الفصل 9 | من 47 فصل

رواية في الحلال الفصل التاسع 9 - بقلم رقيه طه

المشاهدات
23
كلمة
1,828
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

ذهب فاروق إلى باب المنزل وأخذ يصرخ بأعلى صوته: -حد يلحقني بسرعة! النبض وقف وأنا مش عارف أعمل إيه. صعد رجال الإسعاف بسرعة وحملوا محمد وذهبوا به إلى المشفي. أخبر فاروق والدة محمد أن تتصل بوالده ليأتي إليهم في المشفي، وذهب هو معهم في عربة الإسعاف. *** استلمت حفصة رسالة سلمى وقامت بالرد عليها بكل حماس: -حبيبتي يا سلمى ربنا يبارك فيكي! أيوه كده بقى، هو ده الكلام ولا بلاش!

وعلى فكرة طالما حطيتي رجلك على أول الطريق هتلاقيكي مع الوقت بتقربي من ربنا أكتر وتسيبي حاجات كتير غلط بتعمليها عشان رضا ربنا. أنا وثقت فيكي وعارفة إنك قدها. *** حمل رجال الإسعاف محمد وأدخلوه إلى غرفة العمليات وجلس فاروق بالخارج يدعو الله أن ينجي صاحبه. بعد ما يقرب من نصف ساعة، خرجت الممرضة مسرعة نحو غرفة ما. فنادى عليها فاروق قائلاً بتوتر: -يا أستاذة لو سمحتي طمنيني عليه. وقبل أن تختفي من أمامه، أجابته بحزن: -ادعيله.

عادت الممرضة بسرعة أكبر من المرة السابقة ودخلت إلى غرفة العمليات مرة أخرى، ولكن سرعان ما خرج الطبيب وتبدو على وجهه ملامح الحزن والغضب معا. لم يلتفت إلى فاروق ولكنه سار في طريقه، فأمسك فاروق بيده من الخلف وقال بلهفة: -يا دكتور بعد إذنك طمني. هو محدش عاوز يقولي حاجة ليه؟ أفلت يده بغضب ونظر إليه قائلاً بحنق: -جايين تجيبوه دلوقتي بعد إيه؟ نظر له بعدم فهم وقال: -مش فاهم يا دكتور!

نظر لفاروق وملامح البغض تظهر على وجهه وقال غاضباً: -إزاي تسيب أخوك الفترة دي كلها بيعاني من ضيق التنفس ومحدش يفكر حتى إنه يوديه المستشفي يشوف ماله؟ تعجب من كلام الطبيب فهو لا يعلم شيئاً عن هذا الأمر، فقال بلهفة: -يا دكتور الله يخليك فهمني أنا مش فاهم حاجة. وكمان أنا صاحبه مش أخوه، وهو والده راجل كبير في السن وإخواته كلهم بنات وأنا معرفش حاجة عن اللي حضرتك بتقوله ده. نظر الطبيب للأرض وقال بأسى:

-صاحبك جاله ضيق تنفس مفاجئ وكان لازم يتحط بسرعة تحت جهاز التنفس الصناعي لأن حالته كانت متأخرة. بس للأسف وصل هنا متأخر وإحنا عملنا كل اللي نقدر عليه بس دي إرادة ربنا. لم يكن يريد تصديق ما سمعه، فقال بعدم استيعاب: -يعني إيه؟ ربت على كتفه وقال بهدوء: -البقاء لله.

وقعت الكلمة على مسمع فاروق كالصاعقة. ارتمى على أول كرسي بجواره وهو لا يصدق ما سمعه، بينما غادر الطبيب المكان. انحنى للأسفل ودفن وجهه بين كفيه وظل يتأوه كثيراً ويدعو الله ويخبره بكل ما يشعر به. ثم نهض من مكانه فجأة ذاهباً إلى غرفة الطبيب. طرق الباب بخفة وفتحه ونظر للطبيب قائلاً بجدية: -ممكن حضرتك تقولي إيه الإجراءات اللي المفروض نعملها عشان نخرجه من هنا؟

نظر إليه الطبيب بدهشة. فمن دقائق كان يشعر بالانهيار، ولكن ماذا حدث له الآن، ومن أين أتى بكل هذه القوة؟ انتشله فاروق من شروده قائلاً بصرخة: -متستغربش يا دكتور. أنا لازم أبقى أقوى من كده كمان. محمد والده راجل كبير في السن وأنا لازم أقف جنبه في الوقت ده. ممكن بقى حضرتك تقولي مطلوب مننا إيه دلوقتي بالظبط؟ *** ظهرت ملامح الرعب والفزع على وجه إسلام وقال بصوت حاد: -إنت بتقول إيه؟ إنت بتتكلم بجد؟

حاول فاروق الاحتفاظ بدموعه في عينيه ولكنه لم يستطع، فقال بصرخة: -بقولك محمد مات قدام عيني.. عارف يعني إيه مات قدام عيني؟ عارف يعني إيه آخر حاجة يقولهالي تبقى خلي بالك من إسلام وخليه يقرب من ربنا؟ عارف يعني إيه كان نفسه يكون أحسن من كده بس إنت كنت دايماً بتتريق عليه وكنت السبب في إنه فضل واقف مكانه ومقدرش يتقدم خطوة من ساعة ما عرفك؟ طيب عارف يعني إيه هو دلوقتي ميت؟ يعني بيتحاسب ها؟ عارف يعني إيه بيتحاسب؟

بجد أنا مش متخيل إنت إزاي يجيلك عين تيجي هنا تاني بعد كل اللي حصل ده؟ ثم نظر للجانب الآخر وقال هامساً: -كان نفسي أكون قريب منه قبل ما يموت يمكن كنت أقدر أساعده يقرب من ربنا شوية. يمكن كنت أكتشف مرضه وأقنعه يروح للدكتور ويهتم بصحته شوية. كان نفسي في حاجات كتير أوي بس خلاص مبقاش ينفع. هو بس دلوقتي محتاج دعائنا وربنا يرحمه برحمته. ثم عاود النظر لإسلام وقال بعصبية: -ممكن بقى مشوفش وشك قدامي تاني؟ ولا دي كمان صعبة؟

وعلى فكرة عمري ما هسامحك ولا هعفيك من المسؤولية.. لأنك أكيد كنت بتشوفه تعبان قدامك وعمرك ما فكرت تسأله مالك؟ وعمري ما هنسى إنه كان ممكن يكون أفضل لولا إنه عنده صاحب زيك.. اتفضل من قدامي يا أستاذ مش عايزين نشوفك في الشارع هنا تاني. نظر له إسلام بألم وقال بصوت مختنق من كثرة البكاء:

-يا فاروق أنا والله العظيم ما أعرف أي حاجة من اللي انت بتقوله ده. بالله عليك قولي إنك بتكذب وإن ده محصلش وأنا أوعدك والله هعمل كل حاجة هو عاوزها. ضحك بوجع وقال: -يا ريت كنت بعرف أكذب يا إسلام.. يلا اتفضل من هنا بعد إذنك لأني تعبت ومبقتش قادر أستحمل ولا كلمة زيادة وخصوصاً منك إنت! التفت إسلام خلفه وعاود النظر إلى فاروق قائلاً بصوت متقطع: -يعني إيه؟ يعني الصيوان اللي ورا ده بتاع محمد؟ يعني خلاص كده مش هشوفه تاني؟

دفعه بنفاذ صبر وقال: -والله إنت ممكن تروح تتأكد بنفسك.. بعد إذنك يا أستاذ. ثم تركه وذهب بعيداً.

وقف إسلام بضع دقائق يترجى قدماه أن تحملانه ليذهب إلى منتصف الشارع حيث يقف والد محمد. مرت اللحظات من بين منزل فاروق إلى منزل محمد وكأنها ساعات بل سنين يحاول فيها إسلام استيعاب كل ما حدث. يحاول الاقتناع بأن محمد قد مات بالفعل وإنه لن يراه ثانية. يحاول معرفة كيف سيعيش بمرارة الذنب الذي وضعه فاروق على عاتقه. يحاول استيعاب كل ما حدث ولكنه لا يستطيع.

أحس فجأة بأحد يلمس كفه وإذا به يرى والد محمد غارقاً في البكاء ويسلم عليه بحرارة ويأخذه في حضنه. ظل في حضنه بضع لحظات ومن ثم انتفض قائلاً: -عمي هو محمد مات فعلاً؟ ارتمى الأب على الكرسي خلفه وهو يقول بصوت متقطع: -راح عند اللي أحسن مني ومنك يابني.

امتلأت عيناه بالدموع وحاول التحدث ولكنه لم يستطع. ظل جالساً بجوار والد محمد بعض الوقت قد يكون دقيقة أو ساعة أو عدة ساعات. لا يعلم شيئاً. كل ما يعلمه هو أنه لا يشعر بشيء سوى المرارة. ظل هكذا طويلاً حتى وجد شخصاً ما يربت على كتفه قائلاً بابتسامة متأثرة: -البقاء لله يا أستاذ. معلش بنستأذن حضرتك تطلع ترتاح عشان هنشيل الكراسي.

نظر حوله فإذا به لا يرى أحداً سواه، فقام في هدوء وذهب بدون أن يتفوه بأي كلمة. عاد إلى منزله بعد منتصف الليل وفتح الباب بهدوء فإذا به يرى والدته وأخته في انتظاره. هرولت هند باتجاهه وقالت بلهفة: -إيه يا إسلام إنت بتهزر؟ سهران ده كله بره بتعمل إيه؟ نظر لها بفتور وقال: -خلاص جيت أهو.

ثم ذهب إلى غرفته وأغلق الباب خلفه. ولكن هند ما زالت تريد أن تعرف لماذا تأخر كل هذا الوقت وخصوصاً لأنه غير معتاد على ذلك لأنه يعرف أنه المسؤول الوحيد عن والدته وعنها لذلك لا يجب أن يتركهما وحدهما. ذهبت إلى غرفته وطرقت الباب ولكنه لم يفتح. فتحت الباب وقالت بعصبية: -يعني إيه خلاص جيت أهو؟ إحنا قلقنا عليك جداً يا إسلام خوفنا لاقدر الله يكون حصلك حاجة؟ وقافل موبايلك ليه كمان؟ وضع غطاء السرير فوق رأسه وقال بحزن:

-امشي يا هند. أزاحت الغطاء عن وجهه وقالت بغضب: -لأ مش همشي إلا لما تقولي اتأخرت ليه كده؟ وبعدين إنت بتكلمني بلا مبالاة إزاي كده؟ حصل إيه يعني؟ هو أنا عملتلك حاجة؟ نهض من مكانه وهو ثائر تماماً وأخذ يصرخ قائلاً: -عاوزة تعرفي حصل إيه؟ ها؟ أقولك يا ستي.. محمد صاحبي مات وأنا كنت السبب في موته. فاكرة لما رن عليا وأنا معبرتوش؟ ساعتها كان بيموت وأنا أول واحد اتصل بيه. أصله كان فاكرني صاحب بجد وهلحقه!

طيب عارفة إن باباه أول ما شافني أخدني بالحضن جامد؟ أصله فاكرني زي ابنه وبيقولي إنت من ريحة الغالي. مسكين الراجل ميعرفش إن ابنه كان ممكن يكون أحسن من كده بكتير لو مكنش عنده صاحب ندل زيي. ميعرفش إن ابنه دلوقتي بيتحاسب والله أعلم هو دلوقتي مرتاح ولا لأ. ميعرفش إني لما كنت بشوف محمد تعبان كان أقصى حاجة أقولهاله مالك وأجيبله ميه وعصير. حتى مهانش عليا أضغط عليه وأقوله نروح لدكتور نشوف مالك!!

كنت عارف إنه طول عمره بيكره الدكاترة بس عمري ما فكرت إنه ممكن يموت بسبب مرضه. عمري ما فكرت إن صديق عمري يروح مني بسرعة كده وفي لمح البصر! كان دايما يقولي: "عاوزين نلحق نقرب من ربنا قبل ما نموت". وأنا كنت بضحك عليه وأقوله: "يا عم إحنا لسه قدامنا العمر طويل". مكنتش اعرف انه كان قدامه يوم واحد ويموت. اتسعت عينا هند وأخذت تحرك رأسها بعدم تصديق قائله: -إنت بتقـول إيــ.. قاطعها إسلام بحده وأردف قائلا:

-عارفه آخر حاجة قالها إيه قبل ما يموت؟ قالهم: "خلوا بالكم من إسلام وخلوه يقرب من ربنا علشان مش عاوزه أموت زيه". عارفه يعني إيه يوصيهم عليا قبل ما يوصيهم على أهله؟ دلوقتي بس عرفت قيمة انه كان دايما يقولي انه بيحبني أكتر من نفسه. اخذ يتنفس بصعوبه وهو يقول بصوت متقطع: -ااااااااااااه أقول إيه ولا إيه بس؟ اطلعي يا هند دلوقتي وسيبيني في حالي ومحدش يدخل عليا تاني مفهوم.

حاولت هند تهدئته ولكنها لم تستطع فذهبت للخارج وأغلقت الباب خلفها والدموع في عينيها. *** أخذ إسلام ينظر إلى سقف الغرفة لساعات بدون أن يتفوه بأي حرف. كانت دموعه تتساقط كالسيل. رجع بذاكرته للخلف وأخذ يتذكر وفاة والده وكيف ساعده محمد على اجتياز هذه المحنة.

كان يرى الموقف أمامه وكأنه حدث بالأمس. عندما علم إسلام بوفاة والده كان بالصف الثاني الثانوي. لم يكن يعلم ماذا يجب أن يفعل وهو في مثل هذا السن الصغير. فما كان منه إلا أنه اتصل بأقرب صديق له وقال بصوت متقطع من كثرة البكاء: -محمد الحقني يا محمد. أبويا مات مات. انتفض محمد من مكانه وقال بفزع: -بتقول إيه يا إسلام؟ أخذ يصرخ بشده: -محمد أنا حاسس إني هموت. إلحقني بسرعة. حرك رأسه بتوتر وقال على الفور:

-حاضر جاي حالا أهو. خلي بالك من نفسك. تذكر عندما أخذه محمد في حضنه وأخذ يربت على كتفه وهو يقول بجدية: -إسلام إنت راجل البيت دلوقتي ولازم تكون أقوى من كده. وأنا جنبك أهو وعمري ما هسيبك. ثم أومأ برأسه مؤكدا: -أنا من دلوقتي راجل البيت معاك. ومفيش حاجة اختك ولا مامتك هتحتاجها إلا وهتكون موجودة بإذن الله. يلا امسح دموعك وروح هدي مامتك وأختك وحسسهم إن ليهم ظهر وسند. نظر له إسلام والدموع بين عينيه وقال بتعب:

-يا محمد أنا ثانوية عامة ومسؤولية الدراسة لوحدها صعبة عليا. هعمل إيه بس ولا هشيل مسئوليتهم إزاي؟ أنا حاسس إني اتكسرت ومش هرجع تاني. نظر إليه بصرامة وقال بصوت قوي: -هنعمل الاتنين يا إسلام بإذن الله. هندخل هندسة زي ما بنحلم دايما وبرضو هنكون رجالة ونشيل أهلنا على راسنا من فوق. أنا جنبك أهو متقلقش. تذكر عندما كان يتصل به يوميا ويسأله: "هل تحتاجون شيئا؟ ". تذكر عندما كان يخبره دائما أنه قادم ويقول: "ماذا أحضر معي؟

". تذكر عندما وقف بجانبه ولم يتركه للحزن والإحباط وأخذ يذاكر له كل ما فاته ويذكره دوما بحلمهما وبأن والده سيكون فخورًا به إذا التحق بكلية الهندسة كما تمنى. تذكر كيف كان محمد الأب الثاني له وإنه لم يتركه لحظة. وفي مقابل ذلك عندما شعر محمد بالتعب وفكر في الاتصال بأقرب صديق له لم يلق منه ردًا وكان التأخير هو السبب في وفاته.

أخذ يضرب الفراش بقوة رهيبة وهو ثائر تماما. أخذ يلوم نفسه بقوة على ضياع صديقه منه. أخذ يتذكر مواقف كثيرة حدثت بينهما وكان بين الغضب والضحك والبكاء والألم حتى شعر بالتعب وذهب في النوم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...