بكل اللي عمله في أهلي وليه؟ لأن بابا عرف بكل جرايمه ووقف قصاده وعشان عينه كانت على أمي.
أستدار برأسه للطاولة ودفع الكأس الموضوع.
لتصرخ حبيبة بفزع.
ظل يتنفس بسرعة وهدء وأكمل قائلاً:
- وعرفت أن أيهاب أخويا من أمي واللواء سليم بعد ما عرفت حقيقة عمي قلي إن لمار عايشة هي وأياد. ابتديت أروح هناك أشوفها من بعيد ومتتصوريش فرحتي بقا لما عرفت أنها زي والدها كدا بنت بميت راجل مبتخفش من أي حد وقلبها أبيض بس قاسية وحادة ك السكين محدش يقدر يكسرها.
نظر لها مطولاً بصمت وقال:
- بس كل الحكاية، لمار لما فقدت الذاكرة أنا اللي وصلت رسالة من تليفون سليم لوالدك وأنا اللي أدتها حقنة توقف القلب لوقت محدود. بس الزفت عبد الرحمن لما شافها وصلهم خبر وبكدا عرفوا كل عيلتك. ولما أنتي جيتي المستشفى عشان تدربي "ابتسم لها" جيتي ليه مش كفاية المستشفى هناك؟
نكزته بخفة بكتفه وهي تقول:
- جيت عشان أتعلم من الأخ مكنتش أعرف إنه هيسرق مني؟
أشار لنفسه بدهشة ورفع حاجبه:
- أنا؟ سرقت منك! سرقت إيه؟
أومأت له بتأكيد:
- أيوه سرقت مني قلبي وسرقتني أنا أصلاً.
وصمتت بخجل:
- كمل؟
تنهد وقال:
- بس عرفت إن جون هيعمل حاجة نزلت وقابلت أهلك وأدهم وحكيت لباباكي كل حاجة وكتبت كتابي عليكي.
أشارت له بحزن:
- كدا بسهولة من غير ما تعرفوني وكمان ولا فرح؟
أشار لها باهتمام:
- ليه أنتي كنتي عايزة فرحك يكون إزاي؟
شردت أمامها وهي تقول:
- عريس حلو لا مش مهم الشكل المهم إنه يكون يعرف ربنا ويعاملني حلو ويحبني ويشاركني أحزانه قبل أفراحه وأكون ليه كل حاجة ويعملي فرح كبير لا لا مش كبير.
"تتحدث بشرود وهي تتخيل كل كلمة تلفظ بها"
عايزة يكون عادي حتى في البيت وتكون عائلتي حواليا بابا وماما وأدهم ولمار وصحبتي ويكفيني إن هو يكون جنبي والبس الفستان الأبيض والورد في إيدي وبعد ما نزيط ونهيس ياخدني في ليلة في وسط البحر على مركب كبير أووي ويااااه سلام بقا لو كل عائلتي حواليا برضه. بس وأقعد أنا وهو ويمسك إيدي ونتفرج على جمال البحر وعلى النجوم اللي بتحسدنا لحبنا والهواء والطبيعة وكل حاجة.
كان هو شارد بتفكيره فكل كلمة تلفظها يتخيلها وكأنه يعيشها بخياله.
صمتت فجأة بحرج فاق لواقعها بابتسامة مشرقة ولمعة غريبة تنبع من عينيه وأمسك يدها بحب وقال:
- لو ربنا طول في عمري هعملك كل ده وأكتر؟ وهكون ليكي كل حاجة.
أبتسمت له بحب وسعادة خبأت بداخلها. أحمرت وجنتيها.
فهبت واقفة وهي تقول:
- هنزل أشوف ماما.
قبل أن تخطو كان ممسك بيدها وهو يقول:
- ماما مين؟
ابتسمت وهي تبعد عينيها عنه:
- مامتك يعني.
شعرت بارتخاء يده فجأة. وعينه بدأت تضيق وهو يفتحهم ويغلقهم بألم.
رفع يده على رأسه وشعر بدوار الدنيا به فأسند رأسه للخلف بألم.
كادت بالحديث فصاح بها:
- أطلعي بره.
أقتربت منه وهي تمسك يده فأزاحها فوراً بحدة.
بدموع انسابت على وجنتها قالت:
- مالك حاسس ب إيه؟
فصاح بصوت عال:
- بره أنتي مبتسمعيش؟
ارتجف جسدها من صوته وتألم قلبها لوجعه. جلست أمام غرفته تبكي ولا تدري لماذا تارة يعاملها بحب وتارة بقسوة.
بكت وهي تشعر أنه يتألم ويخبئ عنها وبكت لقسوته التي باتت تجرحها.
هب واقفاً وسار نحو الفراش وهو يتعثر بسبب الدوخة.
جلس وجذب إحدى الأدوية ليأخذها وتمدد بتعب شديد.
متكئة بجسدها على المقعد بحزن وعينان توحي للغضب المميت.
تجري في اتصالات عدة.
تتمنى الوقت أن يمر لكي تحقق ما كانت تسعى له من صغرها.
كيف مر هذا الوقت وكانت عمياء لا ترى شيئاً.
كيف كان أمامها وهي تبحث عنه.
فاقت لواقعها على صوت أدهم:
- ممكن أعرف مالك؟ ثانياً أنتي ناوية تقتحمي أمتي؟
رمقته بحدة وقالت دون النظر إليه:
- أولاً مش مسموحلك تسأل مالي! ثانياً في الوقت المناسب هقتحم بم إن القوة في طريقها يبقي خلاص كله هيتم.
نظر لها كامل وقال بتساؤل:
- طب أفهم أنا! أنتي ناوية على إيه مهما ممكن يغيروا معاد التسليم ويهربوا.
هبت واقفة بشرود وسارت ناحية النافذة وهي تقول:
- مستحيل يهربوا ويضيعوا صفقة بملايين زي كدا! أنا بالنسبالهم ميتة ولو عشت فمش هيتخيلوا إني أقوم فوراً كدا فمتقلقش كله هيتم.
أقترب منها أدهم بأسف وندم وقال:
- ممكن على الأقل الفترة دي بس ننسى أمورنا الشخصية.
نظرت له غاضبة وهي تقول:
- وأنا من امتى بربط بين شغلي وحياتي!؟ عايز تقول حاجة أقول هسمعك؟
تنهد بضيق وقال:
- مش عايزك تقلقي اللواء أمجد رجع واكيد هيعرفهم بكل حاجة. فمتقلقيش.
رمقته بلامبالاة وشردت من النافذة.
منشغلة التفكير فذاك الشخص الذي لا تعلم له اسم فهو مطلوب للعدالة من كل بلد بأسماء مختلفة وهذا جون واخرهم رؤوف هؤلاء الثلاثة ظلت تفكر كيف ستعذبهم أشد العذاب.
تذكرت شيئاً فاقتربت من أدهم قائلة بحسم:
- فين يوسف يا أدهم أنا متأكدة إنك تعرف مكانه وجودك في بيته أكدلي ده.
أبتلع ريقه بصعوبة وهو يقول بتوتر ويحاول قدر الإمكان أن يبعد عينيه عن عينيها:
- معرفوش يا لمار يوسف مين؟ أنا مش عارف أصلاً تقصدي بيه مين؟
فردت بثبات وثقة:
- متهربش ولا تكذب لآني متأكدة إنك تعرف مكانه.
نظر لها كامل قائلاً بعدم فهم:
- مين يوسف ده؟
ابتسمت بشوق وأعين تتوق لرؤيته:
- أخويا.
فرد كامل بدهشة:
- أخوكي مشترك معاهم.
هزت رأسها بالنفي قائلة:
- لا بس أخويا بيوقعهم مش معاهم.
ابتسم كامل فقطعته أدهم بغيرة:
- لمار أنتي أكيد تعبانة روحي استريحي شوية؟ عشان تفوقي للهجوم وتكوني مستعدة.
أومأت برأسها له وذهبت.
أمسكت المقبض بصمت وترقب وفتحته بهدوء.
طلت برأسها لتجده ممدد على الفراش بوجه يظهر به التعب والوهن.
تسللت على أصابع قدميها نحوه وخلعت له حذاءه.
تقدمت من رأسه ووضعت يدها على جبينه وجدت الحرارة عادية.
جلست وهي تمسك بيده بحنية وقالت بوجع:
- يا ترى مالك يا حبيبي ومخبي عني إيه؟ ليه بتكون كويس وبلحظة تقلب كدا؟
هبطت دموعها بصمت وهي حائرة التفكير به.
كادت أن تنهض لتغادر فوجدت يده مقيدة على يدها بإحكام.
فلم يكن منها إلا أن جلست جواره ووضعت رأسها على كتفه وهي تشعر بسعادة وأمان لم تشعر بهم من قبل وكأنها ملكت ذاك العالم جميعاً.
بالغرفة المجاورة.
جالس على مقعده واضع رأسه بين يديه بضيق ووجع يشعر بالوحدة تكاد تقتله.
ماذا هل حقاً سيتركه ويرحل؟ هل حقاً سينتظر موته؟ وما أصعبه من شعور مميت أن يكون من تحبه تنتظر معه الموت ليأتي ويأخذه وأنت عاجز لا محالة؟
كيف سيقف الموت لياخذه منه.
أنه من تبقى له في هذه الحياة.
فكيف سيتركه.
ارتفعت صوت شقيقات فيكتور بحزن وقلب يصرخ من الألم والوجع يشعر بنار تتأجج داخله ولا يدري كيف يطفئها.
وتذكر عندما ولج غرفة مايكل وهو يبحث عن إحدى الملفات لتقع عينه صدفة على تقارير.
جذبها وقرأ ما بها ورقة تلو الأخرى بأعين تذرف الدمع ويدين ترتجفان.
ألقاهم من يده وكاد أن يقع فأستند على الطاولة ليعتدل.
شعر بتوقف قلبه وجسده لوهلة.
وجلس على المقعد الذي يليه بصمت تام إلا من دموعه المنهمرة بغزارة.
بعد لحظات ولج مايكل فتفاجأ به يجلس هكذا فقال بضحكة:
- فيكتور مالك يا بني قاعد كدا ليه؟ وبعدين من امتى وانت هنا!
لم يجد ردًا فاقترب منه بدهشة لعدم رده ووقف مقابل له وأبعد يده عن رأسه ليتفاجأ به يبكي كالطفل الصغير.
فقال بقلق:
- مالك يا فيكتور في إيه؟ بتبكي ليه؟ دي أول مرة أشوف دموعك في حاجة اتكلم؟
هب واقفاً بغضب وهتف بصوت عال:
- لييه؟
وأخذ يكسر بكل شيء أمامه ودفش الطاولة لتتحطم.
لم يدري ما به! ولما هو هائج هكذا؟ نظر فوجد تقاريره أرضاً فعلم أنه رآهم فاقترب منه مسرعاً ليحتضنه من الخلف وهو يقول:
- طب أهدى بس اسمعني.
صرخ فيكتور بتأوه وكأن أحد طعنه بسكين حاد بنصف قلبه وجثا على ركبتيه.
وهو يبكي كالطفل.
أحتضنه مايكل مسرعاً وهبطت دموعه هو الآخر.
فقال فيكتور بصوت متلعثم باكي:
- يعني إيه؟ ها قولي يعني إيه؟ هو أنت عايز تسبني بجد؟ أنت مفكر إني هسمحلك؟ أنت بجد ناوي تسبني.
وقال بأمل:
- أكيد في حل أنا مش هسيبك كدا نهائي.
أحتضنه مايكل مرة أخرى بصمت تام.
عاد لواقعه وهو يقول بتذكر ما مروا به من صغرهم:
- طب أنا ليا مين غيرك يهتم بيا؟ أنا ليا مين غيرك؟ ازاي طيب أشوفك بتتألم ومعملش حاجة؟ ازاي هستنى الموت ياخدك مني وأنا واقف أتفرج؟ طب ازاي استحمل فكرة بعدك عني. أعيش إزاي من غيرك وانت كل عائلتي انت دنيتي اللي أنا عايش عشانها. وعدتني نكون مع بعض ديما بس دلوقتي مش عايزني ليه؟
تنهد بحزن ووجع وتمدد على الفراش بحزن ودموع لا تفارقه.
فتح عينيه ببطء وهو يشعر بثقل على صدره نظر فأذا به بمعشوقة فؤاده ونصفه الآخر أبتسم بحب وقبل رأسها وشدد على ضمها أكثر وكأنه يستغل كل لحظة ليصنع له ذكريات لن تدوم ضمها بحنان بالغ. وتأمل وجهها مرر يده على وجهها.
شعرت بذلك لتتململ بين يديه فتحت عينيها به وأبتسمت.
كادت أن تنعدل فتمسك بها أكثر.
فقالت بحرج:
- يوسف اوعي عايزة أنزل أشوف ماما.
فقال بتزمر:
- يعني ماما أهم مني؟ طب مفيش مثلاً أنا مبسوطة إني فتحت عيني لقيتك كدا في وشي؟
ابتسمت بأحراج وهي تقول:
- بالعكس فعلًا أنا مبسوطة إني فتحت عيني عليك ويارب كل يوم كدا.
نظر لها بيأس وأبعد يده وهو يقول:
- روحي.
رأت تغيره وتقلب ملامحه للحزن بوجع اعتدلت لتغادر الغرفة وقبل أن تخرج نادها.
لتستدير له قائلة:
- نعم.
فأقترب قائلاً:
- أنا عندي مشوار واحتمال أغيب بس لامتى مش عارف فخلي بالك من نفسك ومن ماما. تلفوني هيكون جنبي عشان لو احتجتي حاجة.
أشارت له بابتسامة وغادرت بحزن.
زفر بضيق واعتدل ليولج للحمام.
ولجت "حبيبة" المكتب لتري والدتها فحصتها ووجدت تحسن كبير فهمست بفرحة:
- الحمد لله انتي خلاص هتخفي؟ بس عايزكي تساعديني عشان ترجعي تمشي.
أومأت برأسها لها فساندتها وساعدتها على الوقوف فانعدلت واقفة وسارت بمساعدة "حبيبة" فصاحت حبيبة وهي تهلل بفرحة وتتنطط بسعادة واحتضنتها بفرحة. وصاحت باسم "يوسف" مرات عديدة.
خرج من الحمام مرتدي بدلته السوداء التي زادته وسامة على وسامته أستمع لصوتها المنادي له فقال بنفاذ صبر:
- صبرني يارب على المجنونة دي.
هبط للأسفل واستمع لصوتها من المكتب فركض ظناً منه أن هناك خطب ما بوالدته.
وعند ولوجه وقف مكانه بصدمة وأعين تشع فرحة وهو يراها تقف على قدميها ركض تجاهها بفرحة واحتضنها دون كلمة بأعين دامعة.
أبتعد عنها وقال كأنه يحاول تصديق ما يراه:
- ماما أنتي قدامي يا حبيبتي صح؟ أنتي واقفة أهو.
أومأت برأسها له. فقبل كل أنش بوجهها ويدها.
فضمته بحب ودموع وهي تقول:
- وحشتني أوي كلكم وحشتوني انت ولمار وأياد وحشتوني يا حبايب قلبي حتة من قلبي كانت غايبة ورجعت.
كان يضمها بقوة وخوف يخشى أن تفارقه مرة أخرى.
بأعين تذرف الدمع تنظر لهم "حبيبة" فقالت بتزمر:
- يا سلام أمشي أنا بقا مليش مكان؟
جذبها "يوسف" من يدها ليضمها معهم بحنان وامتنان.
كانت فرحته لا تسعه وهو يرى والدته أمامه تقف وتتحرك وتتكلم وهل يوجد أكثر من ذلك يريدونه.
ابتعد عنها ليجذبها لتجلس وهو يقول:
- ارتاحي يا أمي قوليلي عايزة إيه اطلبي واتمني؟
نظرت له باسمة:
- هعوز إيه أكتر من وجودك جنبي عايزه أشوف لمار وأياد هما فين.
ابتعد بعينيه عنها وهو يقول:
- هجمعك بيهم قريب إنشاء الله والله.
جلس جوارها وهو يضع رأسه على قدمها وقال:
- عايز بس أشبع منك فضميني يا أمي.
ضمته بحب وهي تمرر يدها على خصلات شعره بحب.
رأت "حبيبة" أن تتركهم قليلاً وقالت:
- طب أروح أنا أجهزلك أكل؟
خرجت حبيبة.
أمسك يوسف يدها أكثر وضغط عليها بقوة وهو يقبلها باشتياق وهي كذلك تقبل كل أنش بوجهها بشوق وحنين.
يوم التسليم.
بمنزل بعيد نسبياً خالٍ من السكان قليلاً كانوا يتموا به التسليم.
أخبر "عدنان" كل شيء للمار بمقابلة سرية أمس.
حقائب المخدرات تعبئ ذاك المنزل الذي مليء بالرجال والحراس.
كانوا يتبادلوا أطراف الحديث عن المبلغ وما يليه.
حتى دوى سماع إطلاق النار من الخارج، والطائرات وانفجارات.
أسرع الحرس للخارج بكثرة وتم تبادل إطلاق النيران بمهارة وأوقعت لمار عدد كثير وهي تتسلل للداخل وتترك تلك الحراس للقوة التي جاءت بها.
أحس رؤوف أن تلك هي النهاية وعليه الهرب.
أسرع راكضاً ناحية المطبخ بعدما جذب الحقيبة التي بها المال.
رآه جون فأسرع خلفه.
أزاح تلك السجادة وانحنى ليخلع تلك الخشبة وهبط منها وخلفه جون وأغلقوها مرة أخرى.
تبقى ذاك الرجل الذي لا يوجد له اسم معين لكثرة تنقله من بلد لأخرى بأسماء مستعارة.
رأى فجأة لمار أمامه وعينها وخلفها عدد كثير من رجال الشرطة التي اقتحمت المكان وبعد مدة قضوا عليهم بمهارة لذكاء قائدتهم.
تطلع بها بدهشة وقال:
- إنتي لسه عايشة.
أقتربت لتهمس جوار أذنه:
- ومش هموت غير لما أخلص عليكم فأطمن لأن موتك قرب وعلى إيدي بس بعد ما أدوقك العذاب أشكال وألوان.
عيناها جابت المكان وهي تصيح به:
- فين رؤوف وجون؟
نظر حوله فلم يجدهم شعر بالخيانة فكيف يهربوا ويتركوه؟
ضحكت بسخرية وهي تقول:
- يا حرام دول هربوا من غيرك؟ تخلوا عنك تـؤ تؤ ميصحش كدا متقلقش هجبهملك.
على غفلة منها وهو يجاريها وضع يده بجيبه ليجذب سلاحه.
فمسكت هي يده وهي تقول بتريقة:
- مش عيب عليك برضه المفروض تلعب مع أحد قدك مش بنت الشرقاوي.
ما كادت أن تنهي جملتها حتى أمسكت برأسه وضربته بقوة بجبينها ليقع مغشياً عليه.
ضربت كف بكف وهي تصيح:
- هاتوه.
ركضت للخارج فلحقت جون يصعد سيارة.
نظرت حولها بيأس سرعان ما وقفت سيارة جوارها ونظر من نافذتها عدنان وهو يقول:
- إيه مش عايزة تمسكيه؟
ابتسمت له وركضت لتصعد جواره.
ولحقا به بسرعة للمطار.
وصل جون قبلهم وتحدث مع المضيفة قليلاً وجذب الحقيبة التي خطفها من رؤوف وضربة ورحل.
ولج داخل المطار ليصعد الطائرة الخاصة.
وصلت لمار وعدنان وخلفها يوسف الذي لحق بهم هو وفيكتور.
ولجت لمار للداخل فمنعوها من الدخول وعندما علموا من تكون سمحوا لها.
رأت الطائرة تكاد بالإقلاع وجون بها ينظر لها بشماتة.
وقف فيكتور بعيد هو ويوسف.
نظر له فيكتور بيأس:
- خلاص كله ضاع إذا هو خلاص هيسافر ومش عارفين هو هيتجه لفين.
حدق بعينه "يوسف" وهو يمد يده ناحية لمار وصرخ:
- لا يا لماررررر.
نظر فيكتور بصدمة لما ينظر يوسف فحدق بعينها بصدمة.
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندى ممدوح
تراجعت للخلف قليلاً وزفرت بعمق وركضت مسرعة جهة الطائرة التي على وشك الإقلاع، وهوت بذاتها لتتمسك جيداً بها.
ليقول عدنان بذهول:
- لااااا.
أما يوسف، تراجع للخلف كأنه شُل عن الحركة وكاد أن يقع.
ليمْسِكْه رفيقه بيد من حديد وهو يقول بثبات:
- لمار قدها، متقلقش، هي عزمت أمرها على حاجة ومش هتتخلى عنها. أهدا وخليك متماسك!
كان يرمقها بخوف ينهش قلبه وهو يراها تتسلق بحرافية لتضع يدها على طرف النافذة وجسدها يتطاير في الهواء.
فقرب يده وهو يحاول فك أصابعها التي ممسكة بحافة النافذة. فما كان منها إلا أن قربت يدها من وجهه ولكمته بقوة، ليتراجع للخلف.
هوت بقدميها للأعلى لتدلف من النافذة بداخلها بجسدها الرشيق النحيف بمهارة.
وعند ولوجها للداخل بقدميها، ركلته بوجهه ليقع على الأرض بتأوه. جذبته بحدّة من ياقة قميصه وما كادت أن تديره لجهتها حتى سددت له اللكمات المبرحة.
كانت تضربه بكل قسوة وبلا رحمة وهي لا ترى أمامها سوى منظر والدها وهو يُذبح أمام أعينها. هوت الدموع على وجنتها. بصمت تام وقلب يئن بآنين الوجع والاشتياق للأحباب.
غادروها دون أن يعبؤوا بها، فكانت مرارة الأيام رفيقتها، ووجع ونار فؤادها أصدقاءها المقربين. غابت روحها بغيابهم، ولكن هل تعود لها مرة أخرى؟
كان قلبها كل ليلة يؤرق نومها وهو يشتعل بنار ولهيب الانتقام، والآن قد أثلجته بماء بارد ليهدأ وجعه قليلاً، ذاك الوجع الذي لم يشعر به أحد سواها.
فاقَتْ على وقوعه مغشي عليه من بين يديها.
أشارت بحدة لشاب الذي يرمقها بخوف وقالت:
- ارجع.
أومأ بخوف واستدار سريعاً ليعود.
يقف يوسف بخوف ووجع يفتك قلبه، وقلق يسيطر على خلايا قلبه. أما فيكتور، فكان يثبته بالكلمات بأنها ستعود.
تهلل وجهه فرحانًا وهو يرى الطائرة تهبط. فأسرع ليختبئ بأعين ثاقبة مثبتها عليها.
وقفت أمام الدرج لترفع جون عالياً وتلقي بجسده غير عابئة بشيء. وهبطت الدرج تتخطاها وهي تقول آمرة لرجال الشرطة:
- هاتوه.
عزمت أمرها على ألا ترجع إلا ومعها عمها، وأن تجد من اشتاق له الفؤاد. أحست بدفء أنفاسه وبحضوره.
وقفت مكانها وجالت بعينيها المكان أجمعه بيأس.
ومضت بطريقها، بينما ركض خلفها عدنان بإشارة من يوسف. سار بمحاذاتها وهو يقول:
- يا بنتي استني، أنتي كويسة؟
فأجابت بابتسامة رقيقة وكأنها غير التي كانت قبل دقائق بوجهها الغاضب العبوس:
- أنا كويسة. تنهدت براحة: أول مرة أحس أني كويسة.
خرجت من المطار فحاصروها أدهم وأحمد وبسنت وزيد.
ضجة عالية تحاصرها، فصاحت بملل:
- بسسس اسكتوا!
ألتزموا الصمت جميعًا، فهتفت بوضوح وهي تشير لأحمد:
- هترجع أنت وبسنت وزيد وأدهم، ومش هوصيكم تعملوا إيه.
انحنت لزيد قليلاً وهمست له بشيء.
فقالت بسنت:
- طب وأنتي مش هترجعي؟
برفض قاطع قالت:
- لا أنا مش راجعة غير ورؤوف تحت أيدي! مش عايزة حد معايا هنا وكلكم ارجعوا!
لم يكن منهم إلا الانصياع لأوامرها ورحلوا مسرعين.
أما زيد، فآبى أن يتركها. رفع رأسه نحوها وهو يقول برقة باسمًا:
- يبدو أنك مش هترجعي إلا ويوسف معاكي؟
ببسمة هادئة وصوت رقيق قالت:
- مفيش غيرك بيفهمني!
أشار بعينه لها مؤكداً:
- متنسيش، أحنا واحد! أحنا بنفهم بعض من قبل ما نتكلم!
أشارت له باسمه:
- روح يا زيد واطمن وخليك مع البنات، ومتقلقش عليا، مش هرجع إلا ورؤوف معايا ويوسف كمان.
غادر زيد في صمت. استدارت للخلف وعيناها تجوب المكان على أمل أن تراه.
اقترب عدنان وهو يقول مستغرباً:
- هو أنتي مش هترجعي معاهم؟
أومأت بالرفض قائلة بحسم:
- لا مش هسافر حالياً، ولكن هحتاجك معايا.
فقال بصوت هادئ:
- أكيد أنا معاكي. عايزني في إيه؟
استدارت وهي ترفع رأسها نحوه قائلة وحرارة الغضب ترتفع:
- عايزك تدلني على كل مكان ممكن رؤوف يتواجد فيه!
رفعت ساعة يدها قائلة بحدة:
- يلا مفيش وقت!
أشار ناحية السيارة ليتوجه جوارها بصمت.
جلست أمام مقود السيارة وهو جوارها. قادت بسرعة وهي تقول بجدية:
- عايزك توديني بيته ولكن من بعيد، قبل ما نوصل تديني إشارة.
فقال بدهشة:
- حاضر، بس ليه؟
التفتت له بحدة:
- من غير ليه! أعمل اللي بقولك عليه وبس!
هز رأسه وألتزم الصمت.
يقف واضعاً يده بجيب بنطاله يتأملها باسمًا بفرحة.
استدار برأسه نحو فيكتور الواقف جواره قائلاً:
- متأكد أنها هتمسك رؤوف؟
أشار له فيكتور بجدية:
- أمال؟ طالعة لأخوها!
تطلع له بغضب قائلاً:
- طب يلا بينا نمشي؟
مضوا ناحية السيارة، ليقول فيكتور ضاحكاً:
- يا عم متجوزني أختك دي!
أشار له ساخراً:
- لا خلاص الحمد لله، قلب أختي مسكون؟
فتح فاهه بصدمة وهو يقول:
- بالعفاريت؟ لمار ملبوسة يعني!
وانفجر ضاحكاً وهو يقول بتريقة:
- وأنا أقول البت بمليون راجل ليه؟ أتاريها عندها ضيوف!
ضربه يوسف على مؤخرة رأسه وهو يقول:
- أمشي قدامي وبطل كلام، هو أنت تعديت من مراتي في البيت ولا إيه؟
أشار له ساخراً:
- مراتك؟ الله يرحم أيام ما كنت مبحبهاش معرفهاش، مش عاوزها، هحميها بس؟
كان يقلده بكل حرف بمزاح. ليلتقط يوسف مفاتيح سيارته ويقذفها عليه وهو يقول:
- سوق وأنت ساكت؟ أحسن لك وخلي يومك يعدي.
وصعد من الناحية الأخرى.
التقط فيكتور المفاتيح وهو يقول بتذكر:
- لا بقولك إيه، أنا هروح أبص على المستشفى وأرجع.
وقذف إليه المفاتيح ليلتقطهم الآخر وهو يقول:
- طب احاسب لمار تطلع بطريقك تديك ضربة تطيرك؟
أشار له بغيظ وقاد مسرعاً نحوه بتمثيل بأنه سيخبطه، ليتراجع فيكتور للخلف وهو يصيح بغيظ:
- ماشي يا يوسف، لينا بيت يلمنا، حسابك فيه.
وتمتم بهمس:
- هو أنا أقدر أعمله حاجة؟ كانت أخته جت ما خلتش فيا حتى سليمة!
وصل للفيلا ليأخذ طريقه ناحية المكتب عازمًا على رؤية والدته، تلك الجنة التي تعادل الحياة بأكملها.
ولج باسمًا وهو يرى والدته نائمة على الفراش و"حبيبة" تجلس تقرأ قرآن بصوتها الشجي، حتى أنها لم تشعر بوجوده.
ليتسلل بخفة وهو يخلع جاكته ويلقي به جانبًا بهدوء، وتسلل على أطراف أصابعه من خلفها، وأغمض عينيها بصمت.
رفعت يديها على يده ببسمة هادئة وهي تقول بعشق:
- عارفة إنك هنا على فكرة؟
أزاح يدها وهو يرمقها بدهشة. كانت يده اليمنى تحاوط عنقها، خطى ليجلس جوارها على حافة المقعد وهو يقول:
- وعرفتي إزاي أني هنا؟
قالت بعينان تنبع بالحب والفرحة وهي تنظر لعينه:
- مش مهم، بس أكيد لازم أحس بوجودك وأعرفك من بين مليون شخص!
ضيق حاجبيه بدهشة وقال بتريقة:
- والله؟ وبتعرفي إزاي بقا؟
رفعت يدها على قلبه وقالت ببسمة هادئة رقيقة:
- قلبي بينبض بسرعة لما بحس بوجودك، فعشان كده بعرف!
غمرته الفرحة فقبل جبينها بحب، وقال بتذكر:
- ماما عاملة إيه النهارده؟
أشارت له بعينها لتطمئنه:
- كويسة الحمد لله، متقلقش عليها، هي في عيوني!
وأكملت وهي تنهض:
- يلا روح غير هدومك لحد ما أحضرلك الفطار؟
أومأ لها باسمًا بحب وخرجا سوياً، هو صعد لغرفته.
وهي اتجهت للمطبخ لتشرع بإعداد الطعام بخفة. بعد وقت ليس بطويل، يخرج يوسف من الحمام مرتديًا بنطال قطني أسود وفوقه تي شيرت باللون الأبيض. كان يشمر ساعديه بفرحة وهو يفعل كل شيء بسرعة حتى يسرع ليجلس معها.
ارتفع صوت هاتفه ليجذبه بتأفف وهو يقول:
- مش وقتك دلوقتي!
رد مقتضبًا وبعد قليل أغلق ببؤس. وتوجه للأسفل.
ولج للمطبخ ووقف مكانه يتأملها بحب وهو يسند جسده على الجدار خلفه ورفع قدمه اليسرى على الجدار ومربع يده أمام صدره. استدارت لتضع الأطباق فرأته أمامها باسمًا لتبتسم بخجل وهي تقول:
- بتبصلي كدا ليه؟
خطي المسافة التي تفرقهم ليصبح أمامها قائلاً بمزاح:
- هو أنا بصتلك ولا جيت جنبك حتى؟
رفعت حاجبها بدهشة:
- لا خالص الصراحة!
فأشار لها وهو يتجه ليجلس:
- أيوه يا بنتي طبعاً؟
نكزته قائلة بغيظ:
- أنا مش بنتك؟
رفع بصره بها قائلاً:
- أمال؟
جلست بالمقعد الذي يليه وهي تقول:
- مش بنتك وخلاص؟
فأشار لها وهو يبلع ما بفمه:
- يعني مش عايزة تكوني بنتي؟ براحتك؟
فقالت مسرعة:
- لا لا بنتك، مش هنكذب إحنا؟
نظر لها قائلاً بجدية:
- كنت عايز أقولك أني هاكل وهخرج على المستشفى بمكان مش بعيد من المنطقة هنا، بس احتمال أغيب يومين كدا.
أعتصر الألم قلبها وهي تقول:
- يومين ليه؟ دول كتير، هتقدر تبعد عن ماما يومين؟
ضيق حاجبيه بدهشة وهو يشير لها:
- ماما؟ هااا!
استقامت بضيق وهي تجذب الأطباق متوجهة بعيدًا:
- أيوه ماما، أمال مين؟
استدارت برأسها له وبتساؤل قالت:
- تشرب شاي؟
استند برأسه للخلف وهو يقول:
- ياريت!
خطف نظرة سريعة لها ليرى دموعها تهبط بصمت. هب واقفًا ليتجه نحوها قائلاً بحنان وهو يلتقط يديها:
- وبنتي ليه مضايقة؟ يا حبيبة بابا، هكون قريب ويومين بس وهرجع.
أشارت له بتفهم:
- طيب.
أشار لها مغادرًا:
- هروح أجهز أنا.
أومأت برأسه فأدمعت عيناها وهي تقول بألم:
- يارب أسترها، ليه حاسة بحاجة وحشة هتحصل؟ يارب ترجعهولي بخير وسلامة يارب!
كان يهبط الدرج وهو يرمقها بحزن لحزنها، توجه نحوها قائلاً:
- يا بنتي؟
كانت شاردة بضيق وهي تسند يدها على وجنتها بألم.
هزها بخفة لتفوق ونظرت له بأعين دامعة.
فقال بحزن:
- وبعدين؟ هتمشيني قلقان!
هزت رأسها نافية لتحتضنه مسرعة ببكاء حارق لقلبه وهي تقول:
- لا متروحش، والله حاسة بحاجة وحشة هتحصل، قلبي مش مطمن أبداً.
ربت على ظهرها بحنان بالغ وهو يقول:
- يا بنتي مفيش حاجة هتحصل، والله كلهم يومين وهرجع.
أبعدها عنه ليزيح بأنامله دموعها بحنان:
- مش عايز أشوف دموعك مرة تانية.
أحتضن وجهها بحب:
- هكون كويس متقلقيش، خلي بالك من نفسك ومن ماما، ولو في أي حاجة كلميني تمام؟
هزت رأسها برضا. فحاوط كتفها وهو متجها للخارج ويقول:
- طب فين ضحكتك طيب؟
لوت فمها بغيظ وهي تقول كالاطفال:
- معرفش، روح دور عليها.
أستند بظهره على باب السيارة وهو يقول بضحكة:
- ادور فين طيب؟
أشارت له وهي ترمقه بغيظ:
- أنا مالي، دور عليها!
فأشار وهو يضيق حاجبيه:
- بقا كدا؟
قطعته وهي تعانقه بقوة، ليشد من ذراعيه عليها بحب وقبل رأسها بحنان وأبعدها قائلاً:
- يلا ادخلي جوه، وخلي بالك من نفسك.
أشارت له باسمه:
- حاضر. بس أمشي انت الأول وأنا هدخل.
نطق بها يوسف وهو يصعد سيارته تاركًا الباب.
فقالت بتزمر وهي تغلقه:
- كدا ويلا باي، أستودعك الله الذي لا يضيع عنده وديعة، وترجعلي بالسلامة.
تهلل وجهه فرحًا لدعائها وأشار لها بيدها ولمعة فرحة تنبع من عينه وقاد ليغادر. ظلت تنظر له حتى غاب عن نظرها لترجع للمكتب. ولجت باكية ونار تشتعل بفؤادها تخشى فراقه وقلق تام يسيطر على ذاتها.
لترآها والدته أمل هكذا لتقول بقلق:
- مالك يا حبيبتي، بتبكي ليه بس؟
أترمت بأحضانها باكية وهي تقول:
- قولتله متسافرش وسافر، وأنا خايفة عليه.
ربتت على ظهرها بحنان وتفهم وهي تقول:
- يا حبيبة قلبي هيرجع وهيكون كويس، ادعيله انتي بس، ربنا ينور طريقه.
فهتفت بتمني:
- يارررب.
كان يقود وهو منشغل التفكير في من خطفت منه فؤاده وروحه ليصبحا ملكها. ضحكتها وأبتسامتها لا تفارق عيناه.
دموعها تلك أشعلت فؤاده. فقال بوجع:
- مش عايزك تحبيني، ياريتني ما عرفتك ولا قابلتك، ياريتك ما حبيبتيني، مش عايز أسيبك على كام ذكرى، بس خلاص أنا خدت قراري ولازم أنفذه. لازم أخليكي تكرهيني، الكره وبس.
لازم أسيب ذكريات توجع قلبك عشان تكرهيني بزيادة، ويارب ما تنسيني.
تنهد بوجع وصورتها لا تغيب عن باله.
ذهبت لمار برفقة عدنان بكل مكان قد يتواجد به رؤوف دون جدوى. ظلت تبحث عنه لساعات دون ملل، فلديها هدف تسعى له. تجولت ليل نهار بالبحث عنه ولكن لا فائدة.
حتى قررت الذهاب إلى منزله لعلها تعلم شيئًا.
فاقت من أفكارها تلك. لتتنهد بضيق وهي تقول بيأس:
- يارب، لحد الآن لا عارفة فين كلب البحر رؤوف (أمنية على 😹😹).
زفرت بعمق وأكملت:
- ولا حتى عارفة فينك يا يوسف؟
وقالت بحيرة متسائلة:
- ياترى ليه مش عايز تشوفني؟ ولا عايزني أعرف مكانك؟ ليه يا حبيبي بتوجع قلبي كدا؟
هبت واقفة وهي تجذب مفاتيح الشقة التي تمكث بها حاليًا بالغربة وقالت بتأكيد:
- أنا عارفة إنك مش هتستخبي في بيتك، بس على الأقل ممكن ألاقي طرف خيط يوصلني ليك.
خرجت وهي توصد الباب خلفها. وهبطت الدرج متوجهة لسيارة لتقودها فورًا ذاهبة لمنزل عمها.
بعد وقت وقفت لتفتح نافذة السيارة تراقب الفيلا عن بعد.
رأت أن في غرفتين مضيئتين بهما نور وهذا يدل على أن هناك أحد.
بدهشة وصدمة قالت:
- ياترى مين هيكون قاعد فيها؟ لازم أعرف.
هبطت سيارتها وهي تتسلل بحذر ناحية المنزل برفق.
فوجدت بعض الحراس على البوابة عالية الأسوار سوداء اللون. تسللت بخفة لتصبح أسفل الشرفة. وتسلقت بخفة للأعلى بجسدها الضئيل. هبطت من أعلى السور للنافذة.
سارت بخفوت خلف الزجاج ورأت شابًا يجلس على الفراش يعطيها ظهره.
كانت تشعر برؤيته قبل ذلك وأنه مألوف لها.
فمن يكون؟ وما يفعله هنا؟ هي تعلم أنه ليس لديه أولاد، فمن يكون؟
أما إيهاب، كان يجلس بقلق وهو يهز قدميه. لا يعلم أين والده؟ وهل لمار قبضت عليه أم لا؟ وهل هي كويسة أم لا؟
كان يحس بعجز تام مسيطر عليه وقلب يئن بالوجع.
شعر بحركة خفيفة تأتي من الشرفة فنهض واقفًا.
وما أن استدار حتى رمقته لمار بصدمة وهي تقول:
- إيهاب؟ بيعمل إيه هنا؟ ويعرف عمي إزاي!
جال بخاطرها تلك الرسالة لتردد بدهشة:
- إيهاب زي أياد، تقصد إيه يا يوسف.
انفتح زجاج الشرفة، ووقف إيهاب بصدمة سرعان ما تحولت لوجه متهلل بالبهجة مسرورًا. وأعين تنبع بالفرحة قال بفرحة:
- لمار؟ صح أنتي قدامي.
ثم فرق عينيه وهو يقول:
- وايه اللي هيجبها بس؟ من تفكيري فيها أتجنيت!
فقطعه صوت لمار قائلاً بتريقة:
- ومين قال أنك أتجنيت؟ ما أنا قدامك أهووو!
فهتف بأعين متسعة:
- لماررر بجد.
ركض ليضمها سريعًا باشتياق، لتربت على ظهره بحنان أخوي.
أبتعد عنها قائلاً بسعادة بالغة بنبرة صوته:
- أنتي هنا من أمتي؟ تعالي تعالي نقعد.
جذبها من يدها للداخل فولجت معه بصمت تام.
جلست جواره فقال بفرحة:
- وحشتيني والله وحشتيني أووي.
- أنت بتعمل إيه هنا؟ أنت مين؟ تعرف رؤوف منين؟
هتفت بها لمار بصدمة.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة وهو يقول بتلعثم:
- هو هو الصراحة.
أومأت لمار رأسها وهي تقول:
- الصراحة إيه كمل.
بأعين دامعة هتف:
- أنا أبقى أبنه، بس أوعي تكرهيني، والله ما ليا ذنب في كل اللي حصل.
قطعته لمار وهي تضع سبابتها على فمه قائلاً بحنان أخت:
- بسسس أسكت، مفيش أخت بتكره أخوها. ضربته على مؤخرة رأسه قائلة: يا غبي!
فقال بأعين تشع منها الفرحة:
- بجد يا لمار، يعني أنتي مش زعلانة مني؟ ولا هتكرهيني؟
هزت رأسها نافية، ليضمها بحنان مفتقد.
أبتعد عنها وهو يرمقها بحب وظل يسألها عن هالة والفتيات ويحكي لها عن كرهه لوالده بفرحة أنها جواره.
نسوا الوقت سوياً وكأن الحياة توقفت بتلك اللحظة.
أما هي كانت تنصت إليه بفرحة.
كانت ورد تتشاكل مع أياد بسبب التلفزيون، أما هو كان يعارضها على أتفه الأسباب وقد نسي كبر سنه. فمع تلك الطفلة الصادقة تشعره بطفولته التي افتقدها.
يقف أياد وهو يرفع الريموت عالياً وهو يقول:
- والله يا ورد مش هديهولك، عايز أسمع المسلسل.
كانت تحاول جاهدة أن تصل إليه حتى وقفت على أصابع قدميها وتكاد أن تقع وهي تقول:
- يوووه يا أياد هات بقا، عايزة أسمع الفقرة دي لشيخ أحمد مهمة أوي.
فقال بعند طفولي:
- لا يا ورد، عايز أسمع المسلسل الهندي. وقال بهيام: يا بت دا مسلسل سونا ورهيت، أين أنتي وأين أنا.
فصاحت هي بغيظ:
- يوووه، يقولي مسلسل هندي.
خطرت ببالها فكرة لتجلس على المقعد باللامبالاة وهي تقول:
- خلاص يا خويا أتفرج عشان تدخل النار لوحدك، وقتها مش هيكون في فيلم هندي.
نظرت له بطرف عينها وهتفت قائلة بعدما وصلت لمبتغاها:
- إن شاء الله تموت ومينفعكش الهندي وإن.
قطعها أياد بحسم وهو يقذف لها الريموت:
- أمسكي أهووو وأسكتي ومتدعيش عليا، إيه ياختييي، البنات دي صحيح إن كيدهن عظيم.
تعالت صوت ضحكات زيد الساخرة وهو يقول:
- وربنا تستاهل، أنت طفل عشان تعمل عقلك بعقلها؟
قطعته هالة قائلة:
- هي مين دي اللي طفلة؟ دا هو اللي طفل!
ارتفعت ضحكات ورد قائلة:
- قوليله ياااختي.
رمقه أياد بغيظ ليلتقط الوسادة ويقذفها بها.
فصرخت ورد بتأوه:
- بقا كدا، يارب تموت.
ضرب أياد جبينه بنفاذ صبر. لتقذف ورد عليه الوسادة وهي تقول:
- قوم هاتلي أشرب.
رد لها الوسادة قائلاً:
- ما تجيبي لنفسك وأنا مالي؟
ريم بالمطبخ وأحمد أمامها أمسك من يدها الكأس ليضعه جانبًا. وجثى على ركبتيه قائلاً بصدق ينبع من عيناه:
- طب أمال زعلانة ليه طيب؟ كلام، مش عايزة تكلميني، وزعلانة مني وبتهربي بعنيكي. ليه عايز أعرف طيب؟ في إيه لكل ده؟
غضت بصره عنه قائلة بنرفزة:
- قولت مفيش يا أحمد، خلاص بقا واوعى من قدامي، عايزة أعدي.
- مفيش خروج غير لما تقوليلي في إيه لكل ده.
ربعت يديها أمام صدرها قائلة:
- تمام، خلينا كدا؟
كور قبضة يده ليتحكم بعصبيته قائلاً بهدوء:
- حبيبتي احكيلي مالك؟ ممكن أنا زعلتك في حاجة وأنا مش واخد بالي.
فقالت وحرارة الغضب تتزايد:
- وطالما مش واخد بالك، خلاص يهمك ليه أصلاً!
فصرخ بها قائلاً بغضب وهو يلكم بيده الحائط لتصرخ هي بفزع:
- يا ريم انطقي بقا في إيه؟
دموع انسابت على وجنتها بغزارة وهي تقول بألم:
- سافرت من غير ما تقول، مهمكش إن في قلب هيفضل ليل نهار يفكر فيك وهيموت من قلقه. مفكرتش للحظة تعرفني، لكن لا سبتني أتعذب وأنت سافرت.
تعالت صوت ضحكاته عاليًا فرمقته بغيظ قائلة:
- تصدق إنك بارد.
فقال بفرحة وهو يحتضن وجهها بين يديه:
- حبيبة قلبي اللي قلقانة عليا، ياااناس أموت أنا؟
فهتفت بحب من بين دمعاتها:
- بعد الشر عليك.
كاد أن يقترب ليقبل جبينها فتراجع. فجثى أرضًا بفزع من صوت ورد التي تصرخ:
- حررررام، طلعوه براا.
وأنفجرت ضاحكة بشدة.
أعتدل أحمد ليركض خلفها وهو يقول:
- والله أنت اللي حرام، جيالنا منين أنتي يا هادمة اللذات.
صاحت ورد وهي تتمسك بيد:
- أياد الحقني يخربيتك.
فقال وهو يلوي فمه:
- طالما فيها يخربيتي، يبقي مليش دعوة بيكي.
فقالت بدعاء:
- إن شاء الله يعمر بيتك يا أياد ويرزقك ببنت الحلال. ابتسم بفرحة وهو يقول:
- وتكون زي القمر ودمها خفيف وعسولة كدا؟
فقالت وهي تتجه لزيد بصوت عالي:
- إن شاء الله تطلع عينك ليل نهار تكون غولة وحولة وعمياء وشعرها منقوش وسودة عشان تشوفها في الضلمة تصرخ وتطير.
حدق بها بصدمة فانفجر الفتيات ضحكًا.
أما زيد نظر لها بخوف وهو يكتم ضحكته:
- خير يا رب، عايزة إيه مني أنا كمان، جننتيهم كلهم، مينفعش نبقى كلنا طيب.
استخبت خلفه وهي تقول:
- طب خبيني منهم ومش هجننك.
فصاح زيد بصوت عالي:
- كلكم اقعدوا يلا.
بشماتة جلست ورد جوار هالة وهي تغيظ بهم.
لتقول هالة بتذاكر:
- لمار وحشتني أوي، هترجع أمتى بقا.
فردت ريم قائلة بشوق:
- مين سمعك، وحشتني أنا كمان جدًا.
فرد زيد قائلاً بشرود:
- مش هترجع.
واكمل باسمًا:
- غير وهو معاها.
ظهرت الدهشة بوجوه الجميع ليأكمل زيد قائلاً:
- مش هترجع غير ويوسف معاها، يوسف عايش؟
صدمة، ذهول، سيطرة عليهم لتقول هالة:
- مش فاهمة، يوسف مين اللي عايش.
قص عليهم زيد كل شيء.
لتعتلي الفرحة وجوه الجميع.
- لا يا ماما مستحيل، ابنك لو عرف هيموتني، والله مقدرش أعمل حاجة زي كدا.
قالتها حبيبة برفض تام لوالدة يوسف.
فقالت وهي تحاول الوقوف فهي ما زال التعب قليلاً:
- يا بنتي زهقانة من القعدة، خرجيني شوية الجنينة.
فقالت حبيبة برفض وخوف:
- يا ماما يوسف قالي إنك متخرجيش من هنا، مينفعش.
جلست بيأس وهي تقول بحزن:
- الله يسامحك، خلاص مش عايزة أطلع.
فكرة حبيبة قليلاً لتقول بذاتها:
- هو أصلاً مش موجود، يبقي فيها إيه لو خرجتها شوية يعني.
هبت واقفة بابتسامة رقيقة وهي تقول:
- تعالي نتمشى شوية، ربع ساعة وندخل على طول.
ساندتها حتى خرجوا للخارج.
أمل بعتاب:
- آه شفتي فيها إيه لو طلعتيني شوية في الهوا كدا، كنت مخنوقة من القعدة.
فقالت حبيبة بتوضيح:
- يا ماما مش ذنبي، دي أوامر ابنك.
ظلا يتحدثان سوياً، ظننا أن لا أحد يراقبهم.
فلم تر حبيبة ذاك الحراس الذي عند خروجهم أخرج موبايله ليبعث رسائل لأحد ما بابتسامة خبيثة.
جلسا لوقت طويل، يتحدثان بأمور عدة.
حتى قالت حبيبة بزهق:
- يلا بقا كفاية كدا عشان لو ابنك عرف هيفرمني.
وهبت واقفة لتساندها وقالت أمل بهزار:
- أنا هخليه يفرمكن بجد وهقوله طلعتيني.
نكزتها حبيبة بخفة وهي تقول:
- قوليله ياختيي.
ما كادت أن تفتح الباب الذي بداخل المكتب.
حتى استمعت لصوت إطلاق نار جعل قلبها يتوقف لوهلة.
لتدفع والدته بالداخل فوراً. وأوصدت الباب جيدًا.
كانت تطرق على الباب باسمها مرارًا وتكرارًا بخوف.
أما حبيبة فصعدت لغرفتها راكضة. لا يوجد فيكتور ولا أحد، لم تكن تعلم ما عليها فعله. اقتربت مسرعة من النافذة فرأت الحراس تبع يوسف جميعهم صراخًا.
وتلك الرجال يقتربون. استمعت لصوت خطواتهم تقترب.
فجذبت هاتفها وهي تسرع لتدلف أسفل السرير.
رفعت هاتفها بعدما طلبت يوسف والذي رد بجمود:
- عايزة إيه؟ خير؟
استمع لصوت بكائها الذي يقطع قلبه أربًا، وصوت إطلاق النار.
بفزع، وصدمة، وقلب قد انسحب من مكانه، وانفاس تكاد تتلاشي. وكأن هناك من يسحب روحه بلا رحمة. هب منعدلاً ليركض بسرعة للخارج وهو يهبط الدرج.
الدرجة بدرجتين بلهفة حتى صعد سيارته وهو يتنفس بصعوبة من شدة تعبه ورأسه. وقال باطمئنان ببسمة هادئة عكس العاصفة التي بقلبه:
- حبيبتي أهدي، أنا معاكي، فين فيكتور هااا.
استمع لصوت صراخها ظل يردد اسمها دون جدوى ليسرع من قيادته منطلقًا بقلق وهلع وفزع وخوف.
صوت بكائها لا يفارق مسامعه فيذبح قلبه وجعًا.
بيدين مرتعشتين أمسك الهاتف ليرن على فيكتور لعله يصل قبله فينقد معشوقة قلب أخيه.
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندى ممدوح
بيدين مرتعشتين أمسك الهاتف ليرن على فيكتور، لعله يصل قبله فينقذ معشوقة قلب أخيه.
جاءه أخيراً صوت فيكتور وهو يقول بمرح:
"أوعي تقول أني وحش....."
قطع باقي جملته شهقاته العالية وهو يقول:
"فيكتور أنت فين، ألحق حبيبة وماما بسرعة بسرعة!"
كالصاعقة، تلك الكلمات جلجلت فؤاده ليقول بصوت مهزوز:
"إيه اللي حصل!؟"
قطعه صراخ يوسف به:
"بقولك ألحقهم بسرعة!"
وأغلق فوراً، وهو يضرب يده بالنافذة بغضب وصوت بكاءها يزلزل قلبه ألماً. فكيف تشعر بالخوف وهو ما زال على قيد الحياة؟
أما فيكتور، فبمجرد أن أغلق معه، حتى هرول بقلق يقود سيارته عائداً للمنزل.
كان يقود بسرعة كبيرة بقلب يشتعل بالنار والخوف، يكاد أن يصطدم بالسيارات، ولحسن حظه، تفاداها بأعجوبة.
رن هاتفه فجأة برقم غريب. ليلتقطه بلهفة لتكون هي.
وقال بصوت مختنق:
"الوووو"
جاءته ضحكته التي يبغضها كثيراً، ضحك ساخراً وهو يقول:
"أزيك يا بن أخويا؟ مش عيب عليك تكون لسه حي ومتجيش تقول لعمك! وكمان تخطف أمك من عندي. إلا صحيح، أصل رجالتى معرفوش مكانها فجابوا مكانها مراتك، هي عندي؟"
فصاح يوسف قائلاً بغضب:
"أقسم بالله إن لمست شعرة منها، هدفنك مكانك. أنا استنيت عليك كتير."
فقال رؤوف بجدية:
"طب أهدي كدا وسمعني، ومتنساش حبيبة القلب معايا. فبسكات كدا، لو عايزها عايشة تيجي على العنوان اللي هبعتهولك دلوقتي!"
لم يكن منه سوى أن ينصاع له حتى لا تتأذى، فقال بحقد:
"جاي بس متقربلهوش، وستلقي وعدك."
ما كاد أن ينهي جملته، وأغلق فوراً، وهو يلقي الفون جواره بعصبية.
صف فيكتور سيارته وفتح الباب بلهفة وهلع وهو يركض للداخل بجنون. أفجعه منظر الحراس أرضاً. فأكمل طريقه للداخل بألم وخوف وهو ينادي باسم:
"حبيبة."
وقف بفناء المنزل وهو يضع يده بجذعه، يحوم حول نفسه وعينه تجوب المكان وهو يردد بوجع:
"أنا وصلت متأخر! هقول إيه ليوسف؟ مقدرتش أحميهم؟"
ترقرق الدمع بعينه وركض داخل المكتب وإلى تلك الغرفة داخله تحديداً، ليرى والدة يوسف مغشياً عليها. أسرع بفزع ليحملها ويضعها على الفراش برفق. وذهب لإحضار عطر وعاد على الفور قربه من أنفها، لتفتح عينيها ببطء شديد بخوف. وقع بصرها على فيكتور، الذي أسرع ليمسك يدها بحنان ويقول بقلق:
"إنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تقول بصوت وهن:
"حبيبة فين؟"
غض بصره بأسف، فعلمت حينئذ أنها اختطفت.
بتمر ساعات وساعات دون جدوى، فلم يكن منه إلا أن يرن على إيهاب يطلب منه القدوم هو وتالا. وأغلق معه ليخبر عدنان بشيء.
تنهد بقلق وهو يجلس على أقرب مقعد، يشعر بفقدان سنده الوحيد. يرن على هاتفه دون جدوى، وتلك الرسالة تجعله يجن: "هذا الرقم مغلق".
وضع رأسه بين كفيه وكأن هموم الحياة على عاتقه بأكملها.
لحظات، وكان يهرول إيهاب نحوه بقلق وقال بصوت يعتليه الخوف:
"يوسف فين؟ أخويا فين؟ انطق!"
تخلى فيكتور عن مقعده ليقف أمامه بثبات خادع وهو يقول بجدية:
"كويس متقلقش. عايزك بس تفضل هنا أنت وتالا مع ماما أمل. عندي مشوار صغير وراجع."
جذبه إيهاب من معصمه قائلاً بدموع خانته:
"طب قولي أخويا فين؟ هو كويس؟"
ربت فيكتور على يده المقبضة على معصمه بحنان وهو يقول باطمئنان:
"أنا رايح عشان أرجعه ومفيش وقت أحكيلك. لازم أتصرف. خلي بالك أنت من ماما تمام؟"
هز رأسه نافياً له، فابتسم له ابتسامة هادئة، وكاد أن يستدير ليقف وتطرق الطبول بقلبه عند رؤياها. هز رأسه نافياً وغادر مسرعاً.
بينما اقتربت تالا من إيهاب قائلة ببكاء:
"هو يوسف ماله؟ وصحيح بابا مجرم ومطلوب للعدالة! صحيح بابا كان بيسرق أعضاء الأطفال؟"
جذبها إيهاب من مؤخرة رأسه لصدره بحنان وهو يقول:
"متفكريش يا حبيبتي في الموضوع ده."
رفعت بصرها به قائلة:
"يعني إحنا مبقاش لينا حد غير يوسف؟"
هز رأسه نافياً وقال:
"إزاي يعني ما أنا أبوكي وأخوكي. إنتي ناسيه إن أنا اللي مربيكي. دا إحنا صحاب. طيب وبعدين في يوسف ولمار والباقي، هعرفك عليهم وهتحبيهم؟"
تعالت صوت شهقاتها وهي تقول:
"إنت كل حاجة ليا وخايفة لتسبيني في يوم وأكون يتيمة. أنا وقتها هحس باليتم دا. إنت هو أبويا وأخويا وصحبي وأمي!"
ضمها وهو يقول بوجع وصوت مهزوز:
"إن شاء الله هفضل جنبك طول العمر. ادخلي شوفي مامت يوسف لو محتاجة حاجة وأنا هفضل قاعد هنا."
أومأت برأسها له، وولجت للداخل ليجلس هو على أقرب مقعد بقلق وخوف.
كانت روحها تبكي حزناً، والاشتياق يعصر قلبها ألماً. تذكرت إيهاب وحديثه لتبتسم بحب وفرحة. ارتدت سدال الصلاة لصلاة المغرب. شرعت بصلاتها وقلبها يدعو أن تجده. أنهت صلاتها لترفع يدها وعيناها للسماء. وهي تقول بصوت موجوع مشتاق:
"يا رب رجعهولي يا رب قربنا من بعض. يا رب أنت العالم بحالي يا مجيب أجب دعائي. أسألك يا رحمن أن ترده لي."
أغمضت عيناها بألم فطال الانتظار.
ما كادت أن تستقيم لتطوي سجادتها، حتى استمعت لطرق على بابها. خلعت سدالها فوراً وتنهدت بضيق وتوجهت مسرعة لتفتح.
اعتلت وجهها الصدمة وهي ترى عدنان وفيكتور أمامها.
ربعت يدها أمام صدرها وقالت بجمود وعيناها لفيكتور الذي يغض بصره أرضاً:
"خير؟ في حاجة؟"
رفع عينه الممتلئة بالدمع لها، فنظرت له بخوف يرجف قلبها ونفسها.
فقال بألم ووجع:
"يوسف."
بأعين ظهر بها القلق والخوف، ابتلعت ريقها الجاف مما ستسمعه. رددت بصوت مهزوز يخشي ما سيقوله وهي تغلق عيناها:
"يوسف ماله؟"
توجع فيكتور لنبرة صوتها تلك، ليشرع بقص لها كل شيء حتى عن والدتها. أصبتها الدهشة، وبوجه مشرق بالفرحة ودموع انسابت على وجنتيها قالت:
"أمي عايشة، يعني هي عايشة؟"
أومأ فيكتور رأسه بحزن:
"تعالي شوفيها."
ابتسامة واسعة بقلب يرفرف عالياً من شدة الفرحة هبت مسرعة. لتتوجه معه هناك بقلب لم يحتمل الصبر، كانت تعد كل ثانية أثناء الطريق، تشعر أنهم سنوات. تبا، متى ينتهي الطريق الفاصل بينها وبين والدتها؟ كم اشتاقت لحضنها، وحنانها، وهمسها، ولمست يدها.
كانت تحجب دموعها بأعجوبة أمام الشابين.
وحينما توقفت السيارة، أسرعت بفتح الباب الذي يليها لتركض كالبرق للداخل بقلب مشتاق وعينان مشتاقة.
لم تر إيهاب الذي هب واقفاً بفرحة عند رؤيتها.
كانت عيناها تجوب المكان وهي تلهث، حتى ولجت بتلك الغرفة. توقفت قدماها عن الحركة وهي تراها تتوسط الفراش بحزن. لم تر تالا، فعيناها مثبتة عليها.
لم تقو على حجب دموعها، لتهبط على وجنتها كأمطار سالت فجأة من السماء دون موعدها. شعرت بها، لتنهض بأعين تفيض بها الدمع وهي ترمقها باشتياق.
أما لمار، فمن وسط دموعها ظهرت ابتسامة حالمة على ثغرها وهي تتأملها بهيام، تخشى أن تكون بحلم. تحرك وجهها تارة يميناً ببسمة واسعة، وتارة يساراً وهي ترمقها بعدم تصديق. ضحكت فجأة بوجع وهي تهمس:
"ماما؟"
ويا الله، من تلك الكلمة كم كانت تشتاق لها كثيراً.
فردت أمل ذراعيها وهي تأمأ لها بعينها، لتقترب وخطت خطوات بطيئة جداً نحوها.
فتقدمت أيضاً لمار بخطوات بطيئة، وكأن قدمها لا تحملها على السير. وقفت أمام عينيها مباشرة.
ورفعا الاثنين أيديهما ليحتضنا وجوه بعضهما بعدم تصديق ودموع أغرقت وجوههم.
عانقا بعضهما باشتياق شديد وبكاء أشد يتزايد.
احتضنتها أمل بقوة تكاد أن تدخلها بقلبها وهي تقبل رأسها مراراً وتكراراً.
أبعدت لمار وجهها عنها وهي تقول ببكاء وضحكة فرحة:
"ماما ماما، متعرفيش أنا حصلي إيه من بعدك. طب هان عليكي إنتي ويوسف تسبوني طول الفترة دي؟ أنا كنت بتعذب. أنا كنت ميتة حرفياً، جثة ماشية على الأرض بتتحرك بس من غير روح. هان عليكم إزاي؟"
ضمتها بحنان مرة أخرى وبكاء قالت:
"سامحيني يا حبيبتي، غصب عنا أنا وأخوكي."
على ذكر اسم يوسف، اعتلى وجهها الغضب وعينان تشع بالنار قالت:
"يوسف عند رؤوف؟ والله ما هرحمه."
ارتجفت أواصرها بخوف على ذكر اسمه. وتهجمت ملامحها.
فبحنان ربتت لمار على يدها قائلة:
"طول ما أنا جنبك متخفيش من أي حد."
بنظرة خافتة رأت حروق وكدمات تكاد تتلاشى على وجهها ويديها. بلهفة وأعين جاحدة أمسكت يدها قائلة بغضب:
"رؤوف اللي عمل فيكي كدا؟"
انسابت دموعها وهي تلهث بخوف وأومأت برأسها.
بأعين يشوبها السواد والغضب قالت:
"والله لهدفعه التمن غالي. مبقاش بنت الشرقاوي إن ما خالته يبكي بدل الدموع دم. نظرة خلفها وأشارة لفيكتور: تعالي عايزك."
اقترب منها، وابتدأ بقص كل شيء يعلمه عن رؤوف. كانت ترمق تالا لمار بخوف من هيبتها تلك وتمنت أن تكون مثلها. أما إيهاب، فقد كان يقف بعيداً بدموع تفيض بمقلتيه.
صف سيارته ليهبط منها صافقاً الباب بغضب عارم.
متجهاً لذالك المكان الذي به من يهوى فؤاده.
ولج للداخل بعيون تشع نار، تكاد بحرق ذاك المكان الذي يشبه بحد كبير المخزن.
رأى بعد الحراس ليتقدم منه أحدهم وهم بتفتيشه، ليمسك يده قبل أن تقترب من جسده قائلاً بغضب جامح:
"أبعد عن طريقي أحسن لك."
فرد الحارس:
"وماذا أنت فاعل إن لم أبعد!"
رمقه بأعين مشتعلة ليرفع يده يغرزها بعنقه وهو يقول:
"متخلنيش أندمك على اليوم اللي خلتك تشتغل فيه معاه!"
ودفعه بعيداً ليتلوي الآخر وجعاً وهو يلتقط أنفاسه الهاربة. ولج للداخل ليقف أمام عمه بابتسامة ماكرة وهو يقول:
"فين حبيبة؟"
فقال الآخر بسخرية:
"طب مفيش أزيك يا عمي؟ ولا وحشتني يا عمو؟"
اعتلى الغضب نفسه وانقض عليه باللكمات وهو يقول:
"عم إيه، انت أصلاً تعرف يعني إيه عم ولا يعني إيه أخ."
يمسكه من عنقه وهو يلكمه بقسوة وغضب.
حتى هجم عليه بعد الحراس ليشُلوا حركته. فما كان منه أن استدار لهم غاضباً وأوقع واحداً تلو الآخر.
حتى توقف على صوتها الباكي بصدمة وأعين متسعة لآخرهم.
رفع بصره بها.
فرأى ذاك الشاب موجه المسدس نحوها.
كاد أن يقترب ليجذبها لحضنه يطمئنها، فدموعها تلك تنزل كالجمر تحرق فؤاده.
هجموا عليه جميعاً وأطرحوه أرضاً، فما كان منه سوى الاستسلام حتى لا يؤذوها، وهو ينظر لها. كأن عيناها تجعله لا يشعر بكم الألم الذي يحتله.
كانت تصرخ بهستيريا تحاول الوصول له وهي تمد يدها له تريد أن تتمسك به، إلا أن ذاك الحارس مقبض الأحكام على معصمها بقسوة.
رأتهم يزدادون عليه بالضرب دون رحمة، حتى أن وجهه كله يسيل منه الدم. كان يصعب عليها رؤيته بتلك الحالة. بكاءها وشهقاتها كانت تتعالى شيئاً فشئ. رفعت قدمها لتهوي بركلة قوية على قدم الحارس الذي ممسك بها. ليمسك قدمه بتأوه.
استغلت الفرصة لتركض وهي تدفعهم بقوة عنه وتحجبهم عنه وهي تخبئه بجسدها. توقفوا عن الضرب. فتعالى صوت ضحكات رؤوف العالية قائلاً:
"مش عارف إيه الحب ده، إزاي بتضحوا بنفسكم عشان بعض؟ كمل يابني، وقفتوا ليه؟ موتوهم عشان لمار هتيجي ولازم نهاديه هدية تليق بمقامها."
جذب أحدى العصا ليلقيها لأحدي من الحرس، فالتقطتها فوراً.
هبطت دموعها بغزارة على وجهه.
لم يكن يستطيع حتى فتح عينه من شدة الألم الذي يشعر به.
ما كاد أن يرفع العصا ويهوي بها على جسدها، حتى ضمها بقوة داخل صدره. واعتدل هو ليصبح من فوق وجاءت به الضربة على ظهره. نظرت له بألم ودموع لا تفارق عيناها.
فبسكينة وضع جبهته على جبهتها.
ليشير رؤوف بحدة:
"بس كفاية كدا. سيبوهم وتعالوا معايا، لازم لمار تيجي!"
وقع جوارها بقلب فاقد للحياة.
اعتدلت وهي تحتضن وجهه بكلتا يديها وقالت بدموع:
"يوسف، إنت كويس؟ هااا رد عليا؟"
رفع يدها لمؤخرة رأسها وجذبها لصدره وهو يغمض عينيه.
احتضنته بخوف عليه وهي تبكي بصمت.
فهمس بخفوت جوار أذنها:
"متخافيش، أنا معاكي. مش هسمح لحد يأذيكي."
حقاً، عن ماذا يقول؟ أيخبرها أن لا تخف؟ ومن أين يأتي الخوف وهو جوارها؟ فهو يكون الأمان والسكينة.
رفعت بصره به قائلة:
"أنا مش خايفة عشان إنت معايا."
ابتسم لها بحنان، فانسالت دموعها ليزيحهم بأنامله، لتهمس بألم:
"أنا آسفة، بسببي حصلك كل ده؟"
هز رأسه نافياً ببسمة هادئة.
نظرت حولها فوجدت أبريق به ماء على الطاولة.
استقامت لتأتي به سريعاً وبدأت بنثر المياه على وجهه، وبطرف درسها الفضفاض جففت وجهه.
انعدل بجلسته وهو يقول:
"إحنا لازم نمشي من هنا."
فهتفت حبيبة:
"متقلقش، لمار هتيجي."
فأشار لها بعدم فهم:
"ولمار هتعرف إزاي؟"
فأجابت بتأكيد:
"لمار بتدور على عمك. متقلقش، أكيد هتعرف."
*تجلس بوجع تخشى أن يصيبه شيء. ارتفع رنين هاتفها معلناً عن رقم مجهول. لتجذبه سريعاً وهي تقول بلهفة:
"الو؟ يوسف؟"
تعالت صوت ضحكات رؤوف، لتنهض لمار بغضب وتوعد.
أنهى ضحكته قائلاً بسخرية:
"إيه ده؟ إنتي عرفتي إن يوسف عايش وهو عندي كمان؟ عايزة تشوفيه؟ هتيجي دلوقتي على المكان اللي هبعتهولك!"
زمجرت قائلة بغضب:
"إياك تلمس شعرة منه ولا تأذيه!"
قطعها قائلاً:
"عيب عليكي، دا بن أخويا. يلا مستنيكي، متتأخريش يا بنتي. واه، تيجي لوحدك!"
أغلق فوراً بعد تلك الجملة. لتلقي لمار الهاتف بدون اكتراث أرضاً وهي تتنهد بضيق.
اقترب فيكتور بقلق وهو يقول:
"لمار، في إيه؟ يوسف كويس صح؟"
استجمعت شجاعتها الهادرة لترفع بصرها به باطمئنان:
"آه، متقلقش. هو كويس وهرجعه دلوقتي."
فنطق فيكتور وإيهاب بذات الوقت:
"هاجي معاك؟"
تنقلت أنظارها بينهم وهي تقول بحسم:
"محدش هيجي معايا. أنا بس اللي هروح، وأوعدكم هرجعه وهرجع حبيبة."
خرجت مسرعة لتصعد سيارتها وتقود منطلقة نحو المجهول.
أما إيهاب، ففور خروجها خرج خلفها ركضاً.
استمعت لرنين جرس المنزل. ل تنهض هدى وهي تقول:
"يارب يكون فهد!"
رأته أمامها. فقال فهد بود:
"إزيك يا ست الكل، عاملة إيه؟"
فأجابته بامتنان:
"الحمد لله. اتفضل يا فهد يا بني!"
ولج للداخل وعيناه تبحث عن أدهم. فهتف بتساؤل:
"أمال أدهم فين؟"
زفرت بضيق وهي تقول بصوت مخنوق:
"جوه يا فهد. مش عارفة ماله، يرجع من الشغل يقعد لوحده، لا بيتكلم ولا يخرج زي عادته."
غمز لها فهد قائلاً باطمئنان:
"طب يا ست الكل، متقلقيش إنتي. أنا هتكلم معاه. وهعرف ماله."
أومأت له بامتنان.
طل برأسه فرآه يجلس على الفراش مستنداً برأسه للخلف، يظهر عليه الحزن. ولج للداخل وجلس جواره بصمت. ربت على كتفه وهو يقول:
"مالك يا أدهم؟ فيك إيه؟"
نظر له وقال بجمود:
"مفيش."
فهتف فهد بتأكيد:
"لا، في. مالك يا أدهم. عشان لمار، ما إنت السبب وضيعتها من إيدك!"
تنهد بضيق ليحسه على الحديث وأكمل:
"ما هو مينفعش تتهمها بالخيانة وأنت أكتر شخص تعرفها."
نظر له أدهم غاضباً وهتف:
"بس أنا واثق فيها. مش هكذب، فعلاً شكيت فيها. ولكن لما فكرة عرفت بغلطتي."
فهد بحسم:
"أومال ليه عملت كدا؟"
زفر أدهم بوجع وهتف:
"لأن عمها الزفت ده كلمني، رن عليا وهددني بأهلي إن لو مبعدت عنها هيأذيهم. هددني أني أكسر قلبها."
خوفت عليهم لأني لقيت فعلاً ناس حوالين البيت، وانت عارف أحياناً أنا مش في البيت.
دفع رأسه للخلف بقوة.
ليقول فهد بجدية:
"طب متقلقش، كل حاجة هتتصلح ولمار هترجعلك."
ربت على كتفه قائلاً:
"يلا قوم كدا صلي وقرب من ربنا واحكي اللي في قلبك. هروح أمشي أنا وهنتقابل بعدين بس تكون تمام، وهقولك نعمل إيه عشان لمار ترضى عنك."
تنهد أدهم بضيق ونظر له بتساؤل:
"رايح فين؟"
أشار له بحزن:
"هزور رعد وأقعد معاه شوية."
كاد أن يغادر، فوقف على صوت أدهم:
"استنى، هاجي معاك."
أشار له باسماً وتوجهوا سوياً للمقابر. وصلوا سريعاً لهناك، فولج فهد مسرعاً وعينه متعلقة بمدفن رعد. انسابت دموعه رغماً عنه باشتياق.
جثا على ركبتيه بشهقات عالية ومر طيفه أمامه. قرأ الفاتحة بصوت مخنوق مختلط بالوجع والاشتياق.
كان يشاهده أدهم بحزن، فهو يعلم حبهم لبعضهما، فمن الطفولة وهما سوياً.
أغادرت قلباً قد عشقك!
قلباً كان لا يمر يومه سوى برؤياك!
قلباً كانت تشرق شمس يومه بك!
قلباً كانت تختفي نجومه وقمره عند تغميض عينك!
والآن تسلل الظلام لصميم قلبه كما سواد القبر الذي تمكث به!
أخرج فهد جل ما بجعبته من وجع واشتياق ولهيب لفراقه. ثم أخرج مصحفاً صغيراً ليقرأ سورة "يس" بخشوع.
أما أدهم، فقد كان فكره حائراً. متى سيموت؟ فها هو رعد مات فجأة. ولكن مات بعمل قد يدخله الجنة. ولكن ماذا إن مات؟ كيف عندما تملك الحزن قلبه؟ قطع صلاته ومناجاته وذكره لربه وورده اليومي. كيف بسبب جرح قلبه ابتعد هكذا؟ ماذا ستصنع له الحياة عند موته؟ فلن تشفع له نهائياً، إنما هي حياة فانية كالفندق، يذهب ليقيم به أيام وستأتي أشخاص أخرى به وهكذا تتجدد به الأشخاص، يرحل هذا ويأتي ذاك؟ وهكذا هي الحياة لن تدوم؟
شعر بتقصيره، تنهد بحزن وآسف واقترب ليقرأ الفاتحة لرعد.
ببسمة غامضة ورمقة غاضبة. يتطلع زيد لجون الذي ملقى على الأرض يتأوه من شدة الألم وجسده لا توجد به مكان سليم.
نهض من مقعده لينحني له قائلاً بغضب:
"أنت مفكر إنك كدا بتتعذب؟"
هز رأسه نافياً وهو يشدد من قبضته عليه قائلاً:
"أنت مش شفتش لسه العذاب، بس هتشوفه لما لمار تيجي. ها، فكرها اللي دبح أبوها قدامها وقتلتوا أبويا."
انعدل بوقفته وهو يركله بقدمه بغضب وهو يقول:
"عملولك إيه كل ده عشان الحق، عشان الصدق؟"
الأطفال البريئة دي عملتلك إيه عشان فلوس؟ أديك هتسيبها الفلوس ومش هتاخدها معاك وهتسيب كل اللي بنيته وجمعته.
جذبه من مؤخرة رأسه وصدد له اللكمات، أما هو فكان كالجثة من شدة الضرب لا يستطيع النطق حتى.
وصلت لمار لذاك المكان تفحصته جيداً قبل ولوجها للداخل.
بثبات وثقة سارت أمام الحراس لتقف أمام رؤوف بجبروت ولم تنشأ أن قالت:
"رؤوف، رؤوف! عاش مين شافك، مش ظاهر ليه؟ بقا مش عيب عليك، شايف بنت أخوك بتدور على القاتل وهو موجود قدامها!"
ارتفعت صوته ضحكاته عالياً وهو يتقدم منها ليقف أمامها قائلاً:
"ومش عيب عمك حبيبك، كل ما يخطط يموتك ترجعي!"
رفعت أظافرها لتغرسها بعنقه قائلة بصوت هائج:
"بقا أنت اللي قتلت أبويا وحرمتني منه وكنت سبب أذى أمي وفراقي عن أخويا؟ وقعت في إيد اللي مبتعرفش الرحمة للي زيك، وأنا هخليك تتمنى الموت مطولوش غير بمزلقي؟"
حدق بعينه وهو يلهث يحاول التنفس. يحاول جاهداً أن ينزع يدها التي تكاد تخنقه لكن دون جدوى.
اقترب الحراس منها، فبنظرة غاضبة مشتعلة بها النيران نظرت له وهي تشير بيدها:
"محدش يقرب، وإلا متلوموش غير نفسكم."
غضوا أبصارهم خوفاً وعادوا لمكانهم بصمت.
أبعدت يدها ليسقط أرضاً يلتقط أنفاسه ويمسك عنقه الذي يسيل منه الدماء من أثر أظافرها.
انحنت له قائلة بسخرية:
"إيه ده؟ إنت اتوجعت؟ معلش معلش، إحنا لسه في البداية."
ضحكت عالياً حتى أدمعت عيناها وأكملت قائلة:
"كنت عايز تشوفني وجتلك أهو."
استقامت لتجذب مقعد وتجلس فوق رأسه وهي تضع قدماً فوق الأخرى قائلة بغضب وأعين غاضبة:
"فضلت سنين عايش معايا وأنت بتحسسني إني أقتل قاتل أبويا، وأتاري قاتل أبويا قدامي. عجبتني دي الصراحة، مشككتش فيك ثانية، دا إنك شكيت في صوابع إيديه إلا إنت."
زفرت بعمق وأمسكت مؤخرة رأسه غاضبة وهي تقول أمام عينه وجهاً لوجه:
"مخدرات هعديهالك، سلاح هعديهالك."
ارتفع صوتها وهي تقول:
"لكن تسرق أعضاء الأطفال، دي اللي مش هعديهالك؟"
بأعين متسعة لآخرهم دفشته للأرض واستقامت لوقفتها.
قائلة بهدوء:
"فين يوسف بقا؟"
سارت للأمام وهي تبحث عنه.
فأستغل رؤوف الفرصة ونهض بمساعدة حراسه وأعطي لهم أوامر.
لم تجده، فأستدارت. وبألتفاتها كاد أن يضربها بالعصا لتمسك يده وهي تبعد وجهها بلمح البصر. كانت كسرة يده ودفعته أرضاً. بغضب تقدمت لرؤوف الذي ابتعد بخوف وهو يقول:
"أي حركة وهتخسريهم."
#لمارررر
نطق بها يوسف باشتياق وحنين وجع.
أدمعت عيناها بعدم تصديق وهي تستمع لصوته الذي رد لقلبها الحياة وأزهر روحها.
استدارت بلهفة. سرعان ما تحولت لألم وهي ترى كم يظهر عليه التعب. كادت أن تخطي إليه فأمسك يدها رؤوف قائلاً:
"استني هنا، مش بالساهل لازم تختاري حد فيهم يعيش."
وضع بيدها سلاح وهو يقول بحسم:
"لازم حد فيهم يموت، وكدا أنا هبقي مبسوط بكسر قلبك."
تقدم هو ليقف خلف حبيبة ويوسف وقال بجمود وهو يوجه السلاح ناحية يوسف:
"ها، هتقتلي مين؟ وإي غدر منك هفجر رأس أخوكي؟"
ببرود تام، تعالت صوت ضحكاتها قائلة:
"اقتلهم عادي خالص!"
نظرة لها حبيبة بصدمة، ومن ثم نظرة ليوسف الذي ابتسم بتفهم.
توجهت لتجلس على المقعد وهي تحرك السلاح بعشوائية قائلة:
"اقتلهم يلا، مستني إيه؟"
رمقته بأعين جاحدة حمراء ليرتجف قلبه خوفاً وصاحت وهي ترفع السلاح ناحيته بحذر:
"بس أنا خلاص اخترت مين اللي هيموت."
أطلقت رصاصة فجأة وهي تغمض عيناها تخشى أن لا تصيب الهدف.
لم تسمع سوى لصرخة رؤوف باسم إيهاب.
لتفتح أعينها بفزع وتسمرت مكانها بذهول تام وهي ترى إيهاب جثة يسبح بدمائه أرضاً.
لم تدري بشيء، فمتى جاء إيهاب. دخول قوات الشرطة المفاجأ. كانت تشعر بالضياع. جال بخاطرها كل لحظة كانت بها معه. براءته وضحكته. ضمها ليها كأنها الأمان. فرحته ولهفته لما بيشوفها. أغمضت عينها كأنها تتخيل مراراً وتكراراً وهي تعيد النظر له. شعرت بالدنيا تدور حولها. فاقت من ضياعها على صرخة يوسف أخوها. ليرتعد جسدها بقوة وهرولت تجاه إيهاب مسرعة.
فردد يوسف بتوهان:
"مات إيهاب، مات. أخويا مات، سندي مات. إيهاب مات."
رفعه ليضمه بقوة ودموعه تهبط بمرارة ووجع ونار تصهر فؤاده. نظر للمار قائلاً:
"قتلتيه؟ قتلتي أخوكي! دا كان بيعشقك من كلامي عنك من غير ما يشوفك. قتلتي أخوكي اللي من دمك!"
كلماته كانت كالسيف تقطع قلبها أشلاء فقالت بذهول:
"إيهاب يبقى إبن رؤوف؟"
فردد بصراخ:
"إيهاب أخوكي، أخوكي إنتي فاهمة؟ مش إبن رؤوف، هو حبيبي اللي عوضني بيكم. هو مش بس إبن أمي، دا إبن قلبي اللي رد قلبي للحياة من تاني. دا كان بينشر الضحك بوجوه الناس. طب تعرفي."
شهق بوجع وهو يقول:
"دا كان بيجي المستشفى بس عشان يهون على المرضى ويضحكوا! بس مش مصدق إنه مات. هو دفع تمن أخطاء أبوه ليه؟ ذنبه إيه؟"
أغشي على رؤوف مكانه بعدما ردد "ابني". كادوا أن يأخذوه رجال الشرطة إلا أن نظرة لمار منعتهم بحسم.
تطلعت حبيبة بصدمة ليوسف وهزته بقوة وهي تقول:
"لازم نسعفه، فووووق. مش هتفضل تبكي كدا عليه. يمكن في أمل ولو واحد في المية، ولازم نتمسك بيه."
نظرة للمار وقالت بصوت عالي:
"إنتي مقتلتيهوش، هو اللي وقف قدامك؟"
جه شاب فجأة يركض وهو يقول ليوسف:
"يوسف، إنت كويس؟ متقلقش، الإسعاف جايه دلوقتي!"
رفع بصره به وترك رأس إيهاب أرضاً وهو يقول بيأس:
"قلبه واقف خالص، هيعيش إزاي يا سيف؟ إنت ساعدتني كتير في إني أوقع الشحنات، بس مش هتقدر تساعدني دلوقتي."
بدهشة رمقته لمار، هذه أول مرة ترى أخاها الذي كان يشع بالحيوية وهو صغير يأسه هكذا.