كان معتز يجلس في مطعم مع تلك الفتاة المجهولة. معتز: لم يتبق الكثير من الوقت، مستر اسر سوف يصل في الصباح. الفتاة: ولكنني لا أفهم شيئاً، لماذا يريدني مستر اسر؟ ذلك يجعله يأتي إلى كل هذه المسافة. معتز: لا داعي للقلق، ولكنني لا أستطيع أن أخبركِ أي شيء قبل حضوره إلى هنا. ثم أردف موجهاً حديثه إلى ذلك الشاب بجانبها. معتز: وأرجو أيضاً بحضور مستر... معك في صباح الغد. الشاب: نعم، بالتأكيد أنا آتي.
الفتاة: والآن يجب علينا المغادرة، إلى اللقاء مستر معتز. معتز: إلى اللقاء آنستي، إلى اللقاء سيدي. خرجوا هم من المطعم، وبعدها خرج معتز ليرى جاك بانتظاره خارجاً. جاك: هل انتهيت أخيراً؟ معتز: أيوه خلصت خلاص، بس إنت إيه عليك شوية عربي يهبل. جاك بغيظ: أي ما كان، فهو أكيد أجمل من الإنجليزي تبعكم. معتز: هههههههه، طب يلا يا أخويا. جاك: يلاااا. جاك: السلطانة أمرت بمكالمتك. معتز بفزع: وستبني برغي، كنت تقول من بدري.
أخرج هاتفه ودون الرقم المطلوب وضغط على زر الاتصال. لم يمر الكثير من الوقت حتى أتاه الرد. معتز: تحت أمرك يا سلطانة. السلطانة: إنت إزاي متكلمنيش كل دا؟ أظاهر إنك مش قد المهمة. معتز: ليه بس؟ أنا بقالي سنين ماسك المهمة دي ومغلطش غلطة، بس النهاردة كنت بقابل الناس اللي اسر أمر بمقابلتهم لغاية ما يجي. السلطانة: ومين الناس دي وعاوزهم ليه؟ معتز: مرضيش يقولي أي حاجة عنهم وقالي لما أوصل. السلطانة: ومن امتى انت متعرفش حاجة؟
معتز: هو قالي إنه لما يجي هيقولي وهو هيوصل الصبح. السلطانة: فتح عينك واول ما تعرف تعرفني. معتز: تحت أمرك يا سلطانة. أغلقت الخط بعدها. جاك: لماذا لم تقل لها أنك تعرف؟ معتز: مكنش ينفع أقولها وخصوصاً بخوص الحاجة دي، وإنت عارف هي بتحبه إزاي. جاك: هذا الموضوع يشعرني بالقلق، إذا عرفت فماذا ستفعل؟ معتز: مش عارف، بس سيب كل حاجة لوقتها. يلاااا إحنا. وغادر الاثنان متجهين لأحد الفنادق.
كان كل من حبيبة وسيف وأحمد ورافت، وبالتأكيد أسر وريناد، أمام باب منزل تلك المرأة الذي من المفترض أن تكون والدتها. شعرت بالقلق والتوتر لهذا اللقاء، ولكن جميع من حولها يمدها بالقوة. سيف وأحمد وريناد، جميعهم سند قوي لها غير قابل للانكسار. شعرت هي بريناد تشدد على يدها تمدها بالقوة. فنظر كلتا الفتاتان إلى بعضهما ثوانٍ معدودة وقاما بطرق ذلك الباب الذي خبأ والدتها كل تلك السنوات وهي لا تدري. شعرت بقلبها يقرع مثل الطبول، لا
تدري أهو من التوتر أو من الفرح بلقائها بوالدتها بعد كل تلك السنوات، ولكن أفاقها من دوامة أفكارها هذه صوت آتٍ من الداخل قبل أن يفتح الباب وتظهر تلك المرأة التي يبدو عليها الطيبة والحنان. لتنظر لها ريناد بصدمة وهي لا تصدق ما تراه عينيها الآن. أهذه هي حقاً أم أنها تتخيل؟
كيف كيف لها أن تكون هي؟ ليخرج صوت ريناد أخيراً وما زالت الصدمة جلية عليها وبشدة. ريناد بصدمة: خال... خالتي سحر... إزاي؟ سحر بصدمة وهي تنظر إلى ابنة أختها المختفية منذ خمس سنوات ولم يعد يوجد معها، ولكنها رغم صدمتها اتجهت إليها وضمتها باشتياق ولهفة، فهي ليست ابنة أختها فقط، لا، بل هي ابنتها هي أيضاً. لتضمها ريناد بشوق هي الأخرى. ريناد: وحشتيني قوي يا خالة. سحر: وإنتي كمان يا قلب خالتك.
وحبيبة وهي تضع يدها على رأسها بعدم استيعاب لما يحدث حولها. حبيبة: هو إيه اللي بيحصل هنا؟ أنا مش فاهمة حاجة. لتنظر سحر إلى مصدر الصوت لتجد فتاة جميلة للغاية في مقتبل العمر، ذات بشرة بيضاء وعينيها الخضراوين التي تشبه حبات الزيتون، وذلك الحجاب الذي يزينها. لتتذكر هي ابنتها التي لم ترها منذ صغرها، لتدمع عيونها قبل أن ترد. سحر: اتفضلوا جوه الأول، ميصحش كدا. دلف الجميع ما عدا رافت الذي كان يقف في حيرة وتردد.
رافت: ينفع أدخل أنا كمان؟ لتتوسع عينا سحر فور سماعها للصوت، فهي تعرفه جيداً. لتردف بصدمة: رأفت. رافت: ممكن أدخل؟ لتردف هي بتقطع: ااا.. ااه، اتفضل. دلف الجميع للداخل، ليكون الصمت سيد الموقف. وتقطع ذلك الصمت صوت سحر وهي تقول: سحر: أنا هقوم أعملكوا حاجة تشربوها. ليقاطعها رافت وهو يقول: رافت: اقعدي يا سحر، إحنا مش عاوزين حاجة، وأنا عاوز أتكلم معاكي. لتجلس سحر وعينها الزيتونية التي تشبهها حبيبة بشدة، يلتمع بهما الدمع.
رافت: سحر، أنا عارف أنا ظلمتك قد إيه، وعارف كمان مهما أقول مش هيبرر أي حاجة من اللي عملتها فيكي، ولا اعتذارات الدنيا تكفي. وعارف إنك ممكن متسامحنيش، وده حقك. اللي عملته فيكي مكنش سهل، سواء لما اتجوزتك من ورا مراتي وحرمتك من فرحتك بالفستان الأبيض والفرح زي أي بنت، أو لما مكنتش جنبك لما جبتيلي أجمل هدية، وفي الآخر أطلقك من غير ما تعملي حاجة، وأخد بنتك منك. أنا آسف يا سحر، أنا فعلاً محبتش غيرك. لتجيبه هي بجمود:
هي: وإيه اللي فكرك بالكلام ده بعد السنين دي كلها يا رافت؟ عاوز إيه تاني بعد كل ده؟ جاي ليه دلوقتي؟ وإنت حارمني من بنتي وإني أشوفها أو أعرف حتى شكلها. متخيل إحساسي إيه وأنا عارفة إن بنتي مش عارفة إني أمها ومش قادرة أتكلم أو أشوفها، وكل ده بسببك. أنا حبيتك وإنت غدرت بيا. عمرك شفت أم مشفتش بنتها بعد اليوم والليلة ليها؟ عارفة عندها كام سنة باليوم؟ أقولك عندها 22 وتسع شهور و 10 أيام. مستني مني أسامحك بعد كل ده؟
عارفة عمرها بالدقيقة وعمري مشفتها ولا أعرف شكلها. ريح نفسك يا رافت، مهما عملت عمرك ما تقدر تمحي وجع قلبي إن بنتي مش عارفاني. ليأتيها صوت حبيبة التي كانت تجاهد حتى تمنع دموعها من الهطول أمام الجميع. حبيبة بصوت مرتعش مغلفه قوة وشجاعة: بس بنتك أهي قدامك، عارفاك وبتحبك وعاوزة تفضل معاك الباقي من عمرها يا... صمتت قليلاً ثم أكملت قائلة بابتسامة: يا ماما.
لتدمع عيون سحر في صدمة وفرحة وعدم تصديق لما تستمع إليه الآن. أهي حقاً أمها؟ هل مدت لها للتو بتلك الكلمة التي تمنت سماعها طوال تلك السنوات؟ يا إلهي! أشعر أنني لا أقوى على التحمل. لتردف قائلة في عدم تصديق: سحر وهي تقترب منها وتلمس ملامح وجهها: أنا أكيد مش بحلم. إنتي هي؟ إنتي قلتيلي يا ماما صح؟ أكيد دي حقيقة مش حلم. قوليلي إنه حقيقة، أرجوكي. حبيبة: أيوه يا ماما، أنا قدامك وبحبك وعاوزة أفضل معاكي عمري كله.
لتجذبها سحر بين أحضانها بشدة، وكأنها مثل الذي كان يجاهد الموت وهي كانت النجاة الوحيدة. لتضمها حبيبة هي الأخرى، ولأول مرة تشعر بالراحة والحنان الذي كانت تتمناه طوال حياتها. وبعد وقت ابتعدا عن بعضهما، والجميع ينظر لهما دون أن يردف أي منهم حرفاً واحداً. سحر وقد بدأت تستوعب كل تلك الأمور: إنتي إزاي عرفتي كل ده؟ وإنتي يا ريناد كنتي فين كل السنين دي؟ وإيمان فين؟ ريناد: تعالي يا خالتي اقعدي وأنا هفهمك كل حاجة.
وبدأوا بسرد كل ما حدث منذ يوم هروب إيمان وريناد إلى ذلك اليوم الذي هم به الآن. حبيبة: يعني إحنا دلوقتي ولاد خالة كمان مش صحاب بس؟ لتردف سحر: وأخوات كمان. حبيبة وريناد بصوت واحد: إزاي؟
سحر: أنا هقولكوا. أنا لما ولدت حبيبة قعدت معايا 3 أسابيع، وبعد كده رافت أخدها مني غصب. في الوقت ده إيمان كمان ولدت ريناد، وطبعاً كانت تعبانة بسبب العملية اللي شالت فيها الرحم. ده أنا رضعت ريناد وحبيبة ف التلت أسابيع دول كانت بتاكل مني، يعني إنتوا كده أخوات في الرضاعة. صدم الجميع من تلك الصرخة الطفولية التي دوت في المكان من تلك الفتاتان. ليضحك الجميع، ويكتفي أسر بابتسامته الجذابة.
ليردف أسر أخيراً: طب إحنا لازم نمشي عشان البنات عندهم امتحان بكرة. لأنظر الفتاتان إلى بعضهما بصدمة ويرفعا في وقت واحد: ينهار أسود. ليضحك الجميع عليهم ويتجهوا للخارج. ليقف رافت عند الباب ويودف قائلاً بحزن: رافت: سامحيني يا سحر لو تقدري، صدقيني أنا ندمان على كل لحظة بعدت فيها. سحر: فات أوانه الكلام ده يا رافت، إحنا كبرنا، سيب كل حاجة للزمن، يمكن في يوم أقدر أسامحك ونرجع صحاب تاني. لتأتيهم صوت أسر بخبث:
أسر: وإنت يا سيف مش جاي معانا ولا إيه؟ ليفهم سيف ما يرمي إليه أسر ليجيبه بإحراج ممزوج بغضب غلفهم بمزاحه المعتاد: سيف: لا، أنا هذاكر لحبيبة النهاردة... ولا يقولوا خطيبتش سقطت. أسر بسخرية: ودة من امتى بقاا؟ سيف باستفزاز: من يوم ما حبيتها. أحمد: أوباااا، لل كدا أنا هغير وهنزعل من بعض. سيف: ونبي اسكت، إنت تخلص امتحانات بس وتكتب كتابي على طول. أسر: مستعجل إنت قوي. لينظر له سيف بغيظ. لتقترب ريناد من أسر وتهمس له:
ريناد بهمس: بطل رخامة بقااا، الراجل هيفرقع. أسر بضحك بسيط لم يراه غيرها: ههه، هيفرقع، حاضر. يلا بينا. ريناد: لا دا أنا كده اتغر بقاا. أسر: ليه يعني؟ ريناد: العقرب بنفسه بيقولي حاضر. أسر: يلااا يا بت يا فاشلة من هنا، ورانا مذاكرة. هخلصهالك قبل ما أنا عشان مسافر صبح. لتتذكر ريناد سفره لتشعر هي بحزن لا تعرف مصدره. ريناد: إنت هتسافر بكرة بجد؟ أسر: اااه. ريناد بعبوس: هتغيب كتير؟
ليشعر هو بالسعادة بداخله لشعوره بحزنها لسفره هذا. ليغادر الجميع ويذهب كل منهم إلى منزله. ويبقى سيف يدرس لحبيبة إلى أن انتهت وذهب هو الآخر لمنزله. أما أسر، ظل مع ريناد إلى أن انتهت واتجه إلى غرفته لينال قسطاً من الراحة قبل سفره. وريناد تشعر بالحزن على ذلك السفر المفاجئ، ولكنها لا ترى تفسيراً لذلك الحزن. في صباح اليوم التالي، نجد هاتف حاتم يضيء برقم شخص ما، ليجيبه حاتم بضيق. حاتم: عاوز إيه يا زفت؟
شخص ما: العقرب طيارته طلعت من نص ساعة. حاتم: نعمممم؟ إنت بتقول إيه؟ ومفكرتش تقلي غير دلوقتي؟ شخص ما: يا باشا، إحنا معرفناش غير دلوقتي، غير إنه سفره كان سري، محدش عرف بيه. حاتم بغضب: تلغي كل حاجة لغاية ما يجي، وخبر ويسافر ليه؟ فين؟ يبقا عندي حالاً. ثم أوصد الخط في غضب محدثاً نفسه: حاتم: كلنت ناقصة سفرك إنت كمان. كنت خلاص قربت أوصل للي أنا عاوزه، بس اللي صبر ده كله، مجتش على اليومين دول.
أما ريناد، فقد هاتفت حبيبة ونوره بعد توديعها ل أسر. ثم خرجت من القصر وركبت السيارة واتجهت بها إلى الجامعة. بعد قليل من الوقت، كانت تقف كل من حبيبة ونوره أمام بوابة الدخول في انتظار ريناد. في ذلك الوقت، وصلت ريناد إليهم لتحتضنها نوره بقوة، ثم ابتعدت عنها قائلة بمرح. نوره بمزاح: يا بنتي، إنتي مش هتبطلي العادة دي بقاا؟ على طول متأخرة كده. ريناد بمزاح هي الأخرى: الله، مش أودع جوزي. حبيبة بخبث: أي دا؟ هو فيه إيه؟
كل شوية جوزي جوزي؟ هو إيه الموضوع؟ اللي يشوفك كدا ميقلش إنك متجوزاه غصب. أنهت حبيبة جملتها بغمزة، لتخجل ريناد وتردف بغيظ محاولة مداراة ذلك الخجل الذي تملكها. ريناد: هاها، بس يا خفة، أنا بهزر. لـتأتيهم صوت آتٍ من الخلف. شخص ما: بس أنا عمري ما قلتلك حاجة وكنت بهزر. لتلتفت ريناد للخلف وتتوسع عينيها في صدمة، فقد كان آخر شيء تتوقه هو وجوده بذلك المكان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!