شعرت هند بالراحة بعدما علمت بجدية خالد، فصدقته ووثقت به تمام الثقة. عادت لتحدثه مرة أخرى على الفيس بوك لتتعرف عليه أكثر كما أقنعها هو بذلك. أحبت كلماته وتعلقّت به أكثر، وأخذت تحدثه كل يوم من دون أن يعلم أحد بتلك المحادثات، فقد كانت تشعر بالراحة لأنها تحدث خطيبها وليس شخصًا آخر. فيبدو أنها لا تعرف أن هذا الشخص أمام الله كأي رجل آخر لا يفرق عنه شيئاً، فهو ما زال أجنبيًا عنها ولا يجب أن تحدثه هكذا.
مرت الفترة المتفق عليها وجاء يوم خطوبة هند. حضر خالد مع عائلته لمنزل والد إسلام. كانت الجلسة عائلية جدًا يحضرها القليل من الأصدقاء المقربين. جلس خالد على الكرسي المجاور لهند في منتصف الصالة وجلس الجميع بجوارهما من اليمين واليسار. شعر خالد بالاستياء من الأجواء المحيطة به فقد كان يتوقع الأمر مختلف تمامًا. فهو محاط بالجميع والكل ينظر له ووجد نفسه لا يستطيع التحدث بحرية كما كان يتوقع. صمت قليلاً ثم نظر لهند وقال هامساً:
"إيــه الحاجات الغريبه اللي أخوكي مشغلها دي؟ أنا حاسس إني قاعد في ميتم! ابتلعت هند ريقها وقالت بإحراج: "إسلام أصر إننا نشغل الأناشيد دي علشان عاوزنا نبدأ حياتنا صح من الأول ومش عاوزنا ناخد ذنوب يعني." زفر بملل وقال: "ذنوب إيه وبتاع إيه؟ هو أنا بقولكم هاتوا حد يرقص ولا يشرب خمره؟ دي أغاني عادي يعني مفيهاش حاجه." "خلاص معلش يا خالد مش مشكلة يعني، وبعدين لو ركزت في كلماتها هتعجبك على فكرة." نظر لها بتعجب وقال بضيق:
"أركز في كلماتها كمان؟ وماله ما هو ده اللي ناقص." صمتت هند بينما ظل هو ينظر حوله بملل ولم يتحدث. بعد قليل حضرت والدته وفي يدها علبة الذهب. فتحتها أمامه بتلقائية وأمسك هو بأول خاتم وهم أن يمسك يد هند ليلبسها إياه، ولكنه وجد إسلام أمامه يمنعه وهو يقول بضيق: "إنت بتعمل إيه؟ مش هينفع تلبسها يا خالد، شوف واحدة من البنات تلبسها بدالي." نظر له بتعجب وقال: "طيب وملبسهاش ليه يعني؟ هي مش خطيبتي ولا إيه؟ حاول الابتسام وقال:
"اه خطيبتك مقولناش حاجة، بس برضو لسه أجنبية عنك وما ينفعش تمسك إيديها أصلاً." ضحك خالد بسخرية وقال في نفسه: "أجنبية عني؟ إيه الملل بتاعه ده كمان!! ثم اصطنع الابتسامة وقال: "ماشي هخلي والدتي تلبسها."
ابتعد إسلام وجلس مكانه في ضيق بينما حضرت الأم وقامت بتلبيس الذهب لهند. وظل خالد ينظر بين الحين والآخر لإسلام باستنكار وغضب. بعدما يقرب من الربع ساعة حاول خالد استعادة ابتسامته والتأقلم مع الجو المحيط به. تم توزيع العصائر والحلويات على العروسين والمدعوين. فنظر خالد لهند بحماس وقال: "يلـا قومي." تعجبت قائلة: "أقوم فين؟ قال بتلقائية: "إيه مش هنأكل بعض ونتصور وكده؟ اتسعت عينا هند وقالت على الفور:
"لـأ طبعاً مفيش عندنا الكلام ده، ناكل بعض إيه إنت بتهرج؟ رفع حاجبه قائلاً بضيق: "إيه ده هو إنتي كمان معقدة زي أخوكي ولا إيه؟ كل الناس بتعمل كده يا هند عادي يعني؟ أومأت برأسها نفياً وقالت: "لأ طبعاً ما ينفعش، ده إسلام يموتني." زفر بملل وقال: "أنا زهقت من أخوكي ده على فكرة، هو كل حاجة عنده لأ كده؟ أومال هو بيعمل إيه في حياته مش فاهم يعني؟ ابتسمت قائلة:
"والله إسلام ده مفيش منه أصلاً، رغم إنه ساعات بيعقدها كده بس برضو والله أجدع راجل في الدنيا وبحبه جدًا جدًا ومش بيخليني محتاجة حاجة خالص الحمد لله." نظر لها باستنكار وقال: "ماشي براحتك، أخوكي طبعاً ولازم تحبيه!
وبعد ساعة انتهى الحفل الصغير وعاد الجميع إلى منزله إلا خالد، فقد تبقى ليسهر مع خطيبته كعادة الناس في زماننا هذا. جلس بتفاؤل وراحة. بعدها غادر الجميع ولكنه فوجئ بإسلام يجلس على الأريكة التي تبعد عنهم بقليل ويلعب في هاتفه. صمت قليلاً حتى يغادر إسلام هو الآخر ولكنه وجده لم يتحرك. ظل ينظر إليه بين الحين والآخر بعدم فهم ثم قال لهند بصوت خفيض: "هو أخوكي هيفضل قاعد لنا كده كتير؟ قالت ببراءة: "أيوه هيفضل قاعد طبعاً."
رفع حاجبه قائلاً بضيق: "هيفضل لحد امتى بقى؟ ابتسمت قائلة: "على طول." نظر لها بتعجب وقال: "طيب ما أنا عاوز أتكلم معاكي." أجابت على الفور: "طب ما تتكلم!! زفر بملل وقال: "مش هينفع أتكلم براحتي وهو قاعد طول الوقت كده!! أومال أنا خطبتك ليه يا هند؟ ده أنا بتكلم معاكي على الفيس براحتي أكتر من كده!! نظرت له بغضب وقالت هامسة:
"وطي صوتك طيب، إسلام قالي إنه لازم يكون قاعد على طول كده ومش هينفع يسيبنا لوحدنا لأنه قارئ كده في الدين، وبعدين أنا كلمتك على الفيس علشان متزعلش بس لسه متكلمتش مع إسلام في الموضوع ده، استنيت لما نتخطب علشان أقوله." تنهد بضيق وقال: "يعني هي دي دماغ أخوكي؟ طيب خلاص أنا هتصرف." ثم ابتسم فجأة وقال بصوت مرتفع: "إلا صحيح يا إسلام متعرفناش كويس بقى، يعني كلمني عن شركتك وشغلك وكده علشان أنا بحب الكلام في البيزنس أوي."
ابتسم إسلام بسعادة واقترب من خالد وأخذ يحدثه عن نفسه وعن شغله وحياته وهكذا. وفي وسط الكلام قال خالد ببراءة مصطنعة: "على فكرة أنا مكنتش همسك إيد أختك طبعاً، ده كان مجرد اختبار بس إنت بوظتهولي بقى الله يسامحك." اهتز وجه إسلام وقال بسعادة: "يــاراجل خضتني حرام عليك، وأنا برضو استغربت إنك إزاي محترم يعني وعارف ربنا ومش عارف إنك مينفعش تمسك إيديها قبل كتب الكتاب." ابتسم خالد بمكر وقال: "أيوه طبعاً يا شيخ منا عارف."
ضحك إسلام بعدما شعر بالراحة وقال: "أنا كمان عملت كده يوم خطوبتي على فكرة." ثم أخذ يقص على خالد كيف تمت خطبته والضوابط التي أخذها وكيف كان عرسه وهكذا. انتهى من حديثه فاستأذن خالد وغادر على الفور. ارتمى إسلام على الأريكة وقال بسعادة: "لما كان هيمسك إيدك كنت هتشل وبجد كنت هعيد حساباتي في الموضوع ده، بس لما وضحلي ارتحت الحمد لله." ثم نظر لهند بجدية وقال:
"بصي يا هند عاوزك تركزي أوي في تصرفاته وأي حاجة تحسي إنها مش عاجباكي قوليلي على طول، أنا لسه مقتنعتش بيه 100% يعني بس لما قولتيلي إنك صليتي استخارة ومرتاحة الحمد لله قلت خلاص نتمم الموضوع بقى لأن ربنا وحده هو اللي عالم الخير فين." ابتلعت هند ريقها بتوتر وقالت: "اه طبعاً." نظر لها بحنان وقال:
"يلــا بقى هسيبكم أنا وأروح علشان تنامي براحتك لأنك أكيد تعبتي وسلمى كمان يا عيني تعبت جداً، وبإذن الله بكرة هاجيلك وأكلمك عن ضوابط الخطوبة بقى وأقولك تعملي إيه ومتعمليش إيه وكده، وإنتي كمان ابقي اقرأي في الموضوع ياهند ماشي؟ ربنا يرضى عنـك ويحفظك من كل سوء." ابتسمت هند بوجع وقالت: "يــــارب." *** وفي اليوم التالي عاد إسلام من عمله فوجد هند عنده في المنزل. صافحها بحرارة وقال بسعادة: "هنــود منورة الشقة والله."
ضحكت قائلة: "ماما راحت عند خالتي وانت عارف بقى لما بتروح مش بترجع إلا على آخر اليوم فقولت خلاص أوصلها وأجي أقعد معاكم شوية بقى، وبعدين أصلاً إنت كنت جاي النهارده فقولت أجيلك أنا أسهل." ابتسم بارتياح وقال: "والله فيكي الخير يا هند، أنا فعلاً جاي النهارده تعبان من الشغل وكمان عندي مصلحة هعملها لواحد صاحبي كده بعد المغرب. كويس إنك جيتي علشان أقولك الكلمتين اللي عاوزهم وأوصلك وأرجع تاني." قالت بحماس:
"قـــول يا باشا، كلي أذان صاغية." انتشل وسادة من على الأريكة وضربها بمرح وقال: "يا شيخة اتقي الله، طب لما آكل الأول وأستريح كده نبقى نقعد نرغي، بت فظيــــعة صحيح." نظرت له باستنكار وقالت: "يا عم مش انت اللي قولت عاوز تتكلم!! دفعته للداخل بمرح وقالت: "روح كُــــل يا إسلام رووووح." وبالفعل انتهى إسلام من تناول غدائه وجلس على الأريكة بجوار سلمى وهند وقال بحماس:
"بصي يا هنود الموضوع بسيط جـــدا، كل الحكاية إنك مطلوب منك تحافظي على نفسك أوووي في فترة الخطوبة دي." ثم نظر لها بحزن وقال: "للأسف ناس كتير بيكونوا كويسين جداً بس أول ما بيتخطبوا الشيطان بيعرف يضحك عليهم ويوقعهم في الحرام علشان كده لازم ندوس على نفسنا أوي ونمشي على الضوابط بتاعة الخطوبة دي علشان نخرج منها بدون ذنوب." صمت قليلاً ثم ابتسم قائلاً:
"بصي يا ستي مبدئياً كده إنتي لازم تحطي في دماغك إن خالد ده زيه زي أي راجل غريب، يعني مفيش حاجة اسمها خطيبي ومعرفش إيه؟
لأ هو خطيبك آه بس برضو في الأول والآخر راجل غريب، علشان كده طبعاً لما ييجي عندنا لازم أنا أكون قاعد معاكم على طول لأن الخلوة لا تجوز. كمان الكلام في التليفون يكون على قدر الحاجة بس، يعني مثلاً لو حابة تسألي عن حاجة معينة أو تعرفي حاجة وكده ويكون قدامي ولو أنا مش موجود يبقى قدام ماما وبسرعة بسرعة تخلصي كلامك وتقفلي مش عاوزين رغي ها." نظرت له بتعجب وقالت: "حتى الكلام في التليفون كمان ممنوع يا إسلام؟ طب ليه؟
تنهد بحنان وقال: "حفاظاً عليكي والله يا هند، أي كلام مع خطيبك لو زاد عن الضرورة ممكن يتطرق إلى حاجات تانية حرام لأن غالباً أي اتنين مخطوبين بيكون بينهم مشاعر وبالتالي صعب يتحكموا فيها لو محطوش الضوابط دي، وعلى فكرة متقوليش ما إحنا محترمين ومعرفش إيه، حتى المحترمين برضو لو سابوا الموضوع مفتوح كده ومن غير ضوابط الشيطان بيعرف يدخلهم عادي جداً ويوقعهم في الحرام." ثم ابتسم لها وقال:
"وعلى فكرة الكلام ده عن تجربة، نـــاس كتير جداً بدأوا في خطوبتهم بالتساهل وبعد كده وصلوا لمرحلة إنهم بجد بقوا بيكرهوا حياتهم وحاسين دايماً إن ربنا غضبان عليهم وساعات كتير مش بيعرفوا يناموا أصلاً بسبب تأنيب الضمير. علشان كده يا هند خدي بالك من نفسك أوي وما تفتحيش على نفسك باب مش هتعرفي تقفليه تاني. ماشي يا هند؟ نظرت له بعدم اقتناع وقالت: "طب والفيس؟ أجاب بتلقائية: "نفس نظام التليفون برضو، للضـرورة بس يا هنود."
قالت بتفكير: "طيب." ثم أخذ يتبادل معها ومع سلمى أطراف الحديث حتى سمع أذان المغرب فنهض على الفور وقال: "هروح أصلي يا هند ولما أرجع هوصلك ماشي؟ ابتسمت قائلة: "طيب تمام." غادر إسلام ونهضت سلمى من مكانها هي الأخرى وذهبت لتتوضأ. أخذت هند تفكر في الأمر بحيرة، فقد شعرت أن إسلام بالغ في الأمر بشدة. فهي تعرف نفسها جيداً وتثق بخالد أيضاً، فلماذا لا يتبادلا معاً أطراف الحديث طالما كل منهما يعرف حدوده جيداً؟
انتشلتها من تفكيرها سلمى عندما نادت عليها وقالت بحماس: "يلـا أنا خلصت يا هند." نظرت لها هند بتعجب وقالت: "أيلا فين؟ ابتسمت بتلقائية وقالت: "يلا يا بنتي هنصلي." "هصلي لما أروح بقى يا سلمي علشان مش لسه هقلع الطرحة وبتاع." جذبتها من يدها بحماس وقالت بمرح: "ياما تقلعي الطرحة وتتوضي ونصلي سوا يا أما هلسوعك، أنا قولت أهو." ابتسمت باستسلام وقالت: "ماشي يا ستي يلا بينا."
انتهت سلمى من صلاتها مع هند وهمت بالنهوض ولكنها كادت أن تسقط فجأة فأسندتها هند بخوف بينما ضحكت سلمى وقالت: "كنت هتدلق دلوقتي والواد ابن أخوكي هيتفعص، الحمد لله ربنا ستر." ضحكت هند رغماً عنها وقالت: "يا بنتي حرام عليكي قصري ديل الإسدال شوية بدل ما تموتي الواد المرة الجاية." ارتمت سلمى على الكرسي المجاور لها وقالت بمرح: "يا ذكية أنا جايبة الإسدال طويل بمزاج." نظرت لها هند بعدم فهم بينما أردفت سلمى قائلة:
"من ساعة ما عرفت إن جمهور العلماء قالوا إن البنت المفروض تغطي رجليها في الصلاة وأنا بقى بدوس على طرف الإسدال كده وأنا واقفة علشان رجلي تتغطى وفي نفس الوقت محتاجش ألبس الشراب يعني كل شوية." ثم غمزت لها وقالت بحماس: "يا أفكارك يا حجة سلمي." ضحكت هند وقالت: "صدق اللي قال عليكي أروبة بجد، حبيكي أنا يا سلمي والله." احتضنتها سلمى بسعادة وقالت: "وأنا كمان حبيكي أوووي بقى، وحب أخوكي الطويل ده أوووي أوووي." ***
انتهى فاروق من وضع لمساته الأخيرة على شقته واتفق مع نهى على كل شيء بخصوص الزفاف وأيضاً قام بحجز تذاكر السفر للعمرة على أن تكون بعد شهر من زواجهما. بينما جلست هند تفكر كثيراً في كلام إسلام واقتنعت بأنه ضغط عليها أكثر من اللازم لذلك قررت أن تتحدث دائماً مع خالد ولكن بكلام "عادي" كما يقال...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!