في صباح يوم دراسي جديد، تجلس "لينا" برفقة "حنين" في مقصف المدرسة كعادتهما كل يوم أثناء الإستراحة. فقالت "حنين": _يالهوي عليكي يا بت يا لينا، ده إنتي طلعتي مش سهلة و وقفتي الواد "مروان" ده عند حده بكلمتين اتنين. إبتسمت "لينا" وقالت: = عيب عليكي، أنا ميتخافش عليا. _وإنتي هتقوليلي.. ده الواد كان واقف متنح.. إلا قوليلي يا لولو إيه موضوع لغة الجسد؟ إشتغالة ولا بجد؟
= لأ طبعًا مش إشتغالة.. أنا فعلًا بفهم لغة جسد اللي قدامي من غير ما يتكلم و كمان بعرف هو بيفكر في إيه! نظرت لها "حنين" بتعجب وشك، فقالت "لينا":
= بصي.. لغة الجسد دي علم بيدرسوه بالآلاف المؤلفة لصعوبته وأهميته في نفس الوقت.. لكن ممكن برضو ربنا يوهبه لإنسان بإستثناء البقية زيي كده.. يعني أنا من وأنا عندي 13 سنة تقريبًا وأنا بدأت أتوقع اللي قدامي بيفكر في إيه و أعرف إذا كان بيكدب ولا لأ أو بيكرهني ولا بيحبني.. و ده اللي خلاني مكنتش بصاحب حد خالص في المدرسة لأنهم كلهم كانوا بيصاحبوني عشان لينا البدري مش عشان هما عايزين يصاحبوني.. حتى المدرسين بتوعي كانوا بيميزوني عن صحابي بالرغم من إننا كلنا كنا ولاد ناس أغنيا و في منهم باباهم أغنى من بابي كمان بس بابي كان دايما على اتصال بيهم و بيمشي لهم شغل وكده.
_أيوة صح، وبما إن باباكي غني و متريش كده ليه مدخلتيش مدرسة خاصة.. إيه اللي جايبك هنا؟ = منا كنت في مدرسة خاصة و قعدت يادوب أسبوع و مستحملتش.. كلهم عارفينني و عارفين بابي مين و خنقوني أسئلة في أول أسبوع فـ بطلت أروح و أصريت على بابي يقدم لي في أي مدرسة حكومية.. وهو كمان كان شايف إزاي أنا وحيدة و مبكونش صداقات و متجنبة الكل فوافق إني أجي هنا على أمل أختلط بحد يعني!
_طيب أنا عايزة أتعلم لغة الجسد زيك عشان البت حنان أختي كذابة أوي و كل ما تعمل حاجة و أجي أقول لبابا تكدب و تقول محصلش. ضحكت "لينا" بإبتسامة واسعة وقالت: _بصي يا ستي.. الإنسان بيكدب بلسانه إنما جسمه لأ.. مبيعرفش يكذب.. يعني مثلًا لما ألاقي اللي قدامه بيحك أنفه أو بيرطب شفايفه بلسانه أو بيرفع حاجبه بتكرار بعرف إنه بيكدب.. و كمان لما بيرفرف برموشه كتير أو بؤبؤ عينه بيروح ناحية اليمين يبقى بيكدب! = يسلاام!
وإشمعنا ناحية اليمين يعني! _لأن عينه لما بتروح يمين تلقائي يبقى كده بيستدعي المعلومات من نص مخه اليمين و اللي مسؤول عن الخيال مش الحقيقة! إتسعت عينا "حنين" بدهشة وقالت: = بت أنا مش مطمنالك.. إنتي بتجيبي المعلومات دي منين! _منا قولتلك هي حاجة من عند ربنا ميزني بيها و كمان بقرا كتير في المواضيع دي.. هبقى أجيبلك الكتب بتاعة لغة الجسد اللي عندي تقريها بدل ما إنتي شبه الخيبة كده. _خيبة بس!
ده الناس خيبتها السبت و الأحد و أنا خيبتي موردتش على حد.. يلا يا أووختي جرس الفسحة ضرب. ضحكت "لينا" عاليًا وقالت: تخيلي مسمعتش الكلمة دي من أيام ما كنت في كي جي.. يلا يا أم لسانين. بعد عودة "لينا" إلى منزلها بحثت عن والدتها فلم تجدها، صعدت إلى غرفتها وبدلت ثيابها ثم حادثت والدتها. _أيوة يا مامي إنتي فين؟ = أيوة يا لولي.. أنا في مشوار مع بابي و هنيجي كمان ساعة.. خلي "موانا" تعملك الأكل لو جعانة.
_تمام يا مامي.. باي باي. نزلت "لينا" إلى الأسفل منادية: "موواناا". أتتها على الفور امرأة سوداء البشرة تتحدث العربية الركيكة وقالت: أيوه مودمزيل لينا. _إعملي لي نيجرسكو و هاتي لي الأكل برة. = بس مدام بسمة قالت الغدا...... قاطعتها "لينا" صارخة بحدة: أنا بقولك إعملي نيجرسكو.. هاكل على مزاجكوا ولا إيه! أومأت "موانا" موافقة وانصرفت نحو المطبخ ثم ذهبت "لينا" نحو غرفة مكتب والدها.
دخلت وأغلقت الباب خلفها ثم بدأت بالبحث عن شيء ما. جالت الغرفة ذهابًا وإيابًا، لكن دون جدوى حتى وقع بصرها لوحة صغيرة معلقة على الحائط فأزاحتها فوجدت خلفها خزنة! إبتسمت بسخرية متمتمة: قديم أوي يا بابي! فتحت درج المكتب وأخرجت المفاتيح ثم بدأت بتجربة بعض المفاتيح حتى فتحت الخزنة! أخرجت منها بعض الأوراق وبدأت بمطالعتها حتى عثرت على غايتها. _شهادة ميلاد! قرأت تلك الكلمتين بقلب مضطرب وأوصال مرتجفة ثم نزلت ببصرها إلى الأسفل.
_إسم الطفلة "لينا" _إسم الأم "هند السيد الشيخ" _إسم الاب "محمد عبد المعطي" إبتسمت بسخرية قائلة: هند!! قلبت الأوراق بين يديها مرة أخرى حتى وجدت ورقة مكتوب أعلاها "محضر عثور" إلتقطتها من بين الورق وهمت بقراءتها ولكنها فزعت عندما فتح والدها الباب فجأة. _إنتي بتعملي إيه هنا يا لينا؟ تقدم والدها منها وانتزع من بين يديها الورقة التي تمسك بها ونظر بها فأصابته الدهشة ونظر لها قائلاً بحدة: _قرأتي اللي في الورق ده؟
هزت رأسها بنفي فسألها مجددًا: قرأتي اللي في الورق ده ولا لأ يا لينا.. متكدبيش. = قرأت شهادة الميلاد بس.. إسمها "هند" يعني معروف هي مين.. يعني هي اللي إتخلت عني و سابتني مش زي ما إنتوا مفهميني إنكوا متعرفوش و ياترى محمد عبد المعطي ده يبقى أبويا فعلًا؟
_محمد عبدالمعطي ده الإسم اللي اختاروه في مركز الصحة اللي إنتي فضلتِ فيه لحد ما بقيتي عمرك سنتين زي ما هما بردو اللي سموكي لينا.. إنما هند دي أنا معرفهاش ولا حد يعرفها.. كل اللي أعرفه إنها ماتت يوم ولدتك. = بجد! يعني هي متخلتش عني! _أيوة يا حبيبتي.. هي الله يرحمها ماتت و ملحقتش تاخد بالها منك. إتجه بؤبؤ عينه يمينًا وقال: أكيد مفيش أم ترمي بنتها و هي لو كانت عايشة كانت هي اللي زمانها بتربيكي و بتاخد بالها منك دلوقتي.
إحتقن وجهها غاضبًا وصاحت بحدة: إنت بتكدب عليا.. إنت كداب.. كداااااااب. صفعها بشدة على وجنتها صارخًا بها بغضب: إسكتي. سقطت على الأرض بغتة، فاقدة للوعي وانقبضت عضلاتها بشدة وظلت ترتعش وتنتفض وتصرخ عاليًا، ثم سكت صوتها وساد الصمت على أرجاء المكان. حدث كل هذا في أقل من الدقيقة وهو يقف مصدومًا، ولم يصدر أية تعبيرات إلا عند دخول "بسمة" الغرفة فجأة. _إنتوا هنا و أنا بدور عليكوا بر.........
بترت جملتها عندما رأت "لينا" ملقاة أرضًا، فهرولت نحوها مسرعة وهي تصرخ بخوف: _ليناااا... لينا يا حبيبتي مالك.. ليناااا مالك يا ماما. رفعتها عن الأرض واحتضنتها بشدة وهي تبكي ثم نظرت إلى زوجها وقالت: _لينا مالها يا جمال.. حصلها إيه ما تنطق. أفاق من شروده جزئيًا وقال: دكتور.. لازم أجيب دكتور حالا. قام بالاتصال بالطبيب الذي أذعن لطلبه على الفور. بعدما فحصها الطبيب نظر لهم وقال:
_إن شاء الله بسيطة و دقايق و هتبدأ تستعيد وعيها تاني.. في حد في عيلتها بيجيله نوبات صرع؟ نظر "جمال" و "بسمة" إلى بعضهما البعض فقال "جمال": _لأ مفيش. نظرت "بسمة" إليه بتحدي ثم قالت: _منعرفش يا دكتور! تعجب الطبيب وقال: هو مش إنتوا باباها و مامتها؟ _البديلين.. "لينا" مش بنتنا إحنا كفلناها من وهي عمرها سنتين. أومأ الطبيب متفهمًا
وقال: أكيد الموضوع ده ضاغط على نفسيتها وأعصابها لإن الكهرباء العصبية كانت زيادة على مخها مع انخفاض ضغط الدم بصورة مش طبيعية ده أدى لإنها تدخل في نوبة صرع.. على العموم هي المفروض هتفوق بعد المحلول ده و حاولوا تنسوها الموضوع ده و توفروا لها بيئة مستقرة عشان حالتها النفسية تستقر. أومأ "جمال" وزوجته ومن ثم ودعه الطبيب منصرفًا.
"يا صديقي الأوحد.. يا دفتري الأسود.. اليوم على ما يبدو سوف أطوي العديد من ورقاتك.. اليوم وقد أتممت عامي العشرون وبلا زهو! ليتني لم أصل لتلك السن.. أشعر وكأن الكثير في انتظاري وعلى الأغلب لن يكون جيداً. بانتظاري الآن حشد كبير من الحضور الذين ينتظرون مجيء الفاتنة الساحرة ابنة رجل الأعمال الثري.
كل سيسرع ويقبل الأيدي ويتسول الود.. ولكن لزاماً علي أن أخبرهم أني أمتلك من القوى الخارقة ما يكفي ليجعلني مميزة وصعبة المنال أيضاً. أغلقت "لينا" دفترها ونزلت للأسفل بعد أن علمت بحضور الجميع. ترجلت درجات السلم بزهو ودلال يليق بها وهي ترفع طرف فستانها القرمزي الذي يتزين ببشرتها البيضاء مما جذب إليها أنظار الكل. لم تعر أحداً اهتماماً ولكنها ظلت تبحث بعينيها عن صديقتها وتوأم روحها "حنين". ذهبت إلى والدتها
وقبلتها بحنان ثم سألتها: "حنين" مجتش لسه يا مامي؟ "حنين! دي جننتني وصدعتني وفي الآخر خدت بابي وخرجوا يتكلموا بره.. هتلاقيها بره. أومأت "لينا" بموافقة وذهبت إلى الخارج للبحث عنها. سارت تبحث عنها بعينيها بانشغال وغفلت عن طرف فستانها الذي دعسته بقدمها فترنحت وكانت ستسقط لولا تلك اليد الغليظة التي أمسكت بها. "على مهلك يا ست البنات! برز بها صوت "رزق" مساعد والدها والحارس الشخصي ومخبأ أسراره وذراعه اليمنى إن صح القول.
نظرت له "لينا" بخجل وقالت: شكراً يا "رزق" أصلي كنت ماشية مش واخدة بالي. "الشكر لله يا آنسة "لينا".. بتدوري على البيه؟ "أيوة إنت شوفته؟ "أيوة قاعد هو والأستاذة صاحبتك هناك أهو." "شكراً يا "رزق" عن إذنك." قالتها ثم ابتسمت بخفة وانصرفت نحو والدها وصديقتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!