عاد إسلام إلى منزله والحزن يملأ قلبه. دخل غرفته وجلس على حافة الفراش لبعض الوقت. لم يكن يتوقع هذا الرد القاسي من فاروق. كان يعتقد أنه سيجد الحل عنده، وأن فاروق سيساعده على التخلص من مرارة الذنب التي تلاحقه، ولكن حدث العكس تمامًا. فحزنه قد زاد أكثر وأكثر.
نهض من فراشه محاولًا تغيير حالته. ذهب إلى الحاسب الخاص به وفتح حسابه على موقع الفيس بوك. وجد العديد من رسائل ومنشورات التعزية، ووجد أيضًا سبعة وثلاثون رسالة من سارة. لم يستطع أن يقرأهم لأن حالته لم تكن تسمح بذلك. ولكن بعث لها رسالة ليطمئنها: -إزيك يا سارة؟ معلش مكنتش بفتح الأيام اللي فاتت دي علشان صديق عمري توفي ونفسيتي تعبانة شوية ومش قادر أكلم حد. أنا قولت أطمنك بس. متقلقيش عليا وإدعيلي.
كانت سارة تجلس على حاسبها في هذا الوقت. عندما وجدت رسالة من إسلام كادت أن تقفز من مكانها من الفرحة وكتبت بلهفة: -أخيييرا يا إسلام رديت. قلقتني عليك أوووي. ربنا يرحم صاحبك. شد حيلك وطمني عليك. تنهد بضيق عندما شاهد رسالتها وذلك لأن حالته لم تكن تسمح بالحديث مع أحد وكتب بتعب: -أنا الحمد لله كويس. -طيب صاحبك ده مات إزاي وحصل إيه طمني؟ شعر بالاختناق عندما شاهد جملتها الأخيرة وأحس وكأن المشهد يحدث أمامه مرة أخرى فكتب بضيق:
-معلش مش قادر أتكلم دلوقتي خالص يا سارة. أنا قولت بس أطمنك عليا. مع السلامة. وقبل أن تتحدث مرة أخرى وجدته قد أغلق الموقع بالفعل. تنهدت بغضب وأغلقت حاسبها أيضًا. في صباح اليوم التالي، طرقت والدة إسلام باب غرفته فلم تجيبه. فقامت بفتح الباب بخفة ودخلت لتوقظه. فوجدته مستيقظًا بالفعل وينظر لها بوجه خالٍ من أي تعبير. فتبسمت بحنان وقالت: -مش ناوي تروح الجامعة برضو يا إسلام؟ وضع الوسادة فوق رأسه وقال بعدم اهتمام: -مش مهم!
أزاحت الوسادة عنه وجذبته من قميصه بشدة وقالت بحزم: -لأ هتروح. أخذت تصرخ في وجهه قائلة: -فــوق لنفسك كده وقوم يلـــا شوف مستقبلك. الإمتحانات قربت. هتضيع نفسك بإيديك وفي الآخر صاحبك مش هيستفاد حاجة برضو. ضحك إسلام بسخرية وقال: -مستقبلي!! طيب ماهو كمان محمد مستقبله ضاع؟ اتسعت عيناها من الغضب وقالت بصوت حاد:
-صاحبك مستقبله مضاعش ولا حاجة. ده قدر ومكتوب عند ربنا. وأنا قولتلك قبل كده لو عايز تساعده بجد تعمل إيه وانت مسمعتش الكلام. يبقي بلاش بقي تعيش دور الحزين وتناملي في السرير بالأيام زي الولايا. شعر إسلام بالغضب الشديد ولكنه حاول انتقاء كلماته لأنه يتحدث مع والدته. وقال بضيق: -يعني إنتي شايفة إني بعيش الدور؟ شايفة إني فرحان في موته وعامل نفسي زعلان يعني؟ ماشي يا أمي شكراً. تنفست بعمق وجلست على طرف الفراش وقالت بهدوء:
-أنا عارفة إنك زعلان عليه فعلاً وإن محمد مكانش زي أي صاحب. محمد كان أخوك وكان ابني أنا كمان. بس اللي انت بتعمله في نفسك ده مش هيرجع حاجة يا إسلام! ثم نظرت له بابتسامة وقالت: -طول عمركم كنتوا بتتمنوا تكونوا مهندسين أد الدنيا صح؟ صاحبك مات بس انت لسه عايش. يبقي المفروض تحققله حلمه وتبقي انت المهندس اللي بيشتغل بضمير ويخدم بلده فعلاً زي ما كنتوا بتتمنوا!! ظهرت ملامح الحزن على وجهه وقال بتأثر:
-وصاحبي برضو كان بيتمنى إننا نكون أحسن من كده. كان بيتمنى إننا نقرب من ربنا شوية ونعيش عدل بدل الاستهتار اللي كنا فيه ده. ومات قبل ما يلحق يعمل حاجة. ثم ضحك بسخرية وقال مستنكرًا: -أحققله حلمه ده كمان إزاي بقى؟ عقدت ذراعيها أمام صدرها وابتسمت بثقة وقالت: -تحققله حلمه إنك تكون إنسان بجد بيتقي ربنا. تعمل بنصايحه اللي كان دايماً بيقولهالك علشان الثواب يوصله. تدعيله. تطلع صدقة عنه. تعمله أي حاجة تنفعه وهو ميت. فهمت؟
أومأ برأسه إيجابًا. فأمسكته من كفيه وقالت بحماس: -طيب يلـــا. نظر لها متعجبًا وقال: -يلا فين؟ قالت بإصرار: -هتروح الجامعة دلوقتي. فلت يديه منها بهدوء وقال بلا مبالاة: -مش دلوقتي.. بعدين. ازداد إصرارها وصرخت به قائلة: -أنا قولت هتروح دلوقتي يعني هتروح دلوقتي. مش هسمحلك تضيع تعبي وتعب أبوك السنين دي كلها. هتيجي على آخر سنتين وتضيع؟ لأ يا بابا إنســـــي. يلـــا قوم فز. زفر بضيق وقال:
-يا أمي خلاص سيبيني في حالي دلوقتي طيب. هبقى أروح الأسبوع الجاي إن شاء الله. أمسكته من ذراعيه وجذبته للخارج بشدة وقالت بصرامة: -لأ دلوقتي. إخلص. -لا حول ولا قوة إلا بالله. يا أمي طيب بكرة طيب. أنا مش طايق نفسي والله. -قولت هتقوم دلوقتي يعني هتقوم دلوقتي. إخلــص بقولك!
نهض من مكانه مستسلمًا وفتح خزانته وقام بارتداء ما رآه أمامه وذهب إلى الجامعة. كانت الساعة الواحدة ظهرًا ولم يكن يعرف هل ما زالت المحاضرات مستمرة أم انتهت في ذلك اليوم. أخذ يتجول في كليته بلا هدف حتى وجد بعضًا من أصدقائه يأتون إليه من كل حدب وصوب ويأخذونه بالأحضان ويقومون بمواساته. أخذ يحدث نفسه بكره: -آل وفاكرينك أعز صديق ليه وجايين يواسوك كمان؟!! والله إنت ما تستاهل تكون صاحب أصلاً.
أخذ شادي صديقه يربت على كتفه بحنان ويقول مطمئنًا إياه: -طبعًا إنت عارف إن الامتحانات قربت. والإسبوع اللي فات ده أخدنا المقرر والملغي. فأنا بإذن الله هقعد معاك في الوقت اللي يعجبك ونعلم سوا على اللي هييجي في الامتحانات. وشد حيلك يا بطل وخليك قوي كده. ربنا يريح قلبك. نظر له بامتنان وقال: -ربنا يخليك يا شادي. ماشي بإذن الله بس بعدين بقي علشان دلوقتي مش قادر. ابتسم بتفهم وقال: -اللي يريحك. أنا موجود وفي الخدمة دايماً.
صمت للحظات ثم نظر له وقال متسائلًا: -هو في محاضرات النهارده تاني؟ أومأ برأسه نفيًا وقال: -لأ أخر محاضرة لسه خارجين منها حـــالا. تعالي بكرة بقي على السكشن بتاع 9 الصبح علشان بعده هنطلع على المكتبة نجيب منها شوية مذكرات مهمين كده. -ماشي يا شادي بإذن الله. بعد إذنك.
تركه إسلام وسار باتجاه باب الجامعة بسرعة كبيرة. خرج من الباب واتخذ أول وسيلة مواصلات وجدها أمامه وعاد إلى المنزل على الفور. دخل منزله فسألته والدته عما فعل فقص عليها ما حدث وذهب لغرفته لينام مرة أخرى. وعلى الجانب الآخر بكلية التربية خرجت سلمي مع صديقاتيها من آخر محاضرة لهن في ذلك اليوم. جلست تتحدث معهما قليلاً بخصوص ما حدث هذا الأسبوع وما يجب أن يفعلوه للخروج بأفضل نتيجة من امتحانات آخر العام فتنهدت قائلة:
-وبكده يا حلوة انتي وهي عرفنا كل المقرر اللي علينا والمفروض بقي نذاكر. السؤال هنا بقي: هنذاكر الحاجات الغريبة دي إزاي؟ ابتسمت هند بمرح وقالت: -زي ما عملنا السنة اللي فاتت بالظبط. هنقعد نقرأ في الحاجات الغريبة دي ونحفظهم صم ونروح نكبهم في الامتحان وخلاص. أخذت تحرك رأسها يمينا ويسارًا بعدم رضا وقالت: -بس أنا مش مقتنعة بالحكاية دي يا هند. يعني إحنا كده مش بنستفيد حاجة من كل اللي بناخده ده. نظرت لها هند بلا مبالاة وقالت:
-هو ده نظام التعليم في بلدنا يا سلمي ومفيش عندنا حل تاني. رفعت سلمي حاجبها وقالت بتفكير: -لأ أكييد في حل. وأنا بإذن الله هوصله. ثم جذبتهما من ذراعيهما وقالت بحماس: -يلا نروح بقي يا عيال كده هنتأخر.
قرر إسلام مواصلة الدراسة في الجامعة كي يجتاز فترة الامتحانات بسلام. كان كالآلة يذهب ويعود بلا روح. يستيقظ من نومه في الصباح الباكر ويذهب إلى الجامعة لحضور المحاضرات ويجلس في فترة ما بين المحاضرات وحيدًا لا يريد التحدث مع أحد ولا يريد أن يراه أحد. يجلس في مكان لم يجمعه بمحمد كي لا تزيد جراحه. يعود لمنزله فيذهب للنوم.
يستيقظ من نومه ويظل جالسًا أمام كتبه ومذكراته يذاكر بعض الوقت ويتذكر محمد وذكرياته في البعض الآخر. وظل هكذا حتى نهاية فترة الامتحانات. أما عن سلمى، فهي أيضًا انشغلت بمذاكرتها وامتحاناتها. وحفصة أيضًا. ولم يتحدثا مع بعضهما البعض إلا قليلاً.
انتهت الامتحانات وعاد كل إلى حياته. أخذت سلمى تستعد لخطوتها القادمة في التغيير. بينما إسلام كان يقضي معظم يومه في النوم هربًا من واقعه المؤلم وذكرياته مع محمد التي تلاحقه دائمًا وتجعله يكره ذاته ويكره كل يوم كان يقابل فيه إحسان محمد بإساءة حتى ضاع منه. جلست سلمى تحدث حفصة لأول مرة بعد انتهاء الامتحانات، فكتبت بحماس وسعادة: -هيييييح بقي خلصت امتحانات وفضيتلك يا حاجة. خلاص مبقاش في أي حاجة تشغلني عن مواصلة طريقي.
ابتسمت حفصة وأجابت بنفس الطريقة: -هيييييح بقي وأنا كمان خلصت امتحانات واتشغلتلك. ضحكت بتعجب وكتبت: -يعني إيه؟ ابتسمت حفصة بتلقائية وكتبت: -مش أنا قولتلك يا بنتي إن فرحي بعد الامتحانات؟ تذكرت سلمى حوارها السابق مع حفصة، فشهقت بذهول ممزوج بالسعادة وكتبت: -هو اتحدد خلاص؟ طيب إنتي كنتي بتقولي حصل مشاكل مع خطيبك. قوللي وصلتوا لإيه صحيح. -آه يا ستي اتحدد. بعد 3 أسابيع إن شاء الله. صمتت قليلاً ثم كتبت بحزن:
-اضطريت أوافق إني أسافر مع إيهاب الإمارات. أنا مكنتش عاوزة أقولك عشان متزعليش وقولت أستنى لما تخلصي امتحانات بقي. شعرت سلمى بسعادة بالغة وكتبت بمنتهى الحماس: -ألف مليون مبارك يا حفصة. فرحت أوي والله. وبعدين عادي يا ستي هبقي أكلمك وإنتي هناك. ربنا يسعدك. لم تكن تريد أن تكسر فرحتها في هذا الوقت بالتحديد، ولكن لابد أن تخبرها ولا يوجد حل آخر. ترددت للحظات ثم كتبت: -سلمى.. أنا مش هينفع أتواصل معاكي وأنا هناك.
انتفضت سلمى من مكانها واتسعت عيناها وكتبت بخوف: -ليه يا حفصة؟ يعني إيه؟ يعني أنا كده مش هينفع أكلمك تاني؟ ابتلعت ريقها بإحراج وكتبت: -للأسف يا سلمى مش هينفع يكون عندنا نت في الأول كده لظروف ما عند خطيبي. بس أنا برضو واثقة فيكي وعارفة إنك هتعرفي تكملي طريقك لوحدك بإذن الله. كادت أن تسقط دمعة من عين سلمى وكتبت بألم:
-يا حفصة أنا اتعودت عليكي خلاص. وإنتي كنتي سبب في كل الخطوات اللي أنا أخدتها دي. أعمل إيه من غيرك بعد كده بس؟ أغمضت حفصة عينيها وتنفست بعمق وابتسمت بإطمئنان وكتبت: -بصي يا سلمى.. اسمعي الكلمتين اللي هقولهملك دول وحطيهم حلقة في ودنك وأوعي تنسيهم أبدا. "اللي معاه القرآن والدعاء مش هيكون محتاج لأي إنسان. هما دول سلاحك اللي هتقوي بيهم نفسك." تنهدت سلمى بحزن وكتبت: -مش فاهمه؟ أرسلت لها وجه بريء وكتبت هامسة بحنان:
-من خلال معرفتي بيكي الفترة اللي فاتت دي لقيتك إنسانة بسم الله ما شاء الله قوية وقادرة على نفسك. بس كنتي محتاجة حد يشجعك تكوني أفضل وإنتي بالفعل بدأتي في الطريق ده. مهما حصل ومهما كانت العواقب أوعي تقفي أو توقفي تقدمك ده على شخص. يعني أنا هروح.. لكن سلمى هتفضل موجودة ولازم تكمل طريقها. ابداي اقرئي في الجروب من جديد وحددي خطواتك بنفسك. لما تحسي إنك تعبتي ومش قادرة تكملي طريقك استخدمي سلاحك. معاكي الدعاء والقرآن.
افتحي المصحف وإنتي بتقولي لـ ربنا يارب ابعتلي رسالة. ابدأي دوري كل يوم على رسالة من ربنا ليكي لحد ما توصليلها. ادعي كتير أوي ربنا يقويكي ويثبتك. أوعي يا سلمى تستسلمي للشيطان واوعي حد يضايقك بكلمتين ويخليكي ترجعي عن هدفك. معاكي قرآنك ودعائك يا سلمى فاهماني؟ معاكي سلاحك يا سلمى أوعي تتخلي عنه. تسللت الدموع من عيني سلمى دون أن تشعر بهم. كتبت كلمات الوداع لحفصة: -حاضر يا حفصة هحاول. هتوحشيني. ابتسمت حفصة برقة وكتبت:
-يا بنتي أنا معاكي أهو. لسه فاضل 3 أسابيع متقلقيش. ادعيلي بس ربنا يصلح حالي وييسرلي أموري وبإذن الله أول ما الظروف تتظبط هفتح الفيس وأكلمك بس الله أعلم ده هيكون بعد قد إيه! -بدعيلك دايماً والله من غير ما تقولي. -آخر حاجة بقي يا بطـــــل. زي ما كنتي بتبعتيلي كل خطواتك وأنا موجودة. افضلي اعملي كده برضو حتى وأنا مش موجودة.. ممكن؟
-كنت هعمل كده أصلاً من غير ما تقولي. لأن حتى لو إنتي مشيتي روحك هتفضل معايا. ربنا يسعدك يا أحلى أخت في الدنيا. -امسحي دموعك يا بت.. هتضربي. وضعت سلمى يدها على وجنتيها فوجدت دموعها قد أغرقت وجهها بالفعل. مسحت دموعها متعجبة وكتبت بذهول: -إنتي عرفتي منين؟!! -حسيت. -ربنا يحفظك يـــارب.
-ربنا يقربك منه أكتر ويجمعنا في الفردوس الأعلى اللهم آمين. معلش بقي هقوم دلوقتي عشان بجهز شوية حاجات كده أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. -مع السلامة يا حفصة. ظل إسلام على هذه الحالة التي لا تتغير. يستيقظ من النوم لينام مرة أخرى. لا يعرف ماذا يفعل. لا يجد طعم للحياة بدون رفيق دربه. لا يعرف ماذا يفعل محمد الآن في قبره. هل هو سعيد أم حزين؟ هل قبره روضة من رياض الجنة أم حفرة من حفر النار؟
هل طيبة قلبه وحبه لكل الناس سيكون سببًا في دخوله الجنة؟ أم أن الجنة أعدت لأناس يخافون الله بحق ويعيشون ويموتون على طاعته؟ تكاد رأسه تنفجر من كثرة التفكير فيضطر للنوم ليخرج من هذا العالم الملئ بالألم إلى عالم آخر لا يشعر فيه بشيء. أما عن والدته، فهي لا تتركه أبدًا. تدخل عليه بين الحين والآخر وقلبها يعتصر ألمًا عليه، ولكن ماذا تفعل؟
فهو لا يريد أن يفعل شيئًا سوى النوم. قررت أن تحاول معه مرة أخرى وهي تدعو الله أن يستجيب هذه المرة. طرقت الباب طرقات خفيفة فلم يفتح كعادته فدخلت عليه ووجدته ما زال مستيقظًا وينظر إلى سقف الغرفة كما يفعل كل يوم. نظرت إليه بحنان وقالت: -إنت صاحي يا إسلام؟ نهض من مكانه واعتدل في جلسته وقال بابتسامة خفيفة: -آه صاحي. مسحت على وجهه بحنان وقالت: -عامل إيه يا حبيبي؟ أجابها بنفس الإبتسامة: -الحمد لله. رفعت حاجبها بمكر
ونظرت في عينيه بعمق وقالت: -طيب ومحمد عامل إيه؟ ازدادت ضربات قلبه عندما سمع اسم محمد ونظر لها بذهول ولم يتحدث. أعادت عليه السؤال مرة أخرى وقالت بإصرار: -بقولك محمد عامل إيه؟ أجابها بنفس الدهشة: -عامل إيه إزاي يعني؟ ابتسمت قائلة بتساؤل: -تفتكر هو عامل إيه دلوقتي؟ مط شفتيه للأمام وقال بضيق: -مش عارف! أمسكت كفيه ووضعتهما بين راحتيها وضغطت عليهما بشدة وقالت:
-هو ممكن يكون محتاجلك دلوقتي يا إسلام. لو عايز تساعده بجد يبقى حاول تغير من نفسك وتكون الإنسان اللي محمد كان عاوزه. أجابها على الفور: -منا روحت لفـ... ثم قطع كلامه فجأة وابتلع ريقه بارتياح وقال:
-منا مش عارف أعمل إيه ولا أبدأ منين وكمان مش لاقي حد يساعدني. أنا فعلاً ندمت إني مسمعتش كلامه من الأول. وخوفت أوي كنت أموت وأنا على الحالة دي. كمان خايف يكون دلوقتي بيتعذب ومش لاقي حد يساعده ولا يعمل له حاجة. كل شوية أتخيل لو كنت أنا اللي مت كنت هعمل إيه؟ مجرد التخيل نفسه مرعب. ربتت على كتفه وقالت بابتسامة:
-يمكن كانت غلطتي إني محاولتش أغرس فيكم الدين من وإنتوا صغيرين. كان كل همي تكونوا مبسوطين ومتفوقين وأفتخر بيكم قدام الناس. يمكن أنا غلطت يابني بس مش لازم إنت كمان تكرر غلطي. دور على الصحبة الصالحة اللي تعينك وشوف طريقك وامشي فيه صح. بلاش تبقى عايش كده وخلاص. أنا لما شفت خوفك على صاحبك وإحساسك بالمسؤولية تجاهه قلت لازم أجي أكلمك ولازم إنت كمان تعمل أي حاجة تساعده وتساعد نفسك بيها. نظر لها بسعادة وقال بفخر:
-أول مرة أشوفك بتتكلمي كده يا امي. تحسست وجهه بحنان وقالت هامسة: -لما شفت موت محمد خفت إنت كمان تضيع مني وربنا ميكونش راضي عنك. لازم تلحق نفسك يا إسلام محدش ضامن عمره يابني. -طيب أبدأ منين يا أمي؟ جايز لما أبدأ أحسن من نفسي شوية أحس إني ارتحت وبدأت أحقق وصية محمد. عادت للخلف ونظرت إليه بتعجب وكأنها تذكرت شيئًا ما وقالت بتفكير: -صحيح يا إسلام مش إنت كنت بتقول إن محمد عنده واحد صاحبه كده متدين؟
تشوفه يابني يمكن ياخد بإيديك. شرد إسلام قليلاً وهو يتذكر توبيخ فاروق له. تذكر أيضًا عندما ذهب لمنزل فاروق ولكنه لم يعره أي اهتمام. انتشلته من شروده وهي تكرر كلامها فقال: -لأ مش هينفع يا أمي.. قوللي حل تاني. أخذت تفكر لثوان ومن ثم قفزت من مكانها بحماس وقالت: -أنا إزاااي مجتش في بالي الفكرة دي؟
يابني الشباب الكويس هتلاقيهم مواظبين على الصلاة في الجامع. حاول إنت كمان تصلي كل الصلوات في الجامع وبإذن الله أكيييد هتلاقي الصحبة الصالحة هناك. ثم نظرت إليه بعمق وقالت بصرامة: -لأ مش حــاول. ده إنت لازم تعمل كده. أعجب إسلام بالفكرة وقال بحماس: -عندك حق.. أكييد هلاقي حد زي فاروق هناك.
غادرت والدته الغرفة وقد اطمئن قلبه قليلاً بعد حواره معها وأخذ يفكر في خطوته القادمة ولكنه سرعان ما أحس بالملل فذهب لإحضار الحاسب الخاص به ووضعه على الفراش. فتح حسابه على موقع الفيس بوك ونظر نظرة سريعة على قائمة أصدقائه فوجد سارة متصلة الآن. وجد نفسه سريعًا يغلق الحاسب مرة أخرى. لا يعرف لماذا؟ هل أصبح لا يحبها؟ أم إنه لا يرغب في مزيد من الذنوب؟ والأرجح هو الحل الثاني. أخذ يفكر قليلاً، هل سيفتحه مرة أخرى أم لا؟
ولكن قطع تفكيره صوت طرقات الباب. ظل ينادي على والدته وعلى هند عدة مرات لكي تفتح إحداهما الباب، ولكنهما لم تسمعاه. فقرر أن يذهب ليفتح هو. فتح بإبتسامته المعتادة، ولكن سرعان ما تحولت هذه الابتسامة إلى حالة من الذهول. وقال بصوت مختنق: -محمد!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!