جلست على الرمال ونظرت له مردفة بابتسامة: –أقعد. جلس بجوارها يحاول فهم ماذا تفعل، ولكن فاجأته يدها التي جذبت رأسه تريحها على قدميها، جاعلًا جسده يستريح على تلك الرمال الرطبة. علها تهدئ من احتراق روحه التي تعلم بأنها تتألم الآن. نظر إلى البحر بشرود، مردفًا: –شايف الأنوار دي طايفة إزاي على البحر؟
أهو همومنا ووجعنا بتطوف كدا على وش البحر لحد ما تيجي شمس يوم جديد وتغرق كل دا جواه. عارف، أهو البحر دا أحسن مكان تلجأ له لما تبقى مهموم وحزين، بنشكي له همومنا ووجعنا وبنشارك فيه أفراحنا، وبنطلع كل حاجة قدامنا وياخدها في جوفه وحافظ للسر، هو صديق بنلاقيه في الوحدة وبنلاقيه في كل وقت، بيجدد فينا حاجات ويصلحها، بيداوينا ويمتص حزننا. نظرت له بابتسامة، تمررها أصابعها في خصلاته البنية، مردفة بحنان:
–انسي ولو لمرة إنك العقرب الجامد اللي محدش يعرف عنه حاجة، طلع اللي جواك، واعرف دايماً إني جنبك بقويك بالقوة اللي باخدها منك. قوي ضعفك قدام نفسك ودوس عليه، لأنك طول ما أنت بتداريه هيخونك في يوم ويظهر قدام الكل. كان ينظر إلى البحر شارداً، وقد لامست كلماتها البسيطة. وكأن العالم يأبى رؤيته سعيداً. أردف بشرود: –ما أجمل كوني مثل البحر، لا يوجد من يعرف أسراري، سواي خارجي هادئ وأنيق، وبداخلي عالم عميق.
نظرت له مقررة مجاراة الحديث معه بنفس طريقته، مردفة: –يبقى البحر ونسيمه هو الملجأ والمقصد الوحيد حين لا تجد قلبًا يستوعب وجعك. –شاكً البحر باضطراب خواطري، فأجابني برياحه الهوجاء. –البحر يغرق كل ما يُلقى فيه. –أمرتني بركوب البحر أقطعه، غيري لك الفضل أخصه بذا الداء. –ما أنت نوح فتنجيني سفينته، ولا المسيح أنا أمشي على الماء. –لا أركب البحر أخشى، على منه المعاطب. –طين أنا وهو ماء، والماء في الطين ذائب.
–فلتذب أوجاعنا فيه لتتجدد أرواحنا. –وكفاية بقى، أنا واحدة تعليمي على قدي. اعتدل في جليته ونظر لها ضاحكًا، مردفًا: –لا على قدك إيه بقى. دا أنا اللي على قدي. ضحك كلاهما، لتتلاقى زرقاوتيها مع عينه البنية، واضعة كفها على لحيته، مردفة: –آسر، أنا بحبك، وميهمنيش حاجة قد ما يهمني إني ما أشوفش الوجع دا في عينك. ضمها إليه بقوة، وكأنها خلقت لتكون دواء لأوجاعه. القليل من الوقت حتى كان كلاهما أمام القصر. نظر لها مردفًا:
–اطلعي أنت وأنا هعمل حاجة وأرجع. –رايح فين دلوقتي؟ –مش هتأخر. –يالا. هبطت من السيارة، ناظرًا لها حتى اختفى طيفها. اتجهت إلى القصر، مردفة: –يا رب احميه. في تمام الساعة 1:24. وبأعلى إحدى المنحدرات يقف ببرود، صامدًا ظهره على السيارة. نظر لساعته بملل وبدأ العد: 3، 2، 1.
وفي نفس اللحظة روى صوت إطارات السيارة نتيجة احتكاكها بالأرض. هبط من السيارة سريعاً، نظر له قليلاً حتى تقدم منه يقف بوجهه، ناظرًا إلى عينيه، صارخًا بوجهه لأول مرة يصرخ بوجهه هكذا، ولأول مرة لا يستطيع السيطرة على أعصابه، خارجًا عن فقاعة بروده واتزانه. نظر له صارخًا بألم: –مقولتليش ليه يا غبي إنها تبقى هناك. نظر له مردفًا: –مكنتش أعرف إنها عايشة. نظر له باستغراب، مردفًا: –يعني إيه؟ –يعني...
وبدأ بالشرح له ما حدث وما سيحدث. بعد قليل من الوقت. نظر له مردفًا: –يعني هي تظهر كأنها فاقدة الذاكرة ومتعرفش حد، فينادينا متقربش منها، وأنت مش محتاج أقولك تعمل إيه، أنت تعرف تلاعبهم كويس. نظر إلى الفراغ نظرة مرعبة، مردفًا: –ألعابهم دي هم اللي هيلاعبوا نفسهم. وسريعًا ما تحولت نظرته إلى نظرة خبث، وتلك الابتسامة الخبيثة التي تعلو ثغره، مكملاً: –هانت يا صاحب. نظر له الآخر بصمت. كاد أن يرحل حتى استوقفه صوته المنادي باسمه.
–أسر. التفت له ناظرًا له بصمت حتى أكمل الآخر مردفًا: –مكنتش أعرف إن ليها أخت، ترام أنا فكرتها، هيسيب كل حاجة لوقتها يا فؤاد. آه، ابعد كوثر عن سيف وعرفها إن العقرب لما يقول كلمة ينفذها، وهي عارفة أنا عملت إيه. ذهب من أمامه عقب إنهاء حديثه، مباشرًا منطلقًا بسيارته من المكان. نظر الآخر أمامه بحزن قبل أن ينطلق بسيارته هو الآخر. عند سيف وحبيبه.
كان يجلس شارداً بين الأنوار الخافتة والزهور منتشرة حوله بمظهر خلاب. تجلس بجواره حبيبه التي كانت تنظر له بحزن، مردفة: –ممكن أفهم مالك؟ أغمض عينيه بألم، مردفًا: –مالي يا حبيبة، مالي، أنا فيا كثير قوي بس للأسف مبتحكيش. وجع كبير قوي في قلبي. كانت تنظر له بحزن، تتمنى لو أنها تستطيع انتشال ذلك الألم من قلبه. كاد أن يخرج صوتها، ولكن أوقفها صوت مكابح سيارة ما تخرج منها تلك السيدة.
نظرت إلى ملابسها بتفحص، فحقًا كانت لافتة للانتباه بذلك الحذاء ذو الكعب العالي، وبنطالها الجلدي الأسود الذي كان يلتصق بجلدها بالفعل، وذلك البلدي الأسود ذو الحمالات الرفيعة، وشعرها المنطلق دون أي قيود. نظرت لها حبيبة باستغراب وتقزز من هيئتها المتصابية تلك. أما سيف الذي نظر لها بوجه خالي من التعابير، حتى خرج صوتها مردفة بخبث: –كدا برضوا يا عريس؟ متقولش لماما، بس أنا مش زعلانة منك.
اتسعت حدقتا حبيبة، بينما نظر لها سيف ببرود، مردفًا: –أمي ماتت من زمان. اختفت تلك الابتسامة الصفراء التي كانت تحتل وجهها، مردفة: –بنتي فين؟ نظر لها بنفس البرود، دافنًا ذلك الألم الذي يزداد بداخله، مردفًا: –معرفش. أنت مش عارفة بنتك فين؟ أنا أعرف. وأفضلي بقى من هنا، أظن قلة ذوق وقفتك هنا دلوقتي. نظرت له بغضب، صاعدة لسيارتها، مردفة: –ماشي يا سيف، بكرة تشوف. أغلقت باب السيارة بغضب، منطلقة بسيارتها بعيدًا.
أما حبيبة، ظلت تنظر للسيارة بصدمة حتى اختفت، لتعيد النظر إليه. صرخت بفزع عندما رأته مستندًا بكفه على الأرض، يضع الآخر على قلبه بألم. –سيف، مالك؟ سيف. كانت الصورة تتلاشى من أمامه رويدًا رويدًا حتى اختفت تمامًا. سقط أرضًا مغشيًا عليه. في “قصر الشريف”. دَلفت ريناد إلى غرفة ملك، وجدت رأسها المدفونة داخل الوسادة. اقتربت منها تمرر يدها في خصلاتها بحنان، حتى لاحظت وتيرة أنفاسها المرتفعة. وضعت يدها على رأسها، مردفة:
–ملك، أنتِ صاحية؟ نظرت لها الأخرى بتلك العينين الحمراوين من كثرة البكاء. ضمتها ريناد بقلق، مردفة: –في إيه يا حبيبتي؟ مالك؟ ضمتها ملك بقوة، دافنة وجهها بداخلها، مردفة بتقطع من بين شهقاتها: –أنا، أنا شرفتها، صح؟ والله العظيم شرفتها. طب أزلي شفتها بين إيديه؟ دَفعتها عنها بعنف، مكملة بصراخ، وأبت عينيها التوقف عن ذرف الدموع: –شرفتها غرقانة في دمها، ميتة، عارفة يعني إيه ميتة؟
وبدأت تضحك بهستيريا مفرطة، بينما تنظر لها الأخرى باندهاش وقلق من تلك الحالة التي هي بها الآن. وجع وقرف وحزن، هذه وكل دا وهي عايشة، كان حد يتخيل حصل إيه. هدمت كل شيء، تقع يديها عليه أرضًا، صارخة: –لا، محدش يتخيل، هيتخيل إيه؟ فهميني؟ هيتخيل إيه؟
أسرع الجميع إلى الغرفة بفزع. نظر لها جون يشير إلى جين. تقدمت منها جين، مكبلة حركتها ليقوم هو بغرز الإبرة في جسمها، ليتراخى جسدها بين يدي جين. قام بحملها ووضعها على الفراش، بينما هي تهذي ببعض الكلمات وهي بين الوعي واللا وعي، مردفة بهذيان: –شوفتها، ماتت، دم، نار. ظلت على هذا الوضع دقائق حتى غابت عن الوعي. نظر جون إلى ريناد، مردفًا بتساؤل: –إيه اللي حصل؟
–معرفش، أنا جيت لقيتها بتعيط، وبعدها قعدت تزعق وتقول كلام غريب زي شفتها، وغرقانة في دمها، وعايشة إزاي. ثم نظرت بغموض إلى دينا التي كانت تقف بالخلف، واتت سريعًا عند سماعها لذلك الصراخ. نظر لهم جون بجدية، مردفًا: –خلاص يا جماعة، هي كويسة، سيبوها ترتاح. جين، روحي أنتِ العربية تحت. أومأت له جين، تاركة الغرفة. خرج الجميع من الغرفة، وخلفهم جون الذي ظل ينظر لها بحزن طويلًا وخرج مغلقًا الباب خلفه.
أما ريناد، كانت تسير شارده، ليفيقها صوت هاتفها المعلن عن تلقيها مكالمة. نظرت للهاتف باستغراب، لتجدها حبيبة. ضغطت زر الرد، وقبل أن تنطق حرفًا واحدًا، استمعت إلى صوتها الباكي، مردفة: –ريناد، إلحقيني، سيف أغمى عليه وأنا مش عارفة أعمل إيه. –طب أهدي، أهدي وأنا هتصرف. أنتِ فين؟ –في *****. –طب أهدي أنتِ وأنا هتصرف. أغلقت الخط سريعًا، محاولة مهاتفة أسر ولكن دون جدوى.
بدلت ملابسها سريعًا، راكضة نحو السيارة، منطلقة بها نحو ذلك المكان. لتأتي سيارة من خلفها تحاول إيقافها. تجاهلتها، تزيد من سرعة السيارة، قاطعة طريقها، متوقفة أمام سيارتها، وهذا كان آخر ما تذكره. بينما كان سيف وحبيبه في سيارة أسر متجهين إلى المشفى. وعند وصولهم، دلف، أتى إليه الأطباء سريعًا وقاموا بفحصه. بعد مدة، خرج الطبيب، مردفًا: –هو المريض دا مريض قلب. نظر له أسر باهتمام، مردفًا: –لأنه؟ نظرت له حبيبة: –هو كويس؟
نظر لها بحزن، مردفًا: –أزمة قلبية. للأسف القلب حالته خطيرة جدًا، ولازم يتحمله زرع قلب في أسرع وقت. المريض بقاله فترة كبيرة بيعاني من مشكلة في القلب وحالته خطيرة جدًا. والتمني نلاقي قلب بالمواصفات المتطابقة مع الحالة. شهقة فلتت من فمها، تستند على الحائط حتى لا تسقط. بينما هو يحاول استيعاب ما استمع له. بعد وقت طويل، أخذها أسر إلى منزلها وعاد للمشفى من جديد. في صباح اليوم التالي.
في فيلا الرحماني، فيلا ذات أساس عريق. دَلفت سيارتها السوداء تتبعها سيارتان من الحرس. دبت قدميها على الأرض، واضعة نظارتها السوداء بجبروت. نظرت له، مردفة: –شكلك كنت مرتب لكل حاجة. نظر لها وعلى وجهه ابتسامة جانبية، مردفًا: –وتلاقيني دائمًا جاهز. تحركت بانسيابية، متجهة إلى الداخل، تاركة حذائها يقرع على الأرض بجبروت. حان الوقت لعودة عهدها من جديد.
تجلس متكورة بخوف في أحد الجوانب، تجلس بهذا الوضع منذ أن فتحت عينيها. ماذا أتى بها إلى هنا؟ لحظة تستمع إلى خطوات تقترب من الباب، ضمت نفسها بقوة وهي تستمع إلى الباب يُفتح. دَلَف للغرفة التي بها، وعلى محياه ابتسامة شر، مردفًا: –ما لو الحلو خلي، ليه دا؟ ليه؟ الوقت قدامنا كثير يا قمر. نظرت له بغضب، وقد اختفى الخوف من عينيه. –بقا العيون الحلوة دي تبصر البطة الوحشة دي؟ دا حتى عيب. –أنت مين وعايز مني إيه؟
–لا هو من ناحية عايز، فأنا عايز حاجات كثير. نظر له نظراته القذرة، حتى رفعت يدها تهبط بها على وجهه بكل قوتها، مردفة: –اتعود قبل ما تقول حاجة، أتأكد إذا كنت قدها ولا لأ، عشان شكلك ميبقاش وحش كدا يا حلو. قبض بيده على شعرها من فوق الحجاب، حتى تألمت، مردفًا: –تحبي أوريكي قدو ولا لأ؟ هزت كتفيها بلا مبالاة، مردفة بسخرية: –مش هتقدر، هتخاف يا حاتم بيه. فبضته على حجابها، ناظرًا لها بصدمة، كيف عرفت اسمه؟ –لالالا، إيه مستغرب؟
ليه كدا؟ ما أنا مرات العقرب برضه، أكيد يعني اتعلمت منه حاجة. خرج على الفور، مغلقًا الباب بالمفتاح خلفه. بينما نظرت هي إلى الباب بخوف، وقد تلاشت نظرة القوة المزيفة تلك. في “فيلا المنياوي”. يجلس على المكتب وداليا بالمقعد المقابل له، مردفة: –يا فؤاد، كل حاجة طلعت غلط، مقتلتوش. بابني رد عليا بقا من امبارح، بكلم فيك، يشوه بقا، يا فؤاد. رفع نظره لها أخيرًا، مردفًا: –عاود أي يا داليا؟ عواني لأقولك عملت إيه. هامد حقي منه.
نظر لها بشر، مكلمًا: –مقتل ابنه قدامه، واذبحه ذي ما ذبحني في ظهري، مقتله قدام عينيها وأوجع قلبها زي ما أوجعت قلبي، وتقتلها وأكوي جرحي بالنار. هبت داليا، مردفة بصراخ: –فؤاد، فوق، أنت جننت، فوق بقا، حرام عليك. صرخ بها، مردفًا: –داليا، كفاية بقا كلام في الموضوع ده. –بس... قاطعها، مردفًا بصوته الجوهري: –داليا، مش عاوز أسمع كلمة تانية، فاهمة. ترك لها المكتب وخرج، بل خرج من المنزل بأكمله.
ذهب الجميع إلى المشفى باكرًا بعد علمهم بما حدث لسيف، ولم يلاحظ أحد إلى الآن اختفاء ريناد. وعند دخولهم، وجدوا المكان في حالة هرج ومرج، الأطباء يركضون لداخل غرفته. أوقفت حبيبه إحدى الممرضات، مردفة بقلق: –هو في إيه؟ أجابتها وهي تركض، مردفة: –المريض نبضه وقف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!