الفصل 9 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل التاسع 9 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
21
كلمة
4,082
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

نفضت رهف رأسها، لعلها سمعت شيئاً خاطئاً، وليس أن شقيقها رفيق، قام بطردها هي وليان، على مرأى ومسمع من كل الطلاب الحاضرين، فحتى هي لم تنسَ، أن تفتح عينيها وتغلقهما، لعل من تراه واقفاً أمامها الآن، شخصاً آخر وليس مدللها الحاني، الذي لم يقدم يومًا على أن يجعل الحزن يسكن قلبها. ردت قائلة بنبرة مذهولة: –حضرتك بتقول إيه يا دكتور رفيق؟ عاد يشير بيده للباب ثانية وهو يقول ببرود:

–بقول اتفضلوا اطلعوا برا انتوا الاتنين، إيه لسه سمعك تقيل؟ وأنتِ يا آنسة، أنتِ اسمك إيه؟ وجدته ليان يشير إليها، فأجابته بصوت منخفض: –اسمي ليان سامي. أرهف سمعه لعلّه يلتقط حروفها الهامسة، فصاح بضيق: –على صوتك وأنتِ بتتكلمي، اشمعنى دلوقتي صوتك واطي؟ ما صوت ضحكتك سمع الكلية اللي جنبنا من شوية.

يكفي هذا، فهي لن تتحمل سماع كلمة سخرية أخرى منه، كانت الدموع كسحابة غطت عينيها، جعلت الرؤية لديها مشوشة وضبابية، فقامت بلم ما تناله يداها من أغراضها، فهي تريد الخروج من هذا المكان بأقصى سرعة، ولا تعلم ماذا أخذت أو ماذا تركت من أغراضها. تسابقت قدماها في الخروج، أو بالأصح الركض، ولكن قبل بلوغها الباب سمعت صوته يسمرها في مكانها وهو يقول: –أنتِ راحة فين؟ أنا مش بكلمك يا آنسة أنتِ.

ارتجفت يدها على مقبض الباب، ودموعها تتساقط على وجنتيها، فاشتعلت النار والكراهية بقلبها، تتأجج بداخلها كالحريق الذي شب بأعواد القش، فتأكلها ولم يبقَ منها شيئًا، فالتفتت إليه، تنظر إلى تعبيرات وجهه الهازئة بها، فوجدت نفسها تنظر إليه نظرة كره وحقد، فلو النظرات تقتل، ربما كان خرّ رفيق قتيلاً الآن. عقد حاجبيه من نظرة تلك الفتاة له، فوجدت نفسها تردف بكلمات أصابتها هي أولاً بالصدمة قبل أن تصيب الحاضرين، خاصة وهي تقول:

–حضرتك أنا راحة الكباريه اللي ضحكتي متلقي إلا بيه. أنهت قولها وفتحت باب القاعة وخرجت، قبل أن تسمع منه كلمة أخرى، أو ترى تلك النظرات الشامتة المرتسمة بوضوح جلي على وجه بعض الفتيات. فلملمت رهف أيضاً أغراضها، لتخرج من القاعة، وحالها لا يفرق عن ليان، ولكن صدمتها أكبر، فشقيقها تعامل معها بأسلوب مهين. نظر إليها قائلاً بتساؤل: –وحضرتك راحة فين أنتي كمان؟ ضمت رهف كتبها إلى صدرها، تحاول منع دموعها من التساقط،

فردت قائلة بصوت مرتجف: –مش حضرتك يا دكتور طردتنا من المحاضرة، أنا بنفذ كلامك وخارجة. خرجت رهف، وهو يعلم أنها تشعر بالضيق منه، وخزات مؤلمة أخذت تعتصر قلبه وهو يراها هكذا، فهو لا يحتمل أن يرى دموعها، وكيف ذلك وهو من حرص على عدم إبكائها يومًا؟ فعاد ونظر للطلاب قائلاً بصوت حازم: –في حد تاني حابب يخرج، ولا نكمل شرح؟ لو حد حابب يحصلهم يتفضل يخرج.

ساد الهدوء والصمت المكان، فعاد إلى ما كان يفعله، حتى يحين موعد انتهاء تلك المحاضرة، التي مقتها بسبب رؤيته تلك الدموع التي تلألأت في عيني مدللته. *** تزرع أرض غرفتها ذهابًا وإيابًا، يتصاعد الغضب بصدرها من أفعال ولدها، فهي لا تستسيغ ما يفعله بتلك الآونة، أو بالأصح منذ بداية وعيه لذلك الحب، الذي نبت بقلبه لأجل تلك الفتاة، التي لن ترتضي بأن تصير له زوجة، خاصة وأن لدى والدتها تاريخ مشين، وغير مشرف بالمرة.

ولج زوجها الغرفة، وهو يجفف وجهه وذراعيه بالمنشفة القطنية، بعد انتهائه من الوضوء. نظر إليها عاقدًا حاجبيه من حركتها المتململة، فهتف بها بتساؤل: –مالك يا صابرة راحة جاية كده ليه؟ انتفضت صابرة بعد سماع صوته، فوضعت يدها على صدرها وهي تقول: –حرام عليك يا محسن خضتني. أزاحت طوق ثوبها وتفلت قائلة: –قطعت خلفي من الرعبة يا راجل.

رفع محسن حاجبه الأيسر تعجبًا من قولها وفعلها، ولكنه لم يرد جوابًا على ما قالت، بل بسط سجادة الصلاة على الأرض، وبدأ صلاته بخشوع، وبعد انتهائه جلس مكانه. فاقتربت منه صابرة، وجلست بجانبه وهي تقول برجاء: –محسن أنا عايزة أكلم ابنك، خليه يشيل بنت إلهام من راسه، أبوس إيدك. كفّ محسن عن إدارة المسبحة بين أصابعه، فنظر إليها قائلاً: –في إيه يا صابرة؟ أنتي مكبرة الموضوع ليه كده؟ هي البنت مالها بأمها؟

ثم اللي ربتها هي جدتها، يعني هي لا عايشة مع أمها ولا جوزها، تبقى خايفة من إيه بقى؟ عبست صابرة قائلة بحدة: –مش مرتاحة للموضوع كله يا محسن، وأنا مش هضحي بابني البكر بجوازة زي دي، الله أعلم إيه اللي ممكن يحصل بعد كده، لأ خلينا حبايب أحسن، مش المثل بيقول لك صاحبك لا تحاسبه ولا تناسبه؟ ربت محسن على يدها، علّها تكف عن التفكير بالأمر هكذا، فخرج صوته ليناً:

–ماهو علشان البنت أعرف أبوها وجدتها وعارفها هي كمان، بقول لك إن هي دي اللي تنفع ابنك، ثم ليه عايزة تكسري بقلبه وقلبها؟ البت كمان باين عليها بتحبه. نفضت يده عنها بشيء من الحدة وقالت: –بلا بتحبه بلا بتاع، ما زمان كانت إلهام زيها وبتحب سامي الله يرحمه، وشوف في الآخر عملت فيه إيه دي… كفت عن قولها بعد سماع صوت طرقات على باب الغرفة، فنهضت من مكانها، وذهبت لفتح الباب، فوجدت ماجد يقف على عتبة الباب صامتاً.

فتبسمت بتوتر قائلة: –أيوة يا ماجد، في إيه؟ أنت رجعت من الكلية امتى؟ رد ماجد قائلاً: –لسه راجع دلوقتي وكنت معدي من قدام الأوضة وسمعت كلامكم غصب عني، إيه حكاية أم ليان يا ماما بالظبط؟ نهض محسن هو الآخر من مكانه قائلاً: –لا حكاية ولا رواية يا ماجد، أنت مش عارف أمك، هي بتقول كده علشان مبتحبش إلهام من زمان، يلا روح على أوضتك على ما أمك تروح تجهزلنا الغدا، يلا يا صابرة.

لم يقتنع ماجد بحديث والده، يشعر بوجود شيء مبهم بحديثهما، ولكنه فضل الذهاب إلى غرفته، مثلما أمره والده، أو ربما فعل ذلك حتى لا يستمع لشئ من والدته، يهدم به ذلك الحلم الجميل، الذي تنسجه روحه المشتاقة لذلك اليوم، الذي ستصبح به ليان عروساً له. *** بعد أن خرجت ليان من الكلية، عادت إلى غرفتها في السكن الجامعي، فارتمت على السرير، تبكي أنهارًا من الدموع، فهي تريد أن تصرخ بملء فاها على ما لاقته من مهانة من ذلك المدعو رفيق.

تأوهات وشهقات ودموع تذرف، وقلب يتألم، وكره يتأجج بداخلها. وجدت نفسها تخرج هاتفها من حقيبتها تهاتف جدتها، انتظرت حتى جاءها الرد، فقالت بصوت باكي: –أيوه يا تيتة. شعرت علية بالخوف فردت قائلة: –أيوه يا حبيبتي، مالك؟ أنتِ بتعيطي ولا إيه؟ صوتك ماله؟ روت ليان لجدتها، كل ما حدث معها من بداية الأمر حتى آخره، وكلما تتذكر تبكي أكثر، كأن عينيها تأبى أن تكف عن البكاء. فقالت علية بحنان: –اهدى يا حبيبتي، بلاش تعملي في نفسك كده.

مسحت ليان عينيها بظهر يدها وهي تقول: –أنا عايزة أسيب الكلية دي خالص يا تيتة، خلاص مش عايزة أكمل فيها. حاولت علية تهدئة ثورتها وهي تقول برفق: –وتضيعي مستقبلك يا حبيبتي؟ استهدي بالله. عادت ليان لبكاءها ثانية وقالت بصوت متحشرج: –أنا مبقتش طايقة الكلية ولا طايقة الدكتور ده خلاص، أنا بكرهه ومش طايقة أشوف وشه. –طب استهدي بالله وقومي اتوضي وصلي ومتخديش قرار وأنتِ متعصبة. قالت علية عبارتها، رغبة منها في أن تصرف غضب حفيدتها.

فأتت كلماتها بثمارها، بعدما سمعت ليان تقول: –حاضر يا تيتة، هقوم أصلي. ردت علية بحب: –قومي يا حبيبتي، ربنا يهديكِ ويصلح لك الحال يارب. أنهت ليان مكالمتها مع جدتها، فقامت وتوضأت وخرجت، بسطت سجادة الصلاة وبدأت تصلي، ولكن دموعها خانتها مرة أخرى، فحاولت إغلاق عينيها لتوقفها، ولكن كأن الدموع غير منصاعة لها، ففرت من بين أهدابها المطبقة بقوة، التي حرصت على أن تحتجزها بداخلها.

بعد أن انتهت تمددت على فراشها، ولكنها ظلت تتقلب يمينًا ويسارًا، وكأن فراشها به أشواك توخز جسدها، فهي تشعر بنيران تشتعل بين جنبات قلبها، تغلق عينيها عبثًا لتفتحها في الثانية الأخرى. فسمعت صوت أقدام قادمة، فمن المؤكد أن شريكاتها في الغرفة قد عدن من الكلية، فيجب عليها غلق عينيها، فهي لا تريد سماع كلمة أخرى منهن. دخلن الغرفة بصوت ضحكات تعلو شيئًا فشيئًا مع اقترابهن. فقالت إحداهن: –بس المحاضرة كانت إيه النهاردة؟ ضرب نار.

ردت أخرى وهي تقول: –الدكتور رفيق ده ملوش حل، يخربيت كده دا إيه ده؟ فقالت الثالثة وهي تكتم صوت ضحكتها: –أنا كنت ماسكة نفسي بالعافية لما قال للبت اللي اسمها رهف، أنتِ لسه سمعك تقيل يا آنسة. فعادت الأولى تقول بدهاء: –ياترى بقى يا بنات الدكتور ده الواحد بعد كده يقعد ساكت ولا ميحضرش محاضرته تاني؟ ردت رفيقتها قائلة: –أنا الصراحة بحضر المحاضرة علشان الدكتور المز ده أبو لسان بيحدف دبش. وكزتها الثالثة وهي تقول:

–دبش إيه دا صواريخ نووية يا بنتي، والنهاردة الصاروخ قصف الجبهة خالص. حاولت ليان أن تصم أذنيها، عن سماع كلماتهن الساخرة، فسحبت الوسادة ووضعتها على رأسها، وكأنها إذا أخفت وجهها لن يروها، كنعامة تحاول أن تدفن رأسها في الرمال هربًا من الصياد. *** ولج رفيق إلى المنزل، فلم يجدها بانتظاره كعادتها، فهي كانت تنتظره دائمًا عند عودته، وتأتي إليه ركضًا عندما تراه، فأين هي الآن؟ هل سترفض الحديث معه بعدما حدث منه؟

فنادى والدته قائلاً: –أمي أمي، فين رهف؟ خرجت أمه من المطبخ وهي تقول: –رجعت من الكلية نامت، بس مش عارفة مالها فيها إيه؟ رجعت ساكتة مش زاي عوايدها وطلعت أوضتها من غير لماضة زي عادتها لما بتعمل. أيقن أنها مازالت غاضبة منه بسبب ماحدث، وجد نفسه يذهب إلى غرفتها، فطرق الباب عدة طرقات خفيفة حتى أتاه صوتها يأذن له بالدخول. فدلف للغرفة وجدها تجلس على فراشها تضم ساقيها بذراعيها، فنظرت إليه قائلة: –أيوه يا أبيه رفيق، في حاجة؟

أطلق زفرة عميقة، واقترب منها وجلس بجانبها وهو يقول بحنان طاغٍ: –حبيبتي أنتي لسه زعلانة مني؟ لم تجبه على سؤاله، فخفضت رأسها أرضًا، فماذا تقول له؟ هل تقول أنها شعرت بالمهانة من أسلوبه في الحديث معها هي وليان؟ فبالرغم من أن لا أحد يعلم بكونها شقيقته، ولكنها شعرت كأنه طعنها في الصميم. عندما طال صمتها، مد يده وقبض على فكها ليجعلها تنظر إليه فقال: –ردي عليا، أنتي زعلانة مني يا رهف؟ تجمعت الدموع بعينيها ثانية وهي تقول:

–أنت يا أبيه كلمتنا بأسلوب مش كويس، وليان ضحكت علشان أنا السبب، هي مالهاش ذنب، هي بنت محترمة جدًا. على ذكرها لاسم ليان، رد قائلاً بجفاء: –محترمة تضحك بالشكل ده؟ وكمان كانت قاعدة أنتي وهي مع شاب غريب. قالت رهف بدهشة: –وأنت عرفت إزاي؟ نظر رفيق أمامه بجمود وهو يقول: –كنت معدي بالصدفة وشفتكم يا رهف، ومن ساعتها وأنا مضايق، لأن مش عايزك تصاحبي بنات مش كويسات. شدت رهف على ذراعه، لتجعله ينتبه لما تقوله:

–أبيه أنت فاهم غلط، الشاب ده قريبهم ويعتبر كمان خطيبها، يعني متظنش فيها ظن مش كويس. التوى ثغره قائلاً بما يشبه السخرية: –وأنا إيش عرفني؟ هي بتقولك الصدق ولا بتكذب عليكي؟ على العموم خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، ماشي؟ أنتي عارفة غلاوتك عندي عاملة إزاي؟ أنا قلت لك قبل ما تكوني أختي، فأنتِ بنتي يا رهف. نكست رهف رأسها وهي تقول معاتبة إياه:

–علشان كده أنا زعلت لما كلمتنا كده، حسيت إنك واحد أنا معرفوش، كأنك مش أبيه رفيق اللي أعرفه. جعلها تنظر إليه، فأخذ نفسًا عميقًا وعاد يزفره ببطء قائلاً: –هي دي شخصيتي مع الناس يا رهف، محدش يعرفني على حقيقتي غيركم انتوا. مطت رهف شفتيها وهي تقول: –طب ليه يا أبيه؟ دا أنت مفيش أحن ولا أطيب منك. مسح وجهه بيديه قائلاً بصوت مرهق:

–متحاوليش تعرفي يا رهف، إيه الأسباب، بس أنا برا البيت ده ببقى واحد تاني خالص، فمتزعليش مني يا حبيبتي. عقدت حاجبيها تعجبًا من حديث أخيها، فهل يعاني من انفصام بالشخصية حتى يتعامل معهم بحنان ويعامل الآخرين بجفاء وقسوة؟ فلماذا يفعل ذلك؟ ومنذ متى وهو هكذا وهم لا يعلمون؟ فقالت رهف بشيء من البلاهة: –أنا مش فاهمة حاجة يا أبيه، هو انت عايش بشخصيتين. ابتسم رفيق على قولها ورد قائلاً:

–رهف متشغليش نفسك، قومي بقى نتعشى علشان أنتي عارفة مبعرفش آكل إلا وأنتِ قاعدة معانا. مد يده وجذبها إليه، فحاوطها بحنان وقبل رأسها، فهو يريدها أن تعلم، أنها ستظل مدللته دائمًا وأبدًا. شعرت بحب أخيها، فابتسمت ابتسامة صافية، فبالرغم مما حدث منه، فهي لا تستطيع أن تظل بعيدة عنه ولا تشعر بحنانه ودلاله لها. ***

منذ آخر شجار لهما، وهو لا يعيرها اهتمامًا، فهو قد ضاق ذرعًا بتصرفاتها المتعالية، فهو يقضي يومه في عمله، وعندما يعود للمنزل، يقضي ما تبقى من وقته قبل النوم مع صغيرته، التي يشعر أحيانًا كثيرة، أنه سبب أساسي في تعاستها، بسبب أن تلك المرأة هي والدتها، فهي تستحق أماً أفضل منها، فهو يريد أن تعيش طفولتها كباقي الأطفال.

سمعته يضحك بصوت عالٍ مع طفلتهما، فازداد غضبها وغيظًا منه أكثر، بسبب إهماله في خطب ودها، فبالرغم من أنها كانت أحيانًا كثيرة تتهرب من واجبها الزوجي تجاهه، إلا أنها الآن تكاد تموت غيظًا بسبب إهماله لها من كل النواحي الزوجية.

ولجت غرفة طفلتها كعاصفة هوجاء، فرمقها بنظرة لامبالية، وعاد يكمل ما كان يفعله، فيكفي أن صغيرته لا تحصل على حب والدتها، فلن يكون هو وهي السبب في تعاسة تلك الصغيرة، فهي ابنته وهو يعشقها ولا يريد سوى أن يرى ابتسامتها دائمًا. نظرت إليه شهيرة، وهي عاقدة ذراعيها قائلة بغيظ: –ممكن تقوم نتكلم شوية؟ وأنتِ يا كنزى يلا علشان تنامي. ردت الصغيرة بخنوع: –حاضر يا مامى. رمقها أكمل قائلاً بحنق: –أنتي عايزة إيه؟

مش شايفة أن أنا قاعد مع كنزى؟ يلا يا حبيبتي نكمل ولما نخلص أبقى نامي. أخذت من يده الدمية، وألقتها هادرة بصوت غاضب: –أنا مش قولتلك عايزة اتكلم معاك. أخذ أكمل صغيرته ووضعها على ساقه قائلاً ببرود: –لما أخلص هبقى أجي أتكلم معاكي وأخرجي بقى واقفلي الباب وراكي. تقف مشدوهة من حديثه، فما هذا التمرد الذي تملكه؟ ما الذي حدث له؟ فهو كأنه شخص آخر، ولكنها لا تعلم أنه قد وصل إلى حافة صبره وتحمله.

فخرجت تصفع الباب خلفها بقوة، فأرتعدت الصغيرة بين ذراعيه، فضمها إليه بحنان ليهدئ من فزعها. بعد الاطمئنان على صغيرته، وأنها أوت لفراشها، عاد إلى غرفته، فوجدها تجلس على الفراش بملامح وجه مكفهرة من الغضب. ذهب إلى غرفة الثياب، وبدأ بتبديل ثيابه وهو يفكر هل سينام اليوم بدون مشاجرة أم ستفتعل معه شجارًا يجعل النوم يهرب من جفنيه؟ عاد إلى الغرفة ثانية وتمدد على الفراش، وكل هذا وهي تنظر له بعدم استيعاب لما يحدث. فنادت قائلة:

–أكمل. أجابها أكمل وهو يزفر بنزق: –نعم يا شهيرة، في إيه وعايزة إيه مني؟ انحنت إليه تنظر إليه، وهي تجز على أنيابها بغيظ وقالت: –أنت مش ملاحظ أنك زودتها أوي اليومين دول. رفع حاجبيه قائلاً بسخرية: –لا والله، زودتها؟ وتقولي إيه على نفسك يا شهيرة؟ زاغت بعينيها عن مرأى عيناه وهي تقول بحرج طفيف: –أنت حتى مبقتش تقرب مني. قال أكمل وهو يحرك رأسه بيأس:

–لأن مش كل مرة هستحايل عليكي يا شهيرة وأنتِ تصديني، زي ما أكون بشحت منك، وأن ده مش حقي عليكي كزوج، بس خلاص أنا اكتفيت. تركت الفراش ووقفت بجانبه، وهي تصيح به: –يبقى أكيد أنت بتخوني يا أكمل، وصدقني لو ده حصل أنت مش عارف أنا هعمل فيك إيه؟ أنا هخلي بابي يقلب عليك الدنيا وهخليك ترجع مكان ما كنت. أولاها ظهره وهو يقول ببرود: –طفي النور يا شهيرة ونامي، تصبحي على خير.

أغلق عينيه بتعب من تلك المرأة، التي لا تكف عن حديثها السخيف وتهديدها الأخرق له دائمًا بذكر أبيها، فهو يلعن الآن تفكيره الذي أوقعه بحبائل تلك المرأة المتغطرسة. *** لملمت الأطباق الفارغة، بعد الانتهاء من تناولهما وجبة الغداء، وقف زوجها بالشرفة ينفث سيجارته، التي ربما ستحرق أصابعه ولا ينتبه لها، ولا تعلم سبب تلك الحالة الشاردة التي أصبح عليها.

وضعت إلهام الأطباق بحوض المطبخ، على أن تقوم بجليها فيما بعد، فأعدت له كوبًا من الشاي، ونادته بصوت انتبه عليه، فعاد للصالة ثانية. أطفأ سيجارته، وهو يقول بفتور: –في إيه يا إلهام؟ بتنادي ليه؟ عايزة إيه؟ قالت إلهام وهي تضع كوب الشاي على المنضدة الصغيرة: –تعال اشرب الشاي، مالك يا فاروق اليومين دول مش على بعضك كده؟ في إيه؟ ارتمى بجسده على الأريكة العريضة وهو يغمغم: –مفيش حاجة يا إلهام، مشاكل شغل. جلست إلهام بجانبه وتساءلت:

–ماله الشغل؟ مش ماشي كويس ولا إيه؟ فرك فاروق عيناه، كأنه يشعر بإرهاق من كثرة التفكير، فرد قائلاً: –مش قوي يا إلهام، ماشي نص نص، عايز أغير الوشوش اللي عندي، وشهم اتحرق وبقوا معروفين، عايز حاجة جديدة، حاجة طازة كده، وكمان في محل فتح على أول الشارع وواكل مننا الجو، وبالنظام ده هنقفل كده. نظرت إليه إلهام بقلق وقالت: –وهتجيب بنات منين يعني يا فاروق؟ ثم إن المحل ده شقي عمرنا وملناش دخل غيره. افتّر ثغره

عن ابتسامة ماكرة وهو يقول: –أهو ده اللي الواحد عايز يخطط له، عايز بنت تبقى للعرض بس ومش للمس، حاجة تجيب الزباين على ملا وشهم ومنبقاش ملاحقين على الشغل. تلمست إلهام جبهتها بتفكير وقالت: –وانت تجيبها منين البنت اللي بالمواصفات دي يا فاروق؟ عاد لإبتسامته الخبيثة ثانية وقال: –بصي يا إلهام، عايزة بنتك دي تبقى للعرض بس، عشان صوتها وجمالها، عشان تجيب الزباين… جحظت عيناها عندما استمعت لاسم ابنتها، فماذا يقول هذا المعتوه؟

فهي تعلم ما يحدث في ذلك الملهى الليلي، فهي حتى لم تخبر أبناءها، حتى لا تسقط من أعينهما، عندما يعلمان أن والدتهما تزوجت من رجل مثل هذا بعد أبيهما الراحل. فقالت بدهشة أقرب للصدمة: –أنت بتقول إيه يا فاروق؟ أنت اتجننت؟ أدنى فاروق بوجهه منها، تكاد تشعر بأنفاسه تحرق وجهها، فقال بخبث: –صدقيني بنتك دي اللي هتخلينا نقب على وش الدنيا يا إلهام، دي هيبقى الزباين على المحل كده كده، مش هنبقى ملاحقين عليهم. انتفضت من مكانها

صارخة به بصوت جهوري: –ابعد عن بنتي يا فاروق أنت فاهم، وإلا مش هيحصلك طيب. جذبها فاروق من ذراعها، جعلها تعود لمكانها ثانية، فقال بصوت يغلب عليه الوداعة:

–بنتك يا حبيبتي هتبقى صاغ سليم محدش هيقربلها خالص، هي بس تبقى تغني بصوتها الحلو ده مع جمالها والفلوس هتنزل ترف علينا زي المطر، وأنتي عارفة بنتك صوتها حلو إزاي، وأنا مش هسمح لحد يقربلها نهائي، هي هتبقى للعرض وبس يا إلهام، ومش هيعدي علينا السنة إلا واحنا ساكنين في أحسن كومباوند فيكي يا مصر غير العربيات والفلوس وعيشة نغنغة. فكري فيها بس كده واتخيلي زي ما أنا متخيل العز اللي هنبقى فيه، وأنا أوعدك يا ستي بعد ما يحصل المراد ونأمن نفسنا ومستقبلنا مش هخليها تعتب المحل تاني، هخليها تقعد معززة مكرمة في البيت. قولتي إيه بقى؟

فمتبقيش خايبة يا إلهام وتضيعي فرصة زي دي من إيدينا، أنا عايز مصلحتك يا حبيبتي. حاول رسم مستقبلهما الخيالي في عين تلك المرأة، حتى يجعلها تنصاع لأفكاره الشيطانية، ويجعلها توافق على أن ابنتها تعمل بهذا المكان، الذي أقل ما يقال عنه أنه أحد أبواب الجحيم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...