مر عليهم الليل وكل واحد منهم بداخله شعور مختلف، فمنهم الحزين، ومنهم الذي فشلت مخططاته، ومنهم القلق، ومنهم من قضى ليله في التفكير. وها قد انتهى ذاك اليوم المتعب، وبدأت شمس يوم جديد بالسطوع معلنةً بداية يوم جديد مليء بالأحداث. في الصباح، وبعد مهاتفة الفتيات لملك والاتفاق معها على الذهاب للمشفى، ذهبت كل من حبيبة ونور إلى منزل ريناد لاصطحاب إيمان إلى المشفى. *** في قصر الشريف.
استيقظ أسر باكراً، أو بالأصح لم يستطع النوم طوال الليل. قام بممارسة الجري والرياضة الصباحية الخاصة به، وأخذ حمامه، وارتدى حلة رسمية تليق بالعمل، وخرج من غرفته متجهاً للأسفل ليتناول طعامه. دلف أسر الغرفة ولكنه وجد ملك أمامه، ويبدو على هيئتها أنها على وشك الخروج. نظر لها باستغراب مردفاً: "إنتي راحة ع فين بدري كدا؟ "وفين الدادة؟ "طب قلي صباح الخير الأول طيب، دا إيه الأخوات دي بس يا ربي، أنا كدهو منحوسة."
نظر لها ببعض الضيق: "سمجة." ضحكت هي مردفة: "شكراً يا حبيبي تسلم." وضع يده على وجهه بنفاذ صبر: "فين الدادة؟ "الدادة في المطبخ بتجيب الأكل وأنا هاكل وأروح على المستشفى أشوف ريناد." نظر لها بانتباه مردفاً: "هي اسمها إيه بالكامل؟ صمتت بتفكير حتى لم تسمع صوتها: "تصدق معرفش، هي مش بتجيب اسم بابها خالص." "خلصي أكل وروحي على العربية، هوصلك وخلي بالك مفيش خروج من البيت غير مع الحرس." "ملوش لازمة، أنا هروح بعربيتي."
نظر لها نظرة جعلتها تنصت لما قاله، وأدار ظهره مستعداً للخروج. "طب مش هتاكل معايا طيب؟ جلبها دون الالتفات إليها: "لا." وتركها وخرج دون أي كلمة أخرى. أنهت طعامها وذهبت إليه على الفور، ليتحرك كلاهما متجهاً إلى المشفى. ليصل الجميع في نفس الوقت. دلف الجميع للمشفى متجهين نحو الغرفة التي تقبع بها ريناد، وفور وصولهم وجدوا الطبيب يخرج من غرفتها، فاتجهوا إليه للاطمئنان عليها. أخبرهم الطبيب أن حالتها مستقرة حتى الآن.
"طب إحنا نقدر ندخلها دلوقتي؟ "تقدروا تشوفوها طبعاً، بس لما يجي وقت الزيارة، هي دلوقتي فاقت." "شكراً." تمتم له الجميع بالشكر. دلف إليها الجميع في وقت الزيارة. *** في شركة الشريف. وصل إلى الشركة، دلف بطالته الباب منتظراً الإذن بالدخول. أذن له بالدخول، ودلف الآخر إلى المكتب، بينما على وجهه علامات التوتر الملحوظ، وقد لاحظه أسر ولكنه تجاهل الأمر وعاد ينظر بالأوراق التي بيده.
ليتسائل باهتمام: "فين الملف اللي طلبته منك امبارح؟ ليخرج صوته متلعثماً من توتره: "لسه م... مش لاقي المعلومات الكاملة عنه." ترك ذلك الملف بيده ليتجه بنظره نحوه، وقد علت على تقاسيم وجهه الغضب: "يعني إيه مش لاقي معلومات؟ أنا هعلمك تشتغل إزاي، بليل الملف دا يكون في إيدي، وإلا مش محتاج أقولك هيحصل إيه." "حاضر."
ألقى بتلك الكلمة على مسامعه وخرج من المكتب على الفور، بينما جلس الآخر متكئاً بظهره على المقعد وأرجع رأسه للخلف، مخللاً شعره بين يديه، وقد لاحت أطياف الماضي المرير بمخيلته وكأنها تأبى تركه وشأنه. *** دلف الجميع إلى غرفتها. وجدوا أنها قد استفاقت. لتبتسم لها حبيبة وتتمتم مازحة: "حمدلله على السلامة يا ست ريري." لتبتسم لها الأخرى بوهن، ليأتيهم صوت نور المشاكس: "مش هتبطل حوادث بقا يا ست ريري؟ حوادث إنتي." "ريري الرقاصة."
ضحك الجميع على مزاحها، بينما نظرت لها والدتها بعينين دامعتين تتمنى لو كانت محلها، ليخرج صوتها يملؤه الحزن: "عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ في حاجة وجعاكي؟ حيّتها ريناد بوهن، وبالكاد استطاعت التحدث: "لي بس الدموع دي يا ماما؟ أنا كويسة أهو، متقلقيش." "ياريت كنت أنا." "وإنتي لا." "بعد الشر عليكي يا حبيبتي، وبعدين أنا كويسة والله." لتتدخل ملك محاولة تلطيف الجو بمزاح: "كفاية دراما بقا ونبي... وإنتي يا ستي وحشتيني."
تمتمت حبيبة بضحك: "والله دي طلعت بكاشة أكتر من ريناد أهو." "طبعاً، أمال إيه؟ إنتي متعرفينيش؟ هبهرك." ضحك الجميع. مر القليل من الوقت على مزاحهم، قبل سماعهم طرقات خفيفة على الباب. لتردف نور وهي ذاهبة لتفتح الباب: "تلاقي الدكتور أو حد من التمريض جاي يطمن عليها، حالتها." فتحت الباب، وجدت شاباً يقف وبيده ورد، مردفاً: "دي أوضة الآنسة ريناد لو سمحتي." نظرت له باستغراب، تشعر وكأنها رأته من قبل، ولكنها تساءلت: "مين حضرتك؟
"قولي لها بس إن فيه واحد عايزها عشان أنا عامل لها مفاجأة." دلف إلى الغرفة مرة أخرى، ليزداد تعجب الجميع. وبعد لحظات، أذنت له بالدخول. دلف ذاك الشخص إلى الغرفة بابتسامة بسيطة، وفور رؤيتهم له، توسعت أعين كل من إيمان وريناد بصدمة، بينما انسحب الجميع من الغرفة بهدوء، ولم يتبق سوى ثلاثتهم. ليخرج صوت ريناد متلعثماً بوهن: "م... معاذ." "زيك يا ريناد، عاملة إيه؟ خرج صوتها أخيراً،
وتسيطر عليها الدهشة: "إنت عرفت مكانا إزاي ومنين؟ لينظر لها بخبث: "طب مش تقوليلي اتفضل الأول يا مرات عمي." نفذت كل ذرة بعقلها عن التحمل، لتتحدث بنفاذ صبر على غير العادة: "بقولك عرفت مكانا منين؟ تجاهل معاذ حديثها ووجه نظره إلى ريناد التي تنظر له بوجه بارد خالٍ من أي مشاعر. "وحشتيني، وحشتيني قوي يا ريناد." ريناد، وما زالت ترسم البرود على وجهها بإتقان، متجاهلة ذلك الخدر الذي
تشعر به في قدمها اليسرى: "عيب يا أستاذ معاذ اللي إنت بتقوله ده." ليجيبها بحرقة: "لأمتى يا ريناد هتفضلي كدا؟ سايبك بقالي 5 سنين ومقربتش ليكي، وقلت هتحني مع الوقت، امتى بقا قلبك هيلين؟ إنتي كنتي مفكرة إنك لما تهربي مش هعرف مكانك؟ أنا عارف مكانك من أول يوم، وكنت مكتفي بس إني شايفك بخير، حتى لو من بعيد، بس معدتش قادر." وهنا هبت إيمان مستقيمة في وقفتها وهي تصرخ به: "إنت إيه يا أخي مش بتفهم؟
زمان وسكتنا عليك إنت وعمك ومشّينا، جاي دلوقتي تاني ليه؟ "جاي عشان بحبها وعمري ما هسيبها ولا هسيب حد يقرب منها." تجمعت الدموع بعينيها، ولكنها لم تسمح لها بالفرار، لتجيبه بجمود: "أنا مش عايزة حب من حد، اخرج برا يا معاذ، أرجوك، أنا مش قادرة." "خارج، خارج يا ريناد، بس أوعدك مش هسيبك ومش آخر مرة هتشوفني فيها. سلام، سلام يا... بنت عمي." خرج بعد حديثه على الفور. بعد خروجه، وقفت إيمان بتوتر بمنتصف الغرفة
وهي تضع يدها فوق رأسها: "لقانا لقانا يا ريناد، ويا عالم هيعمل معانا إيه." "تقصدي ظهر دلوقتي؟ لو كان عاوز يعمل حاجة كان عملها." "طب هنعمل إيه؟ إحنا مش عارفين في دماغه إيه." "متخافيش يا أمي، مش هيقدر يعمل حاجة، وريناد الصغيرة بتاعت زمان كبرت خلاص، أنا أعرف أحمي نفسي كويس." "ربنا يستر." "يا رب، بس ادعيلي إنتي بس يا ست الكل." تنهدت بتعب وشردت بذكري مر عليها 5 أعوام. ***
جلست إيمان بحزن على موت زوجها، ربما لم يكن جيداً معها أبداً، وعاشت معه سنوات من العذاب، ولكنه زوجها بالنهاية. وما زاد حزنها هو علمها بأعماله المشبوهة التي تعمل جاهدة على إخفاء هذه الحقيقة عن ابنتها، فهي لن تتحمل كل هذا. وقد كانت ريناد قد قاربت على سن التاسعة عشر. أفاقها من شرودها صوت طرقات على الباب، لتجد الطارق هو معاذ، لتسمح له بالدخول. "خير يا ابني، في حاجة ولا إيه؟ تتحنح مردفاً
بحرج: "بصي يا مرات عمي، أنا عارف كويس إن الوقت مش مناسب ومش وقته." تمتمت بنفاذ صبر: "ادخل في الموضوع على طول يا معاذ وبلاش مقدمات، أنا فيا اللي مكفيني." "بصراحة كدا يا مرات عمي، أنا طالب إيد ريناد، وقبل ما تقولي مش وقته، أنا عايز أبقى جنبها في الوقت ده ومش هقدر أكون جنبها غير كدا." "بص يا معاذ، ريناد لسه صغيرة وهتكمل تعليم ومش ناويه أجوزها دلوقتي خالص، بعيد بقا عن الظروف."
"أنا مش معترض على تعليمها، ومفيش مشكلة تكمل وهي معايا، أنا بحبها وعاوز أبقى جنبها، وأوعدك هخليها أسعد واحدة في الدنيا." "بقولك إيه، بلاش ترسم الوش ده قدامي، إنت زي عمك بالظبط، ومش هسيب بنتي تغلط غلطي وأرميها لواحد زيك." "أنا مش فاهمة حاجة، تقصدي إيه؟ "قصدي انت فهمته، أنا عرفت حقيقة شغلكم كله، ولولا إني خايفة على بنتي لو عرفت ممكن يجيلها صدمة، مش هقولها، والي إنت قلته ده مش عايزة أسمعه تاني، وهعتبرك مقلتوش."
ليصرخ بها غاضباً: "كلامك ده بقا ميهمنيش، وهتجوزها غصب عن الكل، وابقي اشوف مين هيقدر يمنعني." ل تجيبه بغضب هي الأخرى: "لو تقدر تعملها حاجة وأنا لسه عايشة، علىط الدنيا دي، اعمل، ولعلمك مش هتقدر توصلها طول ما أنا عايشة." "لو حكمت إني أقتل أو أعمل أي حاجة ممكن تخطر على بالك، هعملها وهتوصلها برضو." "أعلى ما في خيلك اركبه." "هتشوفي، وهتوصلها، وبكرة تشوفي بعينك، ريناد ليا لوحدي، وعمرها ما هتروح لغيري."
ليخرج صافعاً الباب خلفه. *** فاقت من شرودها على صوت فتح باب الغرفة. *** بعد يوم طويل ومتعب، حل الليل على الجميع. في شركة الشريف. يطرق باب مكتب أسر بخفه. أذن أسر للطارق بالدخول، لتدلف سكرتيرته. "الورق ده عاوز يتأمضى يا فندم، وسيف باشا بره." "دخليه بسرعة يا مروة، ومن امتى سيف بيستأذن." "والله هو اللي قالي أقول لحضرتك إنه بره." خرجت، ليجد سيف يدلف بعد خروجها على الفور.
سيف: "الملف أهو يا أسر، وكل المعلومات اللي تخصها موجودة فيه." "تمام أوي كدا." "طب خلص بقا بسرعة عشان هموت من الجوع، اليوم كان مليان شغل وهموت من التعب." ضحك على حديثه: "خلاص يا عم، مش هتأخر، نص ساعة بالكتير ونتحرك من هنا." سيف: وخرج. فتح أسر الملف بيده، وبدأ بقراءة ما بداخله، وبعد عدة دقائق، توسعت عينا أسر باندهاش وصدمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!