الفصل 12 | من 19 فصل

رواية في غيابة الجب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
29
كلمة
1,557
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

عم بكري، أنا كنت عايز أقولك حاجة. نظر له بكري بتساؤل مهتم، فقال رزق: مش هينفع نتكلم وإحنا واقفين كده، اتفضل معايا أوصلك ونتكلم في الطريق. استقل بكري السيارة برفقة رزق، ثم سأله: اتكلم يا رزق يا ابني، قلقتني! أوقف رزق السيارة على جانب الطريق، ثم نظر له وحمحم قائلاً: بص يا عم بكري، إنت زي أبويا، وأنا عارف كمان إن لينا بتعتبرك زي أبوها، وأنا سبق وصارحتك إني بحب لينا وهي كمان بتحبني. أومأ بكري موافقاً وقال: صحيح، وبعدين؟

أنا كنت عايز أقول لك على حاجة تخص لينا، وعارف إنك أهل للثقة. فاكر موضوع البنت اللي طلعتها من البير لما كنت في مصر القديمة لسه؟ أومأ الآخر موافقاً وقال: طبعاً، وهي دي حاجة تتنسي! البنت دي تعرف عنها حاجة حالياً؟ زم بكري شفتيه وقال: لأ خالص، أنا يومها بعد ما خرجتها من البير خدتها البيت عندي، وبعدها على طول سمعنا ناس بتقول لقينا واحدة ميتة في الكوخ!

فـ اضطريت أبلغ عن البنت، ربك والحق أنا مكنتش عايز أبلغ وكنت عايز أسيب البنت تتربي وسطنا، بس خوفت بردو. وبعدها خدوهـا وعملوا محضر عثور وعملوا تحليل، والنتيجة أثبتت إنها بنت الست اللي لقوها في الكوخ، ولأن هويتها كانت مجهولة وقتها اعتبروها لقيطة وخدوها مركز صحي تتربي فيه لحد ما تتم سنتين. بس ده كل اللي أعرفه! هز رزق رأسه بتأكيد لحديثه ولكونه على علم سابق به، فسأله العم بكري متعجباً: بس إشمعنى بتسأل؟

إيه اللي فكرك بالموضوع ده؟ أصل البنت دي تبقى لينا! نفض بكري رأسه بتعجب وتساءل مجدداً بذهول: بنت مين مش فاهم؟ لينا يا عم بكري تبقى البنت اللي طلعتها من البير! رمقه بكري بنظرات مستنكرة وقال: مش معقولة! إنت متأكد؟ بنسبة 99% متأكد. قال بكري بتفكير وشك: طيب لو هي لينا إيه اللي جابها إسكندريه؟

لأن مدام بسمة دورت في كل دور الأيتام ومؤسسات الرعاية اللي هنا في إسكندرية بس مرتاحتش لحد فيهم، فـ نزلوا مصر يدوروا وقلبها اختار لينا من بين كل الأطفال اللي شافتهم. وإنت عرفت الكلام ده منين؟ جمال بيه اللي حكالي كل حاجة. هو بيعتبرني زي ابنه وبيثق فيا، واختار إنه يحكيلي عشان لو لا قدر الله في يوم من الأيام حصله حاجة متبقاش لينا لوحدها. أعاد بكري التفكير بصوت مرتفع وقال: طيب وإيه اللي يثبت إن البنت دي لينا؟

ما يمكن ظروفهم متشابهة مش أكتر! لأ طبعاً يا عم بكري، أولاً في محضر العثور مكتوب العنوان بالتفصيل، وكمان مديرة المؤسسة اللي لينا كانت فيها قالت فعلاً لـ جمال بيه إن الأم توفت في نفس يوم الولادة. والكلام ده بقاله 21 سنة أهو، وإنت سايب مصر من 21 سنة من بعد اللي حصل. أكيد دي مش صدف كلها! نظر العم بكري أمامه بتيه واستغراب في آن. "وقبحانك سبحانك يا رب.. بقا تمر الأيام ونتقابل تاني!!

ده أنا أول واحد شيلتها على كفوف إيديا دي وحضنتها، ويومها أم خالد مكانش هاين عليها تسيبها.. ولا حنين... عند ذكر سيرة حنين رق قلبه وترقـرقت الدموع بعينه وتابع: الله يرحمك يا حنين.. من يوم ما شفتيها وقلبك اتعلق بيها وكنتي عايزاها تبقا بنتك.. يا ترى لو كنتي عايشة دلوقتي كان هيكون رد فعلك إيه لما تعرفي حاجة زي دي! قام رزق بتنبيهه قائلاً: طبعاً بعد إذنك يا عم بكري مش عايز حد يعرف إني بلغتك حاجة زي دي، وخصوصاً جمال بيه!

ولا تحمل هم يا ابني.. بس إنت ناوي على إيه؟ عايز أوصل لأهل لينا! ضيّق بكري بين حاجبيه بتعجب وقال: توصل لأهل لينا؟ إزاي؟ وليه؟ إزاي فـ دي محتاجة مجهود شوية. أنا عرفت اسم خالها وعنوانه وتقريباً أغلب المعلومات عنه. أما ليه بقا فـ دي الأهم. مش فاهم قصدك.

لينا وحيدة يا عم بكري، وخصوصاً من بعد حنين الله يرحمها وهي حاسة باليتم. لازم تتعرف على أهلها، وساعتها يبقى ليها حرية الاختيار تقبلهم أو لأ. مش جايز تحبهم وتقرب منهم ويحبوها ويقدروا يهونوا عليها! الموضوع مش بالسهولة دي يا رزق. جمال بيه لو عرف إنك بتنخور ورا الموضوع ده وعايز توصلها بأهلها الحقيقيين مش هيسكت، ومش بعيد يمشيك كمان. بالظبط، وده اللي مخوفني لأن أنا عارف لينا بالنسبة له إيه. بس ده حقها!

والله يا ابني ما عارف أقول لك إيه! بس معتقدش لينا تقبل بيهم. يعني واحدة أمها اتخلت عنها ورمتها في بير مظنش إنها هتقبل بأي حد من طرفها! مش عارف يا عم بكري، بس أنا سألت لينا قبل كده وقالت لي إذا كان أمي دي نفسها لو رجعت وقالت لي سامحيني هسامحها.. يبقى مش هسامحهم هما اللي مالهومش ذنب!

وتابع: لينا حاسة بالوحدة يا عم بكري وبالذات إنها مش اجتماعية ومش بتعرف تتعامل مع ناس جديدة. أنا متأكد إن لو قربت من أهلها ولقت منهم حب وود هيفرق معاها كتير. قال بكري ببوادر اقتناع قد ارتسمت على وجهه: جايز كلامك صحيح.. بس بردو متتسرعش وتاخد خطوة مش محسوبة. قبل ما نعرف لينا بأهلها لازم هما الأول يعرفوا بوجودها، ونشوف هيطلبوا يقابلوها أو لأ. كلامك صح.. عالعموم أنا مش هتصرف من غير ما أرجع لك في كل حاجة الأول.

ربنا يا ابني يقدم اللي فيه الخير. يارب. وبعد إنهاء حوارهما، قام رزق بإيصاله إلى منزله ثم عاد إلى الفيلا. بينما تجلس لينا بغرفتها، مسجاة على سريرها الذي ملّ من ملازمتها له، رن هاتفها وكان المتصل رزق. لم تجب كعادتها، فأعاد الاتصال مرات عديدة حتى قامت بإجابة المكالمة. ألو... أخيراً رديتي يا لينا! تفوه رزق بتلك الكلمات وصوته يدل على مدى التعب الذي حل به. لقد اشتاقت صوته حد السماء، إنه يبدو متعباً للغاية مثلها تماماً.

لم تجبه، ولكنها وقفت أمام نافذة غرفتها تطالعه بنظرات ممتلأة بالفقد والاشتياق والحنين.. وآاااه من الحنين! سالت دمعاتها لا إرادياً وهي تستمع له يقول: عشان خاطري يا لينا ردي عليا.. صوتك وحشني.. أنا مش عارف أعيش من غيرك يا لينا وحياتي بايظة.. أنا عارف إن خسارتك متتعوضش.. بس ارحميني.. أنا كمان بتعذب وأنا شايفك بتموتي بالبطيء قدام عيني ومش عارف أعملك حاجة.

استمع لصوت نهنـهتها، فأغمض عينيه بألم وحسرة ونظر إلى الأعلى، فوجدها تقف خلف زجاج نافذتها، فوضع هاتفه بجيبه ثم دخل إلى الفيلا. صعد إلى غرفتها وفتح الباب بغتة، مما أثار دهشتها، ولكنها لم تتحدث. قطع المسافة بينهما ليقف في مواجهتها ويقول: حرام عليكي يا لينا اللي بتعمليه فيا ده! وحشتيني.

وكأنها كانت تنتظر سحب ذلك الفتيل، فـ أسرعت تعانقه عناقاً متعباً، فضمها هو إليه بشوق بالغ وهو يشم رائحتها التي اشتاقها، ورفعها عن الأرض وهو يطبق بيديه على عظامها حتى كادت تصرخ ألماً. أبعد وجهه من عنقها ونظر إليها وهو ما زال يحتضنها، ثم قال: وحشتيني يا فلة.. كده تعذبيني معايا طول السنة دي؟ هونتِ عليكي إزاي توجعي قلبي عليكي بالشكل ده؟

بادلته النظر بأعين باكية قد أنهكها البكاء، فما كان منه إلا أن قبّل عينيها بحب ولطف وهو يتودد إليها بنبرة حنونة ويقول: صوتك وحشني يا فلة. أعادت النظر إليه وهي لا تتوقف عن البكاء، فـ فعلها مرة أخرى وقام بتقبيل عينيها وقال: أنا بحبك يا لينا.. بتحبيني؟ أومأت له بنعم وهي تجاهد كي تمتنع عن البكاء، فقال وهو ينظر لها بثبات داخل عينيها: انطقي وقوليها... عشان خاطري قوليها يا لينا. دفنت رأسها بعنقه وهي تمسد

رقبته بذراعيها ثم قالت: _بحبك أوي يا رزق. تنفس الصعداء و ضمها إليه أكثر و قال: _لينا أنا مش هقدر أبعد عنك تاني..عشان خاطري متقلقينيش عليكي..أنا عارف إنها مش حاجه سهله..بس كمان ده مش حل..الحزن في القلب..لازم تاكلي و تخرجي و تضحكي عشان تعيشي..ده قضاء ربنا و قدره. بدأت بالبكاء مرة أخري وهي تقول: _حنين ماتت و سابتني يا رزق..متعرفش إنها كانت أمي!

اللي أنا فيه ده غصب عني أنا مكنتش أعرف حد غيرها وهي كانت بالنسبة لي كل الناس..أهل و قرايب و صحاب. ربت علي ظهرها قائلا بعتاب مصطنع: _طب و أنا فين من ده كله! فاجئته هي عندما طبعت قبله خاطفه بجانب ثغره ثم قالت: _إنت حبيبي يا رزق. تنحنح قائلا بنبرة مهزوزة: =لا أنا هنزل قبل ما جمال بيه و مدام بسمة يرجعوا.. أصل لو فضلت هنا مش خارج خالص. إشتعلت نيران الخجل بوجهها ثم حاولت تبديل الخوار و سألته: _هما فين!

=مش عارف الحقيقه..هو قاللي هخلص و هكلمك تيجي تاخدنا. أومأت له فقام بإحتضانها المرة الأخيره و إنصرف. _أنا مش عارف إنتي جيبانا هنا ليه! قالها جمال وهو يجلس علي مقعد قديم متهالك بمكان تملؤه رؤوس الحيوانات و الأشكال الغريبه و أمامه مدخنه يتطاير منها الدخان الكثيف. و تابع بضجر: انا لو أعرف إنك هتجيبينا لبتوع أشتاتا أشتوت دول والله ما كنت جيت معاكي. إزدردت "بسمة"ريقها بخوف و توتر ثم قالت وهي تلتصق به:

_والله انا ما كنت أعرف إنه كده..اللي دلتني قالتلي شيخ و بيعالج بالقرآن! منها لله بقا. =أهو لا طلع شيخ ولا بيعالج بالقرآن..إتبسطي بقـ...... بتر كلمته عندما رأي رجلا طويل القامه نحيل الجسد يدخل إلي الغرفه و يجلس بمقابلهم ثم تحدث بصوته الغليظ: _أؤمروا يا بشوات..! تحدثت بسمة بأحرف متقطعه متلعثمه وقالت: =بـ بـ بـ..بنتي يا سيدنا الشيخ..من يوم وفاة صاحبتها من سنه وهي لا بتاكل ولا بتشرب ولا بتتكلم!!

ثم تابعت بأسي:قولت أجي أسألك أعمل معاها إيه ولا دي حلها إيه! يمكن الحل في إيديك! أغمض الرجل عينيه و بدأ بإصدار همهمات غير مفهومه ثم إرتفع صوته وهو يلقي بشئ ما داخل النار المشعله أمامه و يقول: _مدد يا أسيادنا..تفكوا كرب الحزينه و تجلوا عتمتها لينا بنت مشيرة...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...