استيقظ إسلام من نومه فوجد نفسه قد نام وهو جالس وبالفعل لم يدخل عليه أحد كما طلب. فتح باب غرفته وذهب إلي الخارج فوجد والدته تجلس وتقرأ القرآن. نظر لها بإبتسامه خفيفه فأحست بوجوده فحضرت مسرعه ومسحت علي شعره بحنان وقالت بهدوء: -البقاء لله يا إسلام. عامل إيه دلوقتي؟ أجابها بإبتسامه خفيفه: -الحمد لله يا أمي. إبتسمت بحماس وقالت: -عارف كنت بعمل إيه دلوقتي؟ نظر إلي المصحف ثم عاود النظر إلي والدته وقال متعجبا:
-آه بتقرأي قرآن! أومأت برأسها إيجابا وقالت بسعاده: -أيوه منا قاعده بقرأ قرآن دلوقتي وهدعي لمحمد صاحبك كتيــــر اوووي بإذن الله. إنشرح صدره وشعر بسعاده بالغه وقال بإهتمام: -ربنا يخليكي يــا أمي. ثم أردف متسائلا: -هو انا ينفع أعمله حاجه تنفعه دلوقتي بعد ما مات؟ ربتت علي كتفه وقالت بإبتسامه: -أيــــوه طبعا يا حبيبي. كان في حديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم بيقول: "إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" رواة مسلم. يعني إنت ممكن تطلع صدقه عنه. او لو كان بيقولك أي معلومه مفيده نفذها وفيد بيها الناس وكمان دايما خليك فاكره بدعائك. نظر لها بإمتنان وقال: -ماشي يا امي شكرا. ثم تركها وذهب إلي غرفته. جلس علي حافة فراشه ولكنه سرعان ما تذكر إنه لم يصلي الفجر كعادة كل يوم. أحس برغبه ملحه في أداء الصلاة ذلك اليوم بالتحديد فذهب وتوضأ وصلي ثم جلس
علي فراشه مره آخري يردد: تطلع صدقه عنه معلومه مفيده نفذها خليك فاكره بدعائك *** أمسكت سلمي بهاتفها ونظرت إليه بفرحه ثم ذهبت وأغلقت باب الغرفه وأخدت تغني بصوت مرتفع: احساسك لما ايديك بتمد لخير .. اول ما تشوف الفرحة فى عين الغير وكأنك فى السما طاير فوق اعلى من الطير .. وكفاية يكون ربنا عنك راضى وفرحاااان وحلمنا فى قلبنا جوانا الخير يزيد .. حتى النجوم لو فى السما عمرها ما تكون بعييييد
خليك زى ما ربنا عايزك يلاقيك .. لو تسعد غيرك يكبر فيه الحب وفيك وتكون فوق زى نجوم السما اه ويعليك .. خلينا نكبر أجمل شئ جوا الانسان أخذت تردد بحماس شديد حتي إرتفع صوتها. فدخلت عليها ولاء وقالت بصراخ: -إيـــــــه يا بنتي بتصوووتي كده ليــــــه؟ صوتك واصل لآخر الشارع. إنتبهت سلمي وقالت بإحراج: -معلش مأخدتش بالي. أصلي لسه منزلاها جديد وعجبتني اوي. نظرت لها بعدم فهم وقالت: -هي إيه دي؟ نظرت للهاتف وضغطت علي زر الإغلاق
ثم قالت بسعاده بالغه: -دي انشوده جديده كده لقيتها علي النت لمنشد إسمه محمد عباس كانت حفصه قالتلي عليه. بس تحفه اوووي يا بت يا ولاء بإذن الله هنزل كل الأناشيد بتاعته. ثم أردفت بإبتسامه كبيره: -وكمان نزلتها من غير موسيقي. شعرت ولاء بالغضب وقالت بصوت ساخر: -يعني تبطلي أغاني وتسمعي أناشيد ونقول ماشي. لكن تقوليلي كمان من غير موسيقي وبتاع!! ليه يعني هو حرام؟!! يعني حتي لو اغنيه دينيه وفيها موسيقي هتدخلك النار يعني !!
إيه التفكير الغريب ده. تنهدت سلمي بعمق وقالت بهدوء: -يا بنتي انا مقولتش هتدخلوا النار ولا الكلام ده. كل الحكاية إني سمعت حديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم بيقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" رواة البخاري. وبصراحه خوفت بقي أكون من الناس دول فقررت أكون في السليم. ثم أردفت قائله بأريحيه:
-وبعدين يا ستي انا كده مرتاحه جداااا وحاسه اني مش بعمل حاجه غلط. إدعيلي بقي ربنا يهديني ويقربني منه أكتر. بجد حاسه الأيام دي براحه نفسيه غريــبه. صمتت ولاء فنظرت لها سلمي للحظات ثم قالت بتساؤل: -تفتكري يا بت يا ولاء يكون ربنا راضي عني وهداني للطريق الصح علشان كده انا مرتاحه؟ إبتسمت قائله: -مش عارفه؟ يمكن!! تنهدت سلمي بحماس وقالت بضحكة مستفزة:
-بت يا ولاء انا عارفه إنك اقتنعتي وخلاص مش هتسمعي اغاني تاني. هاه بقي تحبي أنزلك كام نشيد معايا؟!! أشاحت بيدها وغادرت الغرفه وهي تقول: -دي لسعت باين!! إبتسمت سلمي لفعل ولاء المتوقع ثم أغلقت باب الغرفه وأخذت تنشد كما كانت تفعل. ولكن هذه المره بصوت أقل. *** قامت سلمي بتحميل بعض الأناشيد الدينيه ثم فتحت الحساب الخاص بها علي موقع الفيس بوك. لم تكن حفصه موجوده في ذلك الوقت فأخذت تتصفح كعادتها حتي وصلتها رسالة مفاجئة:
-بتعملي إيه بقي من غيري؟ أطلقت سلمي ضحكة عاليه وكتبت: -إنتي جيتي إمتي يا بنتي؟ ضحكت حفصه بثقه وكتبت: -يا بنتي إحنا موجودين في كل وقت وكل مكان. -ليـــه يعني سوبر مان مثلا؟ -هههههه أحسن طبعا. إحم إحم اللهم زدني تواضعا. المهم أخبارك إيه؟ -أخباري حلوه جدا الحمد لله. مبدأيا كده المسلسل خلص الحمد لله وهحاول مشوفش غيره تاني. وحملت شوية أناشيد كده للناس اللي قولتيلي عليهم دول وأهي ماشيه بفضل ربنا.
-أيــوه بقي بقي بقي هو ده الكلام ولا بلاش. طب عارفه؟ أنا حاسه إني هدخل الجنه بسببك. تعجبت سلمي قليلا وفكرت بضع لحظات وكتبت بتردد: -بسببي أنا؟ إبتسمت حفصة بسعادة بالغة وكتبت: -أصل أنا دايماً ببعت جروبات دينية للبنات اللي عندي وبنصحهم وبكتبلهم بوستات وكده، لكن مكنتش بلاقي أي تفاعل معايا. ساعات كتير كان بيجيلي إحباط وأقول خلاص بقي، ماهما مش راضيين يقرأوا هعمل إيه يعني. بس كنت برجع أفتكر الحديث عن الرسول صلى الله
عليه وسلم اللي بيقول فيه: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" متفق عليه. "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً" أخرجه مسلم. وكمان أفتكر الآية الكريمة: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"
وأقعد أقول لنفسي: اوعي تيأسي. مش يمكن بنت تكون محتاجة نصيحتك وبسبب كلمة منك حياتها كلها تتغير. مش يمكن كلمة منك تقوليها لواحدة فيهم تكون سبب في دخولك الجنة. لحد بقي يا ستي لما لقيتك بعتالي إنك عاوزة تتغيري وكده، ففرحت أووووي بقي إن أخيراً تعبي جه بفائدة، وبإذن الله زي ما إتجمعنا في الدنيا على طاعة ربنا نتجمع سوا في الجنة كمان. -يــــاه يا حفصة، إنتي بجد جميلة أوووي. ربنا يجازيكي خير. -إنتي أجمل، وإياكي يـــــارب.
-طيب بصي صحيح، كنت عايزة أسألك على حاجة مهمة. -اتفضل. أنهت حفصة حديثها وأجابت: -اتفضل. تنهدت بحيرة وكتبت: -هو أنا دايماً مش بصلي الظهر في الكلية، بس لما بروح بصلي. هو كده عادي؟ ظهرت ملامح الحزن على وجه حفصة وقالت متعجبة: -طيب ومش بتصليه ليه؟ أجابت بتلقائية: -ماهو أنا مش هينفع أصلي ببنطلون. -بنطـلوون كمـــــــان! لالالا، أنا كده هضرب وربنــــا. طيب قوليلي، هو إنتي شايفة إيه؟ نظرت للشاشة بعدم فهم وكتبت: -يعني إيه؟
ابتسمت وكتبت بإصرار: -بصي على السؤال اللي فوق ده وجاوبي إنتي. يعني إنتي شايفة إنك لما تروحي عند ربنا هتقدري تقولي له: يارب أنا كنت بضيع الظهر على طول علشان لابسة بنطلون. تفتكري دي هتبقى إجابة مقنعة؟ تنهدت سلمى بحيرة وكتبت: -مش عارفة بقي. كتبت بعناد: -لأ عارفة. ابتلعت ريقها بإحراج وكتبت بتردد: -طيب أعمل إيه؟ -عندك جيب؟ أومأت برأسها إيجاباً وكتبت بفتور:
-آه عندي اتنين، بس الباقي بنطلونات. بس بصراحة مش بحبهم وبحس إنهم بيلخبطوني. ابتسمت بحماس وكتبت: -طيب ممكن علشان ربنا يرضى عننا، نعمل تجربة صغننة لإسبوع واحد بس؟ -شو هاي التجربة؟ ضحكت حفصة رغماً عنها وكتبت بفرحة:
-كده تبقي موافقة. بصي يا ستي، إنتي الإسبوع الجاي في الجامعة انزلي من بيتك متوضية، وإلبسي طقم واسع كده وجيبة واسعة من الاتنين اللي عندك. انزلي وإنتي في نيتك إنك هترضي ربنا، وإنك مش عايزة حاجة من الدنيا غير رضاه عنك. وادعي إنه يثبتك ويحببك في اللبس ده، ومترجعيش للبنطلونات تاني. نظرت سلمى لكلمات حفصة بتعجب ثم كتبت: -إيه ده يا بنتي؟ يعني هرمي كل اللبس اللي عندي وهروح الجامعة يومياً بالجيبتين دول بس؟ ضحكت بثقة وكتبت:
-يا ستي، وهو حد قالك ارميهم؟ اعملي اللي بقولك عليه، وبعدين هنشوف هنعمل إيه فيهم. ماشي؟ -ماشي. -وعد هاه؟ أومأت برأسها إيجاباً وكتبت مؤكدة: -عييييب. سلمى مش بترجع في كلمتها أبداً. نجرب إسبوع، مش هنخسر حاجة. -مــاشي يابو صلاح، همشي أنا بقي. عايز حاجة يا حاج؟ -شكـــراً يا رمضان. ابقي سلملي على العيال. أغلقت حفصة الهاتف الخاص بها، بينما جلست سلمى تفكر فيما دار بينهما. تنهدت بعمق وقالت بعنـــاد:
-نجــــرب.. وإحنا هنخسر إيه يعني؟ مش يمكن أرتاح ويروح تأنيب الضمير اللي عندي ده. *** في المساء، ارتدى إسلام ملابسه على عجل وهرول باتجاه باب الشقة، وقام بفتحه. وكاد أن يخرج لولا سماعه صوت والدته تقول بتعجب: -إسلــام رايح فين؟ التفت إليها قائلاً بتلقائية: -رايح عند محمد. لمعت عيناها بالدموع وربتت على كتفه قائلة بحزن: -بس محمد مات يا إسلام! زفر بضيق وقال: -عـــارف يا أمي، عــــارف. متخافيش، لسه متجننتش!!
أنا رايح عنده البيت أشوف لو محتاجين حاجة يعني. وما تنسيش هو وقف معايا أد إيه يوم وفاة بابا الله يرحمه. ابتسمت قائلة: -وهو حد ينسى برضو اللي عمله معانا؟ ربنا يرحمه برحمته. -ماشي يا أمي، عايزة حاجة أجيبها معايا؟ -تيجي بالسلامة يا حبيبي. ***
وصل إلى الشارع الذي يقطن به محمد ونظر إليه بحزن عميق. تذكر كيف كان يأتي معه دائماً إلى هنا. تذكر صدمته عندما سمع بخبر الوفاة. تذكر نظرات فاروق الغاضبة والساخطة عليه. تذكر والده وهو يأخذه بحضنه لأنه أعز صديق لوالده. تذكر جلوسه لوقت طويل جداً وهو غير مستوعب ما حدث. أخذ يتذكر الكثير من الأشياء، ولكنه استفاق من شروده على ملمس شيء صغير يمسك ببنطاله. فنظر، فإذا به يرى طفلاً صغيراً يجذبه من البنطال.
نظر إليه إسلام متعجباً. فتبسم الطفل قائلاً: -حمو، ممكن تفتحلي دي؟ نظر إليه إسلام بابتسامة وأمسك كيس المقرمشات وقام بفتحه قائلاً: -اتفضل يا حبيبي. نظر له الطفل بامتنان وأطلق قبلة في الهواء وذهب مسرعاً وهو يقول: -ثكلن يا حمو. تبسم إسلام وأكمل طريقه. صعد درجات الدرج بصعوبة شديدة ووقف أمام الباب للحظات. ثم وضع يده على الباب وأخذ ينقر بهدوء. فتح الأب الباب وقال بابتسامة هادئة: -اتفضل يا إسلام يابني. تنهد إسلام قائلاً:
-ربنا يخليك يا عمي. أسف إني جيت من غير ميعاد، بس حبيت أسألكم إذا كنتم محتاجين حاجة، أنا موجود. حضرتك عارف محمد كان بالنسبالي إيه، وطبعاً أنا زي ابنك برضو. ثم أردف بابتسامة: -صح ولا إيه؟ ابتسم الأب قائلاً: -طبعاً يابني، ربنا يبارك فيك. بس الحقيقة فاروق مش مخليني محتاج حاجة، ودايماً معايا الحمد لله، وبيجيلنا في اليوم أكتر من مرة. ربنا يبارك فيكم جميعــا. ابتلع إسلام ريقه بإحراج وقال:
-طيب يا عمي، لو احتجت أي حاجة كلمني وأنا هاجي لحضرتك فورا. وإعتبرني برد أي حاجة من جمايل محمد عليا. -بإذن الله يا بني. اتفضل ادخل طيب. -ربنا يبارك في عمر حضرتك. بعد إذنك. *** هبط درجات الدرج والحزن يملأ قلبه ووقف أمام المنزل وهو يقول بضيق: -حتي دي كمان عملتها يا فاروق؟ أكتر وقت كانوا محتاجيني فيه، لاقوك إنت بدالي. حقيقي أنا مستحقش إني أكون "صديق" أصلا. نظر أمامه، فإذا به يراه مرة أخرى. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!