الفصل 11 | من 47 فصل

رواية في الحلال الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رقيه طه

المشاهدات
21
كلمة
2,353
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

هبط درجات الدرج والحزن يملأ قلبه ووقف أمام المنزل وهو يقول بضيق: -حتي دي كمان عملتها يا فاروق؟ أكتر وقت كانوا محتاجيني فيه لاقوك إنت بدالي؟ حقيقي أنا مستحقش إني أكون "صديق" أصلاً. نظر أمامه فإذا به يراه مرة أخرى. التفت للجانب الآخر سريعاً وأخذ يفكر ماذا يفعل؟ هل يذهب ويحدثه أم يرحل بهدوء؟ ولكنه سرعان ما شعر بالحزن عندما تذكر كلمات فاروق الأخيرة: -ممكن بقي مشوفش وشك قدامي تاني؟ ولا دي كمان صعبة؟

وعلي فكرة عمري ما هسامحك ولا هعفيك من المسئولية. تنهد بحزن وألقى على فاروق نظرة أخيرة قبل الرحيل. ومن سوء حظه أن فاروق شاهده بالفعل ولكنه لم يعره أي اهتمام وذهب بعيداً. شعر إسلام بالإحراج وأسرع الخطى كي يختفي من هذا الشارع حتى لا يراه ثانية. عاد إلى منزله في صمت ودخل غرفته وإستلقى على فراشه ونظر للسقف كالعادة وأخذ يتذكر أيامه مع محمد. ***

في صباح اليوم التالي ذهبت سلمي للجامعة وهي ترتدي الجيب كما وعدت حفصة وأيضاً كانت على وضوء لكي تصلي الظهر هناك كما اتفقا. تقدمت سلمي من صديقاتها وقالت بفرحة: -يا عيال إيه رأيكم في الطقم ده حلو؟ أومأت هند برأسها موافقة وقالت بابتسامة: -حلو يا سلمي ألف مبروك عليكي. ثم تابعت فاطمة: -حلو يا سلمي، بس الجيبة دي مش بتشنكلك؟!! نظرت إليهما سلمي بسعادة وقالت: -ده مش طقم جديد، هو كان عندي بس مكنتش بلبسه يعني.

نظرت لفاطمة وقالت بمزاح: -لأ مش بتشنكلني يا أختي. وكادت أن تخرج لسانها لولا تذكرها أنها في الجامعة ومن الممكن أن يلاحظها أحد. جلسن يتحدثن قليلاً حتى أذن الظهر. نهضت سلمي من مكانها وقالت بحماس: -يا بنات أنا رايحة أصلي، هتيجوا معايا؟ قالت هند بإحراج وتردد: -مش هينفع علشان مش متوضية، هصليها لما أروح بقي إن شاء الله. لم تنظر سلمي لفاطمة لأنها كانت تتوقع إجابتها فلم تهتم وذهبت بمفردها لأداء الصلاة.

وقبل أن تغادر قالت بسعادة: -هصلي وأجي علطول يا عيال، أوعوا تتحركوا من هنا. أجاباها بالموافقة فذهبت سلمي بينما جلسا هما للتحدث. فقالت فاطمة بتعجب: -إنتي مش حاسة إن سلمي متغيره شوية اليومين دول؟!! نظرت لها بعدم اهتمام وقالت: -عادي. شعرت فاطمة بالانزعاج من الرد غير المبالي وقالت بغضب: -يعني إيه عادي يا هند؟!! هي مش صحبتك برضو ولا إيه؟!! يعني لازم تهتمي لأمورها. اعتدلت هند في جلستها ونظرت لفاطمة بتعجب وقالت:

-طيب وهو أنا عملت إيه يدل على إني مش مهتمة بيها؟!! البنت حبت تحسن من نفسها شوية إيه المشكلة؟!! ربنا يهديها. تنفست فاطمة مراراً وقالت بضيق: -يعني إنتي مش حاسة إنها بقت غريبة اليومين دول ومش قريبة مننا زي الأول؟!! أومأت رأسها نفياً وقالت موضحة: -كل الحكاية يا ستي إنها بقى ليها اهتمامات تانية وكل ما تكلمنا في الحاجات بتاعتها دي إحنا ناخد الموضوع بهزار وتريقة، فبقت تعمل اللي هي عايزاه حتى لو إحنا مش موافقين. نظرت لها

فاطمة بعدم اقتناع وقالت: -يعني إنتي شايفة إن ده عادي؟!! أجابتها على الفور: -آه طبعاً عادي، دي حياتها وهي حرة فيها، زي ما إحنا بنعمل اللي إحنا عايزينه هي كمان من حقها تعيش حياتها براحتها، وسواء أنا مع التغيير ده أو لأ برضو ميحقليش إني أتدخل في حياتها الشخصية. كادت فاطمة أن تتحدث لولا أن قاطعتها هند وتابعت: -كمان يا ستي متقلقيش سلمي بتحبنا جداً ومستحيل تتغير علينا. تنهدت فاطمة بعدم رضا وقالت: -جايز!

وبعد عشرة دقائق تقريباً عادت سلمي وعلى وجهها ملامح السعادة وقالت لهما بحماس: -جيت. أطلقت هند ضحكة عالية وقالت ساخرة: -أراجــل! جيتي والله؟!! مش معقولة. ضربتها سلمي على كتفها وقالت بمزاح: -بس يا أهبل. ابتسمت فاطمة لمشاهدتها هذا المشهد وقالت بفضول: -إيه سر السعادة دي كلها يا حاجة سلمي؟!! فرحينا معاكي. تنهدت سلمي براحة وقالت بسعادة:

-حاسة إني مرتاحة وأنا مصلية الفرض اللي عليا في وقته كده، دلوقتي بقي هعمل كل اللي أنا عايزاه في الجامعة من غير تأنيب ضمير. ابتسمت هند ولم تتحدث وكذلك فاطمة. ***

مر أسبوع كامل وإسلام على نفس الحالة، لا يخرج من غرفته إلا إذا ذهب لشراء طلبات المنزل ويدخل مرة أخرى ويغلق الباب خلفه. لم يذهب إلى الجامعة منذ وفاة صديقه محمد لأنه لا يستطيع الذهاب هناك بدونه. لا يستطيع تحمل مشاهدة كل الأماكن الذي كان يجلس بها محمد معه. لا يستطيع رؤية الطاولة التي كان يفضلها محمد منذ أول يوم في الجامعة وكان يجلس بها كل يوم بلا استثناء. لا يستطيع رؤية صديق آخر يجلس بجواره في المدرج. لا يستطيع تخيل أي شيء بدون محمد لذلك اكتفى بوجوده في المنزل مع أحلامه.

كادت والدته أن ينفطر قلبها على ولدها الوحيد وعلى الحالة التي تراه عليها منذ وفاة صديقه ولكنها لم تكن تستطع التحدث معه لأنها تعلم مكانة محمد في قلبه. قررت أن تستجمع شجاعتها وطرقت عليه الباب بخفة فسمعته يقول بصوت خفيض: -نعم، عايزة حاجة يا هند؟!! فتحت باب الغرفة وأطلت برأسها مبتسمة وقالت: -دي أنا يا حبيبي، ينفع أدخل؟ نهض إسلام من فراشه وجلس على حافته وقال محاولاً تصنع الابتسامة: -طبعاً يا أمي اتفضلي.

جلست بجواره على حافة الفراش ومسحت على شعره بحنان ونظرت له بعينين لامعتين وقالت: -هتفضل على الحال ده كتير يا إسلام؟!! تنهد بحزن وقال بتأثر: -مكنتش أعرف إني بحبه أووووي كده يا أمي، عمري ما كنت أتخيل إنه ممكن يختفي من حياتي فجأة كده، ده أنا كنت حاسس إنه كل حاجة ليا في الدنيا، كان الأب والأخ والصديق وكل حاجة، لحد دلوقتي مش مصدق إني مش هشوفه تاني، خلاص مبقتش حاسس إن حياتي ليها معنى وبقيت كاره كل حاجة.

ثم تنهد مرة أخرى قائلاً: -الحمد لله. تحركت دمعة في عينها ولكنها حاولت الاحتفاظ بها كي لا تزيد من ألم ابنها وربتت على كتفه قائلة: -لو الحزن ده يا ابني هيرجع اللي راح كنت هقولك احزن وعيط وكسر الدنيا كلها، بس خلاص ده قدر ربنا وإحنا لازم نرضي بيه. ثم نظرت إليه بابتسامة رضا وقالت: -فاكر يا إسلام لما أبوك مات؟

كنت إنت ساعتها في 2 ثانوي وهند في 3 إعدادي، ساعتها أنا حسيت إني اتكسرت بمعنى الكلمة ومبقاش ليا ضهر ولا سند خلاص، حسيت إني خايفة من مسئوليتكم واني مش هقدر أشيلها لوحدي خلاص. بس لما قعدت أفكر مع نفسي لقيت إن ربنا رحيم أوووي ومفيش حاجة بتحصلنا غير لما يكون لينا الخير فيها وكمان طالما ربنا كتب الحاجة دي يبقى إحنا لازم نرضي ونصبر، ماهي الجنة مش ببلاش برضو. ثم مسحت على شعره مرة أخرى وقالت بسعادة:

-وأديك أهو كبرت وبقيت مهندس قد الدنيا وأختك الحمد لله دخلت تربية إنجليزي وعرفت أربيكم لوحدي أهو، قصدي ربنا ساعدني واعطاني القوة والصبر واتحملت كل حاجة علشان أشوفكم كده وعلشان أحقق اللي أبوك كان بيحلم بيه دايماً. علشان كده يا ابني الحياة مبتقفش على حد، ولو الميت ده غالي علينا فعلاً يبقى نعمل اللي يفيده في قبره مش نقعد نزعل ونعيط وخلاص.

نهضت الأم من مكانها وهمت بالخروج لكي تفسح له المجال للتفكير في كل ما قيل وإعادة ترتيب حياته مرة أخرى. جلس إسلام يفكر في كلام والدته وكلماتها الأخيرة تتردد على أذنيه مرة تلو الأخرى: "لو الميت ده غالي علينا فعلاً يبقى نعمل اللي يفيده في قبره مش نقعد نزعل ونعيط وخلاص". أخذ نفس عميق وهو يمسح على شعره عدة مرات وتنهد قائلاً للفراغ: -يعني إنت ممكن تكون محتاجلي دلوقتي يا محمد؟

حاضر يا محمد هحاول أعمل كل اللي إنت نفسك فيه بس إنت ادعيلي. انتبه لما يقول فضحك بسخرية وقال: -قصدي أنا اللي هدعيلك! *** مر الأسبوع على سلمي وقد نفذت كل ما اتفقت عليه مع حفصة وحان الوقت المنتظر، تقرير نهاية الأسبوع. جلست على حاسبها وبعثت برسالة لحفصة: -إنتي موجودة؟ -أيون بس عاملة أوف لاين كالعادة. -هههههههه آه، منا اتعودت على كده. المهم جايبالك التقرير بتاع الأسبوع. -ههههههههههههههه ماشي، قولي.

أرسلت سلمى وجهًا ضاحكًا بأسنان ناصعة البياض وتابعته بكلمة: -لبست وصليت. نظرت للشاشة بتعجب وكتبت: -ده اللي هو إزاي يعني! -إيه يا بنتي، إنتي نسيتي ولا إيه؟ ابتسمت حفصة بإحراج وكتبت: -معلش يا بنتي، أبو العيال مطلع عيني ومبقيتش مركزة في حاجة. اتسعت عينا سلمى وكتبت بتعجب: -إيه ده، هو إنتي متجوزة وعندك عيال كمان؟ صحيح أنا إزاي متعرفتش عليكي ده كله! أطلقت حفصة ضحكة عالية وكتبت:

-بهزر معاكي يا بنتي، أنا لسه مخطوبة. المهم بقى إيه حكاية لبست وصليت دي؟ معلش نسيت أنا آسفة. مطت سلمى شفتيها للأمام وكتبت بلوم: -مش إنتي قولتيلي من أسبوع إني ألبس جيبات وأصلي الظهر في مسجد الكلية وأنا وعدتك إني هحاول أعمل كده؟ أهو جيت أقولك الأخبار بقى بس باين عليكي نسيتي. أحست حفصة بالإحراج فكتبت محاولة امتصاص حزن سلمى: -آه صحيح، قوليلي بقى عملتي إيه؟ معلش والله مشغولة شوية اليومين دول فنسيت، معلش بقى.

-كنت بقولك يا ستي إني طول الأسبوع التزمت بالصلاة في مسجد الكلية وكمان ملبستش بنطلونات خالص. أقولك كمان على سر خطير؟ كتبت حفصة بحماس: -قولي قولي. تنهدت سلمى بسعادة وكتبت:

-أنا قررت إني مش هسيب أي صلاة في الجامعة تاني وكمان قررت أبطل بنطلونات خالص بقى واللي يحصل يحصل. وبإذن الله أكون قد القرار ده. عمومًا هو كده كده الامتحانات قربت وبعدين السنة هتخلص وعلى السنة الجديدة هجيب لبس جديد إن شاء الله. فهحاول بقى أقضي الكام أسبوع دول بالجيبتين اللي عندي لحد ما أجيب جديد بإذن الله. ثم نظرت للسماء عبر نافذة غرفتها المفتوحة وقالت بحماس: -مش مهم أي حاجة. المهم إنك ترضي عني يا ربي.

كادت حفصة أن تقفز من مكانها من الفرحة وكتبت بسعادة بالغة: -ألف مبروك يا سلمى! قرار في محله وفي وقته المناسب، فرحتيني والله وشيلتيني عني شوية من همومي. ربنا يثبتك يا حبيبتي ويرضي عنك. اتسعت عينا سلمى وشهقت بخوف وكتبت: -هموم إيه خير؟ وكمان أنا متعرفتش عليكي فعلاً ومعرفش إنتي قد إيه لحد دلوقتي تصوري؟

-ههههههههههه بس أنا عارفة إنتي قد إيه بقى. عمومًا يا ستي أنا في سنة رابعة كلية سياسة واقتصاد ومخطوبة وبإذن الله فرحي بعد الامتحانات على طول. هانت ^^ ظلت تنظر للكلمات بسعادة وكأنها هي من ستكون العروس بعد شهر وليست حفصة. رددت الحمد لله في نفسها ثم كتبت ببهجة: -ما شاء الله وألف ألف مبروك ربنا يسعدك. أومال مهمومة ليه بس؟ تذكرت حفصة ما حدث فتنهدت بضيق وكتبت:

-مفيش يا ستي، خطيبي مصر إننا نسافر نشتغل بره وأنا مش عايزة وفي شوية مشاكل كده. ربنا يلهمنا الصواب ويفعل لنا الصالح. متشغليش بالك إنتي وخدي بالك من نفسك بس. -يارب يفك كربك يا حفصة ويتمملك على خير بإذن الله. -آمين يارب. *** أنهت سلمى المحادثة مع حفصة وأغلقت حاسبها. ذهبت لخزانتها وقامت بفتحها وانتقاء بعض الملابس لإعادة ترتيبها من جديد وإخراج الغير مناسب منها فأمسكت بأول بنطال وأخذت تحدثه بصوت مرتفع:

-اممم، إنت مش هينفع تتلبس بره تاني، أخرك في البيت يا حلو. في بنطلون محترم يرضى على نفسه إنه يكون ضيق كده؟ هــــــــاه؟ وألقت به على الفراش ونظرت لأخيه القابع في الخزانة وأخرجته ونظرت إليه بإعجاب وقالت: -أما إنت بقى بصراحة خسارة أبوظك في البيت. خليك بقى ما اتجوز أهو تنفع برضه. ثم أطلقت ضحكة عالية وهي تخرج الثالث وقالت:

-ههههههههاي بس إنت بقى حكايتك حكاية. بقولك إيه، إنت أخرك تبقى قماشة للمطبخ أصلًا. أنا أعرف يا أخويا كنت بلبسك إزاي؟ تعالي جبت أخواتك يا حلو. وأخذت تنظر إلى بعض البلوزات والفيستات وتلقي بهم على الفراش أيضًا. ثم نظرت للدولاب فجأة وقالت بذهول ممزوج بالضحك: -يا حلاوة! ده الدولاب بقى أبيض!! أغمضت عينيها وتنهدت بعمق قائلة بحسم: -سلمي وبعدين؟

إحنا قولنا رضا ربنا أهم، يعني رضا ربنا أهم. هلبس اللي هينفع عندي ويرضي ربنا وبعد الامتحانات أجيب جديد إن شاء الله. فهمتي يا أنا؟ دخلت ولاء الغرفة فجأة فصدمت من هذه الفوضى وقالت بصراخ: -إيه يا سلمى ده، حرام عليكي بهدلتي الأوضة وأنا لسه مرتباها. رجعي كل حاجة مكانها بقى أووف. ابتسمت سلمى بهدوء وقالت: -ماشي يا حجة حاضر. اصبري عليا بس. أخذت تنظر للملابس المنثورة على الفراش مرة أخرى وقالت بتعجب:

-طلعتي الهدوم دي كلها ليه كده؟ نظرت إليها سلمى بثقة وقالت ببراءة مصطنعة: -هرميهم. رفعت ولاء حاجبها وقالت حانقة: -هترميهم إزاي يعني؟ نظرت لهم سلمى نظرة وداع وقالت براحة: -يعني خلاص قررت مش هلبس ضيق تاني. والهدوم دي كلها مترضيش ربنا وأنا مش هلبسها تاني. أمسكت ولاء بالملابس وأشارت بهم لسلمى وقالت بتأفف: -وهو اللي يرضي ربنا يعني إنك ترمي الهدوم دي كلها وإحنا دافعين فيها فلوس. أمسكت منها الملابس ووضعتها على الفراش مرة

أخرى وقالت مطمئنة إياها: -متخافيش يا ولاء، مش هرميهم في الزبالة أكيد! أنا بس هلبسهم في مكانهم المناسب وبعدين خلاص، أنا أخدت قراري هرجع فيه. يا إما تساعديني يا إما متعترضيش على الحاجات الصح اللي بعملها. ثم ارتمت على الفراش وقالت بضجر: -مش كل ما أعمل حاجة صح تقعدوا تأنبوا فيا وتتريقوا عليا. أنا زهقــــــــــــــت. شعرت ولاء بالغضب من كلماتها فقالت وهي تغادر الغرفة: -إنتي حرة! تنهدت سلمى بحزن وقالت هامسة:

-حتى إنتي يا ولاء! يلا أمري لله، هكمل طريقي لوحدي. ربنا يخليكي ليا يا حفصة وتفضلي تشجعيني دايما. ***

جلس إسلام يفكر في كلام والدته لساعات حتى أخذ قرارًا ما. بدل ملابسه وهبط من منزله متجهًا إلى منزل فاروق. فور وصوله صعد الدرج بتوتر وما إن اقترب من باب الشقة حتى أحس بالخوف أكثر. أخذت يده تقترب من الباب وتبتعد مرة أخرى وتكرر هذا الوضع أكثر من مرة حتى استجمع شجاعته وقام بطرق الباب طرقات خفيفة. سمع فاروق يقترب من الباب شيئًا فشيئًا وهو يقول: -مين؟ تنحنح إسلام واستجمع قواه وقال بصوت خفيض: -أنا إسلام يا فاروق.

ثم هبط من على الدرج بضع درجات. قام فاروق بفتح باب منزله ونظر لإسلام متعجبًا ولم يتحدث بينما ابتلع إسلام ريقه وقال بصوت متقطع: -إزيك يا فاروق؟ لم يلتفت له فاروق وأجاب بسرعة: -الحمد لله. ساد الصمت للحظات حتى قطعه إسلام مرة أخرى وقال بإحراج: -كنت عايز منك طلب يا فاروق. لم ينظر له فاروق ولم يتحدث فأكمل إسلام بتوتر: -فاروق ممكن تساعدني أكون زي ما محمد كان عاوز؟

عاوز أقرب من ربنا وأبقى عايش صح زي ما كان دايما بيقولي بس مش عارف أعمل إيه وأبدأ منين؟ لم يتأثر فاروق بكلماته وأجابه بصلابة: -إسلام هو أنا مش قولتلك إني مش عاوز أشوفك تاني؟ صدم إسلام من هذا الرد القاسي وشعر وكأن شخصًا ما سكب عليه أكوابًا من المياه المثلجة في ليالي الشتاء الباردة فما كان منه إلا أن ينظر إلى فاروق بذهول ولا يتحدث. أحس فاروق بصعوبة كلماته فقال مفسرًا:

-بص يا إسلام، أنا مش قادر أنسى المنظر اللي أنا شفته يوم وفاة محمد ومش قادر أسامحك ولا أنسى إنك كنت السبب الأساسي في بعده عن ربنا وموته على الحالة دي علشان كده مش عايز أشوفك تاني وده أفضل ليا وليك. كانت كلمات فاروق حادة للغاية مما جعل إسلام يرجع للخلف بضع خطوات مستعدًا للهبوط وهو يقول بحزن عميق: -ماشي يا فاروق شكرًا. ثم نظر لعينيه بعمق وقال متأثرًا:

-بس ما تنساش إني جيت في يوم وطلبت منك إنك تاخد بإيدي للجنة وإنت رفضت تساعدني. يعني إنت دلوقتي عملت زي ما أنا عملت مع محمد بالظبط. مش فارقة كتير. التفت بوجهه إلى درجات الدرج وأخذ يهبطها ببطء وهو يقول: -بعد إذنك يا صاحب صاحبي. كان يتوقع أن يعود إليه فاروق ويعتذر ولكنه وجده دخل إلى منزله وأغلق الباب وراءه وكأن شيئًا لم يكن!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...