في "قصر الشريف"، ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى تصل سيارة الإسعاف إلى القصر لإسعافها والتوجه بها إلى المشفى. بينما نادى إسر بصوت عالٍ وغاضب على معتز الذي جاء سريعًا مستجيبًا لندائه. ـ شوف مين الحيوان اللي قدر واتجرأ على دخول القصر. ـ الحرس بيدوروا عليه في القصر كلو، مش هيسبوه يطلع لو هرب. ـ منكوا أخرتكوا هتبقى على إيدي. ليجيبه باحترام: ـ أمرك يا باشا. لتمتم بداخله وقد احتدت عيناه حد الجحيم:
ـ أما أشوف الكلب دا، مين اللي وراه، وأما نشوف هيخرج من هنا إزاي. ترك القصر متجهًا للمشفى ليرى أخته التي ذهبت ركضًا وراء عربية الإسعاف، وتلك التي أخذت الرصاصة بدلاً عنه. نعم، فهو متأكد أنه هو من كان المقصود بتلك الحادثة، فمن هي حتى يريد أحد ما التخلص منها، وهناك بالذنب يجتاحه لأن هناك شخص بريء قد تضرر بسببه. بعد مدة وصل إسر إلى المشفى ودلف متجهًا إلى الطابق الذي يوجد به الجميع.
وجد مجموعة من الأشخاص أمام الغرفة، ومعاهم سيدة متقدمة في العمر يبدو على ملامحها الطيبة، يبدو أنها والدتها التي قد أتت إلى المشفى بعد تلقيها اتصال من حبيبة ونور وأخبروها ما حدث لابنتها. وبجانبها حبيبة ونور، و على الجانب الآخر كانت تقف ملك في أحد الأركان تبكي بحرقة. يعلم أنها لن تحمل مشهد كهذا، اتجه نحوها على عجل ليقوم باحتضانها. ـ اهدي اهدي يا حبيبتي، هتكون كويسة، متقلقيش. لتجيبه بصوت متقطع من شدة انقباضها: ـ كانت...
غرقانة في... دمها.. أنا .. لم تقوِ على التحدث مرة أخرى، فما رأته أرعبها وأجم لسانها. ـ اهدي بس، أنتي متقلقيش، مش هيحصلها حاجة إن شاء الله. لتجيبه بنحيب: ـ يارب تبقى كويسة. ظل الجميع ينتظر خروج الطبيب فيما يقارب خمس ساعات، بينهم من يشعر بالذنب والآخر حزين، وبينهم من لا يصدق ما حدث حتى الآن. أخيرًا قد خرج الطبيب، يبدو عليه الإرهاق وهو ينزع الماسك، فعلاما يبدو أن العملية لم تكن هينة أبدًا.
هرع إليه الجميع فور رؤيته عدا إسر الذي وقف مكانه بثبات وثقة. ليستمع صوت تلك المرأة التي رآها فور وصوله تتحدث بنحيب: ـ بنتي كويسة صح؟ ليصيح الجميع بأن واحد: ـ هي عاملة إيه يا دكتور؟ طمنا عليها. ملك: ـ هي كويسة صح؟ الدكتور: ـ الحمد لله، خرجنا الرصاصة بصعوبة بس هي هتفضل 48 ساعة في العناية المركزة عشان نضمن إن هي مش هتحصلها أي مضاعفات، وبعدين نبقى ننقلها أوضة عادية. حبيبة: ـ طب إحنا نعرف نشوفها؟ الدكتور:
ـ للأسف مش مسموحها بالزيارة غير بعد ما تتنقل أوضة عادية. وتركهم ورحل. لتميل إيمان بيدها على ذلك المقعد بجانبها وأخذت تبكي حال ابنتها. لتناديهم إحدى الممرضات تتحدث ببعض الحرج: ـ أحم .. لو سمحتوا ملوش لزوم وجدكوا، تقدروا تروحوا، وكدا كدا هي مش هتفوق دلوقتي، وياريت على ما تتنقل الأوضة حد يجيبلها هدوم. إيمان: ـ حاضر يبنتي، هجبلها. نور: ـ لا خليكي أنتي، تعبانة، هروح أنا أجيبلها.
لترفض هي في بداية الأمر، ولكن مع إصرار نور وافقت وأعطتها المفتاح. ذهبت باتجاه منزل صديقتها لإحضار ملابس لها. بينما أصدر هاتف إسر صوتًا معلنًا عن مكالمة، نظر إسر إلى الهاتف ليجد المتصل هو سيف. ضغط على زر الرد ليأتيه صوت الآخر مازحًا: ـ أتأخر عليكوا ساعة واحدة بس أجي ألاقي مصيبة. ـ سيف ده مش وقت هزار، لقيتوا الحيوان دا ولا لا؟ ليأتيه صوته المرتبك بعض الشيء: ـ هم لسه بيدوروا عليه. ليضيح الآخر وقد تملكه الغضب:
ـ يعني إيه ملقوهوش؟! لقيت دلوقتي معاكوا نص ساعة من دلوقتي والكلب دا يبقى عندي في المخزن، خليك معاهم لحد ما أجي. ـ حاضر، بس هو مين البنت دي؟ ـ مش وقته الكلام دا، لما أجيلك سلام. أغلق إسر الخط قبل تلقيه الرد وسار متجهًا إلى مكتب المدير واستدعى الطبيب. ـ تقرير الحالة إلي. ليجيبه الطبيب بعملية:
ـ الإصابة جنب العمود الفقري مش فيه، ودا من حسن حظها، إحنا خرجنا الرصاصة بعد ما عملنا أشعة مقطعية واللي ظهر فيها إن الرصاصة استقرت بحانب العمود الفقري مما سبب إصابة طفيفة في الحبل الشوكي، لكن مش هنقدر نحدد إيه هي الأعراض الجانبية لحد ما تفوق. ـ تمام، هي هتكون تحت مسؤوليتك، وأي تقصير هتكون أنت المسؤول قدامي، وطبعًا مش محتاج أوضحلك أكتر من كدا. لينظر إليه بخوف. صدح صوت الهاتف معلنًا اتصالًا.
يزفر الآخر براحة بعدما أشار له إسر بالرحيل ليتحرك من أمامه على عجل. ليجيب إسر على الخط: ـ خليك أنت معاهم وأنا جايلك حالا. أغلق إسر الخط وأمر الحراس بالبقاء مع ملك بعدما رفضت الرحيل، ليخرج من المشفى متجهًا إلى المخزن. * * * * * * * * * * * * * * * أما نور فقد ذهبت إلى منزل ريناد وقامت بإحضار لها كل ما قد تحتاجه وخرجت من المنزل متجهة إلى المشفى، ولكنها لمحت أحمد يسير على الجانب الآخر.
كان يسير بجانب المنزل حتى رأى نور وهي تسير على الجانب الآخر، اتجه إليها وهو يناديها. أحمد: ـ نور نور. ابتسمت له نور. أحمد باستغراب: ـ أنتي بتعملي إيه هنا دلوقتي وحبيبة فين؟ مش كنتوا مع بعض؟ اختفت ابتسامة نور وتحولت ملامح وجهها إلى الحزن. دب القلق في قلب أحمد. لبتمتم بقلق: ـ متتكلمي يا بنتي، إيه اللي حصل؟ أنتي كويسة والبنات فين؟ لتنظر له بحزن وتقص له كل ما حدث. تملكه الحزن عليها، فهي له بمثابة أخته الصغيرة.
ـ طب يلا بقى عشان أروح معاكي، أوصلك. لتنهاه بحرج: ـ لا خليك، دي ما أنت مفيش داعي، أنا هروح لوحدي. ـ يلا يا بت أنتي قدامي. ـ أنا مش عاوزة أتعبك معايا بس والله. ـ يا ستي أنتي مالك، أنا بحب التعب، وبعدين أنتي عوزاني أسيبك تمشي لوحدك في وقت متأخر زي دا؟ امشي يا بت قدامي بلا قلة أدب. تحرك كلاهما متجهًا للمشفى. * * * * * * * * * * فور وصول إسر إلى المخزن وجد سيف في انتظاره بالخارج. ليتحدث بجمود: ـ وصلتوا لإيه؟
ـ بعد ما مشيت من القصر الحرس لاحظوا إن في حد تاني كان بيراقب القصر من بعيد، ولما مسكوه عرفوا إن في حد مشغله عشان يراقب البنت اللي اتإصابت، والتاني مش راضي يتكلم خالص. حسنًا، يبدو أن هناك شيء ما وراء تلك الفتاة وليست فتاة عادية كما تخيل، ولكنها سيعمل كل شيء على أي حال. لتخرج نبرته واثقة: ـ تعالى بقى ورايا. ـ أنت ناوي على إيه يا إسر؟ إسر: ـ هتعرف كل حاجة في وقتها.
دلف كلاهما إلى المخزن وسيف خلفه، وجد شخصين ملقيين على الأرض وكلاهما مكبلان والدماء تنزف منهم علامة على الضرب. نظر إسر إلى سيف الذي فهم نظرته. سيف وهو يشير على أحدهم: ـ دا اللي دخل القصر وضرب النار. وهو يشير على الآخر: ـ دا اللي كان بيراقب البنت.
خلع إسر جاكيت البدلة وفك أزرار القميص مما أظهر القليل من جسده الرياضي، وقام بثني أكمام القميص واقترب منه ببطء شديد وهو هادئ تمامًا مما دب الرعب في أوصالهم، كما يقال الهدوء الذي يسبق العاصفة. بينما ينظر إليه الآخر في فزع، أمسكه من فكه بشدة حتى كاد أن يكسر في يده ليخرج صوته هادئ عاكس ملامحه التي تبدو كالجحيم. ـ مين اللي وراك؟ ليخرج صوت الآخر متلعثمًا بخوف:
ـ والله أنا معرفتهوش، هو في واحد موكلني إني أرقبها، بقاله سنين، لكن عمري ما شوفته لأن كل التواصل ما بيني وبين إيده اليمين. اعتدل واقفًا بزهو، أمرا بفكه وتركه لينظر له سيف متمتمًا بتعجب: ـ نسيبه إزاي؟ أفرض بيك دبك؟ كان إسر يرتدي جاكيته. ـ هو ميعرفش غير اللي قاله. ـ طب دا؟ يشير على ذلك الملقى أمامه. ـ لا دا مش هيتكلم دلوقتي، حطوه في الأوضة اللي جوه وسيبوا ماجد كفاية عليه كدا، ومتنساش لا أكل ولا شرب يدخلوله.
صاح بصوت عالٍ: ـ معتز! ليأتيه على عجل. ـ الصبح تكون كل حاجة تخص البت دي من اليوم اللي اتولدت على مكتبي. ليؤمئ له باحترام وخرج. ـ مش هتقلي برضو إيه اللي في دماغك يا صاحبي؟ ـ قلتلك هتعرف كل حاجة في وقتها، ويلا عشان تيجي معايا عشان نجيب ملك يلا. ـ يا ساتر عليك يلا. * * * * * * * * * * * * * * * دلفت كل من نور وأحمد إلى الشفاء. لتراهم حبيبة من على بعد فتتجه نحوهم مردفة بتعجب: ـ ينفع كل دا يحصل وأنا معرفش؟
لولا إني قابلت نور بالصدفة مكنتش عرفت، أنتي إزاي مكلمتنيش على طول؟ لتجيبه الآخرى بتعب: ـ مش وقته الكلام دا خالص، ومكنتش في حالة تسمح بإقلكوا إيه، خليكوا أنتوا جنب طنط إيمان وأنا هنزل أغسل وشي وأجيب مية وأجي. ـ طب خليكي أنتي وأنا هنزل أجيب. ـ لا خليك أنت، أنا عاوزة أنزل أغسل وشي. ـ ملك راحت فين؟ ـ أخوها رن عليها ونزلت تستناه تحت. ـ ماشي، كويس إنها مشيت، شكلها تعبت. اتجهت حبيبة إلى خارج المشفى.
وفي نفس الوقت قد وصل إسر وسيف إلى المشفى ليترك سيف بالسيارة ودلف لإحضار ملك، ليهم الآخر بالدخول خلفه وهو يعبث بهاتفه. بينما كانت حبيبة تفرك جبهة راسها وعينيها من شدة الألم، وباليد الآخرى تحمل كوبًا من العصير أحضرته لإيمان. لتجد الكوب يهوي من يدها وكل ما به على ثيابها بعد اصطدامها بشخص ما. لتمتم بنبرة خافتة وصلت لآذان سيف وقد نفد صبرها، فقد كان يومًا مليئًا بالأحداث وقد تافت أعصابها بالفعل:
ـ هو يوم باين من أوله أصلها كانت نقصة الأخ دا كمان. ـ اهدي على نفسك شوية يا أنسه، مكنش شوية عصير اتكبّى. لتمتم بغيظ: ـ يا بجحتك يا أخي، جاي بتقولي كدا بعد ما خبطتني بدل ما تعتذر. ـ يلا من هنا يا شطرة، العبي بعيد، قال اعتذر قاللي. ليسمع صوت ملك المتعجب: ـ إيه يا حبيبة؟ في إيه؟ في إيه يا سيف؟ أنت كمان. ـ أنتي تعرفي الحيوان دا؟ ـ لاحظي إن أنا دا كل مراعي إنك بنت. ـ لا يا شيخ تصدق خفت وهطلع أجري.
لينظر لهم إسر بنفاذ صبر مردفًا: ـ يلا نمشي بالش لعب عيال. نظر لها بغيظ متمتمًا بصوت مسموع إلى حد ما: ـ مستفزة. زمت حبيبة شفتاها بضيق. ـ خلاص يا حبيبة، دا سيف أخويا. تحرك الجميع متجهًا إلى وجهته دون ينطق أحدهم حرفًا آخر. ******************************* أما حبيبة فقد ذهبت إليهم وهي غاضبة، وجدت يحاولون إطعام إيمان وإقناعها بالذهاب إلى المنزل. أحمد:
ـ مهو يا طنط مش هتعرفي تشوفيها النهاردة، واحنا اطمنا من الدكتور ونشوفها بكرة إن شاء الله. إيمان: ـ أنا مش همشي من هنا إلا وبنتي معايا. نور: ـ إحنا كلنا هنجي لها بكرة وهنشوفها ونطمن عليها، أنما وجودنا هنا دلوقتي مفيش منه فايدة. دخلت لهم حبيبة بعد إخفائها لغضبها. وبعد وقت ليس بقصير في محاولة إقناع إيمان وافقت على الذهاب معهم. وخرجوا من المشفى متجهين إلى منازلهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!