الفصل 11 | من 18 فصل

رواية فتنت بانتقامي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رغدة

المشاهدات
23
كلمة
2,505
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

فتحت عيونها الزرقاء بكسل لتجد نفسها بحضن والدتها المتشبثة بها رغم سباتها العميق. نظرت حولها لترى غروب الشمس من النافذة. أزاحت يد والدتها من حولها بخفة لتقف وتنظر للسماء. ها هي شمس يوم طويل مليء بالأحداث تغرب، وستشرق شمس جديدة ويوم جديد. نعم، سيأتي غدًا، ولكن لن يكون كاليوم والأمس. فبعد ما مرت به من تجارب، هي ستحارب وتكافح لأجل نفسها وليس لأجل غيرها. سترسم قدرها بيدها، لن تكون دمية بيد أحدهم. ستلتفت لمستقبلها وجامعتها ودراستها التي توقفت على يد من باعها بأرخص ثمن.

أما هو، فيجلس بسيارته بجانب نهر النيل ينظر للغروب. كل ما يجول بخاطره: هل ستشرق شمس عشقه كما ستشرق هذه الشمس غدًا؟ هل لحبه بصيص أمل؟ نعم، له. سيسعى له بكل ما به من قوة وإصرار. لن يترك الزمن والآخرون يسيرون حياته أو يغيرون قراراته، فهي له وقد حسم الأمر، ولن تكون أبدًا لغيره. ليس بالإجبار أبدًا، هو سيمتلك قلبها. نعم، ها هو يخطط لهدفه القادم. وضعها نصب عينيه وسيبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيق مبتغاه.

لحظة وأخرى، وها هو يتذكر غريمه المدعو أحمد. فيبدو أنه سيكون في حرب ضده. والأفضلية لذلك اللعين، فهي تحبه. هل يتركها تعيش حياتها أم يحارب لامتلاكها؟ فكر كثيرًا، وها هو يسير باتجاه أولى خطوات حربه الضارية. ***

خرجت من الغرفة بهدوء، مغلقة الباب خلفها بروية لتترك والدتها تنعم بنوم هانئ. بحثت عن والدتها الثانية فلم تجدها. دلفت الحمام وتوضأت. وما إن خرجت حتى تفاجأت بالحجة فاطمة تدخل البيت وعبراتها على وجهها. اتجهت نحوها مسرعة واحتضنتها وهي تسألها: "ماما، مالك؟ كنتي فين؟

حاولت فاطمة أن تتماسك، ولكن ألم قلبها قد خانها وعيناها تذرف الدموع. عربت فاتن على ظهرها بحنان وأجلستها على الأريكة وجلست بجانبها. تركتها بضع دقائق لتخرج من حالتها، وبعدها قالت متسائلة: "أحمد فين؟ كأنها قد ضغطت على جرح عميق، قالت فاطمة من بين دموعها: "لما اتأخر قلبي كلني عليه. كلمت أصحابه ونزلوا دوروا عليه بالمستشفيات والأقسام لحد ما واحد منهم عرف إنه بالقسم." بكت بنحيب أكبر: "حسن بيه مقدم فيه بلاغ." قالت فاتن بريبة:

"بلاغ إيه؟ نظرت لها مطولًا، فها هي أمام معضلة أخرى. هل تخبرها باختفاء أختها؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وزفرت بضيق، وأمسكت يد فاتن بحنان: "بصي يا بنتي، الكلام اللي هقوله مامتك مش لازم تعرفه، لأن وضعها الصحي زي ما أنتِ شايفة." هزت فاتن رأسها تحثها على أن تتحدث، فقالت: "أبوكي يا بنتي اتهمه بخطف حور." صدمة أوقعت بقلبها. أختها الصغيرة، وأخوها الكبير، وأمها، وأمها الثانية. كلهم أحباءها. هل هنالك صدمات أخرى؟

هل أختها حقًا مختفية، والأدهى أن تكون مختطفة؟ وأخوها في السجن وهو بكل تأكيد مظلوم. مصائب كثيرة، وكلها تمر من بين يدي من يدعى والدها. ماذا تفعل؟ وكأنها على مفترق طرق، والطرق كلها مظلمة، وكلها تصل لذلك شبيه الرجال، حسن. هل تذهب له وتبحث عن أختها، أم تذهب لقسم الشرطة لأخيها؟ همت لتقف، ولكن فاطمة شددت من قبضة يدها الممسكة بها. نظرت لها فاتن بتساؤل، لتخرجها فاطمة من حيرتها:

"أنا رحت القسم وصاحب أحمد ربنا يحميه لشبابه دفع قرشين للعسكري وسابني أشوفه خمس دقايق. هو كويس يا بنتي وبيقولك متخرجيش من هنا مهما كانت الأسباب، وبكرة إن شاء الله هروح مع المحامي ونشوف الحكاية." قالت فاتن: "أنا هروح الفيلا أطمن على حور." قالت فاطمة:

"لا يا بنتي، اسمعي كلامي، وبكرة من الصبح هنزل أنا بنفسي وأروح لأبوكي. أنا صحيح ست مسالمة وعلى قد الحال ومليش بمشاكل الناس الكبيرة، لكن أنا اشتغلت عمر بحاله عندكم وأعرف حاجات كتير من مصلحة حسن تفضل مدفونة طي النسيان. جه الوقت للمواجهة. أنا زمان فوضت أمري لربي، لكن جه الوقت اللي لازم أواجه بيه وأطلع كل القديم عليه. أنا سكت كتير، لكن كان ابني تحت جناحي ومطمنة عليه. إنما توصل الأمور إنه يؤذي ابني فلا والف لا." قالت فاتن:

"قصدك إيه يا ماما؟ قالت فاطمة: "بكرة تعرفي كل حاجة. خشي نامي دلوقتي." فقالت فاتن بخجل وهي تفرك كفي يديها ببعضهما: "أنا عاوزة أصلي." ابتسمت فاطمة وقالت: "ومالك مكسوفة كده؟ بالعكس يا بنتي، لما تقولي عاوزة أصلي قوليها بثقة وإيمان. الصلاة فرض علينا، واللي بيصلي يا نياله عند ربنا له أجر وثواب عظيم." تنحنت فاتن وقالت: "أصل أنا مبعرفش أصلي صح، ومعيش حجاب أصلي بيه." هربت فاطمة على ظهر فاتن وقالت لها:

"تعالي معايا يا بنتي، أديكي أسدال صلاة ونصلي سوا وندعي ربنا يفك كربنا ويطمنا على الغايبين." احتضنتها فاتن بكل محبة وهي تشكرها. صلت كلتاهما بقلب خاشع بين يدي سبحانه وتعالى، كل منهما تناجيه بالرحمة والعطف وفك الكرب وإصلاح الحال. سلمتا أمرهما لمن بيده تغيير الأمور. وبعد أن انتهيا، أمسكت فاطمة بالمصحف الشريف وأخذت تردد

آيات من كتاب الله العزيز: "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ". تقف أمام غرفتهما تعض أصابعها ندماً على عمر طويل قضته بمعصية الله، فهي لم تصلِ ولم تكن الأم الصالحة التي تربي ابنتيها على طاعة الله وتعاليم دينه. اقتربت منهما بوجل وقلب موجوع على حالهم. جلست بخوف ورهبة وهي تستمع لآيات الله وكلماته. غزت عينيها الدموع مخافة من الله. كيف ستقابله وماذا ستخبره يوم العرض؟

أنها أهملت وقصرت بحق ربها ودينها ونفسها وبناتها. *** دخل قسم الشرطة بهيبة ووقار. نظر حوله حتى وقعت عيناه على إحدى العساكر، وما إن رآه العسكري حتى أدى له التحية وقال: "أهلاً يا باشا، أكيد أنت مراد باشا صح؟ نظر له مراد دون مبالاة وقال: "فين المسؤول هنا؟ وما إن أنهى كلماته حتى جاءه صوت من خلفه. الظابط: "أنا يا باشا، اتفضل اتفضل." وفتح باب المكتب له باحترام مكملاً:

"أنا مصدقتش نفسي لما حسام باشا كلمني وقالي إنك هتنور. ما أتمنى مكونش اتأخرت عليك. ده أنا حتى كلمتهم هنا وأديتهم خبر يقوموا معاك بالواجب لو اتأخرت عليكم." مراد: "لا أبداً، متأخرتش. يا ريت تنادي المسجون، أصل مفيش وقت ومستعجل." الظابط: "آه طبعًا، أنا تحت أمرك." نادى على الحارس: "هات يبني المسجون أحمد ووصي للبَاشا." نظر لمراد: "حضرتك تشرب إيه؟ مراد: "قهوة مظبوطة." الظابط: "سمع الباشا، يلا اتحركوا."

وخلال دقيقتين، دخل العسكري مؤديًا التحية وبيده ممسكًا بأحمد. مراد للظابط: "عاوز أكلمه على انفراد." الظابط: "آه طبعًا، اتفضل." وخرج تاركًا لهم المكتب. أحمد بطريقة ساخرة: "مراد محمد الزناتي... إيه سبب الزيارة المشرفة دي؟ نظر له مراد بتحدٍ، فيبدو أن غريمه يعرفه حق المعرفة بعكسه هو. وقال... قال مراد: "الظاهر إن مفيش داعي أعرفك على نفسي." وأشار له على الكرسي المقابل له: "اتفضل اقعد وأنا هقولك سبب زيارتي."

جلس أحمد وهو مسلط نظره لمراد، ينظر له كالنسر يحدد فريسته وينتظر الهجوم. مراد: "أنا أقدر أخرجك من الورطة اللي أنت فيها حالًا وترجع لحضن والدتك، أكيد هتكون قلقانة عليك." ابتسم أحمد ابتسامة جانبية. هل يعقل جاء يساومه؟ ولكن ما المقابل؟ قرأ مراد نظرات أحمد جيدًا، فهو رجل أعمال ناجح ومعتاد على الصفقات والمساومات. فقال: "المقابل فاتن."

أغمض أحمد عينيه بعنف وأخذ نفس طويل يحاول تمالك أعصابه لكي لا يقتله في هذه اللحظة. وبعد لحظات صمت وحرب دائرة بين عينيهما، وقف مراد وهو يغلق أزرار جاكيته ويتحدث متصنع اللامبالاة: "معاك لبكرة. فكر كويس، يا تنقذ نفسك وتبعد عن فاتن، يا أنا هبعدك بطريقتي. وأظن واضح أوي لو أنا حطيت إيدي بالقضية هيكون وضعك إيه. وبالحالتين هتبعد عنها." هم بالخروج ليمسكه أحمد من كتفه ويوقفه وهو يقول:

"لو كنت فاكر إني نسخة عن حسن تبقى غلطان أوي. أختي معايا وبحمايتي، ومش هسيبك تقربلها حتى لو اتحكمت إعدام." استدار مراد ببطء وهو يفكر بلعبة القدر. أهذا يوم حظه وسعده؟ هل ما سمعه حقيقة؟ هل نعتها بأخته؟ كان قلبه يتراقص على ضربات الطبول العالية. ظهرت ابتسامة على وجهه، حاول مداراتها كثيرًا ولكنها أبت وتمردت لتكشفه أمام أحمد، الذي نظر له بدهشة. ليتراجع أحمد خطوة للخلف والاستغراب يعتلي وجهه وقال:

"ابعد عن فاتن يا مراد، كفاية اللي شافته من عيلتكم." مراد بلهفة ظاهرة: "متخافش عليها مني، أنا أقدر أحميها وأوعدك هعوضها عن كل حاجة شافتها." أحمد: "فاتن يا مراد باشا، لا من توبك ولا من مستواك ولا قد اللعب مع الناس الكبيرة. وأنا مش ممكن أقبل إنها تكون صفقة جديدة بين إيديك. فاتن بنت حسن، أيوه، لكن عمرها ما كانت زيه ولا مشيت بطريقه. فاتن بنت بريئة ملهاش بالبيزنس بتاعكم." نظر له مراد مطولًا وقال:

"هنتقابل تاني يا أحمد بمكان تاني وظرف تاني، وأنا متأكد إنك هتكون موافق على طلبي." واستدار متجهًا للخارج. تجول بسيارته قليلًا إلى أن وجد نفسه أمام بيت حسن. رن الجرس، وبعد لحظات فتحت الباب فتاة جميلة، وما هي سوى جوليا. احتضنته بحب أخوي ورحبت به، وجاء حسام من خلفها: "أهلاً أهلاً يا مراد."

احتضنه مراد كأنه لم يره منذ دهر، فهو بداخله سعادة كبيرة لو وزعها على العالم أجمع لفاضت. ضحك حسام على صديقه، فمن ملامحه وتصرفاته يظهر أنه قد كسب معركته. جلس ثلاثتهم وسرد مراد ما حدث معه. شاركوه سعادته وفرحته وحبه. فمن غيرهم سيشعر ويعلم ما به صديقهم أكثر منهم. كان هو من جمعهم بالسابق، والآن يبدو أنه قد حان الموعد ليتبادلوا أدوارهم ويجمعوا قلب صديقهم بمن امتلكته. ***

جاء يوم جديد أشرقت به الشمس على قلوب هائمة، قلوب تنبض بالعشق. أشرقت على قلوب واجلة خاشعة غرقت بطعم الإيمان. أشرقت على قلوب ظالمة ماتت بكثرة معاصيها. فأي القلوب سيكون هذا اليوم لصالحه. صوت طرقات بإيقاع موسيقي أجفل قلب فاطمة. فركضت مسرعة نحو الباب وهي تقول: "دي دقة أحمد، أنا حافظاها." سارت خلفها فاتن مسرعة، وما إن فتح الباب حتى رمى نفسه بأحضان والدته وهو يتراقص بها يمينًا ويسارًا. ثم أردف مازحًا:

"جعاااان يا فطوم، فين الأكل؟ استنشق الرائحة وقال: "مممممم، شامم ريحة طعمية." فاطمة وهي تلازمه بكتفه ترد على مزاحه: "مفيش أكل ليك، الطعمية لحبيبتي فاتن." نظر لفاتن بمودة ورأى عيونها الذابلة الدامعة وهي تحاول جاهدة رسم ابتسامة على وجهها. اقترب منها فاتحًا ذراعيه، وبلحظة كانت ملقية نفسها بحضن أخيها. صوت شهقاتها تتعالى شيئًا فشيئًا. فها هو سندها وحاميها قد أتى ليزيح عن أكتافها كل الهموم والتعب وما عاشته من ألم. ***

بقصر الزناتي، كان على سريره محتضنًا مخدته، وعلى وجهه ابتسامة تزين محياه. فها هو الطريق الذي اختاره يقصر بكل لحظة بضعة خطوات. أغمض عينيه يتذكر ملامحها وهو يفكر: ما هي خطوته التالية؟ صوت طرقات بالكاد مسموعة على الباب. مراد: "ادخل." فتحت الباب بوجه شاحب يكسوه الألم. ما إن رآه مراد على وجهها حتى قام فزعًا من مكانه يسندها حتى أوصلها لفراشهم. مراد: "تيتا مالك؟ تحسس جبينها الذي كان يشتعل من شدة الحرارة. انتشل يده مسرعًا

عن جبينها: "تيتا، أنتِ عندك سخونيه عالية." الجدة بصوت ضعيف يكاد يكون مسموعًا: "مراد، سامحني يا ابني." مراد وهو يمسك بهاتفه: "مش وقت الكلام ده. الو، دكتور، تعال القصر حالًا، جدتي تعبانة وعندها سخونيه." أغلق هاتفه وهم بالقيام من جانبها، ولكنها وضعت يدها على فخده وقالت: "استنى يا مراد، خليك جنبي، لازم تسمع كلامي للآخر عشان أموت." وضع يده على فمها يوقفها عن الكلام قائلاً:

"متتعبيش نفسك ومش عاوز أسمع سيرة الموت دي تاني، فهماني؟ جرت من عينها دمعة، مسحها بأصابعه وقبل جبينها بحنان. نادى على إحدى الخادمات لتحضر منشفة وماء بارد ليحاول خفض حرارتها لحين وصول الطبيب. بعد مرور بعض الوقت، خرج الطبيب من عندها وقد حقنها بمسكن ووصف لها بضعة أدوية لتخفف حالتها. اطمأن مراد ومحمد على وضعها، وبعدها توجه مراد لشركته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...