غادرت الفتاتان منزل ريناد بعد الاطمئنان عليها. دخلت إيمان إلى غرفتها لتطمئن عليها. وجدتها قد ذهبت في سبات عميق. مالت عليها مقبلة جبينها بحنان. خرجت من الغرفة وجلست على مقعدها. تنهدت بحزن وهي تنظر إلى باب غرفتها. تشعر بغصة في قلبها وكان شيئاً ما سوف يحدث. تتمنى أن يكون خيراً، فيكفيها ذلك الماضي الأليم الذي يلاحقهم دوماً. تعلم أنه يعلم أين هم، ولكن ترى بماذا يفكر؟ ماذا ستفعل ابنتها إن علمت ما أخفته عنها منذ زمن طويل؟
*** مر أسبوع على ذلك اليوم. لم تخرج فيه ريناد أبداً. توثقت علاقة ملك بالفتيات كثيراً بسبب تواصلهم الدائم معهم منذ تلك الحادثة. وأخيراً قد شعرت بالألفة. أما أسر، ففي عالم آخر لا يدري به سوى هو. يبدو أن هناك ما يشغل باله، وهذا ما سنعرفه قريباً. وها هي نهاية الأسبوع، ستذهب ريناد إلى المشفى اليوم. فتحت عينيها لصوت ذلك الهاتف المزعج. نهضت بتأفف. نظرت له لتجده اسم ملك يحتل الشاشة. ضغطت زر الرد مردفة:
"يا بنتي ارحميني. من الصبح رن رن رن. أي مش عارفة أنام. يخربيتكوا انتوا متفقين عليا دا أي دا بس ياربي." "نعم يا أختي، هو انتي أصلاً لسه مصحتيش؟ دا أنا هعملك شورما. أنتي ناسيا إنك رايحة المستشفى وكمان لسه هتيجي عليا." "آه صحيح، دا النهارده... بس برضو أنا أصحى بدري أهبب إيه؟ ما أروح في أي وقت." تمتمت الأخرى بغيظ: "بدري قوي يا هانم، الساعة 1 الظهر. قومي يا ريناد وبطلي استعباط بقا. والله لو ما قومتي لأعمل منك شورما."
"ههه، أي كل شوية شورما شورما. أنتي جعانة يا ماما ولا إيه؟ "ريناد." قالتها بتحذير. "خلاص يا ستي، الطيب أحسن. أنا قمت أهو." أردفت ملك ضاحكة: "ناس مبتجيش غير بالعين الحمرا." "ماشي يا أختي. المهم أنا هلبس وأنتي شوفي البنات عشان أروح المستشفى." "خلاص. هتفكي رجلك كويس عشان متجييش ليا وأنتي بقا أنا مكسحة. طب لما أشوفك بس. هو أنا يعني اتكسحت لوحدي؟ "والله بهزر بقا. أمتى تاخدي على كلام واحدة زيي."
"طب يلا يا أختي سيبيني أشوف هعمل إيه." "ماشي. بس متتأخريش. سلام." أغلقت الخط ونهضت متجهة إلى الحمام. أخذت حماماً دافئاً وخرجت ترتدي ملابسها لتؤدي فرضها. وخرجت من الغرفة متجهة للمطبخ حيث تقف والدتها. دخلت إلى المطبخ تتمتم بمشاكسة: "يلهوي على الحلاوة اللي واقفة في مطبخنا يا ناس. بقا في حد حلو كدا يقف في المطبخ برضو." نظرت لها ضاحكة مردفة: "يا بت بطلي لكش وقولي عاوزة إيه." "يلهوي، قفشاني كدا على طول؟
وبعدين لا طبعاً أبطل إيه؟ ودا اسمُه كلام برضه؟ دا أنا حتى أبقى قليلة الزوق." "أكيد هما اللي صحوكي، مش كدا؟ لا ولبسة كمان." "ينهار! بتقوليها في وشي كدا؟ يعني أنا بنام كتير؟ بتحرجيني أوي انتي." ضحكتا معاً لتكمل ريناد: "هروح المستشفى أفُك رجلي وأشوف بقا هعمل إيه عشان عيد ميلاد ملك النهارده. فعاوزة منك قرشين حلوين كدا. الله يباركلك يا حاجة إيمان." "نفسي اعرف أنا كنت فين وانتي بتتربي." ضحكت مردفة: "كنتي نايمة."
"يلا يابت من هنا قليلة الأدب." "طب هاتي الفلوس بقا." "ماشي. أنتي هتروحي لوحدك ولا إيه؟ "لا البنات معايا... صرخت بتذكر مردفة: "يلهوي نسيت أرن عليهم عشان يجوا معايا. يارب بقا تكون ملك كلمتهم." "طب روحي انتي كلميهم لحد ما الأكل يجهز." رفعت هاتفها ضاغطة بعض الأرقام. قليل من الوقت حتى أتاها الرد. ريناد: "صباح الفل يا نورينو." نورا بضحك: "مصلحجية معفنة. والله ببقى نورك بس وانتي عاوزاني. الصحاب في إجازة صحيح."
"انتي دايماً قفشاني كدا يا ساتر يارب." "عيب عليكي. هو أنا حمادة." "طب يلا بقا يا أستاذ حمادة. البسي تعالي على ما أكلم حبيبة وأفطر لحد ما تيجي." نورا: "انتي كمان هتاكلي وتسيبنا على الباب كدا؟ مش بقولك معفنة. يلا قومي افتحي الباب." "إيه دا؟ انتوا جيتوا بجد؟ "مالها دي؟ الاستيعاب عندها عصلجة. افتحي يابت ولا هتسيبنا واقفين على الباب كدا كتير." ركضت لتفتح الباب. دخلت الفتاتان مع خروج إيمان من المطبخ لتردف بتفاجؤ: "إيه دا؟
انتوا هنا من امتى؟ دي كانت لسه بتقول هكلمهم." أردفت حبيبة ضاحكة: "انتوا مش عاوزنا ولا إيه؟ نمشي طيب." "اقعدي يا لمضة منك ليها عشان تفطروا." ضحك الجميع مردفاً: "حاضر." ريناد: "يلا ناكل بقا. هموت من الجوع يا عالم. حسوا بيا." "قال يعني حارمينها من الأكل." بدأ الجميع في تناول طعامهم. انتهوا من طعامهم سريعاً وخرجوا متجهين إلى المشفى. *** في "قصر الشريف"
بعد انتهائها من مهاتفة الفتيات، نظرت حولها تحاول تذكر ماذا يجب أن تفعل الآن. مردفة لنفسها: "وادي البنات صحيتهم. أعمل إيه تاني دلوقتي بقا... امممممم بس لقيتها. أما أروح أغلس على آسر شوية بدل الزهق دا." خرجت متجهة إلى غرفته. تسللت إلى الغرفة على أطراف أصابعها. تنظر إلى الأرض حتى لا تدهس على أي شيء يصدر صوتاً. ولم تلاحظ أن الفراش فارغ، لا يوجد به أحد. وصلت للفراش للحظات حتى نظرت له ببلاهة لتحك مؤخرة رأسها: "إيه دا؟
بعد كل دا مش هنا؟ طب هيكون راح فين؟ أتى هو من خلفها مردفاً: "لو كنتي بطلتي هبل وبصيتي على السرير كنتي عرفتي إني مش نايم." صرخت هي بفزع: "خضتني." تنظر لها آسر بضحكة خفيفة مردفاً: "عاوزة إيه يا بت؟ نظرت له بعبوس مردفة: "كنت جاية أرخم عليك بس يلا بقا مفيش نصيب." نظر لها مردفاً: "بقا انتي ترخمي عليا أنا؟ طب تعالي بقا." وركَض خلفها وهي تركض بضحك وهو خلفها ضاحكاً.
(فهو نادراً ما يضحك هكذا، أي بالكاد يكون معدوماً وليس نادراً.) أخذ حماماً بارداً كعادته مرتدياً ملابسه.. متجهاً للخارج. *** عند الفتيات بعد انتهاء فك قدم ريناد، خرجوا من المشفى متجهين لشراء بعض الأشياء ليومهم هذا. مر اليوم سريعاً وبدأ الليل بنثر خيوطه السوداء في السماء.
هاتفت ريناد صديقاتها وانهت المكالمة بعد اتفاقهم على التجهز. ونهضت لترتدي ملابسها التي كانت عبارة عن بلوزة من اللون الوردي وتنورة باللون off white وحذاء وحقيبة بنفس اللون. نظرت لنفسها بالمرآة برضا. بينما ارتدت حبيبة dress بسيط باللون كافية مقلم بالأبيض وخداد ابيض وحجاب ملائم له. أما نور فارتدت جاكيت أسود وتنورة باللون الفيروزي الفاتح وحقيبة وحذاء باللون الأسود.
انتهت الفتيات ارتداء ملابسهن وخرجوا منتظرين تلك السيارة التي أصرت ملك على إرسالها لأخذهم. لتنطلق السيارة متجهة إلى قصر الشريف. في السيارة تمتمت حبيبة باستغراب: "غريب قوي." نظرت لها نور باستغراب مردفة: "هو إيه اللي غريب؟ "ريناد من ثانوي وهي نفسها تطلع مهندسة. كانت دايماً شايفة آسر الشريف دا شخص ناجح وخداه مثل أعلى. ورغم كدا مش بتابع صوره أعماله بس وخلاص. ويشاء القدر أخته تخبطها وتبقى صحبتها." نظرت
لها ريناد بابتسامة مردفة: "المثل الأعلى بشخصيته. وأنا لدلوقتي شايفة إنه شخص ناجح. مشفتش صوره. يكفي أن نفسي أبقى ناجحة كدا. دي شركات الشريف موجودة في الشرق الأوسط كله. لا وكمان أكبر الشركات فيه. أنا مش بحبه عشان ألتفت لصوره. لما تحط حد ناجح قدام عينك بيبقى دافع للقوة والمجهود عشان تبقى أحسن منه." "ويشاء القدر أن أخته تبقى صاحبتك. وأنتي دلوقتي في طريقك لقصر الشريف. والاحتمال الأكيد أنك تشوفيه."
"قلتلك إني أشوفه مش فارقة معايا قوي قد ما إني أشوف إنجازاته وأحطها قدام عيني دافع." *** في تلك الأثناء تولى سيف كل أمور الحفل بأمر من آسر قبل مغادرته للمكان. فهو شخص هادئ لا يحب تلك الأجواء أبداً. توجهت ملك لغرفتها لارتداء ملابسها أخيراً بعد محاولتها الدائمة طيلة النهار بالهبوط إلى الأسفل، ولكن كان الجميع يمنعها من الهبوط. للالتزام بأوامر آسر.
تقدمت نحو خزانتها تخرج فستانها caffe القصير الذي بالكاد يصل إلى ركبتيها بأكمامه الطويلة وحذائها ذو الكعب العالي لتصفف شعرها الجميل بطريقة رائعة. انتهت ارتداء ملابسها ناظرة إلى نفسها بالمرآة برضى وعلى محياها ابتسامتها المشرقة التي تبعث الروح لمن يراها. اتجهت للأسفل، هي سعيدة للغاية، فاخيراً قد سمحوا لها بالنزول. الفضول يأكلها حتى ترى ما يخفونه منذ الصباح.
بالأسفل تقف في بهو القصر تنظر حولها بانبهار، سعيدة للغاية. لم يفشل يوماً على جعلها سعيدة. أتاها صوته المذهب من خلفها مردفاً بابتسامته الساحرة: "كل سنة وانتي طيبة يا أميرتي." نظرت له بعينان دامعتان: "انت أحلى أخ في الدنيا." قفزت نحوه تضمه بفرح مردفة: "ربنا يخليك ليا." ابتسم برضى من رؤيتها سعيدة. فهو قد يحرق الماء واليابس فقط حتى يرى ابتسامتها المشرقة التي تشعره ببريق الحياة من جديد. فتلك الصغيرة هي مدللته الوحيدة.
ابتسامة بسيطة علت ثغره قبل خروج صوته مردفاً: "اطلعي انتي شوفي الباقي وأنا هشوف الكارثة دي بتعمل إيه." نظرت له ضاحكة: "هخرج أنا وانت ألحقه. مش مرتاحة لاختفائه دا." ذهبت من أمامه متجهة نحو الحديقة التي كانت بها الأنوار المتلألئة بأبهى الصور. ظلت تستكشف باقي الأماكن. دقائق قليلة مرت حتى لمحت سيارة الفتيات تدلف إلى القصر. اتجهت نحوهم بغضب مردفة: "جيتوا بدري ليه كدا؟ مش كنتوا تتأخروا شوية؟ نظرت لها ريناد مبتسمة
محاولة امتصاص غضبها: "مالك بس يا ملوكة؟ ينفع حد بالحلاوة دي في يوم عيد ميلاده يتنرفز كدا؟ دا حتى عيب." نظرت لها الأخرى باستنكار مردفة: "لا يا شيخة." "آه والله يا بنتي. بس إيه القمر دا؟ كل سنة وانتي طيبة يا قمر." نظرت لها بابتسامة: "وانتي طيبة يا حبيبتي." نظرت لهما نور متمتمة بضحك: "الحقي دي كلت بعقلها حلاوة." نظرت لها ريناد بتكبر مردفة: "بيئة قوي البنت دي يا بنات." ضحك الجميع على حديثها.
بعد عدة دقائق، أغلقت الأنوار لم يبق سوى القليل منها، تاركة للحديقة مظهراً خلاباً. ليأتيهم صوت تلك الطائرة المحلقة في السماء. نظر لها الجميع بانبهار، وخاصة ملك التي أدمعت عينيها وهي ترى ما كتب على الهواء: "عام سعيداً أميرتي الصغيرة." وحولها بعض الألعاب النارية التي زينت السماء.
نظرت له بابتسامة لتجده ينظر لها وعلى محياه ابتسامة جذابة لا تليق إلا به. ركضت نحوه تلقي نفسها بين يديه تضمه بشدة. بينما اكتفى هي بلف يديه حول جسدها الصغير. مر قليل من الوقت والفتيات تقف على إحدى الجوانب تراقب ما يحدث. "ما أجمل شعور أن ترى مثلك الأعلى أمامك. ياله من وسيم حقاً. كيف لشاب بعمر صنع كل هذا." فاقتربت من تفكيرها مردفة: "أنا عطشانة. هشوف الماية فين وارجع."
ذهبت لإحضار بعض المياه ولكنها لم تستطع إيجاد مياه. واكتفت بكوب العصير الذي أعطاه لها إحدى الخدم. وأثناء سيرها اصطدمت بذلك الحائط البشري أمامها مما أدى إلى سكب ما بيدها فوق ملابسها. شهقة تفلتت من بين شفتيها تنظر له بصدمة. وقبل أن تنطق خرافاً واحداً كان قد تخطاها بعد أن ألقى عليها نظرة جامدة صلبة متكبرة. وعلى بعد من ذلك المكان يقف متربصاً ينتظر اللحظة المناسبة لقضاء مهمته مستغلاً سكونه في تلك اللحظة.
بينما هي نظرت له بعدم استيعاب. ما هذه الوقاحة؟ من يظن نفسه ليفعل هذا وينظر لها هكذا بعد سكبه العصير عليها. يالك من وقح. تفلتت منها تلك الكلمات بخفوت قبل أن تتقدم منه وتقف أمامه رافعة إصبعها أمام وجهه مردفة بغيظ: "انت يا... رصاصة تخللت داخل أوصالها مخترقة ذلك الجسد الصغير لتسقط وتصطدم رأسها بحافة الطاولة بجوارها. صدمة احتلت أوصاله. تمالكها سريعاً. ركض نحوها الجميع، بينما هي فقدت الوعي فور اصطدام رأسها.
وسريعاً ما تم نقلها إلى المشفى. *** في مكان آخر يقف هو يضع الهاتف على أذنه مردفاً بصياح: "إيه الكلام الفارغ دا؟ هو لعب عيال." "دا عشان أنا مشغل معاكوا بهائم." وأغلق الخط بغضب. مجهول 2 بلهفة: "إيه اللي حصل؟ مجهول 3: "جت في البنت اللي معاذ مراقبها. بيقول جت قدامه فجأة." معاذ بصدمة وغضب: "انت بتقول إيه؟ قسماً بربي لو حصل ليها حاجة ليكون آخر يوم في عمرك وعمرها." صاح الآخر مردفاً: "معاذ فوق واعرف انت بتكلم مين."
بينما لم يتمهل معاذ من سماع بقية كلماته تاركاً لهم المكان بأكمله. (للعلم، معاذ هو نفسه مجهول 1) (يتبع)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!