ظل إسلام يفكر طوال الليل في موضوع سارة وماذا يجب أن يفعل معها. في اليوم التالي، بعدما عاد من صلاة العصر، قرر محادثتها مرة أخرى. فتح حسابه الجديد على موقع الفيس بوك وقام بإرسال رسالة لها، وانتظر طوال اليوم ولكنها لم ترد. أخذ يفكر قليلاً: لماذا لم ترد؟ فلو كانت غاضبة كالأمس، كانت ستُحظر هذا الحساب أيضاً أو ترد بعصبية على أقل تقدير.
مر يوم تلو الآخر وهو يرسل إليها الرسائل ولكنها لا ترد، فأحس بالخوف عليها. فلو كانت حظرته، كان اطمأن عليها أكثر من ذلك، ولكنه الآن يشعر بالقلق. كان يرغب أن يتركها ابتغاء مرضاة الله، ولكن لم يُرد أذيتها أبداً. وبعدما يقرب من أسبوع، فتح حسابه الجديد كالعادة ليطمئن عليها، ولكنه وجد رسالة لم يكن يتوقعها أبداً. فقد كانت الرسالة من أخت سارة. أخذ يقرأها بذهول تام وهو لا يدري ماذا يفعل. وقد كان محتوى الرسالة:
"إزيك يا إسلام. أنا أخت سارة الكبيرة. أنا ببعتلك الرسالة دي دلوقتي علشان أطلب منك تخرج من حياة سارة تماماً وبكل هدوء. هي من حوالي أسبوع كده لقيناها عمالة تكسر في كل حاجة حواليها ومنهارة تماماً وحاولنا معاها كتير إنها تهدي أو تقولنا مالها، ولكنها رفضت واضطرينا إننا نوديها لأشهر دكتور نفسي في البلد علشان يشوف مالها. هي دلوقتي محجوزة في المصحة علشان نفسيتها تعبانة جداً. ولحد وقت قريب جداً ما كناش نعرف هي تعبت كده من
إيه، لحد ما فكرت أفتح الأكونت بتاعتها على الفيس وشفت اللي حصل بينك وبينها. سارة يا إسلام بنت رقيقة جداً وقلبها طيب أوي، علشان كده بيضحك عليها بسرعة. واتعرفت على كذا واحد قبل كده وكانوا بيضحكوا عليها ويلعبوا بيها شوية ويسيبوها. لكن هي لما كلمتك حست إنك مختلف عنهم وكانت مستعدة تضحي بكل حاجة عشانك. طبعاً انت عارف الفرق الواضح بين مستوانا ومستواكم، لكن مع ذلك هي كانت مستعدة تعمل أي حاجة علشان ترتبط بيك. بس انت لما جيت
قولتلها إنك عايز تسيبها عشان رضا ربنا، طبعاً عرفت إنك بتكدب عليها وإنكم كلكم زي بعض. حقيقي أنا معرفش إذا كنت انت صادق ولا لأ، وأصلاً ده ما يهمّنيش في حاجة. أنا بس جيت أقولك تبعد عنها تماماً واوعى تحاول تكلمها تاني أبداً. هي دلوقتي بدأت كورس العلاج، وبإذن الله الدكتور قالنا خلال شهرين كده ولا حاجة هترجع أحسن من الأول. وكمان هيحاول معاها إنها يكون عندها ثقة بنفسها أكتر من كده وتبطل الطيبة الزيادة دي وتبدأ تعيش حياتها
صح بقى.
وعلشان أريحك خالص، عايزة أقولك إن مستحيل بابا يوافق عليك لأنك بالنسباله فقير. أنا مش بقول كده علشان أحرجك أو أضايقك، أنا بقولك كده علشان تفوق وتبطل تعيش في الأحلام انت وهي، وفي الآخر تتصدموا بالواقع. أنا عرفت إنها عملت بلوك للأكونت بتاعك، يعني كده تقريباً كل حاجة انتهت. وبقول تاني أهو، مش عايزة إياك تحاول تكلمها بأي شكل من الأشكال لأنها مش ناقصة وفيها اللي مكفيها. وأنا متأكدة إن العلاج هيجيب نتيجة معاها بس بعد فترة كده إن شاء الله.
لو عايز تساعدها بجد، ادعيلها وبس. وروح انت يابني شوف طريقك وكافح واعمل اللي انت عايزه بعيد عننا. آخر حاجة بعد إذنك، أنا مش عايزة رد على الرسالة دي لأني مش فاضية كل شوية أدخل أتكلم. وبقولك لآخر مرة أهو، لو حاولت تكلمها تاني، إحنا ممكن نعمل حاجة تزعلك. يلا سلام." أخذ إسلام يقرأ الرسالة مراراً وتكراراً وهو في ذهول تام. ماذا هذا الذي يراه؟ هل هو يحلم أم يعيش في الواقع؟
أخذ يضغط على رأسه بشدة من كثرة الألم الذي حل بها. أخذ يحركها يميناً ويساراً عدة مرات محاولاً الاستفاقة. ما الذي يحدث له ولماذا تحولت كل حياته إلى ألم فقط؟ أين حياة المرح والاستهتار واللامبالاة التي كان يعيشها؟
فقد كان سعيداً بحياته هكذا ولم يطلب أن يعيش في هذا الواقع المؤلم. لقد توفي والده ثم توفي محمد وترك في قلبه ألماً ومرارة لم تنتهِ. وبعدها تختفي سارة وتترك في قلبه أيضاً مرارة وخوف ورعب وإحساس بالذنب. ما هذا الذي يحدث؟
ظل ينظر إلى السماء ويدعو الله أن يكون كل هذا حلماً سيئاً، ولكن للأسف هذا واقع. هذا نتيجة استهتاره وعدم إحساسه بالمسؤولية. فكل فعل خطأ فعله آتٍ بنصيبه من الألم. كادت رأسه أن تنفجر من فرط التفكير. ظل يضغط عليها لفترة طويلة محاولاً إيقاف التفكير. جلس بعض الوقت محاولاً تهدئة نفسه ولكنه لم يستطع، فذهب إلى فراشه كي ينام محاولاً الهروب ككل مرة.
جلست سلمى على حاسبها وقامت بفتح موقع الفيس بوك وهمت أن تبعث رسالة لحفصة، ولكنها تذكرت أن حفصة الآن غير موجودة ولن تستطيع الرد عليها إلى أن يشاء الله. تذكرت أيضاً أنها وعدت حفصة أن تظل تراسلها حتى بعدما ذهبت لتشعر دائماً أنها بجوارها. ابتسمت وهي تكتب:
"حفصة وحشتيني أوي على فكرة. أنا عارفة إنك مش هتقرأي الرسالة دي، بس برضه كان لازم أكلمك لأني برتاح لما بفضفض معاكي، ومستنية اليوم اللي تيجي فيه وتردي على كل الرسائل اللي ببعتهالك. أنا يا ستي كويسة الحمد لله وماشية في الطريق وكله تمام. يمكن باخد شوية تريقة كده كل يوم، بس مش مشكلة بقي. بحاول أتأقلم على الوضع الجديد. كمان الأناشيد اللي إنتي قولتي عليها دي بتساعدني أوي. بحس وأنا بسمعها إن قلبي طاير فوق في السماء. بحس إني عايزة أروح عند ربنا بقي وأشوفه وأقوله إني هعمل كل اللي يرضيه ومش هغلط تاني أبداً ولا هغضبه. بجد بجد الأناشيد بالنسبالي بقت أسلوب حياة.
شكراً لأنك عرفتيني عليها. شكراً لأنك موجودة في حياتي. شكراً لكل حاجة حلوة حصلتلي بسببك. يلا سلام بقي. ربنا يسعدك." استيقظ إسلام من نومه وفتح عينيه فوجد نفسه في غرفته. وجد نفسه قد عاد إلى هذا العالم المليء بالوجع. أغمض عينيه مرة أخرى محاولاً العودة للنوم ولكنه لم يستطع. أخذت عيناه تدور في الغرفة بعض الوقت بعدم اهتمام وبدون أن يتفوه بأي كلمة. بعدها نهض فجأة واعتدل في جلسته وأخذ يحدث نفسه قائلاً:
"وبعدين بقى يا عم إسلام؟ هتفضل على الحال ده كتير ولا إيه؟ إنت راجل وما ينفعش تستسلم لوجعك وحزنك أكتر من كده. فوق لنفسك كده على الأقل علشان هند ومامتك اللي مسؤولين منك دول." نظر للجانب الآخر وقال بحزن: "يعني كنت بدأت أقرب من ربنا وأرتاح شوية بعد موت محمد. دلوقتي جه موضوع سارة ده وقطم وسطي. والله ما بقيتش عارف ألاقيها منين ولا منين؟ أخذ يتذكر أيامه ومحادثاته مع سارة ويتعجب. هل هو كان يمزح كل هذا الوقت أم كان جاداً؟
هل هو فعلاً يحبها أم أن الوضع أعجبه قليلاً فقرر البقاء معها؟ ولكن كيف يحبها؟ هل كل شاب يرى فتاة جميلة ولديها أسلوب مرح ورومانسي يقول لقد أحببتها؟ هل هذا هو الحب؟ أم الحب كما قال عنه فاروق؟ نعم، ففاروق محق. فلو كان يحبها حقاً ما استطاع أن يغضب الله فيها وخاف عليها من نفسه. أخذ يسأل نفسه: هل كان حقاً يتسلى بها أم أحبها بصدق؟ أم استهتاره جعله لا يرى هذا خطأ وأكمل وهو غير مبالٍ حتى كسر قلبها كغيره؟
سأل نفسه أيضاً: هل هي ظالمة أم مظلومة؟ نعم، فسارة ظالمة ومظلومة معاً. ظالمة لأنها جعلت من نفسها فتاة رخيصة ورضيت على نفسها أن تحادث هذا وذاك بحثاً عن الحب والاهتمام. ولكن من أين تحصل على هذا الحب وهي تغضب الله؟ وكيف يأتي هذا الحب وقلبها أولاً وأخيراً معلق بيد الله، والله قادر على أن يقلبه كيف يشاء؟
لقد بحثت عن الحب في مكانه الخطأ وفي الحرام، وبالتالي كسر قلبها كالكثير من الفتيات غيرها. ومظلومة لأنها وقعت تحت يد شباب لا يخافون الله. فمنهم الظالم ومنهم المظلوم أيضاً مثلها. فلو كانت صبرت قليلاً، كانت ستحصل على هذا الحب ولكن برضا عز وجل، وكان الله سوف يكافئها على صبرها بحب حلال يجعلها تعيش لذة الحب في طاعة الله.
أخذ إسلام يفكر في كل هذا. فحقا هو يشعر أنه لا يحبها بصدق كما تصور. هو فقط أحب سارة الفتاة المرحة الرومانسية الهادئة. أحب وجودها في حياته فقط كنوع من تفريغ المشاعر المكبوتة ليس إلا. والآن ماذا بعد؟ ماذا سيفعل؟ هل يحاول محادثتها مرة أخرى ليوضح لها كل شيء؟ أم يتركها لحالها كما طلبت منه أختها؟
أخذ يفكر كثيراً حتى قرر تركها. تذكر أن "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه". تركها لكي لا يعذبها ويعذب نفسه أكثر من ذلك. تركها وهو ينوي عدم محادثتها مرة أخرى، فقط سيكتفي بالدعاء لها. تركها لله ولأنه يريد رضاه. شعر بالندم على كل لحظة حادثها فيها وكل ذنب اقترفته نفسه. فبالتأكيد هذا الألم الذي يشعر به كله بسبب ذنوبه. فقد قرر إسلام أن يعيش لله. قرر أن يكون أفضل وأن يحاول ألا يغضب الله مرة أخرى. قرر التوبة من هذا الذنب.
تذكر الندوة الدينية التي دخلها مع محمد من قبل وتذكر كلمات محمد بعدها: "حبيت فكرة إن زوجتي تبقى أول حب في حياتي، وبإذن الله هفضل محافظ على قلبي لحد ما أقابلها، لأن المشاعر وقتها هتكون طازة ومش مستهلكة. مش حابب أنا إني أتعرف على دي ودي، وفي الآخر أروح أتزوج واحدة تانية خالص." قرر أن يفعل مثله. نعم، سوف يحافظ على قلبه حتى يرزقه الله بمن تستحقه. ولكن قبلها سيفعل كل ما يستطيع حتى يرضي الله عنه ويستحق فعلاً زوجة صالحة.
مر يوم تلو الآخر واقتربت السنة الدراسية الجديدة. كانت في هذه الفترة قد توطدت العلاقة بين إسلام وفاروق، وأخذ يصطحبه معه إلى عدة مساجد ويعرفه على العديد من الشيوخ والصحبة الصالحة. تغير إسلام كثيراً بعد معرفة هؤلاء الأشخاص. فقد عرف المعنى الحقيقي للقرب من الله والالتزام بدينه. عرف المعنى الحقيقي للراحة. أحس بقلبه وهو يشتاق لسماع كلام الله وأحاديث نبيه. عرف كيف كان دائماً يصدر أحكاماً مغلوطة على الملتزمين من دون حتى أن يحاول معرفة الحقيقة.
باختصار، فقط عرف "الله". بينما تعلمت سلمى عن دينها أكثر وأكثر عن طريق قراءة مجموعة كتب دينية مبسطة ومشاهدة العديد من البرامج الدينية التي جعلتها تحب دينها، أو بمعنى آخر، تلتزم مبادئه أكثر.
انتهت الإجازة واستعد الجميع لدخول العام الدراسي الجديد. كانت سلمى قد أحضرت مفاجأة لصديقتيها ولم تخبرهما عنها من قبل. فقد كانت تريد أن ترى رد فعلهما على هذه المفاجأة. رغم أنها كانت تتوقع ما سيحدث، لكن كانت تريد أن تصبح أقوى بعد كمية الانتقادات التي ستحصل عليها. وفي أول يوم في الدراسة، كانت فاطمة تجلس مع هند بانتظار سلمى، عندما أتت إليهما إحدى الفتيات. وقالت وهي تضع رأسها في حقيبتها كأنها تبحث عن شيء ما:
"يا بنات بعد إذنكم، متعرفوش مدرج 4 فين؟ ابتسمت لها هند وقامت بوصف المكان لها. رفعت سلمى رأسها من الحقيبة وقالت بمرح: "ماشي يا أختي، شكراً." أطلقت هند ضحكة عالية، بينما نظرت لها فاطمة بتعجب وقالت: "إيه يا بنتي اللي إنتي لابساه ده؟! نظرت لها سلمى وقالت بفرحة: "لابسة خمار يا أختي. شكلي كيوت مش كده؟ عقدت فاطمة ذراعيها أمام صدرها ورفعت حاجبها قائلة: "كيوت إيه بس يا شيخة. حرام عليكي اللي بتعمليه في نفسك ده والله."
ابتسمت سلمى وقالت: "والله إنتي رخمة طول عمرك. اسكتي بقى بدل ما أعضك." ثم نظرت لهند وقالت: "وإنتي إيه رأيك يا هنود؟ أخذت هند تنظر لها للحظات وقالت بابتسامة: "والله يا سلمى، شكلك حلو فيه. ألف مبروووك." تنهدت سلمى بسعادة ونظرت لفاطمة قائلة: "أيوه كده، شوفي الناس اللي تفرح الواحد. مش إنتي. عيلة رخمة بجد." زفرت فاطمة بضيق وقالت: "دلوقتي ما بقيتش عجباكي هاه؟ هتعملي فيها متدينة علينا يعني؟ اقتربت منها سلمى
ونظرت لها بحنان وقالت: "يا بت، بهزر معاكي. مالك قفشتي كده ليه؟ وبعدين أصلاً أنا مبقيتش أحس. تقريباً كده أخدت مناعة. يعني اتريقي براحتك خالص." ثم نظرت لهما بجدية وقالت: "المهم، متعرفوش أول محاضرة هتكون في مدرج كام ومادة إيه؟ نهضت هند من مكانها وسارت للأمام قليلاً وهي تقول: "عرفنا يا ستي كل حاجة. يلا بينا."
ذهب إسلام إلى الجامعة لأول مرة من دون محمد. أخذ يقلب في وجوه الشباب حتى يراه، ولكنه يعلم أنه لن يراه ثانية إلا في أحلامه. لم يرد أن يؤلم نفسه هذا اليوم أيضاً، فأحب أن يقصر الشر وذهب إلى ممر الجامعة ليرى الجدول. نظر أمامه فإذا به يرى شادي صديقه، فتبسم له قائلاً: "إزيك يا شادي، عامل إيه؟ صاح شادي بفرحة وقال: "إسلام.. إيه يا ابني، محدش بيشوفك ليه؟ "موجود أهو يا باشا." "عامل إيه دلوقتي؟
"الحمد لله تمام جداً. هاه، قولي عرفتوا الجدول؟ "لأ، لسه منزلش. بيقولوا الأسبوع ده هنقضيه لعب ونبدأ من الأسبوع الجاي إن شاء الله." ظهرت ملامح السعادة على وجه إسلام وقال: "أحسن برضو." ثم نظر إليه بتساؤل وقال: "بقولك إيه؟ مشوفتش فاروق؟ أخذ شادي يفكر قليلاً ثم انتبه فجأة وقال: "فاروق ده اللي هو بتاع كهرباء صح؟ "آه هو." "آه، شوفته هنا من شوية. ممكن تلاقيه فوق عند مدرج 3 ولا 4." "ماشي يا شادي، شكراً." "الشكر لله يا باشا."
صعد إسلام لمكان المدرجات وبالفعل وجد فاروق هناك. نادى عليه وصافحه وجلس معه ليتحدثا قليلاً، فقال إسلام متسائلاً: "بما إن النهارده أول يوم دراسة ودي آخر سنة لينا الحمد لله. عاوزك تقولي بقى هل في طريقة أخد بيها ثواب طول السنة دي؟ ثم أردف قائلاً: "يعني بما إننا كده كده هنتعب وهتطلع عينينا. يبقى على الأقل الواحد ياخد ثواب على التعب ده." تبسم فاروق قائلاً:
"الموضوع ده بقى يا سيدي متوقف على نيتك. يعني إنت ممكن تتعب طول السنة من غير ما تستفيد حاجة غير إنك عديت سنة وخلاص. وممكن برضو تتعب طول السنة بس تاخد ثواب على التعب ده كله." ثم قال موضحاً:
"يعني يا سيدي، إنت المفروض هتحط في نيتك إنك بتتعلم علشان تفيد بلدك وتبقي مهندس ناجح وعنده ضمير بجد. كل ما تتعب أو تزهق من الكلية، جدد نيتك وحمس نفسك، وقول لأ مش هيأس. أنا هكمل طريقي علشان أرضي ربنا وأكون من عمار الأرض. بس كده يا سيدي." أومأ برأسه متفهماً وقال: "آه، يعني الموضوع كله متوقف على نيتي؟ "أيوه بالظبط كده." "ماشي تمام جداً. هعمل كده بإذن الله، وأهو عداد الحسنات يفضل شغال طول ما أنا مطحون في الكلية العسل دي."
عاد إسلام إلى المنزل وجلس مع أخته ليحدثها عن يومه وتحدثه هي الأخرى. فقال متسائلاً بمرح كعادته: "هاه، عملتي إيه النهارده يا بطة؟ أجابت بنفس الطريقة: "روحت الكلية وجيت هاهاهاها." ضربها على كتفها بخفة وقال: "على فكرة رخمة جداً." رفعت رأسها للأعلى وصوبت نظرها اتجاهه وقالت بثقة: "بنتعلم منك يا بشمهندس." رفع حاجبه الأيسر ومط شفتيه لأعلى قائلاً باستنكار مصطنع: "بشمهندس!! يا شيخة الله يقرفك. آآآل وداخلة قسم إنجليزي آآآل."
سقطت على الأرض من كثرة الضحك وقالت: "خلاص يا عم الحج، 96% من 85% مش هتفرق أوي يعني. كلها درجات على ورق." اعتدل في جلسته وأخذ يجذب طرف قميصه بغرور وقال: "هع هع، لأ طبعاً هتفرق كتير." رفعت حاجبها ونظرت له ولم تتحدث، بينما التفت هو بكامل جسده ونظر لها بجدية وقال:
"بصي بقى يا ستي. عاوزين نبدأ السنة دي جد كده ونجدد النية إن كل لحظة فيها ناخد عليها ثواب. يعني نحاول كده وإحنا رايحين الجامعة نقول إننا رايحين علشان نتعلم زي ما ربنا أمرنا. لما نتعب نقول معلش لازم شوية تعب كده، أومال هناخد ثواب على إيه؟ لما نزهق أوووي بقي من المواد الكيوت اللي عندنا دي نقول معلش إحنا هنكون بإذن الله من عمار الأرض وهننفع البلد دي بجد ونرجع نتحمس تاني ونكمل وكده. ماشي ولا ماشي؟
أخذت تحك رأسها بطرف إصبعها وهي ترفع له حاجبها وتقول: "أنا سمعت الكلمتين دول فين بس ياربي." ثم انتبهت فجأة وقالت: "آيون، افتكرت. دول نفس الكلمتين اللي سلمى قالتلنا عليهم النهارده. هو إنت سمعتها ولا إيه؟! أطلق ضحكة عالية وقال: "أسمع مين يا ماما؟!! لالالا، ده إنتي لو عايزة كلام من ده كل يوم هقولك. جعبتي مليانة لا تقلقي." ثم نظر لها بخبث وقال: "بس مين سلمى دي صحيح؟ أمسكت بأطراف شعرها وكادت أن تمزقه وهي تقول بعصبية:
"يـــــابني ارحمني بقـــى. مش كل ما أقول اسمها على لساني تقولي سلمى مين!! ثم أخذت تتحدث بطريقة جنونية وتقول: "سلمى جارتنا يا إسلام. سلمى صاحبتي في القسم يا حبيبي. سلمى اللي كانت معايا في ثانوي يا كميلة. سلمى اللي كانت بتلعب معانا في الشارع يا بطة. سلمى اللي إنت عارفها وبتستعبط يا إسلام." ضربته على كتفه بضيق وقالت: "بقولك إيه يا إسلام؟
ما تروح أوضتك دلوقتي ينوبك فيا ثواب بدل ما أعمل جريمة. مش عارفة إيه اللي جابك عندي أصلاً." ثم أخذت الوسادة وقذفته بها وقالت: "يلا من هنا يا حاج. شطبنا خلاص." خرج من غرفتها وأخذ يحرك رأسه يميناً ويساراً وهو يضرب كفاً بكف ويكاد يختنق من كثرة الضحك ويقول: "سلمى جارتها وصاحبتها وكانت بتلعب معاها في الشارع. طب وأنا مالي أصلاً؟ هي بتكلمني عن صحباتها ليه؟ بت غريبة أوووي بصراحة!! مش عارف طالعة مجنونة كده لمين؟
إحـــم، لأ عارف. ربنا يقوينا عليها إحـــم وعليـــا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!