_بير! برز بها صوت "بسمة" و "جمال" ناطقين بذهول، فأومأت مديرة المؤسسة قائلة: = ليكوا حق تتعجبوا، إحنا بقينا في زمن العجايب فعلاً. قال "جمال" وهو لم يفق من صدمته بعد: _و مين اللي رماها في البير؟ فين أمها و فين أبوها؟ أجابت المديرة: لك أن تتخيل إن أمها اللي رمتها في البير بعد ما ولدتها عن طريق علاقة غير شرعية. تقوّس حاجباه بدهشة أشد و تسائل مجدداً: طيب و أهل أمها أو أهل أبوها ليه مخدوهاش؟
_والله هو أبوها مجهول للأسف.. إنما عيلة أمها مفيش من غير جدتها و خالها و رفضوا يعترفوا بيها من الأساس.. زي ما تقول خافوا يثبتوا الفضيحة علي بنتهم. = أنا مذهولة.... نطقت بها "بسمة" وهي تنقل بصرها بين زوجها و مديرة المؤسسة ثم تسائلت: و أمها فين دلوقتي؟ أكيد إتسجنت بعد عملتها المهببة دي.
المديرة: لأ.. إتوفت يوم الواقعه علي حسب ما هو مذكور في ملف "لينا" و بعد وفاتها معرفوش يثبتوا هويتها غير لما بعدها إتقدم بلاغ إنها مفقودة و وصلوا لأهلها و عرفوا بخبر وفاتها و موافقوش يعترفوا بالبنت و إتنازلوا عن رعايتها بورق رسمي و من يومها و هي في المركز لحد ما جت المؤسسة هنا من شهرين. بسمة: أنا إتعلقت بيها أوي يا "جمال" يارب يوافقوا علي طلب الكفالة. إبتسم "جمال" و قال: إن شاء الله هيوافقوا.
قالت مديرة المؤسسة: طيب.. حضراتكوا هيتعمل عنكوا بحث إجتماعي ده اللي هيتحدد من خلاله إذا كان الطلب هيتقبل ولا لأ.. و هنبلغ حضراتكوا بالنتيجه. _بإذن الله هيتقبل.. في الإنتظار إن شاء الله. قال "جمال" تلك الكلمات ثم إنصرف مغادراً برفقة زوجته. ترجل إلي السيارة يسترسل نظراته بفرحة لرؤية سعادة زوجته بعد رؤية تلك الملاك. _يا اللي هنا.. إنتوا هنا ولا مش هنا؟ قالها ممازحاً زوجته التي إبتسمت إليه ثم عانقته
بغتة مما أثار دهشته فقال: حاسبي يا بنت المجانين أنا مش شايف قدامي. إبتعدت عنه ضاحكة ثم قالت: مش مصدقة نفسي يا جمال.. قلبي حبها من أول ما شوفتها و إتعلقت بيها أوووي يارب الطلب يتقبل ياارب. _إن شاء الله هيتقبل مو لو متقبلش نختار أي طفل تاني.. أهم حاجه تكوني فرحانه. = لأ بس أنا مش عايزة حد غير "لينا" قلبي إتعلق بيها دوناً عن كل الأطفال اللي في المؤسسة و هي كمان حسيتها إختارتني. _بإذن الله ربنا يعمل اللي فيه الخير.
بعد مرور أسبوعين.... دخل "جمال" الغرفة يبحث عن "بسمة" و لكنه لم يجدها، جذب إنتباهه ضوء الغرفة المجاورة فذهب و فتح الباب و فوجئ بها تجلس و بجانبها العديد من الحقائب وبها الكثير من الملابس و الألعاب. قطب جبينه متعجباً و سألها: إيه كل الحاجات دي يا بسوم؟ _دي حاجات جبتها لـ "لينا". ثم تابعت وهي تستعرض أمامه قطعه
ورديه من الملابس و قالت: شوف الفستان ده هيبقا تحفه عليها.. هي بشرتها بيضا و هتليق عليها الألوان دي.. و شوف ده كمان. قاطعها قائلاً: حيلك حيلك.. أنتي إيش ضمنك أنهم هيقبلوا الطلب؟ و بعدين جيبتي كل ده إمتى! _جيبتهم أونلاين.. و بعدين إنت بتحبطني ليه يا جمال.. أنا متأكدة إنهم هيوافقوا إن شاء الله. قاطع حديثهم رنين هاتف "جمال" الذي أجاب مسرعاً: _ألو. = حضرتك أستاذ "جمال البدري"؟ _أيوة أنا.
= الطلب اللي كنت حضرتك و المدام مقدمينه بخصوص كفالة الطفله " لينا محمد" إتقبل.. تتفضل حضرتك بكرة في المؤسسة لإتمام الإجراءات و إستلام الطفلة. إرتمت السعادة علي محياه لا إرادياً و قال: إن شاء الله.. مع السلامة. هزت "بسمة" رأسها بتساؤل فإحتضنها بشدة قائلاً: _مبروك يا أم "لينا". عقدت حاجبيها بتعجب ثم سرعان ما صرخت بفرحة عندما أدركت مقصده فقالت: = وافقوا؟ بتهزر!! .. وافقوا بجد؟ ما تتكلم بقا.
_إديني فرصه أنطق طيب.. أيوة وافقوا يا ستي و بكرة هنستلمها و تنور البيت و الدنيا كلها. أعادت إحتضانه بفرحة عارمة و ركضت تدور بجميع أنحاء الغرفة و تقول: هننقل السرير هنا و نحط مكانه الدولاب بتاعها و عايزين كل سنه في عيد ميلادها نصورها و نحط الصور جمب بعضها عشان لما تكبر تشوف نفسها وهي صغيرة.. و كمان الهدوم دي مش كفاية بكرة نشتري كمان و نشتري ألعاب زيادة و نجيب كمـ.........
_إيييييه ياماا.. كفاية.. دي كلها سنتين و نص البنت لسه بدري علي كل الدوشة اللي إنتي عملاها دي. جلست بجانبه و أمسكت بيده و قالت بإبتسامة إنشرح لها قلبه: _همووت من الفرحة يا جمال.. مش مصدقة نفسي.. أنا مش هنام و أول ما النهار يطلع نروح نجيبها فوراً. = لأ مينفعش لازم تنامي لأن أول يومين مش هتنامي لأن "لينا" هتبقي مستغربة المكان و هتفضل تعيط و مش هتنام.. فـ إنتي لازم تكوني فايقة كده و مصحصحة لحد ما نجيب واحده تساعدك.
_لأ طبعا محدش هيساعدني في تربيتها.. أنا هعمل كل حاجه بنفسي. جذب وجنتاها بين يديه قائلاً: يا واد يا جامد أنت.. طب ما تيجي كده أودعك الوداع الأخير بما أنك هتبقي أم مسئولة و مشغولة و مش هنعرف نكلمك بعد كده.. تعالي تعالي. في الصباح تأهبت "بسمة" و شعور بالفرحة يملؤها ثم ذهبت برفقة زوجها إلي القاهرة. بعد وصولهم إلي المؤسسة تواصلوا مع مديرة المؤسسة
التي قالت بعد ترحيبها بهم: مبروك علي قبول طلب الكفالة.. كان في كذا حاجه لازم تكونوا علي علم بيهم. أولا.. إنتوا عارفين إن من أحد شروط كفالة طفل يتيم أو مجهول النسب إن الأسرة البديلة اللي هتكفله يكون مر علي زواجهم 3 سنين أقل حاجة.. و حضراتكوا متجوزين بقالكم سنتين بس.. لكن لجنة الأسر البديلة تجاوزت عن الشرط ده لثبوت حالة عدم إمكانية الإنجاب.
ثانيا.. الطفلة إسمها اللي إعتمدته المؤسسة و من قبلها المركز "لينا محمد" ولا يجوز تسميتها بإسم حضرتك "لينا جمال" لأن ده يعتبر تبني و زي ما حضراتكوا عارفين التبني حرام.. لكن ممكن لو تحب تمنحها لقب العيلة يعني يكون إسمها "لينا محمد البدري" و ده طبعا هيتثبت في ملف الطفلة بحيث ميكونش في أي أثر من آثار التبني.
ثالثا و الأهم بقا.. لازم تبلغونا فوراً عن كل تغيير يحصل في حالتكوا الأجتماعيه زي لو قررتوا تنفصلوا لا قدر الله او لو قررتوا تنقلوا محل إقامتكوا و كمان أي تغيير بخصوص الطفلة زي دخولها مدرسه أو هروبها منكم أو وفاتها لا سمح الله أو زواجها. و أخيرا.. ممنوع منعا باتا تسافروا بره مصر مع الطفل أو من غيره إلا بعد إبلاغنا و تقديم إقرار للمؤسسة.
ثم تابعت بإبتسامة: دي أبرز الشروط في العقد و اللي كان لازم أوضحها لحضراتكوا و بمجرد ما تمضوا العقد إن شاءالله هتستلموا الطفلة. أومأا بموافقة و صافحاها ثم إنصرفا لإستلام الطفلة و من ثم غادرا عائدين نحو الإسكندرية. حملتها "بسمة" بفرحة شديدة تغدقها بالقبل و الأحضان فقال "جمال" حانقاً: _هاتي أبوسها انا كمان.. إشمعنا إنتي!
تناولها من يد زوجته و نظر لها بإبتسامة حنونه و لكنها لم تألفه فـ سرعان ما إنفجرت باكية مما أثار تعجبه فأعطاها إلي "بسمة" التي بمجرد حملها لها حتي إبتسمت مجدداً فقال يصطنع الغضب: _كده يا ست "لينا" من أولها بتفضلي ماما عليا! ضحكت "بسمة" ملء فمها و قالت: معلش بقا أصل القبول ده من عند ربنا. = بقاا كده؟ طب إتفضلي يا ست هانم أنتي و هي إركبوا.
"يا صديقي الأوحد.. يا دفتري الأسود.. أكتب لكي تطوي صفحة أخري من صفحاتك البيضاء التي أمتلأت بحبر قلمي علي مدار العشر سنوات الأخيرة.. اليوم و قد أتممت عامي الخامس عشر أود أن أشكرك شكراً بالغاً علي سعة قلبك و رحابة صدرك التي لم يتميز بها سواك". أغلقت "لينا" دفترها و مخبأ أسرارها بعد أن خطت بقلمها تلك الكلمات كعادتها اليومية ثم وضعته داخل مكتبتها عندما إستمعت إلي نداء والدتها "بسمة" فأجابت مسرعة:
_حاضر يا مامي.. جاية حالا. نزلت إلي الأسفل لتلبية نداء والدتها التي قالت: = معقول يا لولي؟ كل ده و لسه مجهزتيش؟ الناس علي وصول بسرعة، إلبسي يلا. حاضر هطلع ألبس.. كنتي عايزاني في إيه؟ لأ خلاص أنا هخلي بابي يساعدني.. إطلعي إنتي يلا. صعدت "لينا" إلى الأعلى لتبديل ملابسها استعدادًا لحفل عيد ميلادها. استعدت بسرعة، ولكنها لم تنزل إلى الأسفل إلا بعد أن علمت بحضور الجميع، قصدًا منها في لفت الأنظار إليها.
نزلت تتباهى بحسنها الذي يشيد به الجميع ويجذب انتباه الجميع رغم صغر سنها. اقتربت من والديها وقبلتهما، ثم ذهبت إلى رفيقاتها اللواتي اندهشن من فخامة إطلالتها كالعادة. جالت ببصرها في جميع أنحاء المكان، فاستوقفها حديث رجلين يقفان على بعد خطوات من والدها يتحدثان بصوت أقرب للهمس. فذهبت إلى والدها وقالت: علي فكرة يا بابي.. الإتنين اللي هناك دول بيتكلموا عليك وواضح إنهم بيكرهوك كمان! تعجب والدها وقال:
وإنتي عرفتي منين يا سوسة؟ أولًا.. اللي على اليمين ده لغة جسده غير لغة جسدك تمامًا، وكمان وقفته ورجليه في وضع متقاطع ده دليل على إنه مش مرتاح هنا. والتاني اللي واقف معاه كل شوية يبص ناحيتك ويلمس مناخيره، وده يعني إنه مستاء وعنده موقف عدائي معاك. نظر لها "جمال" متعجبًا وقال: وإنتي عرفتي الحاجات دي منين؟ رفعت كتفيها وقالت: مش من حد.. أنا لوحدي كده بفهم لغة جسد اللي قدامي وبفهم هو حاسس بإيه من ناحيتي كمان.
ازداد تعجب والدها وقال: إنتي بتسرحي بيا يا بت أنتي! والله أبدا.. حتى عشان أثبتلك هقوللك مامي بتفكر في إيه دلوقتي، وأنت بعدها روح اسألها كانت بتفكر في إيه! نظرت إلى والدتها باهتمام وتمعن، ثم حدثت والدها وقالت:
بص يا سيدي.. مامي قاعدة هي وصاحبتها طنط سالي، اللي واضح أن مامي مش بتحبها لأنها ضامة دراعاتها لبعض يعني واخده منها موقف سلبي، وكمان كل شوية تحك عينيها وتبص بعيد، وطنت بتكلمها وده دليل على إنها مش حابة الكلام معاها وبتستنى الحوار ده يخلص بأي شكل. نظر لها والدها بتفاجئ، ثم تركها وذهب إلى حيث تجلس زوجته برفقة صديقتها، التي فور ما إن رأته حتى اتسعت ابتسامتها وقالت: عامل إيه يا جمال بيه؟ ماشاءالله مش بيبان عليك سن أبدا.
قضمت "بسمة" شفتيها بغيظ ونهضت قائلة: عن إذنك يا سالي عشان في ضيوف مهمين هنستقبلهم أنا وجمال. فور أن ابتعدت، زفرت بغيظ قائلة: يااا ساااتر.. إنسانة لا تطاق بجد، ده أنا كنت مستحملة كلامها بالعافية.. الحمدلله إنك جيت نجدتني. فور أن استمع "جمال" لكلمات زوجته، سرعان ما نظر إلى "لينا" بتلقائية، فوجدها تنظر إليهم باهتمام، ثم ابتسمت له بخفة وانصرفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!