مـــــر إسبوع تلو الآخر وإزدادت التجاوزات الهاتفيه بين هند وخالد بشكل كبير. ومع زيادة التجاوزات إزدادت أيضا آلام هند، فقد تحولت حالتها من مجرد شعور بتأنيب الضمير إلى شعور دائم بالإختناق والإحتقار. كانت تستيقظ في الليل على العديد من الكوابيس وأيضا تجد نفسها تبكي بلا سبب بل وتنهار من البكاء. شعرت أنها تكره ذاتها بحق ولم تعد ترى أحدا أو تخرج من غرفتها إلا للضرورة.
كلما كانت تتحدث مع خالد وتخبره بما تشعر به من ذنب كان يضحك منها ساخرا ويكمل ما كان يفعله. رغم ضعفها أحيانا إلا أنها دائما ماتشعر بالوجع فور انتهاء مكالماته. ظلت على هذه الحالة عدة أسابيع حتى وصلت إلى كره مكالماته. لم تعد تستطيع رؤية اسمه على هاتفها أو حتى لقائه. لم تعد تستطيع أيضا رؤية إسلام وكانت دائما ما تتصنع النوم عند حضوره.
ظلت تفكر كثيرا في طريقة تحاول بها الاحتفاظ بخالد وأيضا تتحاشى حالة الشعور بالذنب تلك ولكنها لم تجد. أصبحت تحدثه تلك الفترة بلا روح. تحدثه فقد حتى لا يغضب ولكنها لا تشعر بشيء سوى المرارة والوجع. كانت في بعض مكالماتها له تغضب عليه أو ربما تصرخ أو تغلق الهاتف في وجهه ولكنها تعود مرة أخرى وتعتذر وتكمل ما كانت تفعله. مرت عليها الأيام وكأنها سنوات من الألم والاستحقار والضياع.
ولكنها في يوم من الأيام وأثناء محادثتها له لم تستطع الصمت والتحمل أكثر من ذلك لأنها ضغطت على ذاتها كثيرا وهو مازال مسترسلا في حديثه العفن. صرخت به بأعلى صوتها قائلة: -خالد كفاية بقي كفاية. أنا تعبت وكرهت نفسي وكرهتك وكرهت الدنيا كلها. عمالة أقولك هموت وإنت مش حاسس بحاجة. عمالة أقولك حاسة إني هدخل النار وإن خلاص ربنا مش هيغفرلي وإنت برضو ولا هامك حاجة.
عمالة أقولك مش عارفة أطلع من أوضتي ولا أحط وشي في وش أهلي وإنت برضو ولا حاسس. إيه بقي حرام عليك حرام. إرتمت على فراشها وقالت بتعب: -نفسي أرجع هند بتاع زمان بقي. نفسي أرجع بعرف أضحك وأهزر تاني. حرام عليك بجد إرحمني وساعدني. ده أنا كانت أكبر مشاكلي إني بسمع أغاني وإسلام بييجي يزعقلي. دلوقتي بقيت مقرفة أوووي أكتر من اللازم. كرهت نفسي أوووي ومبقتيش عارفة أبص في المراية أصلا. كرهت مكالماتك يا خالد ومبقيتش طايقاك.
بجد تعبت أوووي إرحمني بقي. قولتلك مليـون مرة نتكلم عدل وإنت مفيش فايدة. قولتلك تعبانة ومش مرتاحة وإنت برضو تقول عادي. قولتلك كرهت نفسي وإنت برضو مش حاسس بحاجة. حـــــرام عليك يا أخي إنت إزاي ما بتحسش أوووي كده. انا تعبت ومبقتيش قادرة أستحمل كلمة كمان منـــــــك. يـــــاريتني ما كنت عرفتك ولا إتنيلت حبيتك ولا إتنازلت علشان أي حاجة. يــــاريتني كنت سمعت كلام إسلام وريحت نفسي وريحتك. بجـــــد يا خالد وده آخر كلام عندي.
يأما نتكلم عدل زي البني أدمين يأما كل واحد منا يروح لحاله. انا خلاص شوية كده وكنت هموت نفسي أصلا بما إني كده كده داخلة النار بس برضو خوفت. يــــــــــــــــــــارب بقي تعبت. صمت خالد قليلا ثم قال: -خلصتي كلامك؟ إتسعت عيناها وصرخت قائلة: -يعني إيه خلصتي كلامك؟!! بقولك هموووت وإنت اللي عملت فيا كده ولازم تشوفلي حل تقولي خلصتي كلامك؟!! عاوز إيه يا خالد هاه؟!! هتضحك عليا زي كل مره برضو؟!!
هتاخدني علي قد عقلي تاني وتحاول تثبتلي إن اللي بنعمله ده عادي؟!! طب لو هو عادي أنا موجوعة كده ليه هاه؟!! لو هو عادي أنا ببقي مكسوفة حتى أقف قدام ربنا في الصلاة ليه هاه؟!! لو هو عادي ببقي خايفة أمسك المصحف ليه هاه؟!! لو هو عادي انا حاسة إني هدخل النار ليــــــه فهمني؟!! إنت السبب في كل ده ولازم تشوفلي حل يأما والله أقول لإسلام واللي يحصل يحصل بقي حتى لو هيقتلني مش مهم المهم أرتاح! زفر بملل وقال:
-السيدة الفاضلة خضرا الشريفه ممكن تقفلي دلوقتي علشان مش عاوز أقولك حاجة تزعلك. لما تهدي ابقي كلميني علشان قرفت من نكدك وزعلك الأيام دي. إستحملتك كتير يا هند بس بجد قرفت منك. وهحاسبك بعدين على كلامك وصوتك العالي ده معايا. يلـــا إمشي دلوقتي! ضغطت على أسنانها بغضب حتى كادت أن تحطمها وقالت: -خضرا الشريفه؟!! بتعايرني يا خالد؟!!
اه يا أستاذ خالد الشريف أنا كمان كنت محترمة وشريفة قبل ما أعرفك وكل اللي حصل ده كان بسببك ولو فضلت بإسلوبك ده كتير أنا هروح لإسلام وأقوله على كل حاجة وأخليه يتصرف بقي ويريحني منك. ضحك بسخرية وقال: -تروحي لإسلام؟!! تصدقي خوفت وكشيت في نفسي؟!! إيه يا بنتي حتة العيل اللي هخاف منه ده؟!! أنا مش بعمل حاجة غلط ومعنديش حاجة أخاف منها وحتي لو هخاف فمش هخاف من عيل أصغر مني!!
روحي يا هند من قدامي ومتعصبينيش زيادة عن كده علشان بجد مش عاوز أزعلك. إنتي الأيام دي زعلك كتر ونكدك بقي أكتر وأنا اتخنقت منك. زفرت بضيق وقالت: -اه طبعاً لازم تتخنق مني. ماهو أنا مبقتيش هند الطيبة اللي بتسمع كل كلمة وتمشي وراك. دلوقتي بقيت وحشة علشان فكرت أتعدل شوية وأمشي صح. عموماً يا خالد أنا خلاص أخدت قراري وهقول لإسلام إني مش عايزاك وأخليه يفسخ الخطوبة دي ويريحني منك علشان بجد قرفت! ابتسم ساخراً وقال:
-وماله يا ست هند. وأنا كمان برضو هقوله على كل حاجة علشان يعرف كويس أخته البريئة المتربية على الأخلاق والقيم!! شهقت بخوف ممزوج بالذهول وقالت: -هتقوله على إيه؟!! ابتسم بمكر وقال: -هقوله على كلامك الجميل ده اللي كنتي بتقوليهولي ومفيش مانع برضو لو شاف كام محادثة من بتوعك على الفيس أو سمع كام مكالمة حصلت بيننـــا. إنتي حبيبتي يا هنود وأنا بحب أسيبلك ذكري معايا دايما! إتسعت عيناها ووضعت يدها على فمها وقالت برعب:
-خالد إنت بتقول إيه؟!! مستحيل إسلام يشوف حاجة زي كده؟!! وبعدين إنت إزاي تعمل حاجة زي كده أصلاً؟!! معقول إنـــــت منهم يا خالد؟!! نظر للمرآة بوجه خالي من أي تعبير وقال: -منهم ولا مش منهم بقي متعيشيش الدور كتير. أنا قولتلك قبل كده إنك داخله دماغي وهتجوزك ولو زهقت منك برضو أنا اللي هسيبك. ولو حاولتي تتجنني وتعملي حاجة غير كده يبقي عليا وعلى أعدائي بقي وإبقي خلي أخوكي الشيخ يقيم عليكي الحد! ثم ضحك ساخراً وقال:
-فهمتي يا هنود؟!! ولا أقول تاني؟!! أغمضت عينيها بخوف وتنفست بعمق وقالت: -يعني إيه؟!! يعني يأما أوافق على كل اللي إنت عاوزه يأما تقول لإسلام على اللي حصل بينا؟!! معقوله بتكرهني اوي كده؟!! -أكرهك إيه يا هنود ده إنتي حبيبتي. أنا بس مش عاوز أزعل منك علشان زعلي وحش. خلينا كده حلوين مع بعض وبلاش تزعليني منك هاه. وأنا اوعدك يا ستي إني هحاول أتمم الجوازة بسرعه جـــدا بس خليكي حلوة كده اومال! زفرت بغضب وقالت:
-بطــل قرف بقي وبطل تكلمني بالإسلوب ده. إنت إزاي مقـــرف ومابتحسش أوي كده؟!! وإزاي انا مشوفتش الوش التاني ده الفترة دي كلها؟!! إنت عــاوز مني إيه يا خالد ما تسيبني في حالي بقي!! تنهد بملل وقال: -يـــوه بقي يا هنود إنتي مبتزهقيش من السؤال ده؟!! قولنا عجباني وداخله دماغي وهتجوزك بس يا ستي الموضوع بسيط يلّا بقي روحي ارتاحي كده وروقي دمك ونتكلم بكرة تاني مع السلامة صرخت قائلة:
-مفيش بكرة يا خالد، مفيش بكرة. أنا خلاص قرفت منك واعمل اللي تعمله بقي علشان أنا خلاص كرهت نفسي أصلاً وبرضو لو إسلام موتني هيكون أهون عندي من الإحساس اللي أنا حاسة بيه ده، ومفيش مع السلامة، ربنا ينتقم منك! ثم ضغطت على زر الإغلاق بعصبية وارتمت على فراشها وهي تتنفس بصعوبة وتتألم حتى تعبت ونامت. *** استيقظت من نومها على صوت هاتفها. نظرت فيه بنعاس فوجدت اسم فاطمة صديقتها فأجابت على الفور: -السلام عليكم. ابتسمت قائلة:
-وعليكم السلام يا هند، إزيك عاملة إيه؟ تنهدت بحزن وقالت: -الحمد لله، إنتي أخبارك إيه؟ -كويسة الحمد لله، المهم أنا مش عارفة اتصلت بيكي ليه دلوقتي بالذات بس في حاجة جوايا عاوزة أقولها علشان أرتاح. قالت بلهفة: -قولي. تنهدت بضيق وقالت:
-عاوزة أقولك لو خطيبك مش محترم، إلحقي نفسك وافسخي الخطوبة بسرعة وروحي اتخطبي لواحد من اللي كنت بقول عليهم معقدين دول، على الأقل هيحافظ عليكي ومش هياخد منك اللي هو عاوزه ويرميكي رمية الكلاب زي ما حصل معايا. اتسعت عيناها وقالت بذهول: -رمية كلاب إيه؟ إنتي إيه اللي حصل معاكي يا فاطمة؟ انطقي بسرعة. زفرت بملل وقالت:
-محصلش حاجة يا هند، المهم أنا نصحتك وخلاص وإنتي حرة، وكمان هحاول دايماً أدعي لسندس ترجع لخطيبها علشان يكون ضميري مرتاح وكفاية اللي حصلي بقي. قالت بخوف: -يا بنتي حصلك إيه؟ قولي! ابتسمت قائلة: -متخافيش يا هند، ربنا سترها معايا المرة دي والحمد لله إنها جات على قد كده، يلّا معلش هقفل بقي علشان هنام، مع السلامة. أغلقت فاطمة الهاتف على الفور بينما ظلت هند تنظر لهاتفها بتعجب وتقول: -هو إيه الحكاية بقي؟
يعني أنا وفاطمة في يوم واحد؟ هما كل المخطوبين بيحصل معاهم كده ولا إيه؟ طب إشمعنى إسلام وسلمي؟ ألقت هاتفها ونظرت لسقف الغرفة وقالت: -أعمل إيه بس ياربي؟ أنا مش مصدقة اللي خالد قاله ده أصلاً! معقولة علشان اتعصبت شوية وقولت كلام وأنا مش دريانة يطلع شايل جواه كل الحقد والقرف ده؟ معقولة هو وحش أوي كده؟ طب إزاي أنا مكنتش واخدة بالي من ده كله؟ معقولة عرف يضحك عليا بكلامه ويخبي نواياه السيئة عني وأنا زي الغبية صدقته؟
ياربي هقول لإسلام إيه ولا هعمل إيه بس؟ يارب دبرني أنا مليش غيرك. *** -بس يا ستي وبكده يبقى رصينا كل الهدوم مكانها، في حاجة تاني بقي؟ قالها إسلام في صباح اليوم التالي أثناء ترتيب ملابس ابنته حياء التي ستنير الدنيا بعد عدة أيام بإذن الله. ابتسمت سلمي بسعادة وقالت: -لأ تمام أوي كده، بجد مش مصدقة إني خلاص كام يوم وهولد بقي وأشوف بنتي اللي مستنياها من زمان، ربنا يخليك ليا يا إسلام بجد مش عارفة كنت هظبط ده كله لوحدي إزاي.
جلس على طرف الفراش وقال بسعادة: -ويخليكي يا سلمي، وبعدين إنتي تعبانة وجايبة أخرك أصلاً وده واجبي، يارب بقي تطلع شبهي كده. ضربته على يده بمرح وقالت: -شبهك إيه يا إسلام حرام عليك، إنت عاوزها تعنس جنبنا. رفع حاجبه قائلاً باستنكار: -إنتي قد الكلمتين اللي قولتييهم دول يا سلمي؟ ضحكت بخوف مصطنع وقالت: -لأ يا باشا والله ما أقصد، وبعدين هو حد لاقي عيال رخمين اليومين دول! -سلمي. -خلاص وربنا ما أقصد، روح هاتلنا الفطار بقي.
نظر لها بتعجب وقال: -فطار إيه ما إحنا لسه واكلين؟ ضحكت قائلة: -يا عم ده لبنتك مش ليا، عموماً خلاص مش مهم خليها جعانة. ابتسم مؤكداً: -أيوه خليها جعانة، مش عاوزها تقلبظ أنا. -ماشي شكراً، روح بقي شوف حالك علشان شطبنا. نهض من مكانه وقال ضاحكاً: -ماشي ياختي سلام، متجيش تقولي عاوزة مساعدة تاني هاه. *** خرج إلى الصالة وجلس على الأريكة وأمسك هاتفه متصلاً بفاروق وقال بشوق: -السلام عليكم يا غالي. ابتسم فاروق قائلاً:
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إزيك يا إسلام عامل إيه؟ واحشني والله. ابتسم بإحراج وقال: -معلش يا فاروق لو اتصلت عليك بدري كده بس بصراحة وحشتني وقولت أتصل أشوف أخبارك إيه. قال على الفور:
-يابني بدري إيه الساعة 10 الصبح وبعدين مانت عارف إني بصحي بدري أصلاً وبفضل قاعد والنهارده بقي أجازة والواحد مانتخ على الآخر، يادوب هنزل في الجمعة وأوقات الصلاة وأجي أكمل راحة، ربنا يقوينا على الشغل ده بقي لحسن الواحد خلّاص الحمد لله يعني. -أيون صحيح قولي الأخبار عندك إيه؟ يعني الشغل عامل إيه وعارف توفق بينه وبين البيت وطلبات مراتك وكده ولا إيه؟ أومأ برأسه إيجاباً وقال:
-أيوه الحمد لله ربنا بيقوي، الشغل المرة دي مش مرهق زي السفرية اللي فاتت الحمد لله ونهى لما بتحتاج كتب ولا حاجة بنزل أجيبها من الجامعة وأجي تاني على طول وأديني بحاول بقدر الإمكان أساعدها وأذاكرلها لما تكون تعبانة ومتضايقة وكده، والله يا إسلام ربنا بيقوي الحمد لله، أنا مكنتش فاكر إني هقدر أسد على ده كله بس ربنا كرمني بقي وبنعافر أهو. ابتسم بارتياح وقال:
-الحمد لله يا فاروق، ربنا معاك ويوفقك بإذن الله، أنا كمان كلها كام يوم وبنتي تشرف للدنيا بإذن الله وهكون أب بقي، ربنا يقدرني على تربيتها على الدين والأخلاق وبإذن الله تكون خير ذرية وتكون سبب في دخولي الجنة أنا وسلمي. -يارب يا إسلام ويقوم نهى بالسلامة وأكون أب أنا كمان بقي. -إن شاء الله يا فاروق، أنا متأكد إنك هتكون قدوة لأولادك، ربنا يجمعنا سوا في الجنة يارب. -آمين يارب. ***
انتهى إسلام من محادثة فاروق وذهب على الفور إلى المطبخ وأحضر بعض الطعام ودخل به إلى غرفته. ابتسم لسلمي بحنان وقال: -اتفضلي يا ستي الأكل أهو، أمري لله قلبي طيب وصعبتي عليا. أمسكت منه الصينية وأخذت تقلب في الأطباق الموجودة عليها وصرخت به قائلة: -فين العيش يا إسلام؟ رفع حاجبه قائلاً: -إنتي بتصوتي كمان؟ طب قومي بقي هاتي لنفسك أنا الغلطان. نظرت إليه بتوسل كالأطفال وقالت:
-الله يخليك يا إسلام عاوز عيش، عاوز عيش، عاوز عيش، عاوز.. قاطعها بصراخ: -خلاص، إيه بلعتي راديو؟ هجيبلك عيش وكلي براحتك وغذي حياء كويس هاه، كله بثوابه يا إسلام يابني معلش. ثم أحضر لها الخبز وجلس بجوارها وتنهد بعمق وقال مبتسماً: -افتكرت حاجة دلوقتي فرحتني أوي. نظرت له بلهفة وقالت: -إيه؟ تنهد ببهجة وقال: -فاكرة أول مرة أخدت الولاد فيها الجامع علشان يصلوا معايا؟
فاكرة ساعتها لما قعدت أدعي ربنا كتير يعلق قلبهم بالمساجد ويكون ده في ميزان حسناتي؟ أومأت برأسها إيجاباً وقالت: -فاكرة طبعاً، وهي دي حاجة تتنسي! اتسعت ابتسامته وهو يقول: -طيب فاكرة لما روحت تاني يوم ولقيتهم مستنيني في الجامع علشان أديهم بلالين؟ ولا فاكرة يوم ما نسيت أجيب معايا حاجة وكانوا ناقصين يموتوني؟
ولا فاكرة لما قولتلهم إن الجوايز بقت على صلوات اليوم كلها وبرضو لقيت شوية منهم بدأوا يواظبوا مع إن أغلبهم اتشغل ومبقاش ييجي؟ ولا فاكرة لما أحمد بذات نفسه بقي ييجي كل يوم وحب الصلاة في الجامع وبقي هو اللي بيقول لأصحابه ويشجعهم علشان يروحوا؟ تنهد بسعادة وقالت: -وفاكرة كمان لما الحاج أبو أحمد اتصل بيك وقالك إنت عملت إيه في ابني؟
وفاكرة كمان لما جابلنا علبة الحلويات وشكرنا علشان الولد بقي بيعامله أحسن من الأول وبطل لمضة شوية؟ وفاكرة لما إنت مروحتش مرة الجامع وأحمد جه زعل عليك وقالك بتقولنا على الصلاة وإنت مبتصليش؟ وساعتها عرف إنك كنت في مشوار وصليت هناك. صمتت قليلاً ثم قالت بحماس:
-أكتر حاجة فاكراها أوي بقي إنك ثوابك عند ربنا هيكون كتير جداً بإذن الله، وإن شاء الله أحمد ده لما يكبر يفتكرك ويدعيلك علشان إنت اللي علمته الصلاة وحببته في المسجد، وكمان ممكن تدخل الجنة بسبب الموضوع ده يا إسلام. أمسك يدها وربت عليها بحنان وقال: -وأنا أكتر حاجة فاكرها أوي بقي لما لقيتك واقفة جنبي وبتشجعيني على أي حاجة فيها ثواب، واحدة تانية غيرك كانت هتقعد تقولي مرتبك صغير أصلاً ومش مستحمل وهتروح ترميه لشويه عيال!!
لكن إنتي غير كل البنات يا سلمي، إنتي واحدة عاوزة تدخل الجنة وبتعمل كل اللي تقدر عليه علشان تنول رضا ربنا وبجد أنا فخور بيكي فوق ما تتخيلي. ابتسمت بتأثر وقالت: -الأكل الغالي ولا اللبس الماركات يا إسلام مش هيدخلنا الجنة!!
لكن الحاجات الصغيرة اللي بنعملها دي وخصوصاً لما مرتبنا يكون صغير دي أكيد ثوابها كبير أوي عند ربنا، يعني عارف زي واحد مثلاً يكون فقير ويطلع صدقة، ده أكيد ثوابه كبير جداً بإذن الله لأنه ممكن يقول أنا أحق بالفلوس دي وخلي الأغنياء هما اللي يتصدقوا. الجنة جميلة قوي يا إسلام وتستاهل نتعب شوية علشان ننولها. وفي الآخر برضو مهما عملنا هيكون قليل جدا بالنسبة لنعم ربنا علينا ودخولنا الجنة هيكون من رحمة ربنا بينا مش من عملنا.
"يارب ننولها يارب" ابتسمت سلمى بتمني، بينما نظر هو لدبلته للحظات ثم قال مبتسماً وهو يشير إليها: "بقولك إيه يا سلمى؟ أنا عاوز أقلع الدبلة. هتزعلي؟ نظرت له بتعجب وقالت: "ليه؟ تنهد بطيبة وقال: "حابب أتقي الشبهات علشان أكون مرتاح. وبعدين مش حتة خاتم اللي هيربطنا ببعض بقي." ثم أمسك بيديها وقال بحماس: "مش إحنا اتفقنا ندقق في كل تفصيلة في حياتنا علشان مناخدش أي ذنب واحنا منعرفش؟ وافقي بقي يا رفيقتي للجنه و خليكي جدعة."
أفلتت يدها بهدوء وقامت بخلع دبلتها وأعطته إياها وقالت برضا: "اتفضل يا باشا، ولا يهمك خالص. أنا كمان بحب أتقي الشبهات في كل حاجة علشان أبقى متطمنة. ربنا يجعله في ميزان حسناتنا بقي." *** استيقظت هند من نومها وظلت تفكر في كل ما حدث وتتساءل، كيف لخالد أن يحمل بداخله كل هذا السوء؟ وهل هو يحبها حقاً أم أن غروره جعله يعتقد أن الفتاة التي يريدها سيحصل عليها على الفور وإن لم تفعل وتستجب ستكون الفضيحة من نصيبه؟
وكيف لها ألا تدرك ذلك مبكراً؟ وماذا عن كلمات فاطمة؟ هل هي حقاً صادقة؟ نعم، يبدو أنها صادقة وأخيراً استفاقت من تفكيرها الخاطئ وذهابها وراء هواها. ولكن ماذا ستفعل هند الآن؟ هل تخبر إسلام بالأمر؟ وماذا سيحدث بعدما يعرف؟ وهل ستستطيع والدتها تحمل سماع شيء كهذا؟ وكيف ستعيش معهما بعد ذلك؟ ظلت تفكر في الأمر كثيراً حتى أرهقت تماماً. نامت مرة أخرى ثم استيقظت فجأة على كلمة إسلام التي قالها لها من عدة شهور:
"ابقي اقرأي برضو عن ضوابط الخطوبة علشان تعرفي هتعيشي الفترة دي إزاي." انتبهت فجأة وقالت ببريق أمل: "طب وليه أعرفهم وأفضح نفسي لما ممكن أحاول أنا أدور على أي حل للمصيبة بتاعتي دي من غير ما حد يعرف؟ قدامي النت أهو ممكن أقرأ عن أي حاجة حتى التجاوزات اللي عملتها دي ونشوف حلها إيه في الدين. يارب يكون في حل علشان تعبت! نهضت من مكانها على الفور وجلست أمام حاسوبها وكتبت في محرك البحث:
"حكم تجاوزات الخطوبة وكيفية التوبة منها." ضغطت على الزر فظهر أمامها العديد من النتائج. فتحت بعضهم وظلت تقرأ عدة فتاوى حتى وصلت إلى فتوى بها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه." رواه البخاري ومسلم. قالت بتفكير:
"يعني أنا كده المفروض مقولش على اللي حصل بقي لأن ربنا سترني وأنا ماينفعش أفضح نفسي. كمان الولد اللي سأل في الفتوى اللي فاتت وعمل أكتر مني بكتير الشيخ قاله مايقولش لحد ويتوب ويندم بجد من اللي حصل ده ويستر على نفسه. أنا كمان المفروض أعمل كده ولا إيه؟ ظلت تفكر للحظات ثم قررت العودة وقراءة كيفية التوبة من جديد في الفتوى السابقة. قرأت بصوت هامس:
"فالواجب عليك التوبة إلى الله بأن تندم على تلك المعصية وتعزم أن لا تعود إليها أبداً، سواء مع تلك الفتاة أو مع غيرها، فإذا فعلت ذلك صحت توبتك وقبلت إن شاء الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. رواه ابن ماجه." التوبة تكون بالإقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على عدم العود إليه، مع الستر وعدم المجاهرة بالذنب.
يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما. الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم. وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.
إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما. وجدت هند دمعتها سقطت رغما عنها وقالت بتأثر: -يـــــاه يــــــاربي علي كرمك، بعد كل اللي عملته ده ولسه برضو قدامي فرصه أتوب؟ لسه برضو ممكن أرجع زي الاول ويمكن أحسن؟ لسه برضو ممكن تغفرلي وكمان تبدلي سيئاتي حسنات؟
يــــــــارب خلاص أنا قررت أتوب، قررت أرجعلك يــــــارب لاني مليش غيرك، قررت أسيب خــالد ده خالص لأنه كان هياخد بإيدي للنار مش للجنه، قررت أبقي إنسانه تانيه وأقرب منك وأعرف عن ديني أكتر، قررت أقرأ وأفهم وأتطلع علي كل حاجه مش فاهماها وأبدا مع نفسي من جـــديــــد. تنهدت بحزن ممزوج بالثقه وقالت:
-انا عارفه يــــارب إني عملت حاجات حرام كتير لكن برضو عارفه إن كرمك ورحمتك اوسع، انـــا خلاص هسيب خـالد يـــارب وواثقه إنك هتسترني، واثقه في كرمك وعطفك عليــا وإنك زي ما سترتني وقت معصيتي هتسترني وقت توبتي، انا خلـاص أخيـــرا حسيت ببريق أمل لما قريت الفتاوي دي ومش هسمح لنفسي أبدًا إني أتنازل تــــاني، ساعدني يـــارب علشان أقدر أقول لإسلام يخلصني من الموضوع ده وإسترني ولا تفضحني، يــــــــارب رجعـــالك ومش هتنازل تـــاني بإذن الله.
ثم أغلقت حاسبها على الفور ونهضت من مكانها لتتوضأ وتصلي ركعتين توبة لله كما قرأت في الحديث الشريف: "ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له." ثم قرأت هذه الآية: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون." رواه الترمذي وأبو داود وأحمد.
إنتهت من صلاتها وظلت تستغفر الله بكل صدق حتى أحست بالراحة بعض الشئ. بعد ثلاثة أيام قررت هند أخيـرا الإتصال على إسلام وإخباره برغبتها في فسخ خطوبتها من خالد حتى ترتاح كلية. تعجب إسلام في بداية الأمر من طلبها وحاول الإستفسار أكثر ولكنها كانت دائما ما تهرب من أسئلته وتجيب بإجابات مبهمه. ظل يحاول معها ولكنه لم يصل لشئ فطلب منها أن تصلي صلاة الإستخارة مرة آخرى وبعد ذلك تخبره برأيها النهائي.
إستجابت هند لطلبه وبالفعل أدت صلاة الإستخارة وأخبرته في اليوم التالي بإصرارها على فسخ تلك الخطبة لأنها لاتشعر بالراحة أبـدا من ناحية خالد. كانت تشعر بالخوف قليلا من تهديد خالد ولكنها على الفور كانت تتذكر ثقتها بالله فيطمئن قلبها. وفي نفس اليوم:
إتصل إسلام على خالد وأخبره برغبته في مقابلته لمناقشة أمر هام. أحس خالد بالغضب وتوعد لهند لأن مثلها لا تفعل بمثله هكذا وإلا ستندم. وبالفعل حضرت هند لمنزل أخيها وأحضرت كل الهدايا التي أهداها إياها خالد وأيضا شبكته وكل شئ وقالت لإسلام بكل إصرار: -خلصني منه بسرعه يا إسلام الله يخليك. تنهد بعدم فهم وقال: -لو بس تقوليلي حصل إيه علشان أعرف أتصرف. قالت على الفور:
-حسيت إن مش ده الزوج الصالح ليا يا إسلام، وكمان أنا قولتلك إني صليت إستخاره ومش مرتاحه وبكرهه، هـــاه فاضل إيه تاني؟ نظر لها بتعجب وقال: -بتكرهيه؟ للدرجادي؟ طيب قوليلي عملك إيه الراجل ده بس؟ جلست على الأريكة بتعب وقالت: -مش عاوزه أتكلم في حاجه يا إسلام، بعد إذنك خليه يمشي ويسيبني في حالي وخلاص. تنهد بإستسلام وقال:
-حاضر يا هند هريحك وطالما إنتي صليتي إستخاره ومش مرتاحه يبقي أنا مقدرش أتكلم. وبإذن الله ربنا يرزقك باللي أحسن منه لأني كنت أتمنالك واحد أكتر من كده إلتزاما. إبتسمت قائله: -إن شاء الله يا إسلام.
غادر إسلام المنزل وظلت سلمي تتحدث مع هند في حالتها هذه الأيام وتعبها وهكذا بينما لم تستمع هند لأي شئ وظلت تفكر فقط في مايمكن حدوثه. أحست بالتوتر قليلا فإستأذنت من سلمي وذهبت للغرفه الآخري وظلت تدعو الله أن يمر الموقف عـلي خيــر. بعدما يقرب من الساعة والنصف سمعا جرس الباب معــــا. ذهبت كل منهما إلى الباب وفتحت سلمي بإبتسامتها المعتادة ولكنها سرعان ما صرخت بزعر وقـــــالت: -إسلـــــام إيه اللي عمل فيــــــــك كده؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!