صف سيارته أمام أحد المباني الخاصة به ليُطالعه الآخر بعدم فهم وهو ينظر للمبنى أمامه قائلاً بنفاذ صبر: بلاش الحركات دي يا آسر، أنت عارف إني مبحبش أمشي زي الأطرش في الزفة كدا. ضحك الآخر على تشبيهه يتمتم بكلمات لم تُجب سؤاله مما زاد حنق فؤاد، أما آسر فابتسامته تتوسع بخبث: هناخد حقنا. قرر عدم التطرق معه في الحديث ويرى بنفسه، فهو يعلم أنه لن يحصل منه على إجابة ترضيه. حمّله ودلفا به المبنى.
فتح باب تلك الغرفة أمامه وهو يبتسم بشر جلي بعينيه، بينما طالعه الآخر بصدمة تحولت سريعاً لنوبة ضحك عندما فهم ما ينوي عليه، ليتمتم بمدح: عقرب بصحيح. *** وقفت تُطالعه بمقلتيها التي أبت التوقف عن زرف الدموع، ولكنها ولأول مرة منذ ست سنوات تبكي فرحاً، فاخيراً تعدلت حياتها من جديد. حاوط وجهها بكفيه الكبيرتان متمتماً بألم وهو يرى دموعها: ليش عم تبكي حبيبتي؟ مو هاد إلي كان بِدك ياه من البداية؟
دون أن تنطق بكلمة حاوطت عنقه بيدها تضمه بقوة، ليبادلها العناق متمتماً: شو ما بدك بيصير، صدقيني بس لا تبكي. ابتعدت عنه بلطف وهي تُطالعه بفرحة ارتسمت على شفتيها ومازالت عيناها تزرف الدمع: مبقاش في حاجة أخاف منها يا زين، خوفي كلو انتهى. كنت مبسوطة أوي وأنا شايفاه عايش في رعب الأيام لمجرد طيفي، وأنا شايفة الحسرة في عينيه بعد كل اللي اتعمل فيا. شفي غليلي. نظرت له وكأنها لا تصدق كل ما حدث:
تعرف أن فؤاد حضني حضني بعد ست سنين، وحشني أوي. أنا اتعذبت أوي في الست سنين دول، بس أنت أجمل حاجة حصلتلي، أنت العوض لكل دا. ابتسمت له بعشق خالص: أنا بحبك أوي. وأنا بحياتي ما حبيت حدا كيف ما حبيتك، دنياي. ابتسمت له وهي تُريح رأسها على صدره العريض لتغمض عينيها وهي تتذكر أول لقاء بينهما. "flash bach"
نظر لها بمقلتين كساهما اللون الأحمر فور وقوع عينه عليها، ركض نحوها وهو يجذب غطاء مائدة الطعام يخفي به جسدها ويحتوي كتفيها بجاكيت بدلته ليخفي ما بقي منها، ونظر لها متمتماً باستفهام متألم: إيه اللي حصل يا دنيا؟ مين عمل فيكي كدا؟ كانت ترتجف بين يديه لا حول لها ولا قوة.
وعند تلك اللحظة وقف أمامه حاتم، ولكنه بعيداً عن الباب حتى لا يراه فؤاد عندما يأتي. وبلمح البصر كان حاتم يلكمه على وجهه بخفة، ليرد له الآخر لكمته ولكن أقوى. اشتد النزاع بينهما، ورغم تضرر حاتم الكبير إلا أنه حرص أن تكون إصابات آسر طفيفة حتى تبدو للأخر كأنها دفاع عن النفس، فقد مزق مقدمة قميصه دون أن يشعر وبعض الكدمات على ما ظهر من جسده تؤكد تعديه عليها، لحين سماعه صوت خطوات مهرولة على السلالم ليبتعد عن الباب سريعاً حتى لا يراه الآخر قائلاً
باستفزاز: لا أنت ولا فؤاد تقدروا تعملولي حاجة بعد اللي حصل. وأنت فاكر إن فؤاد هيلحق يعملك حاجة أصلاً؟ أنا هقتلك قبل ما يعرف أصلاً. خرجت رصاصة من فوهة مسدس حاتم اخترقت جسد تلك المسكينة. شلل سري بكامل جسده وهو يراها أمامه غارقة بدمائها، وذلك تملكه الصدمة يقف أمام الباب بذهول وقهر وهو يرى ما حدث للتو. هل قتلها قبل معرفته ما حدث لها من قبله، أم أن ما استمع له خاطئ.
حملها آسر بين ذراعيه متجهاً للخارج ليتفاجأ بوجود فؤاد القابع أمام الباب، وكل ما بخاطره هو أن يتظاهر بانقاذها حتى ينفي التهمة عن نفسه، وبالطبع لم يرى ذلك العاهر حاتم الذي اختفى كلياً مختبئاً بإحدى الغرف.
ذهب خلفه سريعاً وهو يعلم أين توجه آسر، ولكن بطريقه للمشفى أتته بضع رسائل على حسابه الخاص ليرى بضع صور لآسر ودينا وهم بأحضان بعضهما البعض وورقة زواج عرفية، وأخيراً بضع صور لمحادثات بينهما والتي انتهت بشجار على كون دينا حامل وآسر يرفض الاعتراف بالطفل، ليتفقا على لقائهما اليوم، وبالتأكيد قام بوصل الخيوط ببعضها وهو أن آسر استدرجها هنا ليقوم باغتصابها وقتلها دون معرفته.
أحترقت الدماء بعروقه وأحتقنت عيناه بلهيب لا يعرف ماهيته. أهي قهر على تلك الخيانة التي تعرض لها من أقرب الناس إليه، أم قهراً على ما فعله صديقه وأخاه الروحي بأخته، أم غضباً من كلاهما وهما يخدعانه كل تلك الفترة. لا يعرف ماذا يفعل الآن، فقط كل ما يشعر به أنه إذا رأى أي منهما سيقتله حتماً.
وعلى الجانب الآخر، كان آسر يجوب المكان ذهاباً وإياباً حتى أتاه سيف بأقصى سرعة بعد تلقيه اتصاله ليقص له حقيقة ما حدث ويحثه للذهاب لفؤاد، فبالتأكيد هو ليس بخير وهو يجهل تماماً ما ظن به صديقه. وبعد مرور ساعة مازالت دنيا في غرفة العمليات، ليرى سيف قد عاد له وملامحه لا تبشر بالخير. سأله باهتمام: إيه يا سيف؟ مالك؟
قص عليه الآخر ما وقع على مسامعه من فؤاد وما يظنه، والذي رفض أي تفسير آخر غير الذي بخاطره، يقسم أنه سيقتله ويقتلها هي الأخرى إن نجت، فهي تستحق كل ما حدث لها. صدمة ألجمت لسانه للحظات حتى خرج الطبيب يبشرهم بنجاح العملية. وهنا قرر آسر خوض المعركة معه وحده وإخراجها من كل هذا، فهي بعد كل ما حدث معها لن تتحمل تلك النظرة من أخيها، وأيضاً يعلم تمام العلم مدى خطورة فؤاد الآن. تحرك بوقار قائلاً: تعالى على مكتبي يا دكتور.
وبعد ساعة انتشر خبر وفاتها للجميع، حتى سيف، فلم يعلم شخصاً أنها مازالت على قيد الحياة سواه، وقام بإرسالها للبنان لتبدأ حياة باسم جديد وحياة جديدة تماماً لا يشوبها شائبة غير أشباح الماضي الأليم التي عكرت صفو حياتها وأفقدتها القدرة على العيش بسلام، حتى أتى منقذها زين الذي تحمل منها الكثير، فما حدث لها جعلها كائن مضطرب شكاك في كل شيء، ينتابها الرعب لفكره اقتراب أي رجل منها، ولكن كانت تشعر أن هناك شيئاً ما مختلفاً به، لا
تعلم لماذا تشعر بذلك الأمان بجانبه، حتى قصت له حقيقة ما حدث لها وأنها عاجزة أن تكون أي شيء سوى حطام امرأة قست عليها الزمن وأنها لا تصلح لأن تكون له أي شيء، ولكن عشقها الذي تربع داخل صدره كان سنداً لها وأقنعها بالزواج ليتزوجا، ولكن تلك الحادثة كانت سداً منيعاً بينهما، ولكنه لم يكن لهمه أي شيء سوى وجودها بقربه، حتى اقترح عليها باستشارة طبيبة نفسية، وافقته بعدما شعرت بمدى حبه بقلبها. مرت سنة أخرى وهو لم يمل يوماً منها،
بل كان يحتوي كل ما بها من مخاوف بحنانه عليها، حتى وقعت بعشقه، وكان أسعد يوم بحياتها عند زيارتها الأخيرة للطبيبة عندما أخبرتها بأنها يمكنها ممارسة حياتها الزوجية بشكل طبيعي ودون أي مخاوف، لتبدأ معه أسعد أيام حياتها، حتى أتاها ابنها آسر، والتي أصرت على تسميته بهذا الاسم إكراماً لأخيها الروحي، والذي دائماً ما كان بجانبها حتى بعد سفرها، وكان السبب معرفتها بسيف، ولكن ظلت أشباح الماضي تؤرق منامها ويقظتها حتى بعد مرور كل
تلك السنوات، حتى أتاها اتصال من السلطانة لتبدأ مع الجميع بداية أخرى، ولكن داخل بلادها.
"Back" ـ بحبك. كانت تلك آخر كلمة تنطق بها قبل أن يسحبها معه لعالم آخر، عالم لا يخص أي شخص عداهما. *** وقف أمامها بابتسامته الخلابة متمتماً بحب واشتياق: وحشتيني يا أميرتي. صدمة ألجمت لسانها، لابد أنها تتخيل، لتقول بتلثم: سـ.. سيف؟ وحشتيني يا رودي. وجهت نظرة استفهامية لـ معتز الذي هز رأسه لها بتأكيد وكأنه يؤكد لها أن ما تراه حقيقة. في لمح البصر كانت بداخل أحضانه، الدموع تنهمر من مقلتيها، مسد على ظهرها بحنان متمتماً:
اهدي يا حبيبتي. ابتعدت عنه ببطء تطالعه بعتاب: ليه يا سيف تعمل فيا كدا؟ مكنتش اعرف يا حبيبتي والله، أنا فوقت بعد ما عملت العملية ومقدرتش أرجع غير بعد ما اتعافيت. بجد يعني أنت خفيت يا سيف؟ أومأ لها بإيجاب والإبتسامة تعلو ثغره، ليضم شقيقته لصدره من جديد. بينما نظر لهما الآخر بحرج لا يعلم بماذا سيبرر له وجوده هنا بهذا الوقت، فقرر الانسحاب دون أن يشعرا به، ليوقفه صوته الماكر: تعالى يا حلو رايح فين؟
هتسلم عليا ولا اتخضيت لما لقيتني قدامك؟ مكنتش تتوقع أني أجي دلوقتي صح؟ تنحنح ببعض الخجل: حمد الله على سلامتك. بينما نظرت له رودينا بتعجب متسائلة: أنت كنت تعرف كل دا يا معتز؟ لم يجيبها ولكنه طأطأ رأسه للأسفل دلالة على علمه بالأمر. نظرت له بعتاب باكي وهي تركض من أمامهما، لتلتقط أذنها كلمات سيف الأخيرة والتي جعلتها تشعر بالذهول. ـ وريني بقى هتعمل إيه يا بقا حلو فرحكوا آخر الشهر، مع السلامة يا ميزو.
وابتسامة خبيثة شقت ثغر سيف وهو يخرج من المنزل متجهاً للقصر. بينما احتلت الصدمة معالم وجه معتز، لقد أوقعه بالفخ وعليه الآن تحمل غضبها. ***
في "قصر الشريف"، تجلس هي بتوتر. ها هي الساعة قد قاربت على الثالثة عصراً ولا يوجد أثر له ولا لحاتم بعد بحث دام عنه منذ فجر اليوم. هي على يقين بأن اختفاء حاتم له علاقة بآسر والذي تعلم مدى دهائه، ولكنها تخشى عليه من التهور، فما فعله ذلك المجرم به وبكل من حوله قد يدفعه لقتله دون أدنى شك. تنهيدة حارقة خرجت منها وهي تنهض ذاهبة لملجأها وأمانها الذي حماها لسنوات طوال.
طرقات خفيفة على الباب حتى استمعت بالإذن بالدخول. دلفت إليها بعقل تائه تشوبه كل الأفكار السيئة والتشتت الذي لم يعد يفارقها، تشعر بالضياع، تود لو تلقي بكل هذا بعرض الحائط وتأخذ هدنة مع نفسها فقد أرهقت بما فيه الكفاية، ولكن ما أسوأ هذا الشعور وهي حتى لا تستطيع ترك كل هذا خلف ظهرها. من جهة عملها وواجبها ومن الجهة الأخرى زوجها.
أما الأخرى بلمحة واحدة لوجهها علمت بأن ابنتها ليست على ما يرام، وكيف لها أن لا تعلم وهي أدرى الناس بها. فتحت لها ذراعيها وكانت تلك الإشارة لتلقي بكل أعبائها ورائها وترتمي بين أحضان والدتها إيمان، والتي مهما مر الزمن ووجد بحياتها الكثير ستظل لها الأمان والحب والاحتواء التي تعطيهم لها دون أي مقابل. هذه هي أجمل حسنة بحياتها. ضمتها لها إيمان بحنان لطالما احتوتها متمتمة بقلق حقيقي: مالك بس يا حبيبتي؟ فيكي إيه؟ تعبانة...
تعبانة أوي يا ماما. خرج صوتها المختنق بالدموع الذي احتقنت عليه عينها بها لتصبح بالون أحمر كالدماء. بينما شددت إيمان من ضمها، تعلم أنها لن تنطق بحرف الآن، هي فقط تريد تواجدها. ظلت تربت عليها وهي تقرأ آيات من القرآن، وكان هذا كل ما تريده ريناد. لتغمض عينيها مستسلمة لنوم لم تذقه منذ أيام.
اندرستها والدتها بالفراش محكمة عليها الغطاء وهي تطالعها بحزن وحنان. هي ابنتها، ورغم اختلاف الحقائق ستظل ريناد أجمل ما حصلت عليه بحياتها. ذهب لتصلي وتقف بين يدي الله تدعي ربها بأن ذلك القرار الذي أخذته في يوم ما لا يكون خطأ بحق ابنتها. ترى الألم الجلي بعينيها، وهذا أكثر ما يؤلمها. هي لا تريد سوى رؤيتها سعيدة، ولكن منذ أن وطأت قدماهما لهذا القصر وقد انقلبت حياتها رأساً على عقب.
الكثير من الأحداث تتابعت بداخل رأسها منذ أن عرض آسر الزواج على ريناد، وهي تعلم أن هناك شيء آخر خلفه، هي ليست بغبية. علمت هويته منذ اللحظة الأولى، علمت أن برأسه شيء ما، ولكن نظرة الحب بعينه لابنتها حثتها على الموافقة. هو لم يخيب أملها قط، ورغم علمها بمحبة ابنتها له والتي قد يراها الكفيف بوضوح، إلا أن الحزن يلازم عينيها دائماً. لم تعد تعلم ماذا تفعل، ولكنها تدعي ربها بأن يريح قلب ابنتها وينعم عليها بالسعادة.
طرقات خفيفة على الباب قبل دخول حبيبة للغرفة، والتي نظرت لريناد باستغراب قبل أن تتجه بنظرها لإيمان الجالسة على سجادة الصلاة لتباغتها باستفهام: هي مالها يا خالتو؟ شكلها تعبانة أوي. مالها دي؟ أنتي اللي تقوليها مش أنا يا قلب خالتو. نظرت لها بارتباك قبل أن تجيبها بتلثم: وأنا هعرف منين بس يا حجة إيمي؟ عليا برضو يا بت؟ قبل أن تنطق حبيبة بحرف استمعت لصوتها الذي لا يزال يحمل أثر النعاس: عملتلها حصار أوم أوم كدا يا ماما؟
ـ الحمد لله أنك صحيتي يا شيخة، دا الحجة إيمي بتقررني وبتتهمني بحاجات وأنا والله بريء يا بيه. كان هذا صوت حبيبة المازح. ـ أيوا أيوا طالما اجتمعتوا مش هاخد منكم حق ولا باطل.. يلا يا حبيبتي قومي اتوضي وصلي وأنا هجهزلك حاجة تاكليها. ـ لا يا ماما مش قادرة آكل دلوقتي. كادت إيمان أن تعترض ولكن قاطعها صوت الخادمة تخبر ريناد بقدوم سيف وطلبه رؤيته. تطلعت الفتاتان لبعضهما البعض. ـ تمام أنا جاية حالا.
ذهبت الفتاتان تجاه غرفة المكتب والتي ينتظر بها سيف، الذي صُدم من وجود حبيبة التي تقف أمامه من جديد، فهو لم يرها منذ عودتها من السفر، بينما لم تقوى هي على النظر بعينه من شدة خجلها منه. قاطع نظراتهم صوت ريناد المتلهف وهي تسأله: آسر فين يا سيف؟ ليجيبها مطمئناً: متقلقيش، هو كويس والله، بس خلي حد ينادي جين عشان عاوزكوا. ***
بغرفة كساها اللون الأبيض، مجردة من كل شيء سوى فراش باللون الأبيض عليه شراشف بيضاء تماماً، فاق يفتح عينيه ببطء شديد من شدة الضوء حتى اتضحت الرؤية أمامه بوضوح. نظر حوله وهو لا يرى أي شيء سوى اللون الأبيض، كل شيء من حوله بنفس اللون حتى ملابسه الذي لا يتذكر كيف ومتى ارتداها، وهو لا يستطيع التفكير بأي شيء سوى ألم رأسه اللعين. توسعت عيناه بشدة وتملكه الحقد عند تذكره كل ما حدث من ألاعيب عليه. تذكر كيف تم خداعه من قبل كل واحد منهم، فمن ظنه مات كان على قيد الحياة، سب بدخله ذلك العقرب الذي لا يمل ولا يتوقف عن عرقله حياته، يقسم أنه سينتقم من الجميع ولن يرحم منهم أحد.
نظر حوله بسخرية وهو لا يفقه شيئاً عن ما ينوي عليه آسر، فما قد تكون خطته بوضعه بغرفة موحدة اللون لا يوجد بها أي شيء سوى الأبيض لم يخطر بباله أبداً. الإرهاق النفسي الذي قد يقوده للجنون، فقد إن بقي بهذه الغرفة التي قد تفقده عقله بالكامل.
وقعت عيناه على ذلك الطبق الذي يحتوي على القليل من الأرز الأبيض وبجانبه كوب من الماء، الذي امتنع عنهم أول الأمر، ولكن مع تضوره جوعاً قرر تناولهم على مضض وهو يسبهم بأقبح الشتائم، يقسم على تلقينهم درساً. بينما كان يراقباه باستمتاع وهم ينتظران مفعول تلك الحبة التي وضعاها له بالماء.
مرت دقائق قليلة حتى وجدا يقف بأحد جوانب الغرفة يصرخ كالنساء وهو يرى أشباح أشخاص قد تسبب بقتلهم بالفعل، وكل منهم يتجه إليه يود قتله. ظل يركض بأرجاء الغرفة بخوف محاولاً الهرب منهم. بينما علا صوت ضحكات آسر وفؤاد وكأنهما يشاهدانه بتلك الحالة بتلذذ واستمتاع لن يستوعبه غيرهما.
ورغم شعور الاستياء الذي يشعر به كلاهما على ما يفعلانه وما توصلا له من أفعال شنيعة بسببه، إلا أنهما يشعران بلذة الانتصار بعد كل ما واجهوه بسببه. كل شيء حدث بحياتهم أو بحياة من حولهم كان بسبب هذا الوضيع. لن ينسى كم من مرة حاول التقرب من أمه وهو صغير لا يفقه شيئاً وكم مرة حاول مضايقتها وهي تصده بشدة، ولم يتوقف عند هذا الحد، حاول قتلها هو وتلك المدعوة منى قبل زواجها من أبيه ليقوما بخداعه وهما على علاقة قذرة ببعضهما
البعض، لم يكتف بذلك ليقوم بانتهاك براءة شقيقه صدقه بكل وحشية ووضاعة لتلفيق التهمة له والتفرقة بينه وبين أخاه الروحي وجعله أكبر عدو له، كان السبب بتعاسة حبيبته وجعل من كانت تظنه والدها يعمل بأعمال مشبوهة مثله وتوريط أخاها الروحي معه كذلك، ليقوم ليقوم باختطافها ومحاولة التعدي عليها وخطفه رودينا وتعذيبها لسنوات وهي طفلة بريئة لا تفقه شيئاً عن الحياة، حرمانه من أمه للكثير من السنوات، وجعل صغيرته ملك يتيمة الأبوين في سن
صغير، بخلاف محاولات تخريبه لعمله طوال تلك السنوات، قتله لوالدي داليا والتي يعتبرها بمثابة أخت له، وأخيراً محاولة سجنه بتهم لم يفعلها. كان كل هذا أكثر من كافي لدفعه للانتقام وبشدة، فهاذا الحاتم لعنة تصيب كل من حوله، فلولاه لعاش بسلام.
كل هذا زاد نار الانتقام التي تحرق صدره والتي كانت تماثلها نيران ذلك القابع جواره ليقسما على تلقينه درساً لن ينساه طيلة حياته وممارسة عليه أشد أنواع العذاب ولكن دون أن تلمسه أيديهما. *** حضرت جين لغرفة المكتب الذي يترأسها سيف وهو يحثهم على عدم القلق وأن آسر وسيف قد يعودا خلال يومين أو هذا ما ظنه هو الآخر ولا داعي للقلق. ولكن حديثه لم يفعل شيئاً سوى زيادة رعب ريناد من القادم.
ليكمل سيف حديثه بإخبار جين بأن عليها تولي أمر شركة الفؤاد لحين عودة صديقه. وقبل إكماله وقفت ريناد قائلة: هكمل أنا يا سيف بعد إذنك جين أني هتمسك إدارة شركتك وشركة فؤاد لحد ما يرجع وجون هيساعدك إنما سيف وحبيبة هيتولوا شركات الشريف مع بعض لحد ما آسر يرجع أما أنا مش هقدر أروح الشركة الفترة دي معلش. أنهت كلماتها وذهبت أمامهم على الفور والجميع ينظر لها بنظرات غير مفهومة. *** عند رودينا ومعتز.
ـ يا رودي بالله عليكي افهميني، مكنش ينفع أقولك حاجة يا روحي دي سرية شغل، إزاي هقولك؟ بصت له بنظرات حارقة قبل أن تحدثه بشراسة: ـ سرية شغل؟ شغل إيه دا لما تبقي شايفني بتحرق وبتعذب كل الفترة دي ومتقوليش، تفتكر مكنش من حقي إني أعرف إن أخويا عايش؟ شكراً أوي يا معتز. ـ بس افـ... ـ اسكت يا معتز، متكلمنيش، مش عاوزة أسمع صوتك.
ألقت كلماتها السليطة عليه وتركته خلفها وعيناه متوسعة بشدة. هل حقاً يستمع لتلك الكلمات من تلك الصغيرة؟ ولكنه سيفعل أي شيء لإرضائها، فهو يعلم بكل ما عانته بالفترة الماضية. *** "ماما"، قالتها ملك بفرحة وهي تركض نحوها كل كالطفلة الصغيرة. ضمتها حياة بحنان. ري جون يقف على بعد بخجل. ـ تعالي يا جون عامل إيه؟ أجابها بحرج: الحمد لله يا طنط، وأنتي؟ ـ طنط مين يا عبيط أنا خالتك ياض، صحيح جومانا فين؟
ـ ماما وبابا سافروا يخلصوا شوية حاجات وهيرجعوا آخر الشهر. ـ بص يا حبيبي، أنا عارف إن فيه حاجات غريبة أوي حصلت الفترة اللي فاتت ومش من السهل إنكم تتقبلوا كل ده، بس أخيراً كل حاجة اتكشفت. أنت ابن من دلوقتي قبل ما تكون ابن أختي، كان نفسي أكون معاكم وأنتم بتكبروا قدامي بس كله نصيب. المهم منضيعش من العمر أكتر من اللي راح. ـ طبعاً حضرتك زي والدتي. اقترب منه تعانقه بحنان قائلة بمزاح: ـ طب إيه مش هاخد حضن بقى؟
بادلها العناق وهو يشعر بالسعادة، فها هي عائلته تكبر كل يوم عن الذي قبله، فطالما كان يشعر بأن هناك ما ينقصه، فبأمريكا لم يمتلك سوى والديه وأخته، وها قد ربطه رابط خاص بهذا البلد وبكل من به من أناس تعني له الكثير. طالعته ملك بابتسامة صادقة قبل أن تتدخل مازحة: ـ لا أنا كدا أغير بقى حرام يا ناس، أنا واحدة اتحرمت من أمي سنين يجي سي جون ويلهفها على الجاهز، قال إيه خالته.
تشارك الجميع الضحك بسعادة قبل رؤيتهم ريناد تتجه لغرفتها ولم تنتبه لأي منهم وكأنها مغيبة عن كل شيء حولها. ذهبت خلفها حياة لترى ما إن كان بها شيء ما، طرقت على الباب قبل دخولها لغرفتها تحدثها بلطف، وها هي قد عادت حياة لسابق عهدها، لطيفة وحنونة بعيدة كل البعد عن الخبث والخطط، بعد حصولها على حقها وحق أبنائها كما أرادت. ـ ممكن أقعد معاكي شوية؟ أغمضت عينيها
بارهاق قبل أن تجيبها: لماذا لا يتركها أحد أن تنعم ببعض الوقت مع نفسها؟ لماذا يحاول الجميع الضغط عليها بكل السبل؟ إلى متى عليها تحمل كل هذا؟ ـ أكيد طبعاً اتفضلي.
ـ بصي يا ريناد أنا أكتر واحدة تقدر تفهم أنتي بتمرى بإيه دلوقتي، والي أكيد مش هقعد أعدلك واحدة واحدة عن الحاجات اللي مضيقاكي والي الأكيد أنا عارفاها لأني عشت قصة مشابهة ليها، بس أنا حابة أقولك أني موجودة في أي وقت أسمع وأساعدك لو احتاجتي مني ده، إحنا الرابط بينا كبير يا بنت اختي قبل ما تكوني مرات ابني. علامة سخرية اتضحت بمقلتيها. أي اخت هذه؟ هي بالكاد تعرفت عليها، وأي زوجة ابن؟
هي حقاً لا تعلم ما تصف نفسها به. ولما تحولت حياتها لمسرحية كاذبة. فهمت حياة ما يدور بداخلها لتربتت على يدها تخبرها بنبرة ذات مغزى: في أوقات بنحس بالضياع، بس لو استسلمناله هنقع ونتحول لأشخاص ضعيفة وغبية. حددي عاوزة توصلي لإيه وهتوصليله. ربتت على يديها مرة أخيرة قبل أن تنهض متجهة للخارج، ليوقفها صوتها المنادي لها لأول مرة. ـ خالة. التفتت لها بفرحة ذلك اللقب لتمتم الأخرى بامتنان: ـ شكراً.
ابتسمت لها بصفاء قبل أن تغلق الباب خلفها. *** وبحبه أخرى زادت الهلاوس عنده ليقتنع ويفعل كل شيء يقوله فؤاد من بكاء الصوت وهو يجلس على الفراش يضع يديه خلف ظهره وكأنه مكبل بحبل، يصرخ وكأن شخصاً ما يجلده، وفي الحقيقة أنه لم يمسه أي شخص. بينما يتابعاه بتشفّي وهم يرونه بتلك الحالة. أتاه صوت فؤاد: جت في بالك إزاي الفكرة دي يابن اللعيبة؟
آسر الشريف ميوسخش إيده بواحد زي حاتم، إحنا كل اللي علينا بس نتفرج عليه وهو بيتجنن واحدة واحدة. ابتسم فؤاد برضا عن كل ما يحدث بالفترة الأخيرة، فكل ما خططا له حدث، ليضيف آسر على انتقامهما لمسته الساحرة. لينظر له بتساؤل: ليه مخلتش سيف معانا؟ أجابه بحكمة:
حاتم كان هيصاحب عليه من أول دقيقة، وكمان كان لازم يبقى فيه راجل مع الستات دي كلها وجون مش هيلاحق على كل ده لوحده. هو لسه تعبان ومش هيستحمل، ومحدش هيفهم النار اللي جوانا غيرنا يا فؤاد، أنا وأنت أكتر حد الراجل الغبي اللي جوا دا أذاه، برغم غبائه. أومأ له بتفهم وكأنه يؤكد على كل حرف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!