"لقد بدأ جسدي ينتقم مني، بات هذا واضحًا، لم أعتني به بشكل جيد، أرهقته في كل شيء! بتلك الكلمات المقتضبة خطت "لينا" بقلمها في دفترها الأسود والذي افتقدته كثيرًا، ثم أغلقته ونهضت. ذهبت ووقفت بشرفتها تنظر إلى الفراغ بأسفل نظرها والهدوء الذي خلفه "بابسي" خلفه. استمعت إلى طرقات على باب غرفتها فأذنت بالدخول، ولكنها تفاجئت عندما رأت "رزق" يدخل وبحوزته صندوق "سمك زينة" كبير ويقول:
"ممكن تقبلي مني الهدية البسيطة دي يا آنسة لينا؟ ذهبت إليه وحملت عنه الصندوق وهي تبتسم بسعادة وقالت: "الله.. ده جميل خالص.. ميرسي يا رزق بجد." ابتسم رزق وقال بسعادة لرؤية سعادتها: "العفو حضرتك.. أنا مبسوط إنه عجبك." "أي حاجة منك حلوة يا رزق.. شكرا ليك." "الشكر لله يا ست البنات.. طيب هتحطي حوض السمك ده فين؟ نظرت حولها بحماس وقالت: "إنت إيه رأيك؟
"والله أنا من رأيي يبقى في وش السرير كده.. بحيث يبقى منظر مسلي يعني ممكن لو قاعدة تسرحي معاهم وكده." "برافو عليك يا رزق.. ساعدني بقى ننقل المكتب ونحطه مطرحه." "عنك انتي.. أنا هنقله خليكي مرتاحة." قام بنقل المكتب ووضع صندوق السمك عوضًا عنه وقال: "هاا.. إيه رأيك؟! صفقت بيديها في حماس وسعادة قائلة: "شكلهم حلو أوووي.. وألوانهم جميلة." قال ممازحًا: "شوفي البرتقانية دي.. اسمها لينا على اسمك!
نظرت له بتعجب وانفجرت ضاحكة، بينما ظل هو يتمعن بوجهها المرهق الشاحب بأسف وحزن بالغين، ولكن ابتسم عندما استمع إلى ضحكاتها. قالت: "وإشمعنا البرتقانية دي بقى؟ "يعني.. هادية زيك كده وتحسيها غامضة ومليانة أسرار وعيونها جميلة كمان!! قال الأخيرة بلا وعي منه، ولكنها ابتسمت بمكر وقالت: "دي أنا ولا السمكة؟ قال بشرود: "هي مين دي؟ ابتسمت ونظرت إلى عينيه مباشرة وقالت: "مين اللي عيونها جميلة؟ أنا ولا السمكة؟
أفاق من شروده وتنحنح بحرج بالغ وقال وهو يبتعد بعينيه عنها: "إنتوا الاتنين بصراحة.. عن إذنك أنا هنزل بقى.. تؤمريني بحاجة؟ وقفت أمامه ونظرت إليه بثبات: "شكرا يا رزق على اهتمامك.. إنت جميل خالص." "نظر أرضًا وقال: العفو يا آنسة لينا.. عن إذنك." نزل من غرفتها وخرج من الفيلا وهو يتمتم: "الصبر من عندك ياارب." ***
يجلس "جمال" برفقة "بسمة" وبجانبه الأوراق التي تحتوي على بيانات "لينا" ومحضر العثور الخاص بها وأوراق الكفالة كذلك. تنهد بقلق وقال: "في محضر العثور كان اسم الأم ما زال مجهول.. وده لأن زي ما مديرة الدار قالت إن الأم ماتت يوم ما ولدتها ومتعرفوش عليها، بس لما لينا راحت المركز الصحي طلعوا لها شهادة ميلاد، وفي الوقت ده كان ظهر محضر اختفاء باسم 'هند السيد الشيخ'، وبعد التحريات ثبت إن هند دي هي مامت لينا." سألته "بسمة"
بتوتر: "طب افرض طلع الشيخ بلال ده أخو هند مامت لينا فعلاً.. هنعمل إيه؟ زفر بشدة وقال: "مفيش قلق منه.. هما تنازلوا عن رعايتها لما كانت بيبي لسه وده مثبت بالورق.. يعني ملوش حق دلوقتي يطالب برجوعها ليه.. عالعموم بلاش نسبق الأحداث وخلّينا نستنى لما أشوف رزق هيعمل إيه! دخل "رزق" بعد أن سمح له جمال بالدخول وجلس وبدأ يتحدث: "كلمت الواد بتاعنا اللي في السجل المدني وجاب لي معلوماته يا فندم." ثم أخرج من جيبه
ورقة فتحها وبدأ بقرائتها: "اسمه رباعي 'بلال السيد السيد الشيخ'. ٤٥ سنة.. متجوز وعنده ولدين 'محمد وعبدالرحمن'.. من الجيارة في مصر القديمة." "من الجيارة؟ عجيبة.. ده أنا كنت هناك دايما واشتغلت هناك فترة قبل ما أنزل إسكندرية بس عمري ما سمعت الاسم ده!! صمت "رزق" برهة وأكمل وكأنه يعتذر بنظراته مسبقًا: "وملوش غير أخت واحدة 'هند السيد السيد الشيخ' متوفية." أغمض جمال عينيه بحسرة وأرجع ظهره إلى الوراء ثم زفر بقلة حيلة قائلاً:
"قطع الورقة دي يا رزق ولا كأنك عرفت حاجة." ضيق رزق بين حاجبيه متعجبًا وقال: "يعني إيه حضرتك؟! مش هتبلغ الآنسة لينا؟! حدقته "بسمة" بنظرات غاضبة وقالت: "نبلغ لينا بإيه يا رزق؟ وفرضًا هي اختارت تروحله هنعمل إيه وقتها؟ يجيب رزق وتكلم جمال وقال: "لينا يستحيل تسيبنا.. وبعدين هي لو عرفت إن أهل أمها اتنازلوا عن حضانتها هتكرههم أكتر ومش ممكن تفكر تروحلهم." "بس كده هتبقوا بتخدعوها سعادتك!
أطلق رزق لسانه بكل جرأة وتفوه بتلك الكلمات، فصوّب جمال ناحيته نظرات نارية محذرة وقال: "مش معنى إني بعتبرك زي ابني يا رزق وبحكيلك كل حاجة إنك تتخطى حدودك معايا.. لينا بنتي وأنا أكتر حد يعرف مصلحتها فين." أومأ رزق بموافقة وتمتم معتذرًا، فسأله جمال وكأنه تذكر شيئًا توه: "صحيح يا رزق كنت من فترة كده قولتلي إن في حاجة حصلت يوم عيد ميلاد لينا.. حاجة إيه؟
"ااااه.. لا دي حاجة مش مهمة يا فندم بلاش أشغل دماغك بيها.. أستأذن أنا." انصرف "رزق" وخرج ليجلس بمكان نائي بحديقة الفيلا وظل يحدث نفسه ويقول: "عايزني أقول لك إن أبو صاحبة لينا الوحيدة هو اللي لقاها لما كانت في البير؟ ده انت كنت أجبرتها تقطع علاقتها بيها.. إذا كان خالها ومش عايز تعرفها بيه عشان خايف تسيبك وتروحله يبقى هتعمل إيه مع صاحبتها؟! قطع حديثه متفاجئًا عندما رأى "لينا" تقف أمامه وهي تضع وشاح خفيف على كتفيها
وتضم نفسها بيديه وتقول: "بتكلم نفسك يا رزق؟ جلست بجانبه وتابعت: "إوعى تكون مجنون زيي؟ ضحك وقال: "بعد الشر عنك يا آنسة لينا، ده انتي ست العاقلين." ضحكت ببشاشة وقالت: "أومال قاعد لوحدك ليه؟ شكلك كده بتحب." نظر إليها بتخبط وأشاح بوجهه عنها قائلاً: "أحب؟ جايز بردو." "اممممم.. دي يبختها اللي انت بتحبها يا رزق." "هه.. إشمعنا بقا؟ "عشان هتكـ....... ثواني يا رزق." ارتفع رنين هاتفها فأجابت: "ألوو.. أيوة مين؟
"يعني لازم أرن عليكي من موبايل غريب عشان تردي يا لينا؟ يبنتي حرام عليكي." نطقت "حنين" بتلك الكلمات غاضبة فزمّت لينا شفتيها بأسف وقالت: "أنا آسفة يا حنين.. متزعليش مني." "عمري ما أزعل منك طبعًا.. أنا جيالك حالا." "هستناكي.. متتأخريش عشان وحشتيني." أنهت لينا المكالمة ثم نظرت إلى رزق وتحدثت: "دي حنين أو 'نانا' يعني زي ما بتحب إني أناديها.. تعرف يا رزق!!
أوقات بحس إنها مامتي مش صاحبتي ولا أختي حتى.. حنينة أوي وحضنها حنين كمان.. أحن من حضن مامي.. كل لما بتحضني ببقى هعيط.. نانا دي الوحيدة اللي مقدرش أخسرها يا رزق ولا أقدر أعوضها." ابتسم رزق وقد تيقن أنه أحسن التصرف بعدم إخبار جمال عن هوية "حنين" ثم قال: "من حبه ربه حبب فيه خلقه يا ست البنات، وإنتي الناس كلها بتحبك.. ربنا ميحرمكوش من بعض." ظلت تنظر له بابتسامة متسعة وقالت: "بحب أسمعها منك أوي يا ست البنات دي يا رزق."
قال ممازحًا: "جميلة خالص مش كده؟ ضحكت بشدة وقالت: "جميلة خالص فعلاً." أمسكت بهاتفها لتقوم بالاتصال بـ حنين ولكنها وجدته مغلقًا، فقالت: "موبايلي فصل شحن بقالي كذا يوم مشحنتهوش.. كنت عايزة أكلم حنين أسألها فين دلوقتي.. هقوم بقى أكلمها من فوق." "لا وعلى إيه تتعبي نفسك؟! اتفضلي كلميها من عندي." أمسكت بهاتفه بعد أن تبسمت شاكرة ولكنها توقفت عند شيء ما، فقالت بابتسامة متعجبة: "إنت مسيڤ رقمي عندك باسم 'فلة'؟!
أصابه التوتر وتحدث بتلعثم قائلاً وقد تحرك بؤبؤ عينه إلى اليمين: "ده اسم تمويهي يعني عشان لو حد مسك الموبايل أو حاجة.. همسحه فورًا." تبينت عدم صدقه وابتسمت بخبث وقالت: "لأ بلاش تمسحه.. سيبه." حاضر. اللي تحبيه حاضر. أنهى كلمته وأشاح بوجهه بعيداً عن نظراتها المتفحصة، والتي يعلم أنها تسبر أغواره. طلبت حنين التي أجابت على وجه السرعة: أيوه. أيوه يا حنين، إنتي بقيتي فين؟ = داخلة على الكومباوند أهو.
أوكي، بستناكي في المكان بتاعنا اللي جنب الـ pool. = تمام، ماشي.. يلا سلام. نهض رزق واقفاً يقول: عن إذنك أنا يا آنسة لينا دلوقتي عشان تقعدوا براحتكوا. انصرف رزق ودخلت حنين التي ركضت إلى لينا مسرعة تحتضنها مرات ومرات بشوق جارف. وحشتيني يا حيوانة.. كده يا لينا أهون عليكي.. كل ده متكلمنيش ولا ترضي إني آجي أشوفك! = والله يا حنين غصب عني.. أنا كنت حاسة إني بموت بالتدريج والحياة كلها بقت سواد في وشي.
أمسكت حنين بيديها تضغط عليهما برفق وكأنها تؤازرها وقالت: يا حبيبتي.. مامتك كانت بتحكيلي كل حاجة.. متتخيليش كانت حالتها عاملة إزاي! تنهدت لينا بحيرة وقالت: مش عارفة يا حنين.. حاسة إني مشاعري بقت باردة من ناحيتهم من ساعة اللي حصل، وفي نفس الوقت بستحقر نفسي.. هما ميستاهلوش مني كده. = متضغطيش على نفسك يا حبيبتي.. إنتي نفسيتك تعبانة اليومين دول وطبيعي تكوني مشتتة كده.. وهما مقدرين وفاهمين إنتي بتمرّي بإيه.
قاطع حديثهم مجيء جمال الذي اتسعت ابتسامته لرؤية ابنته تجلس ولأول مرة منذ فترة خارج غرفتها. شي لله يا ست حنين.. بركاتك. تحدث بتلك الكلمات مازحاً حنين، والتي قالت: = شوفت بقا.. عدوا الجمايل. قَبّل رأس لينا بحب جمال وجلس بجانبها يحيطها بذراعيه وتحدث قائلاً: أخيراً يا لينا خرجتي.. البيت والجنينة وكل ركن في الفيلا كان مظلم من غيرك. ابتسمت لينا وضمّت نفسها إليه أكثر باشتياق ظاهر،
فقال: إيه رأيكوا بقا بالمناسبة الحلوة دي نطلع الساحل يومين. لينا: بس بشرط.. حنين تيجي معانا. حنين: لأ حنين مين يا قطة، ده بكونتي يستحيل يوافق. قال جمال: مليكيش دعوة إنتي وأنا عليا إقناع باباكي متقلقيش.. هقول لـ رزق يظبطلنا الدنيا ونروح على طول.. يلا أسيبكوا بقا وأروح أخلص كذا مشوار كده وآجي. *** قام جمال بالاتصال بوالد حنين، والذي اعترض في البداية، ولكنّه أذعن بالنهاية عندما قال جمال له:
طبعاً أنا عارف إن حضرتك معترض أكيد، وإخواتها مش متقبلين الموضوع، بس أنا عشمان فيك إنك تقدر موقفي.. طبعاً انت عارف تعب لينا ونفسيتها المدمرة حالياً، فـ أنا كنت عايز أخرجها من الحالة دي وأوديها الساحل تغير جو، بس هي مش راضية تروح من غير حنين.. وكمان أنت عارف لينا ملهاش أخوات وبتعتبر حنين أختها وكل حاجة ليها كمان.. وإحنا كمان والله بنحب حنين وبنعتبرها زي لينا، فـ متقلقش عليها وهي معانا.. في إيد أمينة.
لم يجد العم بكري بدّاً من الموافقة، وقد كان. ذهب الجميع إلى الساحل، جمال وعائلته ورزق وحنين أيضاً. تحدث جمال إلى رزق قائلاً: رزق انت أكيد تعبان لأنك صاحي من بدري.. لو محتاج تنام أطلع نام.. أساساً مش هنخرج دلوقتي. _آه والله كنت لسه هقول لسعادتك كده.. على العموم أنا نومي خفيف لو احتجت أي حاجة خبط على باب الأوضة بس. دخل رزق إلى غرفته وصعدت الفتيات إلى غرفتهم، بينما ذهب جمال وزوجته إلى غرفتهم أيضاً.
قالت حنين: بقولك إيه يا لولي قومي ننزل الماية قبل ما الشمس تحمي، ألا أنا بتحرق بسرعة. = أوكي.. ثواني هلبس وننزل على طول. ارتدت حنين ثوب سباحة يصل إلى منتصف ركبتيها ومنتصف ذراعيها وجلست تنتظر خروج لينا. رفعت حاجبيها بصدمة عندما رأت لينا ترتدي ثوب سباحة "بيكيني" وتضع على خصرها وشاح خفيف يكشف أكثر مما يخفيه. = نهارك أبيض!! إنتي رايحة تعومي ولا رايحة ترقصي! = إيه مالك! _مالي إيه! إنتي مش شايفة نفسك! هتنزلي كده!
= يبنتي ماله لبسي! أومال هنزل البحر بإسدال الصلاة! _يعني هو يا تطخه يا تكسر مخه.. يا أبيض يا أسود! = والنبي يا حنين اخلصي وبطلي رغي.. إحنا هنا في الساحل مش في العجمي.. يعني كله بيلبس كده.. يلا. نزلتا الاثنتين إلى البحر تحت أنظار بعض الشباب المتفحصة، والتي بدأت تثير حنقهم، خاصة عندما بدأ مجموعة من الشباب بالالتفاف حولهم. = شفتي يا بومة البيكيني بتاعك عمل فينا إيه! قابلي بقا سفالة وقلة أدب. = أنا مش فاهمة في إيه!
ما البنات كلهم لابسين زيك أهو محدش بيضايقهم ليه! كان رزق لا يزال مستيقظاً، لا يعتاد الأماكن الجديدة بسهولة، خرج إلى الشاطئ يدخن سيجارته، ولكنّه دعسها تحت قدمه عندما شاهد لينا ويحيط بها أولئك الحقار، فهرول مسرعاً نحوهم. = في حاجة يا خفيف منك ليه! نطق فقط بتلك الكلمات فانصرف الشباب على إثرها مبتعدين. رفعت لينا جسدها بأكمله من الماء وهي تقول: ميرسي يا رزق.. إنت جمـ........ = إيه الزفت اللي إنتي لبساه ده!
تحدث رزق بغل وغضب مكتوم وهو يتفحصها بعينين مشتعلتين من الغضب، وصرخ بها بلا وعي: = اتفضلي اخرجي البسي هدومك حالا. ظلت ترمقه بدهشة ولم تحرك ساكناً، فصرخ بها مرة أخرى قائلاً: = إنتي مش سامعاني! بقولك اخرجي البسي هدومك حالا.. يلا. صاح بها بحده فأذعنت له وخرجت كالمغيبة وكأنها مسلوبة القوة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!