الفصل 10 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل العاشر 10 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
20
كلمة
4,339
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

ساعة بأكملها وهو يحاول إقناعها بالأمر، فأحياناً يشعر أنها على شفير الموافقة، لتعود من جديد وتبدي قلقها من الأمر. فهو لن يقضي يومه بإقناعها، فقد بدأ يسأم من الحديث معها. وربما اتخذ قراره بأن سيفعل ما يريده سواء شاءت بذلك أم أبت. ترك مكانه ووقف أمامها يستجلب دموعه الزائفة وهو يقول: –يعني كل ده يا إلهام وتخونيني وتظني أني مش هبقى أمين على بنتك؟ زفرت إلهام بتيه وهي تقول:

–أنا مش قصدي كده يا فاروق، أنت عارف إن الشغلانة دي سكة اللي يروح ميرجعش، ودي بنتي برضه. عاد يجلس بجانبها وهو يقول: –هو أنا هخليها تشتغل شغل من اللي بالك فيه؟ لأ طبعاً، دا زي ما قولتلك هتبقى مغنية بس في المحل للعرض وبس، مش للمسرح. نظرت إليه قائلة بتفكير: –طب ده هيحصل إزاي؟ وجدتها هي الوصية عليها ومش هنقدر ناخدها منها. حكى فاروق بفكاهة بتفكير هو الآخر، فمالبث أن قال بغيظ:

–آه الولية القرشانة دي مش هتسكت. أنا عارف هي لسة متمسكة في الدنيا ليه كده. بس المهم دلوقتي أنك موافقة، ويبقى نشوف لها حلة. قالت إلهام واقفة وهي مغمغمة: –لما نبقى نشوف يا فاروق. دلوقتي قفل على الموضوع ده.

تركته وذهبت للمطبخ، فتمدد فاروق على الأريكة، والإبتسامة تملأ فاه. فهو تجاوز العقبة الأولى التي تمثلت بخوفه من رفض إلهام للأمر، ولكنه كالعادة استطاع احتواء الأمر وحصل على مبتغاه. والآن سيفكر فيما سيفعله ليستطيع جلب ليان من بين يدي جدتها. ***

منذ تلك المحاضرة المشؤومة، التي ترى أن هذا الرجل قد أهدر بها كرامتها، وهي عقدت اتفاقاً مع رهف أن أثناء محاضرته، تجلسان متباعدتان عن بعضهما البعض، حتى لا يحدث ما حدث مرة أخرى. فهي تتذكر عندما هاتفتها رهف تبدي أسفها لها على ما حدث، فهي لا تلومها فهي غير مذنب، ولكن ذلك الرجل هو الذي تعامل معها بأسلوب مهين.

جلست في آخر القاعة، تحاول أن تخفي نفسها عن عينيه. تقوم بتدوين ما يقوله، ولكنها لا تتحمل أن تسمع صوته. فهي تريد أن تنحر عنقه، حتى يكف عن الكلام. أمسكت القلم بين أصابعها، تخط بيدها على صفحات دفترها ما يتلوه عليهم. تضغط بأصابعها على القلم، فهي على وشك كسره. فهل ستتحمل أن ترى هذا الرجل حتى ينتهي العام الدراسي؟ فربما ستصاب بضيق في التنفس.

نظر رفيق لشقيقته مطمئناً، أنها لم تعد ترافق تلك الفتاة. فهو يشعر بالراحة لأنه لم يعد يراها تجلس بجوارها. فربما تكون امتنعت عن حضور المحاضرات، أو ربما تركت الكلية. وسيكون هذا أفضل بالنسبة له. بالرغم من أنه لا يعرف الفتاة جيداً، ولم يعد يتذكر ملامح وجهها، ولكنه يريدها أن تظل بعيدة عن شقيقته. انتهت المحاضرة، فتنفست ليان الصعداء عندما رأته يخرج من باب القاعة، وهي تتمنى أن تسقط السماء على رأسه. فدمدمت بغيظ هامسة لذاتها:

–“في ستين داهية تاخدك يا دكتور رفيق.” قامت من مكانها، وذهبت لتجلس بجوار رهف لحين موعد بدء المحاضرة التالية. فرمقتها رهف وهي مقطبة الجبين وقالت: –“احنا هنفضل بالنظام ده يا ليان؟ ما خلاص بقى تعالى اقعدي جمبي في محاضرة دكتور رفيق.” ردت ليان برفض قاطع: –“لأ مش عايزة أبقى قاعدة قدامه كده ولا يشوفني، وعشان ما يحصلش اللي حصل قبل كده.” مسحت رهف على ذراعها بحنان وهي تقول:

–“المحاضرة دي عدى عليها كتير، إنسي بقى. دا احنا خلاص قربنا نمتحن امتحانات الترم الأول.” فرقعت ليان أصابعها قائلة: –“آه فكرتيني، فيه ملزمة عايزين نشتريها علشان الامتحانات.” أومأت رهف برأسها وقالت: –“بعد ما نخلص المحاضرات نروح نشتريها. يلا بقى مش هتاخدي حاجة من السوبر ماركت بتاعي؟ تبسمت ليان لها وهي تقول: –“هاتي يا أختي، ماهو السوبر ماركت ده اللي جاب لي الكلام معاكي لبان.” حركت رهف رأسها وهي تجيل ببصرها داخل حقيبتها:

–“آه معايا، فيه بالفراولة وبالبرتقال وبالموز. تاخدي إيه؟ رفعت ليان حاجبها قائلة: –“دا انتي بقى مبدعة في الشنطة يا رهف.” وضعت رهف يدها على فمها، لتكتم صوت ضحكتها وهي تقول: –“آه التموين لسه جاي طازة.” حاولت ليان تمالك ضحكتها حتى لا تخرج منها بصوت عالٍ ينتبه عليه الحاضرين: –“والله ما حد موديني في داهية غيرك انتي والسوبر ماركت المتنقل بتاعك ده.”

أثناء نظرها تجاه باب القاعة، لمحته واقفاً يتحدث مع أحد الطلاب أمام الباب بالخارج، فماتت البسمة على شفتيها، وتجمدت تعابير وجهها، تشعر بدماءها تسير حارة بعروقها. فكلما وقع بصرها عليه، يزداد الكره بقلبها، فمحاولة نسيانها لما حدث، لا تجدي نفعاً، فما أن تراه تظل تدمدم بسخط ولا تخلو كلماتها من رجائها بأن تراه بأسوأ حال، أو أن لا ترى وجهه مرة أخرى. ***

منذ عملها بتلك الوظيفة، تحسنت أحوالهما المادية قليلاً، فهي تستطيع الآن على الأقل، شراء أدوية والدتها. فهي تشكر الله على توفيقها في الحصول على تلك الوظيفة. قامت بتحضير طعام الإفطار حتى تطعم والدتها وتعطيها أدويتها قبل الذهاب إلى عملها. فنادتها بصوتها الرقيق قائلة: –“ماما يلا يا حبيبتي افطري علشان تاخدي الدوا وأروح أنا الشغل.” اقتربت منها والدتها قائلة بحب: –“حبيبتي تسلم إيدك يا قلبي وربنا يا بنتي يوفقك ويرزقك يا رب.”

ردت سارة بإبتسامة: –“تسلم لي دعواتك الحلوة دي يا ماما، يلا أنا بقى علشان متأخرش على الشغل.” قامت بإنهاء ارتداء ثيابها وضبطت حجابها وأخذت حقيبتها، فقبلت يد والدتها، وخرجت من الغرفة متجهة إلى عملها. كانت تسير بابتسامة على وجهها ولكنها اختفت عندما رأت ذلك الشخص السمج، الذي لا يمل من مضايقتها. فأقترب منها وهو يطالعها بنظرات سمجة: –“صباح الفل على عيونك يا ست البنات.” همست سارة قائلة:

–“لا إله إلا الله، والله ما هي ناقصة رخامتك على غيار الريق انت كمان.” دار حولها وهو مازال يمطرها بغزله القمئ: –“يا قمر عبرنا حتى بكلمة بابتسامة.” أطلقت سارة زفرة عميقة: –“الرحمة من عندك يا رب ارحمني منه بقى.” أسرعت بخطواتها، حتى تستطيع اللحاق بإحدى الحافلات التي تمر من الشارع الرئيسي، حتى تتخلص من سماجة هذا الشخص الذي لا يفعل شيئاً بحياته سوى مضايقة الآخرين.

وصلت إلى الشركة بميعادها، فولجت بخطوات سريعة تكاد تصطدم بنسرين التي ابتسمت على تصرفها. فمنذ قدومها وهى نشأت بينها صداقة. فابتسمت نسرين وهي تقول: –“إيه يا سارة براحة؟ هو في حد بيجري وراكي؟ وضعت سارة يدها على صدرها تلتقط أنفاسها: –“انتي عارفة زمان أستاذ أكمل هيوصل دلوقتي ومينفعش الموظفين يجوا بعد صاحب الشغل.” ربتت نسرين على كتفها وقالت:

–“لأ متخافيش أستاذ أكمل مبيدققش في الحاجات دي، اللي ممكن يعمل كده دكتور رفيق. بس اليومين دول مشغول في امتحانات الكلية فمتقلقيش أوي كده. لما دكتور رفيق بقى يرجع ييجي الشركة الصبح يبقى من الفجر لازم تبقي هنا.” عدلت سارة من وضع حقيبتها على كتفها وهي تقول: –“أنا مشفتوش إلا قليل جدا.” تأبطت نسرين ذراعها قائلة: –“علشان بس التدريس في الكلية، غير كده بتبقى الشركة واقفة على رجل وهو موجود.” –“باين عليكم بتخافوا منه أوي.”

قالت سارة عبارتها، بعدما توقفت عن السير أمام الغرفة، التي يقع بها مكتبها. فأماءت نسرين برأسها وهي تقول: –“مش بيقولك من خاف سلم. وده ينطبق عليه مقولة اتق شر الحليم إذا غضب.” قالت سارة وهي تلج غرفة المكتب: –“ربنا يستر. الحق أخلص الشغل اللي ورايا. أشوفك في البريك. سلام.” لوحت لها نسرين بيدها قبل أن تنصرف قائلة: –“سلام يا قمر. ومتنسيش هنتغدى مع بعض.”

عادت كل منهما لعملها، فدلف أكمل الشركة، وأثناء مروره من أمام غرفة مكتبها، وجد نفسه يرتد بخطواته وينظر إليها وهي منكبة على الأوراق التي بين يديها. لا يعرف كيف شقت الابتسامة شفتيه؟

فهي منذ مجيئها للعمل هنا، وهو لا يعلم سر الراحة، التي يشعر بها عندما يراها أو يتحدث معها. نهر نفسه بقوة على ما يفعله، فتسابقت خطواته في الدخول إلى مكتبه، وهو يأنب نفسه على ما يشعر به، فكيف له أن ينسى أنه رجل متزوج وليس هذا فقط، فهو لديه طفلة أيضاً؟ ***

بدأت امتحانات الفصل الدراسي الأول لجميع الطلاب، فدأبت ليان على تأدية الامتحانات بشكل جيد، مخلفة وراءها أي شعور بالحقد والكره تجاه ذلك الشخص، الذي امتحنت الآن في مادته الدراسية. فلو كان الأمر بيدها ربما كانت ملأت دفتر إجابتها، بتلك الكلمة التي تختزنها في قلبها تجاهه وهي (أنا بكرهك يا دكتور رفيق، بكرهك بكرهك)

أفاقت على حالها، كأنها كانت بحلم، عندما سمعت صوتاً يعلن عن انتهاء الوقت المحدد للامتحان، فقامت بتسليم دفترها وخرجت من القاعة. قابلت رهف التي أسرعت بسؤالها: –“ها عملتي إيه النهاردة في الامتحان؟ نظرت ليان لورقة الأسئلة وهي تقول: –“الحمد لله، حليت كويس. وأنتي عملتي إيه يا رهف؟ ابتسمت رهف قائلة بتفكه: –“عيب عليكي، دا أنا مسبتش فتفوتة في الامتحان. حليته كله. دا سهل أوي امتحان الجغرافيا ده.” لطمت ليان وجنتها وقالت:

–“يالهوووي جغرافيا إيه يا بنتي؟ إحنا في تجارة.” زوت رهف حاجبيها وهي تقول بدهشة مزيفة: –“لأ يا شيخة، يعني إحنا مش كان عندنا امتحان جغرافيا؟ نظرت لها ليان بقلق قائلة: –“هو أنتي دخلتي امتحان غلط ولا إيه في يومك ده؟ ولا بتشتغلي؟ اتسعت ابتسامة رهف وهي تقول: –“يا ستي بهزر معاكي، عشان النهاردة كان آخر امتحان وهناخد إجازة نص السنة، وأنتي هتسافري بلدكم ومش هشوفك.” تطلعت إليها ليان قائلة بحزن:

–“إن شاء الله نتقابل على خير واحنا مع بعض على التليفون لحد ما نرجع الكلية تاني، هتوحشيني يا رهف.” تهدلت ملامح رهف هي الأخرى بحزن وقالت: –“وانتي كمان والله يا ليان هتوحشيني أوي. خلي بالك من نفسك. سلام.” احتضنتها ليان وربتت على ظهرها قائلة: –“وانتي كمان يا رهف خلي بالك من نفسك. مع السلامة.” ربتت رهف هي الأخرى على ظهرها، قبل أن يفترقا: –“الله يسلمك يا حبيبتي.”

انصرفت ليان بعد توديع رهف، متجهة إلى السكن الجامعي لتلملم أغراضها، وتعود إلى بلدتها، فهي اشتاقت إلى أخيها وجدتها. رأت شريكاتها في الغرفة يستعدن للمغادرة إلى منازلهن، ولكنها لم تعرهن أدنى اهتمام، فهذه حالتها معهن دائماً، فهي سئمت من أحاديثهن السخيفة عن هؤلاء الشباب الذين عرفن عليهم أثناء دراستهن، فهي قد نصحتهن بضرورة الابتعاد عن هذا الطريق، ولكنهن قد استهزئن بها ونعتنها بالرجعية.

أخذت حقيبتها متجه إلى محطة القطار، فاستقلت ذلك القطار المتجه إلى بلدتها، كانت روحها تتسابق مع عجلاته ولا تطيق صبراً، لكي ترى شقيقها وجدتها ورؤية أرض أبيها. غفت قليلاً ولكنها أفاقت من نومها مع صوت وقوف عجلات القطار، عند وصوله إلى وجهته. وصلت إلى المنزل فتحت الباب تنادي بصوتها الخلاب: –“باسم تيتة أنا جيت، انتوا فين؟ خرج باسم من غرفته قائلاً بسعادة: –“لي لي حبيبتي حمد الله على السلامة.”

احتضنها وظل يدور بها، سعيداً بعودتها، فهي شقيقته الوحيدة وهو يحبها جداً. توسلته ليان وهي تقول: –“كفاية يا باسم دماغي لفت جامد حرام عليك.” أفلتها باسم، فوضعت يدها على رأسها، ريثما تستعيد توازنها، فهتف بها باسم: –“وحشتيني أوي يالي لى البيت من غيرك مالوش طعم.” ابتسمت له ليان وهي تقول: –“أنا رجعت أهو. فين تيتة يا باسم؟ أشار باسم بيده لغرفة جدته قائلاً بحزن: –“في أوضتها جوه بس هي تعبانة شوية.”

اندفعت ليان إلى غرفة جدتها لكي تراها، فنبرة الحزن بصوت شقيقها جعلت الخوف ينشب بقلبها، فأقتربت من الفراش تناديها برفق وهي تربت بخفة على يدها: –“تيتة تيتة علية أنا جيت.” فتحت علية عيناها وقالت بوهن: –“حبيبتي حمد الله على السلامة نورتي البيت.” جلست ليان بجانبها، وأنحنت تقبلها على جبينها وهي تقول: –“مالك يا تيتة فيكي إيه؟ انتي تعبانة ولا إيه؟ حركت علية رأسها بالنفي، لكي تطمئنها فقالت: –“أنا كويسة يا حبيبتي مفيش حاجة.”

تطلعت إليها ليان بقلق بالغ قائلة: –“باين عليكي تعبانة يا تيتة. يلا نروح للدكتور.” أقترب منهما باسم وهو يقول: –“روحت بيها للدكتور الصبح وكشف عليها.” نظرت إليه ليان بتساؤل: –“وقال إيه يا باسم؟ أطرق باسم برأسه أرضاً وهو يقول: –“قال لازم ترتاح يا ليان وتيتة مش بتسمع الكلام.” نهرته علية بصوتها الواهن قائلة: –“بس يا واد يا باسم متقلقهاش. أنا كويسة. يلا غيري هدومك عشان تاكلي.” عندما همت علية بترك فراشها، منعتها ليان

وأصرت عليها بالراحة فقالت: –“خليكي مرتاحة. أنا هحضر الأكل. انتي لازم ترتاحي. هغير هدومي وأجهز الأكل.” ذهبت إلى غرفتها لتبديل ثيابها، والخوف يتأكلها على صحة جدتها، التي إذا حدث لها مكروه لا تعلم ماذا سيحدث لها هي وشقيقها؟ أو ماذا سيكون مصيرهما وهما لا يملكان أحد بحياتهما سواها. *** جلست منى تفكر وتفكر، كيف تقنعه بهذا الأمر؟ فهي لا تسأم من الحديث عن ذلك الأمر مراراً وتكراراً، وكيف لا وهي أم وتريد الاطمئنان على أبناءها.

أفاقت من تفكيرها على صوت ابنتها تناديها وهي تقول: –“مامتي يا مامتي، كان فيه رواية سبتها على السرير، هي فين؟ أتاها صوت أخيها رفيق وهو يدلف من الباب برفقة مالك عائدين من العمل: –“أنا رميتها في الزبالة الصبح.” شهقت رهف ودبت الأرض بقدميها وهي تقول: –“هااا رميتها ليه كده يا أبيه؟ حرام عليك.” جلس رفيق على مقعد وجده بطريقه، فهو يشعر بالإرهاق، فأجابها قائلاً بحزم: –“معجبتنيش الرواية يا رهف فرميتها.” عقدت

رهف ذراعيها قائلة بإستياء: –“هو انت يعني قرأتها يا أبيه؟ مسد على شعره برفق وهو يقول: –“كفاية بس الاسم بتاعها. ثم إزاي تشتري رواية كده.” تقدم منه مالك قائلاً بفضول: –“هي اسمها إيه يا أبيه؟ ها إسمها إيه؟ قولي.” مد رفيق يده وضربه على ذراعه بخفة وهو يقول: –“بطل ياض انت أكيد يعني مش رواية زي اللي في دماغك القذرة دي.” ضحك مالك وقال: –“أنا دماغي قذرة؟ دا أنا دماغي زي الفل، فلة شمعة منورة يا أبيه.” نظرت منى لأبناءها، ووضعت

يدها على وجنتها وهي تقول: –“هو ليه أنا حاسة إني قاعدة زي الأطرش في الزفة؟ سحب رفيق رابطة عنقه وهو يزفر براحة: –“متشغليش بالك يا أمي. وأنا جعان عايز أكل. وإن كان على الرواية يا رهف هجبلك غيرها بس حاجة تستحق القراءة مش تفاهات.” جلست رهف بجانبه، فأحاط كتفيها وأدناها منه، فابتسمت له قائلة بطاعة: –“ماشي يا أبيه. وكويس إن لسه مكنتش قرأتها، لأن لو كنت رميتها وأنا قرأتها ومخلصتهاش كان زماني عملتلكم مناحة دلوقتي.” جذبها

مالك من يدها وهو يقول: –“ما تسيبك من الروايات وتعالى نلعب سوا يا رهف.” صفقت رهف بحماس وقالت: –“ماشي. بس هنلعب إيه يا مالك؟ فكر مالك وقال: –“تعالى نلعب بنك الحظ.” تبسم رفيق على تفكير أشقاءه قائلاً: –“بنك الحظ! أنت مبتكبرش أبداً يا ابني.” خلع مالك عنه سترته ووضعها على ذراعه وهو يقول: –“أنا هلعب مع أختي. هو أنا هلعب في الشارع.” تركت منى مكانها، وقالت وهي تتجه صوب المطبخ:

–“غيروا هدومكم وتعالوا اتعشوا وبعدين العبوا براحتكم.” بعد الانتهاء من تناول الطعام، افترشوا الأرض في حديقة المنزل، وبدأ مالك اللعب مع رهف، وجلس رفيق بجانب والدته، يراقبهما بابتسامة على تصرفاتهما الطفولية. ولما لا يبتسم لهما وهما أبناءه وليس أشقاءه فحسب. فانتبه على والدته تناديه قائلة: –“رفيق فيه حاجة عايزة أقولهالك بس متتعصبش واهدي خالص ماشي؟ نظر لها رفيق قائلاً بإهتمام: –“نعم يا أمي خير؟ فيه إيه؟

هو مفيش موضوع بيعصبني غير موضوع الجواز. هو ده اللي عايزة تكلميني فيه؟ هزت رأسها بحركات متتابعة وهى تقول: –“أيوه يا ابني هو ده.” جذب رفيق شعره بخفة، محاولاً الحفاظ على رباطة جأشه وكز على أسنانه قائلاً بغيظ: –“هو أنا هقولها كام مرة يا أمي إن أنا مش عايز أتجوز؟ ربتت والدته على يده قائلة بلين وهي تعدد صفات العروس: –“دي العروسة المرة دي دكتورة وجميلة وبنت ناس يا حبيبي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك، وهتعجبك أوي والله.”

وضع رفيق رأسه بين يديه بيأس من إلحاح والدته في ذلك الأمر، الذي بات كالمزحة السخيفة، التي مل من سماعها طوال السنوات الماضية. فهو الآن سعيد بحاله، فهو لا يريد زوجة تصيبه بالغضب الشديد من تصرفات بنات حواء. ولكن قبل أن يعلن عن رفضه القاطع، سمع صوت رنين هاتفه، فوضع الهاتف على أذنه فأتاه صوتها الناعم وهي تقول: –“حبيبي.”

انتفض رفيق من مجلسه وابتعد عن مكان وجود والدته وأشقاءه، فوقف أسفل إحدى الأشجار وهتف من بين أسنانه قائلاً: –“انتي عايزة مني إيه بالظبط؟ ليلي بطلي تصرفاتك دي. أنا قولتلك خلاص اللي بينا انتهى من زمان، وأنا مش هرجعلك لو عملتي إيه فهماني. أنا خلاص بكرهك.” تنفعل ليلي لحديثه، بل ظلت محافظة على هدوئها قدر المستطاع، فردت قائلة بثقة: –“بتكرهني؟ طب طالما كده متجوزتش ليه لدلوقتي يا رفيق؟

عشان تعرف بس إن أنا لسه في قلبك ومش قادر تحب واحدة غيري، وأكبر دليل على كده إنك مش قادر تشوف واحدة تانية غيري تبقى حبيبتك ومراتك.” رد رفيق بتهكم: –“وليه متقوليش إن أنا متجوزتش عشان انتي كرهتيني في صنف البنات والستات كلهم؟ –“رفيق اللي أعرفه، قلبه ميقدرش يكره، يقدر يحب وبس.”

قالتها ليلى بثقة ويقين، فقبل أن تسترسل بحديثها، أغلق رفيق الهاتف وعزم على تغيير رقم هاتفه، لعلها تكف عن مضايقاتها له، فهو لن يعود إليها، حتى لو كان ترياق حياته موضوع بين يديها. ولو أصرت على الاقتراب منه، سيجعلها ترى وجهه الآخر، فحتى الآن مازال يتعامل معها بهوادة ولطف، ولكن ربما هي مصرة على إخراج أسوأ طباعه، التي اكتسبها بعد خذلانها له. ***

مر أسبوع بأكمله، منذ عودتها إلى المنزل، وكل يوم تشعر بالخوف أكثر فأكثر، فهي تشعر أن حالة جدتها الصحية تسوء يوماً عن آخر، بالرغم من تظاهرها بأن كل شيء على ما يرام. سمعت صوت جرس الباب ففتحت الباب بابتسامة عندما رأت ماجد ووالده، فأشارت لهما بالدخول وهي تقول: –“أهلاً وسهلاً اتفضلوا.” ولج محسن يتبعه ماجد، فنظر لها محسن قائلاً: –“يزيد فضلك يا بنتي عاملة إيه؟ ردت ليان قائلة: –“الحمد لله يا عمي نحمد ربنا.”

سبقتهما ليان لغرفة الصالون، فأضاءت المصباح الكهربائي، ودعتهما للدخول، فجلس ماجد بجوار والده وهو يقول: –“احنا سمعنا إن تيتة علية تعبت جامد فجينا نشوفها، هي عاملة إيه دلوقتي؟ أجابته ليان والحزن يسكن بصوتها: –“الحمد لله ربنا يشفيها. ثواني على ما أنادي تيتة.”

ذهبت إلى غرفة جدتها، لتخبرها بشأن مجيء محسن وابنه ماجد للاطمئنان عليها، فهي تشعر بسعادة ترفرف بداخل قلبها منذ مجيئه، على الرغم من الحزن والقلق اللذين تشعر بهما بسبب أوضاع جدتها الصحية. خرجت علية من غرفتها للترحيب بهما فنهض محسن من مكانه قائلاً: –“ألف سلامة عليكي يا حاجة علية. ازيك يا باسم؟ رد باسم قائلاً: –“الحمد لله يا عمي.” لم تتحمل قدميها الوقوف كثيراً، فجلست علية وهي تقول: –“الله يسلمك يا ابني أخبارك إيه يا ماجد؟

تقدم منها ماجد وقبل يدها وهو يقول: –“الحمد لله يا تيتة علية ألف سلامة عليكي.” ربتت علية على كتفه، وتبسمت بوجهه قائلة: –“الله يسلمك يا حبيبي.” جلست ليان وعيناه تراقبها من حين لآخر، وحين يدرك أن ربما سيكتشف أمره يخفض بصره سريعاً إلى الأرض. تناول محسن كوب العصير من يد ليان، فنظر لعلية قائلاً:

–“على فكرة يا حاجة علية متولي السمسار بلغني أن فيه واحد عايز يشتري الأرض وهو جاهز يدفع الفلوس وممكن يوصل كمان يومين ويتمم الموضوع. قولتي إيه؟ أماءت علية برأسها وهي تقول: –“على خير إن شاء الله ربنا ييسر الحال.”

سمعت ليان حديثهما، بشأن بيع الأرض، فشعرت بالحزن، فهي قد كانت تدعو دائماً، أن لا تباع تلك الأرض، وبالفعل ظلت بضعة أشهر لم يتقدم أحد لشراءها، ولكن ربما أملها هذا سينتهي، فالآن يوجد من يريد شراءها، فهل ستطأ قدم أحد غريب أرض والدها؟ هل ستصبح ملك لغيرهم؟ كم هو بشع هذا الشعور الذي تشعر به؟ فماذا يحدث لها؟ لماذا أصبح قلبها يكن مختلف المشاعر حيال كل أمورها؟ قلبها النقي الذي لم يكن يعرف سوى السعادة والحب.

بعد مرور يومان، علمت من شقيقها أن الرجل، الذي سيقوم بشراء الأرض قد حضر، وهو يجلس الآن داخل غرفة المعيشة. وجدت نفسها تلج إلى الغرفة كالإعصار، ولكن عندما رأت الرجل شلت الصدمة أطرافها. فغمغمت بدهشة وصدمة: –“أنت!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...