في “قصر الشريف” كان الجميع ينظر لها بأعين غير مصدقة. نظر أسر إلى دينا بأعين غير مصدقة. حتى خرج صوت جومانا المصدوم مردفاً: –حيااااه؟ لتنظر لها حياة بابتسامة مردفة: –إزيك يا جومانا؟ لتردف جين باستغراب: –انتي تعرفيها يا ماما؟ تجيبها حياة “السلطانة”: –طبعاً لازم تعرفني، هو في أخوات متعرفش بعض؟ أما أسر، فقد أدار ظهره متجهًا نحو مكتبه وهو ما يزال لا يستوعب ما يحدث.
لتتركهم السلطانة، كل منهم تتملكه أفكار مختلفة ولا يفهم أحدًا منهم شيئًا. لتدخل إلى المكتب مغلقة الباب. تذهب نحوه. ليرفع لها عينيه البُنيتين اللتين غلب عليهما اللون الأحمر. لتقتَرب منه جاذبتًا له نحوها، ضامته له بقوة، مخبئة وجهه بداخلها حتى لا ترى ذلك الضعف بعينيه. تعرف أنه يكره ذلك. بالخارج. رحل الجميع ولم يبقَ منهم سوى حبيبة. نظر سيف نحو معتز بعدم استيعاب، أكان يعلم كل هذا؟ لينظر إليه مردفًا بنبرة لا تعبر عن أي شيء:
–أزاي؟ لينظر معتز إلى رودينا المصدومة مردفًا: –لما تخرج من جوا هتعرفوا كل حاجة. لينظر سيف إلى دينا مردفًا: –وأنتي كنتِ تعرفي… وخبيتي عليا بعد كل اللي عمله عشانك؟ ليصرخ في وجهها مكملًا حديثه: –عارفة لو فؤاد شافك دلوقتي هيعمل فيكي انتي وابنك إيه؟ لتبدأ عبارتها بالسيل على وجنتيها الورديتين، تأبى التوقف عن زرف الدموع. لتأتيه يد تمسك بكتفه. وبالطبع كانت تلك اليد يد حبيبة. صمت حل على الجميع. بالداخل.
جلس أسر يستمع لحديثها باهتمام. بينما هي تقص له ما حدث في تلك السنوات. حياة: –وساعتها عربية ظهرت ليا في الطريق وكانت السواق بتاعها مش مظبوطة. هديت عشان منعملش حادثة، وخصوصًا إن الطريق كان ضيق فوق الجبل. بس العربية اتخبطت في حاجة بس من وراها. نزلت أشوف أي اللي حصل أو اللي فيه جراله حاجة. بس طلع… لتكمل جملتها بغل:
–طلع حاتم اللي جواها وكان جنبه مني. وأول ما جيت قدام العربية اتحركت وخبطتني. وقعت ساعتها من على المنحدر ومحستش بحاجة تاني. –لما كنت فاقدة الذاكرة وعرفت إني كنت في غيبوبة لمدة 7 سنين. –اللي وداني المستشفى كان راجل كبير. فضل يتابع حالتي الخمس سنين لما معرفوش يوصلوا لأي معلومة عني. كان اسمه فاضل، لقبه كان السلطان.
–أخدني معاه لندن وفضلت هناك 4 سنين وأنا برضه مفتكرتش أي حاجة. ساعدته في الشركات وعلمني الشغل عشان أشغل بداله لأنه كان تعبان. اتعلمت واتطورت في الشغل وبقيت كل حاجة تحت إيدي. لما تعب جامد في شغله وعشان كدا بقى اسمي السلطانة. –في الفترة دي اسمك انت بدأ يكبر. بسمع عنه وأحس إني عرفاه. وإن شركة الشريف أكبر شركة في مصر. لحد ما كبرت أكتر وبقى ليها فروع في كل البلاد. وطلعت انت لأول مرة على الشاشة.
–ومن اليوم ده وأنا بدأت ذكريات تتقلب في دماغي مش واضحة، كأن شريط حياتي بيعدي قدامي والصداع يمسكني. حاجات تعدي قدامي وفضلت على الحال ده 4 شهور. –وفي يوم تعبت قوي ونقلوني على المستشفى بعد ما أغمي عليا. ولما فوقت كنت فاكرة كل حاجة حصلت. قررت أرجع. وطبعاً أخدته معايا عشان أخلي بالي منه.
–رجعت مصر بس رجعت على إسكندرية في الفيلا بتاعته هناك. ونزلت القاهرة وبالصدفة قابلت معتز اللي اتخض أول ما شافني ومصدقش. وقالي إنهم لقوا جثتي يومها بس مشوهة. –وإلي عرفته بعدها إنهم شوهوا جثة وحطوها مكاني في العربية بعد ما ولعوا فيها وعشان محدش يشك إن حد عملها وتبان طبيعية. عرفت منه إن محمد اتجوز. والي اكتشفته إنه اتجوز نفس الست اللي أنا شفتها جنب حاتم في العربية يومها.
–ومن هنا قررت أبدأ لعبتي. ورجعت تاني إسكندرية. أكبر اسم السلطانة خنا زي ما كبرته هناك بس من غير ما حد يعرف مين السلطانة. وادي جه الوقت لظهورها. أما هو، فكان في موقف لا يُحسد عليه. ولأول مرة بحياته لا يدري ماذا يفعل. لأول مرة يقف مكبل الأيدي، لا يستطيع ضم والدته. ما يزال لا يصدق كل ما حدث. ليغمض عينيه بقوة محاولًا كبت كل تلك الجروح والآلام التي لا يتوقف الزمن عن فتحها بداخله.
ليفتح عينيه اللتين تغير لونهما تمامًا وأصبحتا سوداوين قاتمتين محمرتين. ليردف بنبرة تملؤها القسوة لا تقبل نقاشًا، تلقيها بذلك القرب الهادئ الذي سينشر ثَمَّ بين أولئك الأفاعي: –السلطانة هتظهر بس على خطتي أنا. “بسيارة فؤاد” يبحث عن هاتفه ولكن دون جدوى. قليل من الوقت حتى تذكر أنه تركه على الطاولة بالقصر. لينظر إلى ساعة يده ليجدها العاشرة والنصف مساءً. ليصعد يرتدي سريعًا متجهًا نحو القصر.
في “قصر الشريف” في الحديقة بالاخص. تجلس داليا ومعاذ وقد سرقهم الحديث سويًا حتى مر الوقت دون أن يشعرا. لتردف داليا بتفاجؤ: –ينهار أبيض! إحنا قعدنا كل ده؟ ليبتسم معاذ مردفًا: –آخرت اللي يعمل عمل خير تلاقي الحفلة خلصت. داليا: –حقيقي، متشكرة جدًا لكلامك. نظر لها معاذ بتفهم وابتسامة. بالتأكيد يفهم ويقدر كل ما تمر به. شعر بذلك الشعور من قبلها. كيف لا يعلمه؟ ولكن لسوء حظهم وقعوا مع نفس الأشخاص. ليخرج صوته مردفًا:
–أهم حاجة تكوني ارتحتي. لتنظر له قليلًا حتى يخرج صوتها مردفة: –مش هقدر أكذب أو أضحك على نفسي وأقول إني ارتحت أو نسيت. هو مش زرار. وأنت كل الفكرة إن الإنسان بيبقى عايش في وهم، واهم نفسه بيه ومش عاوز يفوق لحد ما بيجي قلم يفوقه. بس أنا قلمي كان أحن شوية من قلمك. بس أرجع وأقول كلها شوية وأتاقلم على ده. لترفع يديها لتمسح تلك الدمعة التي خانتها وفرت من عينيها. لتردف: –يلا بقى عشان تسلم عليها ونشوف قوتك يا بطل.
ليردف معاذ ضاحكًا: –هههه. طب يلا يا ستي. ليذهب كلاهما متجهًا لداخل القصر. “بالداخل” صمت يعم على المكان. كل منهم محاصر بين دائرة أفكاره. سيف يجوب المكان ذهابًا وإيابًا بقلق. يعلم ماذا سيحدث. إن علم فؤاد بأن دينا على قيد الحياة، فسيقلب الدنيا رأسًا على عقب. هو يعلم جيدًا أن هدوئه كل تلك الفترة ليس هينًا. فهو يشبع أسر كثيرًا. من الصعب معرفة ما يدور بخاطر أي منهم.
بينما تجلس هي ولا تعلم ماذا يحدث، ولكن من المتضح أن الأمر ليس هينًا. ولكن مهما كان الأمر ستظل معه تساند. بينما تجلس دينا ضامة لابنها. ولكن نظراتهم المتسائلة تكاد تخترقها. تعلم جيدًا أن من المستحيل تخلي أسر عنها. ولكنها تخشى عليه من تهور فؤاد بعد معرفته بكل هذا. بينما تجلس حبيبة لا تعي شيئًا مما يحدث. ولكن ما يقلقها هو حاله سيف والقلق البادي على وجهه. فهي أول مرة تراه بهذا الشكل.
بينما كانت جومانا هي من تشعر بالسعادة من بينهم. فهي وبعد كل ذلك الوقت وجدت شقيقتها. ولكن ما يشغل تفكيرها الآن ما هي علاقتها بتلك العائلة؟ أما رودينا، التي كانت تنظر لهم بصدمة، تارة لدينا وتارة لمعتز الذي كان يحاول تجاهل نظراتها قدر الإمكان. يعلم ما يدور بخاطرها الآن، ولكن وقت معرفتها لم يحن بعد.
أما جون، فقد اهتم بملك بحكم أنه حاصل على شهادة طب قبل أن يقوم بإدارة الشركة لمساعدة جين. وكل منهما يشغل باله من تلك المرأة المدعوة بحياة، والتي من المفترض أن تكون شقيقة والدتهما التي لا يعلما عنها شيئًا. ولكن هذا ليس بالوقت المناسب حتى يسألا عن أي شيء. ليخرجهم من دوامة أفكارهم تلك صوت داليا الصارخ باسم دينا. لينظر الجميع نحوها هي ومعتز الواقف بجانبها ناظرًا لها باستغراب.
لتتقدم منها ببطء ونظرها مثبت نحوها، تحاول تصديق ما تراه عيناها. لتقف أمامها بأعين دامعة. لتعانقها مردفة ببكاء: –سبتيني ليه؟ ملقتش حد جنبي بعد ما مشيتي. مش هسامحك أبدًا. لتبادلها الأخرى العناق مردفة ببكاء هي الأخرى: –كان غصب عني والله العظيم غصب عني. كل اللي حصل ما كانش بأيدي. كل اللي حصل. ليقاطعهم دخول فؤاد الذي تصلب مكانه فور رؤيته لدينا. ليرمش باهدابه عدة مرات يحاول استيعاب ما يراه.
لتصرخ هي فور رؤيتها له متمسكة بظهر داليا بخوف. ليخرج على الصوت أسر وخلفه والدته. وكانت تلك الصاعقة التي ضربت رأسه. هي حقًا على قيد الحياة؟ هل ما يراه الآن حقيقة؟ يا إلهي ماذا يحدث؟ ليتقدم نحوه أسر يجبروت، واضعًا يديه في جيب بنطاله، ناظرًا إلى عينيه ببرود وقسوة. أما الآخر، بادله النظرة بآخر غاضبة متألمة. كل من يراه يقسم أنه وحش بمعالم الغضب المنحوتة على وجهه باحترافية. عيناه المحمرتان.
الجميع الآن يرى ذلك الوحش الذي طالما سمعوا عنه. عداه هو، يشعر بمدى ألمه وحرقة قلبه. لينظر فؤاد إليها ولم تتغير تعابير وجهه أنشًا واحدًا سوى تلك الدمعة التي كانت حبيسة عينيه بمنتهى القسوة. لتركض هي مختبئة خلف ظهر أسر فور رؤيته ينظر لها. لتقع عينيه على ذلك الصغير بين يديها لتتسع عينيه بصدمة. ليخرج من المكان تاركًا لهم القصر بأكمله.
رد فعل صادم للجميع. لم يتوقع أحد أن يكون هذا هو رد فعله. وكيف لأحد أن يتوقع ما يدور بباله؟ فهو الثعلب. صمت ساد على الموقف لا يقطعه سوى صوت أنفاس دينا المرتفعة. لينظر لهم مردفًا بنبرة آمرة: –كل واحد يروح أوضته. وإلى حصل هنا ميتجابش سيرته من أي حد فيكم حتى لو بينه وبين نفسه. لينظر إلى معتز نظرة غامضة. بينما الآخر، واضعًا نظره بالأرض متحاشيًا تلك النظرة. مردفًا: –وأنت تخليك مع السلطانة. لينظر باتجاهها مردفًا بغموض:
–نورتي يا سلطانة. ليتجه بنظره نحو سيف مردفًا: –سيف خد حبيبة وروح زي ما كنت عايز. كاد سيف أن يعترض ولكن نبرته أوقفته. ليفعل ما قاله دون نقاش. ليتجه هو نحو ملك المستلقية على الأريكة حاملًا لها بين ذراعيه متجهًا بها إلى غرفتها مردفًا: –ريناد استني هنا لحد ما أرجع. تحرك الجميع لفعل ما أمر به. فهم ليس من حقهم الجدال. فالأمر لا يعنيهم. بغرفة “ملك” وضعها برفق على فراشها مقبلًا جبهتها بحنو. مردفًا بحزن:
–مش هتستحملي كل ده أنا عارف. بس أنا جنبك وهفضل جنبك. مش هسمح لحد يأذيكي. مش هيقدروا يعملولك حاجة دلوقتي زي ما مقدروش زمان. مش هسمح يحصلك زي ما حصل لدينا ورودينا. أقترب منها ممسدًا على خصلات شعرها البُنية بحنو. ليميل بجذعه مقتربًا أذنها مردفًا: –ارتاحي. انتي كل حاجة هتبقى تمام. دثرها جيدًا بالغطاء. وخرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه برفق. “بالأسفل”
تجلس هي شارده. تتردد في رأسها أحداث اليوم. لا تعي شيئًا مما يحدث. يوجد الكثير من الأسئلة تدور برأسها. لا تجد لها إجابة. من هي تلك المرأة؟ ومَن تلك الفتاة وصغيرها؟ ما علاقة كل هذا بذلك المدعو فؤاد الذي قام باختطافها من قبل؟ ما الذي كان يعنيه سيف بحديثه معهم جميعًا؟ وهل الأمر بتلك الأهمية والخطورة حتى يحدث ذلك التوتر بينهم؟ كل شيء غامض جدًا. لا تجد إجابة لأي سؤال منهم.
وكل هذا ولا تفهم ما الذي حل بأسر. فهو كالعادة أكثرهم ثباتًا. لا يفهمه أحد. دائمًا ما يكون غامضًا بكل شيء. ولكنها ستكون معه للنهاية. أفاقها من شرودها على صوته الثابت القوي المطعم بالألم التي شعرت به في صوته: –تعالي يا ريناد. نظرت له تارة، وإلى يده الممتدة إليها تارة أخرى. يبدو أنه سيصيبها بالجنون قريبًا. فمن المستحيل أن يكون طبيعيًا. نفضت كل تلك الأفكار من رأسها رافعة يدها له، ممسكة بخاصته دون أدنى كلمة.
خرج متجهًا بها نحو السيارة. منطلقًا إلى مكان مجهول. في “فيلا حاتم أبو المجد” يجلس هو على البار الخاص الملحق بفيلته. يُشعل سيجارته. يُنفس بعض الأنفاس منها شارداً. يفكر في كل شيء يحدث منذ فترة. منذ تلك الليلة التي ذهبت فيها مني إلى فؤاد. قاطع شروده صوت إحدى الخادمات لتخبره بوجود امرأة في انتظاره بالخارج. نظر لها باستغراب مردفًا: –واحدة؟ واحدة مين؟ لتردف الخادمة: –مقالتش هي مين. حاتم: –روحي انتي وأنا جاي.
أومأت له بطاعة ذاهبة من أمامه على الفور. ليردف متعجبًا: –واحدة مين دي كمان؟ هي ناقصة؟ يلا أهو دلوقتي أعرف. أنهى جملته متجهًا إلى الغرفة التي تجلس بها تلك المرأة. “بغرفة الاستقبال” حيث تجلس هي بأنتظاره. تجلس على المقعد وقسمات القلق محتلة وجهها. وفور دخوله وقعت عينيه عليه. ناظرًا لها بتعجُب. هل جُنَّت تلك المرأة أم ماذا؟ منذ متى وهي تأتي إلى هنا؟ وسريعًا ما تحولت نظرته من التعجُب إلى الغضب. مردفًا بخفوت: –أنتي اتجننتي؟
أنتي إزاي تيجي هنا وكمان من غير ما تقولي؟ لتردف هي الأخرى بصوت خافت: –مش وقت كلامك الفارغ دا دلوقت. فيه مصيبة. قام حاتم بدفعها نحو المكتب سريعًا مردفًا: –طب ادخلي على المكتب نتكلم. دلف كلاهما إلى المكتب. ليردف حاتم سريعًا: –إيه اللي حصل؟ رفعت مني الهاتف أمام وجهه. نظر هو إلى الهاتف لتقع عينه على صورة تجمع بين فؤاد وهو يعانق سيف. وكانت الصدمة عندما اكتشف أن الصورة كانت بداخل قصر الشريف. عند “أسر وريناد”
وبعد ما يقارب ساعة ونصف من القيادة وقفت السيارة. طوال الطريق لم يردف أي منهما أي كلمة. نظرت هي حولها لم تجد شيئًا سوى الظلام. لا ترى أي شيء. بالكاد ترى أسر. لتخرج أخيرًا من فقاعة الصمت تلك مردفة: –أسر، إحنا فين؟ إيه الظلمة دي؟ ضغط على يدها يبث بداخل قلبها الأمان وأنه بجانبها مردفًا: –متخافيش. انزلي. مجرد وجوده فقط يجعلها تشعر بالأمان. ولكنها تريد أن تفهم ما يحدث. لتفيق على صوته من جديد مردفًا: –يا بنتي انزلي.
هبطت من السيارة لتداعب وجنتيها نسيم الهواء البارد. صوت ماء بحيرة لا تدري. نظرت حولها الرؤية معدومة. لا تستطيع رؤية أي شيء. حتى وجهه اختفى بين الظلام. ولكنها تشعر بيده الممسكة بيدها يسير برفق يحثها على السير خلفه. توقف فجأة. مرة ثانية، ثانيتان، ثلاث. حتى امتلأ المكان من حولها بالأنوار. ساحة دائرية كبيرة بمنتصف البحر مليئة بالورد والشموع والأنوار التي انعكس ضوئها على المياه لتصنع منظرًا خلابًا ساحرًا.
نظرت حولها بانبهار. يبدو أنه هو عوض الله لها. وبدون أي مقدمات ألقت بنفسها داخل أحضانه مردفة بأعين دامعة: –أنا بحبك قوي. مكنتش أتخيل إني أقولها لحد ولا كنت أتخيل إن ممكن حد يعمل عشاني كدا. دفع يديه بدوره يحاوطها بقوة دافنًا وجهه برقبته، مستنشقًا عطرها الذي يشبه رائحة الفراولة. مردفًا بخفوت: –مفيش غيرك يتعمل عشانه. أنتي سلطانة في مملكة العقرب. ابتعدت عنه ببطء تنظر إلى عينيه الليتينين اللتين يملأهما الحزن.
ولأول مرة يرى شخصًا ما يكمنه العقرب بداخله. لتخرج صوتها مردفة كلمة واحدة: –ليه؟ نظر لها متصنعًا عدم الفهم: –ليه أيريناد؟ –مش العقرب اللي يجي حد قدامه وميبقاش فاهمه. ليه بعد اللي حصل النهاردة أصرت وجبتني هنا؟ ابتسم لها ابتسامة ذات مغزى مردفًا: –وأيه اللي حصل النهاردة؟ هزت كتفيها كعلامة على عدم معرفتها مردفة: –معرفش حصل إيه. وميهمنيش أعرف قد ما يهمني أعرف الحزن اللي احتل عينك دا ليه. وليه برضه جبتني هنا؟
حاوط أسر وجهها بكفيه ناظرًا لزرقاوتيها: –كان لازم أول يوم في حياتنا يبقى مميز. يكن كل اللي حصل ده بإيدينا فرصة تانية نبدأ بيها. وأنا مش عاوز حاجة غير إني أشوفك سعيدة. نظرت له ريناد قليلًا. حتى خرج صوتها مردفة: –اممم. نبدأ حياتنا. وسعيدة. تمام. بس نبدأها على طريقتي. لم يستطع منع تلك الابتسامة التي تسللت إليه عنوةً من طريقتها الطفولية: –وأنا معاكي يا ستي زي ما أنتي عاوزة. نظرت له مردفة: –معايا في أي حاجة؟
ليومئ لها بإيجاب مردفًا: –أي حاجة. قفزت بسعادة. لتميل تنزع حذاءها وتضعه على الأرض. نظرة له بأعين بريئة تشبه القطط مردفة: –عاوزه رمل. نظر لها بتعجب مرددًا كلمتها: –رمل؟ ريناد: –أيوه عاوزه أمشي على الرمل. ليضحك على براءتها مردفًا: –ماشي يا ستي تعالي. ذهب بها إلى شاطئ تلك البحيرة. جلست على الرمال نظرت له مردفة: –اقعد. جلس بجانبها يحاول أن يفهم ما الذي تفعله. ولكن فاجأته يدها التي جذبت رأسه تريحها على قدميها مردفة بشرود:
–البحر ده أحسن مكان تلجأله لما تبقى مهموم وحزين. بنشكيله همومنا ووجعنا وبنبوح له بكل حاجة قدامنا وياخدها في جوفه ويحافظ للسر. هو صديق بنلاقيه في الوحدة وبنلاقيه في كل وقت. بيجدد جوانا حاجات ويصلحها، بيدأوينا ويمتص حزننا. نظرت له بابتسامة تمررها أصابعها في خصلاته البُنية مردفة بحنان:
–انسى ولو لمرة إنك العقرب الجامد اللي محدش يعرف عنه حاجة. طلع اللي جواك. واعرف دايماً إني جنبك بقويك بالقوة اللي باخدها منك. قوي ضعفك قدام نفسك ودوس عليه. لأنك طول ما أنت بتداريه هيخونك في يوم ويظهر قدام الكل. –…… في تمام الساعة 1:24 وبأعلى إحدى المنحدرات يقف هو يصرخ بوجهه. لأول مرة يخرج بها عن شعوره وفقاعة بروده واتزانه. يصرخ بأعلى صوته مردفًا: –مقولتليش ليه يا غبي إنها هتبقى هناك؟ ليصرخ الآخر بوجهه:
–مكنتش أعرف إنها عايشة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!