الفصل 9 | من 18 فصل

رواية فتنت بانتقامي الفصل التاسع 9 - بقلم رغدة

المشاهدات
24
كلمة
2,649
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

استيقظت من نومها براحة كبيرة لم تتذوقها من قبل. عاشت حلمًا جميلًا تظنه بعيد المنال وممكن أن يكون مستحيلًا. جلست أمام المرآة تنظر للهالات السوداء حول عينيها وشحوب وجهها. أمسكت الفرشاة ومشطت شعرها وهي تتلمسه بحبور. وما أن انتهت حتى ذهبت وتوضأت وبدأت تصلي. هي لا تعلم أن كانت صلاتها صحيحة تمامًا، فهي تمارس ما تعلمته خلال دراستها بطفولتها، ولكن لا أحد علمها كيف تصلي.

برغم أنها كانت ترى أحمد أثناء الزيارات يصلي، ولكنها لم تبالي. والآن كل ما يهمها هو شعورها بالراحة بين يدي الله، فهي تشعر أن الله يسمعها وسيلبي طلبها. صلت وسجدت وألقت بحمل قلبها بين يدي خالقها. ناجت واستغفرت واعتذرت عن تقصيرها. دعت بالهداية لها ولجميع أحبابها. *** بالأسفل جلس الجميع وهم يستمعون لمحمد باصغاء شديد. محمد: بعد اللي حصلي وخروجي من المصحة، عرفت بخبر جواز رانيا من حسن وانهرت تمامًا. بابا خدنا وسافرنا.

وبعد سنتين بابا تعب جدًا، كانت صحته تعبانة. وكان تعبان نفسيًا ومقهور عشاني. كنت منعزل ومش عاوز أتعامل مع حد. كان بيحاول يخرجني من عزلتي، وأنا للأسف كنت مصر على موقفي. وكنت بزعله وأصرخ فيه من وجعي. مكانش قصدي أكون عاق أو أكون سبب موته. *** فلاش باك. اسمعني يا ابني، البنت اللي بقولك عليها بنت صاحبي مؤدبة ومحترمة وفيها كل صفات الزوجة الصالحة. محمد: بابا أنا مليون مرة قولتلك مش عاوز أتجوز.

الأب: مش بمزاجك، أنت هتتجوز فاهم؟ ولو مش برضاك غصب عنك. محمد بتهور دفع والده: بقولك مش هتجوز، ابعد من طريقي وإلا أنا هقتل نفسي. وقع أبيه على الدرج حتى وصل آخره، فانتبه محمد لما بدر منه، فجرى مسرعًا يطمئن عليه بلهفة وعيون دامعة راجية منه السماح. ولكنه أصيب إصابة بالغة دخل على إثرها العناية المركزة. وبعد ما يقارب الأسبوع، كان والده على فراش الموت. كان جالسًا على طرف الفراش ممسكًا بيد والده ويبكي بنحيب.

الأب: لو عاوزني أموت وأنا راضي عنك، أوعدني. محمد: أوعدك. الأب: يا ابني اصبر، أعرف عاوز إيه. هبطت دمعات محمد وقال: عاوزني أتجوز وأخلف عشان اسم العيلة مش كده؟ ابتسم والده وشدد قليلاً على يد محمد. الأب بصوت يجاهد على إخراجه: هو انت فاكر إني عاوزك تتجوز عشان اسم العيلة؟ تبقى غلطان، أنا عاوزك تتجوز لحاجات كتير غير اسم العيلة يا ابني. الجواز ربنا حلله لينا عشان نغض البصر ونحمي نفسنا من المعصية.

الزواج بيت ومسكن للروح قبل الجسد. قال تعالى بكتابه العزيز: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ". وبعدين إنك تكون متجوز وعندك عيال بتبقى مسؤولية بتدفعك للحياة، وإنك تأمنلهم حياة كريمة. ده غير لما تشوف ابنك بين إيديك بتحس إنك مالك الكون. أشار له ليقترب، فدنى

برأسه من أبيه فقال بهمس: أنا خايف على مامتك من الوحدة، ولو متجوزتش ممكن تتقهر من وحدتها وتحصلني. رفع رأسه يهزه يمينًا ويسارًا يعبر عن رفضه لما يسمعه. فقال أبيه مكملاً: ها قلت إيه؟ محمد: أوعدك إني هتجوز لو تحب هات المأذون حالاً. ابتسم والده، فها هو قد استغل لحظاته الأخيرة خير استغلال. وبالفعل تم الزواج قبل وفاة والده بأيام معدودة. كان زواج مبني على الاحترام فقط، فأي منهم لم يحب الآخر ولم يحاولوا أن ينجحوا زواجهم.

وبعد عدة سنوات رزقه الله بمراد، وكانت ولادته صعبة للغاية، فزوجته تعاني من مرض بقلبها. وأجمع الأطباء أن نسبة نجاتها من ولادة أخرى بها خطورة على حياتها. مرت ثلاث سنوات وحملت زوجته مرة أخرى. ورغم محاولات محمد ووالدته إقناعها بالإجهاض، إلا أنها رفضت رفضًا قاطعًا. وأنجبت علاء بعملية، وكانت حياتها ثمن نجاة طفلها. حاول كثيرًا أن يكون أبًا لأطفاله. ولكنه فشل فشلاً ذريعًا. فهو لم يعد يستطيع أن يقدم أي عاطفة لأحد.

شعر أن اقترابه لأحد سيكون سبب خسارته. فهو خسر محبوبته ووالده الذي كان يسعى جاهداً لعلاج ابنه وإخراجه من عزلته. والآن زوجته، حتى لو لم يحبها، ولكنها زوجته. عاشوا معاً لما يقارب الست سنوات. فضل العزلة والهروب من الواقع. في هذا الوقت قامت والدته بدوره في كل الأمور. فـعملت بشركات زوجها وحاولت قدر المستطاع الاهتمام بأطفاله. فأحضرت لهم أمهر المربيات وبعدها أدخلتهم لأكبر المدارس الداخلية.

وبعد سنة جاءه زائر مجهول ولم يكن سوى زوج الحاجة فاطمة. محمد: مين أنت وعاوز إيه؟ أبو أحمد: محسوبك أبو أحمد يا باشا، الجنايني عند الست رانيا. محمد: أخرج برا، أنت إزاي تتجرأ وتيجي هنا؟ أبو أحمد بتوسل: ارجوك يا باشا اسمعني وبعدها اعمل اللي انت عاوزه. محمد: مش عاوز أسمع حاجة. أبو أحمد: ارجوك يا باشا لازم تسمعني، أبوس إيدك، أنا بقالي أسبوع بحاول أقابلك. محمد بضيق: طب قول بسرعة، أنا مشغول ومش فاضيلك. أبو

أحمد أخذ نفس طويل وقال: أنا جاي أقولك الحقيقة اللي أنت متعرفهاش، الست رانيا مظلومة وضحية زيك وأكتر كمان. أنصت محمد باهتمام، فهو كالغريق الذي يتعلق بقشة. أكمل قائلاً: يا باشا، الست رانيا مخانتكش، بس هي عملت كده عشان تحميك وتجيب جدتها المريضة من طغيان باباها وحسن. وأخبره ما حدث معها منذ دخولها للفيلا وحبسها وتهديدها وخطة محمد التي وافقه والدها عليها بهدف دمج شركاتهما.

وظلت رانيا محبوسة ليوم الفرح، واللي خلاها تقبل بالفرح ده إنك كنت عارف إنك بالمصحة ودفع فلوس لناس هناك عشان يدولك أدوية تزيد من حالتك مش تعالجك. جلس محمد على الكرسي وقال: وإيه دليلك على الكلام ده، مش يمكن ده ملعوب؟ أبو أحمد: لا والله يا بيه، سيبني أكمل كلامي للآخر ولو مقتنعتش اعمل بيا اللي انت عاوزه. أشار له ليكمل. أبو أحمد: بعد جوازها، كانت كل يوم والتاني تيجي الفيلا متبهدلة ومضروبة.

وأبوها ربنا يسامحه كان بيغلطها وينصر جوزها عليها، مهو سعادتك كان أبوها كل همه الفلوس وحسن أنقذه من الإفلاس، يعني رقبته كانت بإيد حسن لحد ما الشركات كبرت أوي. ومن مدة بسيطة الست رانيا قامت بالسلامة وجابت بنت، ما شاء الله. بس حسن راجل سوء وميخافش ربنا، هددها يحرمها من بنتها لو محجرتش على أبوها وأدته كل الأملاك، وبالفعل حصل كده وأبوها من الصدمة اتشل. ودلوقتي الباشا الكبير بدار مسنين، وتقدر تسأله يا بيه عن كل ده.

محمد: دار مسنين؟ أبو أحمد: أيوه يا بيه، الراجل معدوش مأوى وحسن الله يحرقه استولى على كل أملاكه ورماه بالشارع. أنا يا بيه معايا أمانة ليك. ركز محمد انتباهه وقال: أمانة إيه؟ أخرج أبو أحمد صندوق مزخرف وناوله لمحمد. فالتقطه بسرعة، فها هو صندوق ذكرياتهما الذي أهداه لمحبوبته ليجمعوا به كل ذكرياتهم على أمل يطلعوا أبنائهم عليه بالمستقبل. تحسسه كثيراً بأعين زائغة ومن ثم فتحه على مهل.

نظر بداخله بدموع وأخذ يتفحص ما بداخله بألم. كان به صور كثيرة تجمعهما بالجامعة وخارجها ورسائل كتبها لها وبعض الخواطر التي كتبوها معاً. أخذ يتذكر كيف كانوا يخطون حروف حبهم على أوراق وصوت ضحكاتهم تتعالى، وكل منهم يخط سطر والآخر يرد عليه بالسطر الآخر. وأخيراً وجد مغلف مكتوب اسمه عليه بخط يدها. نعم، هذا خطها، يحفظه من بين ملايين الخطوط. ها هي ترسم اسمه كما كانت تفعل دائماً وهي تخبره أنه هكذا قد نقش بداخل قلبه.

رفعه بيد مرتجفة وتحسسه كثيراً وهو يتفحصه، قربه من أنفه يستنشق رائحة عطرها الأخاذ لحد السكر. خرج أبو أحمد بهدوء ليترك له الخصوصية وانتظره بالخارج. أما هو، ففتح المغلف بلهفة ليجد به رسالتين. فتح الأولى لتغزو قلبه سهام أصابته بمقتل. قرأها مراراً وتكراراً حتى اختلطت دموعه بدموعها الظاهرة بين أحرف كلماتها. أيا خليل الروح أيا مهجة الفؤاد أيا ضياء العين لو تعلم كم أشتاق أنت القلب الجريح وأنت الداء والدواء أرأف بقلب عاشق

ذاق ألوان العذاب أكتب لك وأبوح بأسرار تشق الفؤاد فأنا الأعلم بروح عذبت وعانت الشقاء آتية إليك طالبة العفو على ما أجبرت من أخطاء أخط آلامي بحروف وأوراق سطرتها دمع الفراق فأعذرني على سنين مضت دون أخبار فأنا بقلب غريق وروح أطفئت بالعذاب. قرأها مراراً وتكراراً حتى اختلطت دموعهما مع أحرف كلماته. مضت أكثر من ساعة وهو على هذا الحال.

وأخيراً استدرك نفسه وتناول الرسالة الثانية والتي لم تكن سوى توسلات كثيرة منها أن يسامحه وأن يأخذ حذره من الشيطان المسمى زوجها. فبالرغم من القصر الفاحش الذي يعيشه، إلا أنه ما زال ناقماً على من ملك قلب زوجته. توسلته أن يحاول إنقاذها وابنتها. فبعد ما عانت كثيراً بات كل همها ابنتها وحمايتها من براثن شيطان رجيم لا يخاف الله ولا يتقيه، يرتكب المعاصي والذنوب. باتت تخاف على فلذة كبدها. *** نهاية الفلاش باك. ***

كان الجميع بحالة من الذهول والصدمة والانكار. وزادت التساؤلات عما حدث بعدها، ولكن محمد أجهش ببكاء مرير جعل الجميع يصمت. جاء صوت مهزوز ضعيف من خلفهم وما كان سوى صوت الجدة وهي تتقدم نحوهم ببطء شديد. تقول: بالوقت ده وصلني خبر عن الضيف اللي جه لمحمد ورجعت الفيلا وقابلت أبو أحمد. وبعد ما عرفت هو جاي ليه، طردته وهددته بالسجن لحد ما رجع مصر.

أما محمد، نظرت له نظرة ندم، فأنا أخذت أوراق علاجه وحالته المرضية مع شهادة من المستشفى اللي كان فيها إنه فاقد الأهلية. وبعدها بكل سهولة قدرت أمنعه من السفر من غير موافقة. نظرت لابنها الباكي نظرة انكسار وألم وندم. اقتربت منه ومسحت على كتفه: سامحني يا ابني، والله ما كنت عاوزة غير مصلحتك. الوقت ده كان حسن أقوى ما يكون وكان زي الثور الهائج، ووجودك قدامه كانت نتيجته محسومة، كانت روحك هتكون التمن. ومن

ثم التفتت لرانيا وقالت: أنا كنت فاكرة المرسال ملعوب من حسن عشان يستدرج ابني. كنت خايفة على ضنايا الوحيد اللي مليش غيره بعد ما الحج اتوفى وسابلي حمل تقيل على أكتافي. فقالت رانيا: أنا مقدرة شعورك، ودلوقتي جه الوقت اللي تقدري فيه شعوري. تقدمت منها ونظرت لعيونها مردفة: إحنا كلنا ضحايا حسن وأنا أول ضحية وبنتي آخر ضحية. بنتي ملهاش ذنب يا عفاف هانم. أنصتت لاسمها الذي لم تسمعه منذ مدة.

ولم تسمعه قط من رانيا، فهي كانت دائماً تناديها ماما. تذكر كيف كانت تخبرها أنها لو عرفت أمها ما كانت ستكون بحنيتها ومحبته. نزلت دموعها والتفتت لمراد: مراد هات مفتاح أوضة فاتن. لحظة حاسمة لمجرى حياته، هل يتركها أم يتمسك بها؟ هل يخلي سبيلها أم يبقيها أسيرة عشقه؟ كررت الجدة كلمتها. وقف على مضض وأدخل يده بجيب بنطاله، أخرج منه المفتاح وسلمه ليد جدته وهو ينظر لها نظرة مبهمة. ومن ثم التفت حوله إلى كل الوجوه

يتساءل بينه وبين نفسه: هل هذه الحقيقة؟ هل هذه النهاية؟ لم يصدق حرفًا مما قاله والده وجدته. أو أنه هو من أراد ألا يصدق ليهون على نفسه ويبرر ما يفعله. خرج هائماً على وجهه لا يدري ما هو فاعله. قاد سيارته يجد نفسه أمام الشركة وهموم الدنيا تتكدس على قلبه. لحق به حسام، فهو على علم بمشاعر صديقه وما يعتمل داخل قلبه من صراع.

وأيضاً يريد أن يطمئن على تلك الصغيرة، فبعد انكشاف الحقائق كلها من المؤكد أنه يستصغر نفسه ويؤنبها على ما فعله بالصغيرة. أومأ أن وصل مراد حتى. أوقفه رجل قبل أن يدخل الشركة. الرجل وهو يوقف مراد: مراد باشا. التفت له مراد بتوهان: مين حضرتك؟ الرجل: ممكن ندخل المكتب ونتكلم، ووقتها هعرفك على نفسي. *** فتحت رانيا غرفة ابنتها وبجوارها الحاجة فاطمة. بأصابع مرتجفة، وما أن رأتها حتى أجهشت بالبكاء. فصغيرتها ملقاة على الأرض.

ساعدت فاطمة رانيا للوصول لابنتها ظناً منهما أن سوء قد أصابها. ولكن أصابتهم الصدمة حين رفعت رأسها تتمتم ببضع أدعية رافعة كفيها للسماء تناجي ربها بصلح الحال والنظر إليها برحمة ورأفة. جلست بجوارها واختطفت رأس ابنتها بين أضلعها تقبلها بعاطفة كبيرة. كان البكاء سيد الموقف من ثلاثتهم. كان لقاء مليء بالمشاعر، فالحب والشوق والحزن والألم والتعب. فاتن، دمعاتها تتسابق مع ابتسامتها التي ظهرت بكل رضى على محياها.

أغمضت عيونها وشكرت الله مراراً وتكراراً على أنها عادت لحضن والدتها وأنها بخير بفضل الله ورحمته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...