الفصل 11 | من 19 فصل

رواية في غيابة الجب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
19
كلمة
2,818
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

بحاسبك إنتي عشان بحبك إنتي مش بحبها هي!! ماذا! بماذا نطق ذلك اللعين! هل يحبني حقا؟ شعرت بثقل بلسانها و خدر بجميع أطرافها يشملها ثم قالت بأحرف متقطعه: = إنت.. إنت قولت إيه دلوقتي حالا؟ أحس هو بالندم علي تسرعه و عدم تريثه فمسح وجهه بضيق و غضب و لم يجيب. بادرته هي بالسؤال مرة أخري: رد عليا.. قولـت إيه؟ ثم بدأت ملامح وجهها تميل للضعف أكثر و قالت: _قولـت إنك بتحبني.. صح؟

و قبل أن يجيب بالإيجاب أو السلب كانت هي تطوّق عنقه بيدها الضئيلة و تضحك بهيستيريا قائلة: _أنا كمان بحبك يا رزق.. بحبك أووووي!! لم ينفك أن يفيق من صدمته بسبب ذلك العناق المفاجئ حتي زادت دهشته بإعترافها له بحبها! = بتحبيني؟ برز بها صوته مذهولا مشدوها متوسلا أيضا فأومأت بموافقة شديده و قالت: _بحبك أووي يا رزق.

رفعها عن الأرض يشدد من ضمه إليها و أطبق علي جسدها الصغير بذراعيه حتي كادت تتهشم عظامها مما أسعدها لكونها أيقنت أنه يعشقها و بشدة! أنزلها أرضا وأحاط وجهها بكفيه و قال بتساؤل قلق: _إنتي قولتي إنك بتحبيني دلوقتي؟ ولا أنا بيتهيألي؟ وضعت يديها علي كفيه اللذان يحيطان وجهها و إبتسمت وهي تنظر داخل عينيه مباشرة وقالت: = لا مش متهيألك.. أنا فعلا بحبك!

أغمض عينيه بسعادة بالغه وهو يجذبها لصدره يحتضنها بعشق بات واضحا ولا حاجة له في إخفاؤه بعد الآن. حاصرت خصره بيديها الناعمتين و أسندت رأسها إلي صدره تبتسم بحب و سعاده بينما قبّـل هو أعلي رأسها بحنان بالغ و قال مناديا: _فله!! نظرت للأعلي لتقابل عينه و قالت: = فله! حلو أوي الإسم ده ناديني بيه علي طول! _إنتي تؤمري يا ست البنات.. كل طلباتك مجابه بس إنتي تشاوري.

لم تجيبه بل أعادت التشبث بحضنه تتلذذ بعناقه الذي تشعر وكأنها كانت تفتقده منذ أمد بعيد، فقال: _إن شاء الله ربنا يقدرني و أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أستحقك.. أنا عارف إن طريقي مش سهل لكن بردو مش مستحيل. أعادت النظر بداخل عينيه بثبات و قالت بصدق: = أنا مش عاوزه أي حاجة يا رزق.. عايزة أعيش معاك بس حتي لو في أوضة واحده. إبتسم لحديثها الذي أثلج صدره و قال:

_إنتي مقامك أعلي من كده بكتير.. إنتي تستاهلي تعيشي في قصر مش في أوضة!! و إن شاء الله هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أعيشك في نفس مستواكي. أكمل و القلق ينبض بعيناه: الخوف كله من جمال بيه! _بابي! ليه! = ليه إيه! إنتي فكرك يعني جمال بيه هيوافق يجوز بنته الوحيده للحارس بتاعه؟ مهما كان بيعزني أو بيعتبرني زي إبنه.. بس لما الأمر يوصل عندك إنتي كل حاجه هتختلف.

إبتسمت بلطف و قالت تطمئنه: متقلقش يا رزق.. أنا مش صغيرة و بابي مش هيجبرني علي حاجة و كمان لما يعرف أد إيه أنا بحبك مش هيرفض إننا نتجوز! إبتسم لبرائتها و لم يشأ أن يعكّـر صفو تلك اللحظه الحالمه و قال: _إممممم.. طيب قوليلي أنا الأول أد إيه إنتي بتحبيني!! = بحبك أكتر من كل حاجة في الدنيا.. بترت كلماتها وهي تزمجر قائلة: = قولولي صح.. كنت بتتكلم مع حنين في إيه؟ و الشنطه اللي إديتهالها دي فيها إيه؟ ضحك ملء فمه و

قال بسعاده يداعب وجنتيها: _حبيبي بيغير يا ناس! أزاحت يديه عن وجنتيها بغيظ و قالت: = بلاش هزار.. كنتوا بتتكلموا في إيه و ضحككوا واصلني و أنا في الشاليه!! _هنكون كنا بنتكلم في إيه يا نون يعني؟ أنا كنت بدور عليكي فلمحتها و ناديت عليها أسألها عنك فقالتلي دي نايمه لسه فعطيتها الشنطه اللي شوفتيها دي كان فيها المايوة اللي قولتلك هجيبهولك بدل المسخرة اللي كنتي لبساه ده. قال الأخيرة بعتاب بالغ فأخفضت بصرها بحرج و قالت:

_وبعدين؟ = وبعدين أخدت الشنطه و لقيتها بتقوللي إنت بتحبها صح؟ فـ أنا إستغربت و فضلت أضحك زي الأهبل وهي تضحك علي ضحكي اللي مالوش سبب.. و بعدين يستي لسه هرد عليها ظهرتي إنتي قدامي! صرّخ علي أسنانه من شدة الغيظ وقال بنبرة أرهبتها: _أقسم بالله لو اللي عملتيه ده إتكرر تاني ما هتشوفي مني طيب.

ثم تحدث بصوت أكثر حنان: لينااا.. إنتي مش بس حبيبتي.. إنتي بنتي و حته من روحي كمان و هتبقي بإذن الله مراتي و شريكة حياتي.. يعني كل حاجة ليا.. أنا عايز كمان أبقا كل حاجة ليكي.. و تعرفي إني بخاف عليكي و بغير عليكي كمان.. يعني اللي أقوللك بلاش منه تعرفي إنه فعلا هيضرك.. ماشي يا فله؟ اومأت بإبتسامة عريضه و دفنت رأسها في صدره تلتمس منه الدفء فقال ممازحا: _ما خلاص بقا إنتي ما صدقتي ولا إيه؟

إبتعدت عنه تنظر له بصدمة فضحك فورا وهو يجذبها لصدره يحتضنها و يقبل جبينها قائلا: _إنتي تعملي اللي إنتي عايزاه.. بس يلا نشوف حنين صاحبتك راحت فين ألا تكون تاهت. = إستني صح.. و ليه مستنيتوش أجي معاكوا الحفله؟ _والله دي بقا تسألي صاحبتك فيها لأن أنا عن نفسي قولتلها نستني قالتلي هي أول ما تعرف هتيجي جري.. و حصل. ثم أكمل بتلاعب أثار حنقها: _ساعة ما عرفتي إن إحنا سوا جيتي علي ملا وشك!

إنفجر ضاحكا عندما رأي أمارات الغيظ ترتسم علي وجهها فأمسك بيدها يحتضنها بكف يده و قال: = ده إنتي حبيبتي يا فـله و محدش يملي عيني غيرك.. يلا بينا؟ _أيوة يلا زمان حنين قلبت الدنيا علينا! = لا مش إنتي هترجعي هناك بالمسخرة اللي إنتي لبساها دي.. لو عايزة تحضري الحفله يبقا نرجع البيت نغيري و تنزلي.. غير كده لأ! _خلاص أنا هستناك في العربيه.. هات حنين و تعالي نروح كلنا و نسهر في أي مكان تاني. = طيب كلميها إسأليها هي فين.

قامت لينا بالإتصال بـ حنين التي أجابت مسرعه و قالت بحدة: _أيوة يا لينا.. إنتوا إختفيتوا فين كده؟ = إنتي فين يا حنين عشان رزق ييجي ياخدك؟ _أنا في مكاني متحركتش. تحدثت لينا إلي رزق و قالت: بتقول لسه في مكانها! رزق: طيب قوليلها تخرج عند البوابه الرئيسيه و إحنا هنروحلها بالعربية. ذهب رزق يصطحب لينا إلي حيث تنتظرهم حنين فركبت السيارة وهي تسدد لهم نظرات حانقة ثم عادوا جميعهم إلي الشاليـه....

تجلس ليـنا علي فراشها ممسكه بهاتفها تتبادل الرسائل النصيه مع رزق و ترتسم إبتسامه هادئه علي وجهها فقالت حنين: _سيدي يا سيدي.. أعطنا مما أعطاك الله يست! نظرت لها لينا و إبتسمت قائلة: = بحبه أوي يا نانا.. وبحبك إنتي كمان. _إدعو للعمده إدعوله.. لولا مخططاتي و تدابيري الشيطانيه مكنش حد منكم إعترف للتاني أنه بيحبه. = معاكي حق.. أنا لما عرفت إنكوا سوا في الحفله كنت هتجن و لو كنت طولت أخنقك يومها كنت عملتها.

_بقا يا هبله تغيري عليه مني.. والله عجايب! قالت الأخيرة بشفاه ملتويه حانقه ثم إعتدلت بجلستها عندما إستمعت إلي طرقات علي باب غرفتهما... _إدخل. قالتها لينا وهي تأذن بالدخول للطارق فدخل "جمال" يبتسم بـ بشاشة و جلس بجانب لينا فقال: = سمعت صوتكوا فـ عرفت إنكم لسه صاحيين قولت ادخل أرخم عليكوا.. هاا منمتوش ليه؟ أجابت لينا: مفيش يا بابي كنا بندردش سوا شويه.. المجنونه "حنين" مصممه تنزل الميه دلوقتي...

_أيوة إنتهزوا الفرصه يا لينا إنتي و حنين.. إحنا هنرجع الصبح. قالت حنين تخاطب لينا: سمعتي يا بومة!! بينا بقا ننزل سوا نودع البحر! _لا يا حبيبتي ودعي إنتي.. أنا بخاف أنزل بالليل. تخافي من إيه؟ الناس كلها في الميه، وبعدين العوم بتاع بالليل ده له طعم تاني يا غبيه. متحاوليش تقنعيني.. مش هنزل.. عايزه تنزلي إنتي إتفضلي. ثم قالت بتراجع: ولا أقول لك.. بلاش تنزلي.. خلينا نستنى النهار يطلع وننزل سوا.

قالت حنين بإصرار: لا يا ماما خليكي انتي للنهار.. إحنا بتوع الليل وأخره!! إرتدت حنين ثوب سباحتها ونزلت بالفعل، بينما ظل جمال برفقة لينا يحادثها فقال: إتبسطتي يا حبيبة بابي! إبتسمت قائلة: الحمدلله يا بابي إتبسطت أوي.. خلينا كل أسبوع نيجي نقضي الويك إند هنا. جذبها إليه يحتضنها بسعادة وقال: لولي تؤمر وإحنا ننفذ.. علي الله بس مامي توافق!! لا سيب مامي عليا.. مش هترفض. إن شاء الله يروحي.. يلا نامي انتي بقا عشان تصحي فايقه.

لأ أنا هنزل أشوف حنين و آخدها ونطلع ننام. وضعت لينا علي كتفيها شال خفيف ونزلت إلى الأسفل تبحث عن حنين، فوجدت رزق يجلس يدخن سيجارته بشراهه، فجذبتها من بين أصبعيه بغتة، مما جعله ينظر لها بحدة، ولكن ابتسم فور أن رآها وقال: هو إنتي.. فكرت حد تاني، كان زماني كسرتله وشه. قالت وهي تجلس بجانبه: كل ده عشان سيجارة يعني! قال وهو يسحب آخر أنفاس سيجارته ويلقيها تحت قدمه: لا مش عشان سيجاره.. عشان مبحبش حد يتعدي حدوده معايا!!

قالت بغنج: طب وأنا! إبتسم ونظر إلى عينيها اللتان يعشقهما: إنت حبيبي انت.. تعمل اللي انت عايزه. راقتها طريقة تدليله لها واتسعت ابتسامتها، فسألها: منمتيش ليه! هنمشي بكرة بدري! منمتش.. العبيطه حنين صممت تنزل الميه، فقولت أنزل أستناها عشان نطلع سوا. اتسعت عينيه بفزع وقال: تنزل الميه دلوقتي! أومأت بنعم وقالت: أيوه.. في إيه مالك! نهض واقفا وهو يقول: في إيه إيه! الموج عالي جدا.. إزاي تسيبوها تنزل!

هرول مسرعا نحو الشاطئ وركضت لينا خلفه، وقد تمكن منها القلق ودب الرعب في أوصالها. حنييييييييين.... ناداها رزق بأعلى صوته، وفعلت لينا المثل عدة مرات ولكن دون جدوى. صرخ بها منفعلا وقال: إنتوا بتستعبطوا! ده وقت حد يعوم فيه! قالت لينا بصوت متحشرج: والله حاولت أمنعها مسمعتش كلامي.. كانت مصرة إنها تنزل الميه...... لم تستطرد كلماتها عندما رأت على مدد بصرها مجموعة من الشباب يحملون شخص ما ويخرجون به إلى الشاطئ.

ظلت تتمتم بداخلها: يارب لأ والنبي.. حنين لأ يارب. ولكن خاب أملها عندما تبين لها وجه "حنين"، ولكنه شاحب للغاية!! صرخت باسمها: حنييييييييين.. ثم هرولت نحوهم، ويتبعها رزق. سقطت أرضا بجانبها وهي تصفع خدها بخفة وهي تردد اسمها بهيستيرية وتقول: حنين.. حنين فوقي.. عشان خاطري يا حنين والنبي.. بالله عليكي فوقي وكلميني. صرخ رزق بالحشد الذي يلتف حولهم قائلا: إنتوا بتتفرجوا! حد يطلب إسعاف ولا أي حاجة.. إتصرفوووووا.

قال أحد الشباب: أنا معايا عربيتي هناك أهي.. تعالوا معايا ناخدها المستشفى... استقل رزق ولينا السيارة ويصطحبون تلك الغائبة عن الوعي "حنين" برفقة ذلك الشاب الذي أوصلهم إلى المشفي، وصعد برفقتهم ينتظر أمام غرفة الإنعاش. لم يمر كثير من الوقت حتى خرج الطبيب وتبدو على وجهه علامات الأسف وقال: للأسف مقدرناش نعمل حاجة.. البقاء لله.. شدوا حيلكوا. فور أن استمعت لينا لكلمات الطبيب سقطت أرضا مغشيا عليها!

مع فقدان من تحب تصبح روحك خاوية.. قلبك ينبض وأنت تتمنى أن يا ليته لو توقف! .. جسدك هزيل شاحب منزوع منه الحياة. كم هو شعور مؤلم أن يرحل المقربون لقلبك ويبقي الغرباء عن روحك! ولكن عزاءك الوحيد يا قلبي أننا ومهما عشنا راحلون!! خطت لينا تلك الكلمات بقلبها المكلوم والذي يئن شوقا لروحها التي واراها الثرى، ثم صعدت إلى فراشها وتكوّمت حول نفسها مرة أخرى تحتوي نفسها بذراعيها وعيناها لا تتوقف عن البكاء.

دخلت "بسمة" إلى غرفتها فوجدتها كما تركتها بأول النهار، فجلست بجانبها وهي تواسيها بحسرة وقالت: لينا يا قلب ماما.. حرام عليكي يا حبيبتي متعمليش في نفسك كده.. طب عشان خاطري أنا.. عشان خاطر ماما يا لينا.. ورحمة حنين تردي عليا. نظرت لينا إلى والدتها ودمعاتها تسيل دون هوادة على وجنتيها المتهدلتين ووجهها الشاحب ولم تجب، ثم أعادت النظر أمامها مرة أخرى. تابعت والدتها بسيل جارف من العبرات:

عشان خاطر ربنا يا بنتي متعمليش كده فيا.. أنا هموت من قهرتي عليكي.. سنة بحالها عدت ومسمعتش صوتك والنبي يا حنين ردي عليا. استمعت بسمة إلى صوت بوق سيارة زوجها والذي يخبرهم بأنه ينتظرهما، فقالت: بابي مستنينا عشان نروح نزور "حنين" عشان السنوية.. يلا عشان أساعدك تلبسي. استجابت لينا لكلام والدتها دون أدنى مقاومة، وارتدت ملابسها السوداء ثم نزلت برفقتها إلى الأسفل. كانت تسير برتابة شديدة وكأنها إنسان آلي خالٍ من الروح.

صعدت إلى السيارة بجانب والدتها، وبالأمام يجلس والدها بجانب رزق الذي نظر إليها بمرآة السيارة بشوق مهلك. نظرت هي إليه نظرات خالية من التعبير، بل من الحياة إن أردنا الدقة في القول. لقد خسر الكثير من وزنه ونمت لحيته بكثافة، لقد أصبح شاحب وهزيل مثلها تماما. إتحرك يا رزق! قطع نظراتهم صوت جمال الذي أمر رزق بالسير، ففعل حتى وصلوا إلى المقابر. نزلت "لينا" تجر قدميها بثقل وهي تشعر بأنها مكبلة بأغلال ما تمنعها من التقدم.

دخلت إلى المدفن الموجودة به نصف روحها، ووضعت فوقه باقة من الزهور التي كانت تفضلها حنين. جلست بجوار المدفن ولا إراديا انهمرت عيناها بالدموع وقالت: ليه يا حنين! كنتي الحقيقة الوحيدة اللي في حياتي والحاجة الوحيدة اللي اخترتها.. سيبتيني ليه! قلتلك متنزليش.. أنا حذرتك بس إنتي صممتي تودعي البحر. ارتفع صوت نحيبها وتابعت:

لو كنت أعرف إنك بتودعي الحياة كلها وبتودعيني يستحيل كنت أسيبك تنزلي.. أنا متيتمة من بعدك يا حنين.. لا حاسة بحياة ولا حاسة بحد ولا عارفة أعيش من غيرك.. يا ريتني كنت أنا اللي مت وإنتي تفضلي. وصولا إلى ذلك الحد لم تحتمل "بسمة" وجذبت لينا تحتضنها وهي تقول: حرام يا لينا كلامك ده وعياطك ده بيعذبها.. ادعي لها يبنتي ربنا يرحمها هي محتاجة دعائك ليها. ربنا يرحمك يا حنين.. ابقي زوريني ما أنا بزورك يا حنين.. إنتي وحشتيني أوي.

قالت الأخيرة بنياط قلب متقطع، فساعدتها والدتها كي تنهض عن الأرض ووقفوا جميعهم يقرأون الفاتحة ثم غادروا. يجلس جمال وبجانبه زوجته لا تتوقف عن النحيب بأسى، فقال بضيق: حرام عليكي يا بسمة أنا مش عارف أصبر مين بالظبط.. إنتي ولا بنتك ولا أصبر نفسي على الحال اللي وصلنا له. اعتدل ونظر لها وقال بحزن: إنتي متخيلة إن بنتك بترمي اللوم عليا ومقطعاني بقالها سنة!!

معتقده إني السبب عشان شجعت حنين الله يرحمها تنزل الميه يومها.. مش راضية تقتنع إن ده قضاء الله. زفر مطولا وأكمل: بقالي سنة مسمعتش صوتها.. بتعاقبني! جففت بسمة دمعاتها نسبيا وقالت: إحنا لازم ناخدها لدكتور.. مينفعش نسيبها كده دي عايشة على المحاليل!! = وهو يعني أنا قصرت! ماهو على يدك حاولت معاها بدل المرة ألف وهي رافضة.. أعمل إيه يعني آخدها غصب عنها! = خلاص نجيب الشيخ بلال يقرألها ويرقيها.. ممكن نفسيتها تتحسن شوية.

رمقه بنظرات متعجبة وقال: وإشمعنا الشيخ بلال يعني! ما نجيب أي شيخ تاني! تنهدت بحيرة وقالت: اعمل أي حاجة يا جمال المهم بنتي تبقى كويسة. قطع حديثهم دخول "موانا" تقول: العم "بكري" برة.. عايز يشوف لينا. نهض جمال مسرعا، وكذلك زوجته يستقبلانه، فدخل بابتسامته البشوشة كعادته وهو يقول: لينا وحشتني وشكلها كده مش عايزة تشوفني.. قولت أجيلها أنا. صافحه "جمال" بحرارة ورحب به ليجلس وقال:

لينا تعبانة يا عم بكري.. إنت جيتلنا نجده من السما.. يمكن إنت اللي تقدر تخليها تتكلم. أومأ "بكري" بأسى وقال: ده اللي خلاني أجيلها النهارده.. ممكن أشوفها! وقفت "بسمة" وهي تقول: ياريت يا عم بكري.. ربنا يجعل الشفا على إيديك. اصطحبته إلى غرفة "لينا" وقامت بطرق الباب وفتحته ثم قالت: "عم بكري جاي يشوفك يا لينا." استرعت تلك الكلمات كل انتباه "لينا" فنظرت باتجاه الباب وسرعان ما هرولت ناحية العم بكري عندما رأته.

احتضنته بشدة وأجهشت بالبكاء، فضمها إلى صدره بحنان أبوي افتقدته هي طيلة العام المنصرم، وربت على ظهرها وكأنه يواسيها. تركتهم "بسمة" بمفردهم ونزلت إلى الأسفل. هدهدها العم بكري وهو يقول: "كفاية عياط بقا يا لينا يا بنتي.. وبعدين هفضل واقف على الباب كده؟ لأ، أبوس إيدك الصحة مبقتش زي زمان." قال الأخيرة مازحًا، فابتسمت لينا وسط دموعها وأمسكت بيده وجلست، وأجلسته بجانبها وظلت تنظر له بصمت لم يخلو من دموعها المنهمرة بوفرة.

"عاملة إيه يا لينا؟ تساءل العم بكري وكأنه لا يعلم حالها، فقالت: "عايشة.. بس عايشة من غير روح.. حنين خدت روحي معاها وسبتني بس أتذل من غيرها.. الحياة من غيرها صعبة أوي يا عم بكري." لم يتمالك دموعاته وتمتم قائلاً: "الله يرحمك يا حنين يا بنتي ويحسن إليكي." "ربنا يرحمها.. ويجمعني بيها قريب بقا عشان أنا تعبت! جفف دموعاتها بكف يده الحاني وقال: "ربنا يطول في عمرك يا بنتي ويفرحك بشبابك."

"وإيه فايدة عمري وشبابي من غير روحي يا عم بكري؟ تنهد "بكري" مطولاً وقال: "استغفري ربنا يا لينا وصلي على النبي كده.. ده قضاء ربنا وقدره مينفعش نعترض.. كل اللي نقدر نعمله إننا نصبر ونحتسب وندعي لها إن ربنا يرحمها ويغفر لها." "الله يرحمك ويغفر لك يا حنين." ربت على ظهر يدها وهو يقول: "أيوة كده يا حبيبتي.. وبعدين أنا عاتب عليكي أوووي.. سنة بحالها يا لينا لا تزوريني ولا تسألي عني؟ هو اللي بيننا كان حنين وبس؟

"لا والله مش كده أبدا.. أنا بس مش قادرة أجي البيت وحنين مش فيه." "ماهو أبو حنين فيه وأم حنين فيه وإخوات حنين فيه وكلهم بيحبوكي وبيقولولك وحشتينا." احتضنته بقوة وقبلت رأسه كما كانت تفعل "حنين"، فما كان منه إلا أن شدد من ضمه إليها مربتاً على ظهرها وقال: "لو بتحبي حنين يا لينا يبقى لازم تقوي.. كلي وعيشي حياتك وافرحي واضحكي.. خليها تكون مطمئنة عليكي.. اتفقينا؟ أومأت بموافقة مقتضبة، فصافحها قائلاً:

"هستناكي تيجي تزورينا وتقعدي معانا يومين.. تمام؟ "إن شاء الله." "مع السلامة." وانصرف مغادرًا وهو يجاهد ألا تفضحه عبراته. صافح والد ووالدة لينا وطمئنهما على حالها ثم هرول مسرعًا إلى الخارج. بمجرد ما خطت قدماه خارج الفيلا حتى انفجرت دموعه من محجريه تسيل بغزارة، فهرول إليه رزق الذي رآه وناوله محرمة وهو يربت على ظهره ويقول: "تعيش وتفتكر يا عم بكري.. أنا عارف إن الزيارة دي قلبت عليك المواجع بس أنا مكانش قدامي غيرك!!

"لا يبني متقولش كده.. لينا بنتي زي حنين الله يرحمها تمام.. ويعز عليا أشوفها بالحالة دي.. كويس إنك كلمتني عشان أجي أشوفها.. ربنا يباركلك يبني." تحدث رزق بنبرة مترددة وقال: "عم بكري أنا كنت عايز أقولك على حاجة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...