الفصل 11 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
20
كلمة
4,188
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

اتسعت مقلتيها من الدهشة، وعقدت الصدمة لسانها، وقفت كالتمثال الحجري لا تأتي بأي حركة. وبعد برهة استطاعت أن تهمس باسم آخر من كانت تتوقع رؤيته في منزلهم. فاستندت بيدها على الجدار، ريثما ذلك الدوار الذي أصاب رأسها يرحل عنها. فما لبثت أن نظرت إليه وهي تقول بهمس لا يخلو من الصدمة: "دكتور رفيق" عقد رفيق حاجبيه تعجباً، من دلوف تلك الفتاة بهذه الطريقة، فهي اقتحمت الغرفة بدون استئذان.

ولكن عندما وقع بصره عليها شعر أنه رآها قبل هذه المرة. فظل يفكر أين يمكن أن يكون رآها؟ فعادته أنه لا يدقق في الوجوه جيداً حتى يتذكرها. لم يشأ أن يرهق عقله بذلك الأمر، فخاطبها قائلاً بكياسة: "أهلاً يا آنسة، هي فين الحاجة علية؟ عقدت ليان ذراعيها وهي تقول: "وحضرتك عايز تقابلها ليه؟ وضع رفيق كوب الشاي، الذي أتى به باسم، قائلاً: "أنا جاي بخصوص الأرض المعروضة للبيع علشان إن شاء الله أشتريها" حكت جبهتها قائلة بشيء من الضيق:

"آه، أنت بقى اللي هتشتريها؟ أومأ رفيق برأسه، ولكنه نظر إليها متسائلاً: "أيوة أنا، هو ليه أنا حاسس إن شوفتك قبل كده بس مش فاكر فين بالظبط؟ تعجبت من عدم تذكره لها، هل نسي سخريته منها أمام الطلاب؟ ولكن بذات الوقت، شعرت بشيء من التسلية، بأنه لم يتذكرها، فهي سترد إهانته لها، وتجعله يتذوق مرارة الإهانة. فهمست بقرارة نفسها قائلة بدهاء: "إيه ده؟ هو مش فاكرني؟ إذا كان كده أنا هرد اعتباري منك يا دكتور رفيق، صبرك عليا"

ابتسمت ليان بخبث لتلك الأفكار، التي تزاحمت في عقلها. وجدت نفسها تعقد ذراعيها أمام صدرها ثانية. فنظرت إليه بتهكم وسخرية وقالت: "وانت بقى معاك تمن الأرض دي ولا هتقسط سعرها يا أستاذ؟ إحنا عايزين فلوس كاش، وانت باين عليك كده يعني إنك يعني... رد رفيق بهدوء قائلاً: "إن أنا إيه؟ كملي كلامك يا آنسة" جلست ليان على مقعد بجوار الباب، ووضعت ساقاً على الأخرى قائلة بإستهزاء:

"أصل مش باين عليك إنك غني يعني ولا حاجة، آه لابس شيك بس برضه مش زي اللي بنشوفهم في المجلات والجرايد، ده أنت حتى في جرح في وشك، إيه مش معاك تعمل عملية تجميل؟ وهو باين في وشك كده وشكله يخوف" تنساب الكلمات من فمها، كطلقات نارية تقذفها في وجهه. وجد نفسه يقبض على يده بقوة، حتى لا يقوم من مكانه ويصفع تلك الفتاة على وجهها، التي تتحدث معه هكذا بدون احترام، فتاة صغيرة حمقاء تحاول النيل منه ببضع كلمات. فرفع حاجبه قائلاً:

"هو أنتي الحاجة علية وأنا معرفش؟ ردت ليان بشيء من الزهو: "الحاجة علية تبقى جدتي، وأنا بنت ابنها، والأرض اللي ناوي تشتريها دي بتاعتي أنا وأخويا" حرك رفيق رأسه بحركات متتابعة وهو يقول: "آه، بس الظاهر يا آنسة إن أهلك نسوا يعلموكي تتكلمي بأدب إزاي مع الناس، باباكي ومامتك مقلوش ليكي عيب تكلمي الأكبر منك بقلة ذوق؟ انتفضت ليان من مكانها وأشارت له بسبابتها وهي تقول: "أنا قليلة الذوق!

أنا متربية أحسن منك ومن عشرة من عينتك يا أستاذ أنت! هب رفيق واقفاً وهو يقول: "والله الظاهر أن أنتي فعلاً متعرفيش عن الأدب والذوق حاجة ومشوفتيش تربية" قالت ودماء الغضب تسير حارقة بعروقها: "انت اللي واحد قليل الأدب وقليل الذوق ومغرور ومتكبر، وأنا بكرهك" قطب رفيق حاجبيه قائلاً بغرابة: "والله تكرهيني ولا تحبيني؟ دا شيء ميخصنيش، هو أنا كنت قريبك عشان تحبيني أو تكرهيني؟

أنا أول مرة أشوفك وأعرفك، والصراحة معرفة مش مبشرة بالخير ولا حتى تسر الخاطر" "أنت عارف لولا إنك في بيتنا كنت طردتك برا البيت" قالتها ليان وهي مازالت تحدجه بنظراتها الكارهة. فرد رفيق على حديثها المهين بقوله: "وتطرديني ليه؟ أنا هامشي يا قليلة الذوق والتربية، عيلة بلسان طويل وقليلة الأدب، تغور الأرض حتى لو كان فيها كنز قارون، تغور من طولة لسان" عندما كان يهم بالمغادرة، لمح سيدة مسنة تدخل من الباب بابتسامة خفيفة.

فابتسمت له علية بترحيب: "أهلاً وسهلاً يا ابني، معلش اتأخرت عليك" أقترب منها رفيق مصافحاً وهو يقول: "حضرتك الحاجة علية؟ أومأت علية برأسها، وهي تدعوه للجلوس: "أيوه أنا، اتفضل يا ابني، وانتي يا ليان اعملي عصير للاستاذ وكمان حضري الغدا عشان الأستاذ يتغدا معانا" شكر لها رفيق لطفها، فأبدى رفضه قائلاً: "شكراً يا حاجة علية، بس أنا لازم أمشي، حفيدتك الظاهر إنها مش مرتاحة لوجودي هنا" حولت علية بصرها لليان قائلة بتساؤل: "ليه؟

في إيه يا ليان؟ دبت ليان الأرض بخفة، وهي تغمغم بصوت منخفض: "مفيش يا تيتة، عن إذنك" خرجت من الغرفة تشعر بتزايد كرهها له أكثر فأكثر. فظلت تدمدم بسخط: "وكمان أحضرله الغدا؟ يبقى يطفحه البعيد، ولا عظمة تقف في زوره، يشرق والسر الإلهي يطلع وأرتاح من شكله" فحتى عندما حاولت رد إهانته لها، أوصلها هو إلى مزيد من الغضب والكره. ألحت عليها علية بالجلوس وهي تقول بلطف: "اقعد يا ابني اتفضل، ومعلش لو كانت حفيدتي زعلتك"

انصاع رفيق لقولها، فعاد لمكانه ثانية وهو يقول: "حصل خير، ولو أنا مش عارف هي ليه عملت كده" قالت علية وهي تطلق زفرة عميقة: "هي بس متعلقة بالأرض دي ومكنتش عايزة تخليني أبيعها، بس ما باليد حيلة، على العموم نورتنا، متشرفتش بالاسم" رد رفيق قائلاً: "اسمي رفيق رسلان" تبسمت له علية وهي تقول: "نورت البيت يا ابني، انت طبعاً عارف السعر اللي عاوزاه في الأرض دي، أكيد متولي السمسار قالك" أومأ رفيق قائلاً:

"أيوه عرفت، وأنا مستعد أدفعلك الفلوس كاش، هي جاهزة معايا" تغشى الحزن عيني علية فقالت: "والله يا ابني هي تساوي كتير، بس عشان أنا عايزة أبيعها بسرعة فعرضتها بالمبلغ ده" "وأنا على استعداد أدفعلك سعرها الحقيقي يا حاجة علية لو الأرض طلعت فعلاً تستاهل أكتر من السعر اللي عرضتيه" قال رفيق عبارته بهدوء. فنظرت له علية بدهشة وهي تقول: "غريبة تدفع فيها أكتر، مع إن المفروض تحاول تخفض السعر اللي أنا عرضاه كمان"

رد رفيق بهدوء كعادته: "الحاجة اللي تساوي قرشين ما آخدهاش بقرش، وأنا عارف إنها تساوي أكتر، واستغل حاجة الناس مش أنا يا حاجة علية" استمعت علية لكلامه بإعجاب من أمانته، فهي كانت تظن أنه ربما سيماطل في دفع السعر المعروض. فقالت بإعجاب ظاهر: "باين عليك أمين أوي يا ابني" تبسم رفيق بخفة على مديحها له قائلاً: "أنا تاجر، والقرش اللي دفعته هعرف أرجعه تاني، بس الأول أدي لكل واحد حقه عشان ربنا يباركلي في مالي"

بعد أن استمعت لحديثه، ردت قائلة: "ربنا يزيدك من فضله يارب، أنا هنادي لباسم حفيدي تروح معاه تشوف الأرض قبل ما نتفق، وبعد كده هنشوف هنعمل إيه" نهض رفيق من مكانه قائلاً بتهذيب: "تمام يا حاجة علية، اتفضلي، ولو اتفقنا هنخلص كل حاجة على طول" خرجا من الغرفة، فرأى رفيق باسم يخرج إليهما، بعد أن نادت عليه جدته. فابتسم له ورافقه إلى الأرض التي يريد شراءها.

وبالرغم من بشاشة ذلك الفتى وجدته، إلا إنه لم ينسى وقاحة تلك الفتاة المسماة ليان. دلف أكمل إلى الشركة، يصطحب معه طفلته، التي تسير بجواره تقفز فرحاً. فهي تحب المجيء معه إلى مقر عمله، أفضل من العزلة في المنزل. فرأت نسرين وابتسمت لها. فناداها أكمل قائلاً: "نسرين، خلي بالك من كنزى على ما أخلص الاجتماع، مالك جوا مش كده؟ أومأت نسرين برأسها وأبتسمت وهي تقترب من الصغيرة:

"من عينيا يا مستر أكمل، بس كده الدنيا نورت يا كنزى، أيوة الباشمهندس مالك جوا في أوضة الاجتماعات وكل شيء جاهز" جذبت كنزى يد نسرين وهي تقول: "تعالى علشان تجبلي شيكولاتة" أنحنى لها أكمل وهو يقول: "حبيبتي بلاش تاكلي شيكولاتة كتير، ماشي؟ قبلت الصغيرة أباها على وجنته وهي تقول: "حاضر يا بابي، هاكل حتة صغننة بس" تبسم أكمل على قولها، فقبلها هو الآخر قائلاً: "حبيبة قلب بابي أنتي"

ولج أكمل إلى الغرفة المخصصة لعقد الاجتماعات، لإنهاء أمور خاصة بالعمل مع بعض العملاء، وترك ابنته مع نسرين، فهو يعلم أن كنزى تحبها، لذلك يأمن مصاحبتها للصغيرة. قالت نسرين وهي تحمل الصغيرة: "يلا تعالي يا كنزى نجيب شيكولاتة" قامت بأخذ الطفلة لشراء ما تريده، وبعد الانتهاء عادت إلى مكتبها، ولكنها وجدت سارة في انتظارها. فهتفت بها سارة متسائلة: "انتي كنتي فين يا نسرين؟ أنا جيت علشان نشوف هنجيب غدا إيه" ولكنها لمحت الصغيرة،

فقالت معقبة بإعجاب: "الله مين البنوتة الجميلة دي؟ اسمك إيه يا قمر؟ ردت كنزى بخجل: "اسمي كنزى" إبتسمت لها سارة، ولكنها نظرت لنسرين وهي تقول: "الله اسمك جميل أوي، مين دي يا نسرين؟ قريبتك؟ نفت نسرين قول سارة، بحركات رأسها النافية، فداعبت وجنة الصغيرة قائلة: "لأ، دي تبقى بنت مستر أكمل" لا تعرف سارة لماذا وقع عليها قول نسرين كأن أحد قذفها بحجر على رأسها، فهل أكمل متزوج؟

فهي كانت تظن أنه أعزب شأنه شأن شريكه رفيق، حتى أنها لم تر في يده خاتم للزواج. فقالت سارة بغصة: "بتقولي بنت مين! أصل افتكرت إنه مش متجوز زي مستر رفيق، حتى مشفتش في إيده دبلة ولا حاجة" أخذت نسرين ملف أوراق موضوع على سطح مكتبها وقالت: "هبقى أقولك كل حاجة بعدين، يلا يا كنزى خليكي مع طنط سارة على ما أرجع، ماشي؟ نظرت لها سارة وتساءلت: "انتي راحة فين؟ تحركت نسرين بضع خطوات وهي تقول:

"في ملف كان الباشمهندس مالك طالب أن أدخلهوله بعد الاجتماع ما يبدأ، مش عارفة ليه، فهروح أدهوله وأجي على طول، خلي بالك منها" ذهبت نسرين لغرفة الاجتماعات. فابتسمت سارة للصغيرة ولا تعرف لماذا قامت بسحبها وأجلستها على ساقيها. فوضعت لها شعرها خلف أذنها وهي تبتسم بوجهها قائلة: "انتي بتروحي الحضانة يا كنزى؟ ردت الصغيرة وهي تقضم من الشيكولاتة التي بيدها: "أيوه، وساعات بابي بيوديني" نظرت لها سارة وتساءلت: "ليه؟

هي ماما فين يا كنزى؟ مطت الصغيرة شفتيها وهي تقول: "مامي مش بترضى توديني ومش بترضى تلعب معايا، بابي بس هو اللي بيلعب معايا" شعرت سارة بالشفقة على الطفلة، فمن المفترض أن طفلة بمثل عمرها، لابد أن تكون مرحة وسعيدة وليست حزينة هكذا. فحاولت أن تجعلها تأمن صحبتها، فهتفت بها قائلة: "تيجي نلعب سوا يا كنزى؟ نظرت لها كنزى بحماس وقالت: "هنلعب إيه؟ هبت سارة واقفة، وهي تحمل الصغيرة، فداعبت طرف أنفها وهي تقول:

"هنلعب أي حاجة بس تعالي معايا" أخذت سارة الطفلة إلى مكتبها، فظلت تلهو معها لوقت طويل، ولا تعلم سر المحبة، التي شعرت بها تجاه تلك الصغيرة، فهل يرجع ذلك لكونها... ابنته. تجولت في العديد من المتاجر، خاصة الأكثر شهرة في اقتناء أفضل ماركات الثياب، لاختيار ثوب يناسب جمالها الأخاذ. ولم تنس إصطحاب صديقتها المقربة. فارتدت أحد الأثواب ونظرت لها قائلة: "حلو الفستان ده يا شيري؟ إبتسمت لها شيري وهي تومئ برأسها بإعجاب:

"آه جميل عليكي أوي يا ماهي" نظرت ماهيتاب للمرآة لتقييم الثوب وهي تقول: "يعني تفتكري لو لبسته رفيق هياخد باله مني؟ نفخت صديقتها بضيق قائلة: "هو أنتي لسه بتفكري في هبلك ده يا ماهي؟ زفرت ماهيتاب زفرة حارة وهي تقول: "أنا حاسة كأني مريضة بحبه يا شيري" لوت شيري ثغرها قائلة: "لأ، وأنتي الصادقة بقيتي مريضة في عقلك لما تبصي لأخو خطيبك" رمقتها ماهيتاب بنظرة مستاءة وقالت:

"بقولك إيه، مش كل لما أكلمك في الموضوع ده تسمعيني الكلمتين دول؟ أشفقت شيري على حالها فردت قائلة: "أنا بنصحك يا ماهي علشان ما ترجعيش تندمي" لم ترد جواباً على حديث صديقتها، إذ سمعت صوت هاتفها يصدح بحقيبتها، فاخرجته ووجدت المتصل مالك. فتحت الهاتف وهي تقول بصوت ناعم: "هاي مالك، أخبارك إيه؟ جاءها رد مالك قائلاً: "تمام، عاملة إيه؟ وحشتيني، إيه رأيك نخرج نتعشى برا النهاردة سوا؟ مدت يدها تزيح شعرها عن جبهتها وهي تقول:

"هو أنت في الشركة دلوقتي؟ "أيوه وهخلص شغل وأرجع البيت أغير هدومي ونخرج نتعشى، اهو الواحد يرتاح من ضغط الشغل النهاردة، أبيه رفيق مسافر وأنا الشغل كله على راسي أنا وأكمل" زاد فضولها فسألته بإلحاح: "ليه؟ رفيق مسافر فين؟ حصل حاجة؟ أجابها مالك قائلاً: "لأ أبداً، مفيش حاجة، هو بس مسافر بلد كده هيشتري فيها أرض" أزدردت لعابها قبل أن تقول: "هيغيب كتير يا مالك؟ عشان مش عايزة إرهاق نفسك بالشغل زيادة" رد مالك قائلاً بحب:

"لأ، المفروض بكرة إن شاء الله يكون هنا، أنتي خايفة على تعبي يا ماهي؟ حاولت أن يخرج صوتها طبيعياً وهي تقول: "أكيد طبعاً لازم أخاف عليك يا مالك، يلا باي بقى أشوفك بالليل" أجابها مالك بصوت متهدج: "تسلميلي يا حبيبتي، باي" أنهت المكالمة مع مالك، فامتعضت بسبب عدم رؤيتها له اليوم. فهتفت بغيظ: "نقيت فيها يا شيري! أهو طلع مسافر يعني مش هشوفه بالفستان الجديد ده" سأمت صديقتها من قولها، فجذبتها من مرفقها وهي تقول:

"يلا يا ماهي خلينا نمشي، ربنا يهديكي" حملت ماهيتاب الحقائب، التي تحوي ما قامت بشراءه، فهي لن ترتدي ذلك الثوب إلا بحضوره، لعل جمالها يذيب قلب ذلك الرجل البارد، الذي كلما زاد بروده معها زادت رغبتها في التقرب منه. بعد أن عاين الأرض، واستحسن موقعها الجغرافي، تم الاتفاق على السعر الحقيقي لها. فقامت علية بدعوته لتناول الطعام معهم. فجلس بهدوء عكس تلك الفتاة، التي تجلس وهي تشعر أنها تجلس على فوهة بركان.

فهي عندما تتذكر ما فعلته بالطعام تبتسم ابتسامة ملتوية، زينت ثغرها الفاتن بلمحة شيطانية. فهي وضعت بطعامه العديد من التوابل الحارة وبكميات كبيرة، ربما من سيتناول الطعام سيلقى حتفه من حرارتها. فابتسمت له علية وهي تقول: "اتفضل يا ابني بالهنا والشفا، أنت نورتنا النهاردة والله" بادلها رفيق الابتسام قائلاً: "تسلمي يا حاجة علية، بس هو مفيش فندق هنا أبات فيه النهاردة؟ ضحك باسم قائلاً: "معندناش فنادق هنا" حك رفيق

لحيته بتفكير وهو يقول: "طب وبعدين دلوقتي هبات النهاردة فين؟ لم تكبح جماح لسانها، فهتفت ليان بسرعة: "ممكن أوي تنام في الترعة مع دود البلهارسيا، هترتاحوا مع بعض أوي وهتحبها" نظرت لها جدتها نظرة غاضبة من اندفاعها ورعونة حديثها. فمن متى وهي تتصرف بتلك الوقاحة الزائدة؟ فصاحت بها بتأنيب: "ليان إيه اللي أنتي بتقوليه دي؟ إبتسمت ليان بسخافة وقالت: "سوري، مكنتش أقصد يا تيتة، معلش يا أستاذ" نظر رفيق للطبق أمامه وهو يقول:

"حصل خير يا آنسة" فكرت علية قليلاً، ومن ثم قالت: "إحنا عندنا هنا استراحة ضيوف ممكن تبات فيها النهاردة يا ابني، أنت هتنورنا" إبتسم باسم قائلاً بترحيب: "أهلاً بيك يا استاذ رفيق" خصه رفيق بإبتسامة هادئة وقال: "شكراً يا باسم، كلك ذوق أنت والحاجة علية" أردف بكلماته وهو ينظر إليها، وكأنه يخبرها أنها تفتقر إلى كيفية معاملة الآخرين بلباقة. فرأته يحمل الملعقة محمولة بالطعام يضعها بفمه، تنتظر ثورته وصراخه.

ولكنها رأته يبتلع طعامه بهدوء مخيف. عقدت حاجبيها بدهشة، فماذا يحدث؟ كيف لا يشعر بشيء يحرق جوفه؟ هل وضعت له الطبق الخاطئ؟ ولكنها رأت شقيقها وجدتها يأكلان بطريقة طبيعية، فتناولت من طبقها لم تشعر بشيء، فكيف حدث ذلك؟ تناول رفيق الطعام فشعر بجمر في حلقه، ولكنه علم أن ربما تلك الفتاة فعلت ذلك، لأنها تريد إثارة غيظه. ولكنه لن يجعلها تنال مرادها ويجعلها تشعر بالانتصار.

فظل يبتلع الطعام بتأني، حتى وصل إلى الحد الذي لن يستطيع وضع ذلك الطعام بفمه مرة أخرى، فيكفي تلك النيران التي باتت تحرق جوفه ومعدته. فوضع الملعقة من يده وترك مقعده قائلاً: "الحمد لله، شكراً يا حاجة علية، ممكن بس أروح الاستراحة، المشوار من القاهرة لبلدكم طويل وأنا مرهق شوية، بعد إذنك" أومأت علية برأسها وهي تقول: "آه طبعاً يا ابني اتفضل، باسم روح معاه وصله" أمتثل باسم لقول جدته قائلاً:

"حاضر يا تيتة، اتفضل معايا يا أستاذ رفيق" ذهب رفيق مع باسم إلى تلك الحجرة، التي يطلقون عليها "الاستراحة"، فهو يريد الاختلاء بنفسه قليلاً، ويريد بعض الماء. فعندما وصل إلى وجهته، ولج للداخل وعاد باسم إلى المنزل. قام بخلع سترته من تلك الحرارة التي تملكتـه. فقال بما يشبه الإحتضار: "آآآه يا ربنا، نار نار، اللي يخرب بيتها، أكيد هي اللي عملت كده، أنا هموت مش قادر"

وجد زجاجة مياه، فظل يرتشف منها حتى أنهاها، ولكنها لم تكفي لإطفاء ذلك الحريق بجوفه. فذهب إلى المرحاض الملحق بالغرفة و قام بغسل وجهه. ظل ينفخ بقوة، كأنه تنين على وشك إخراج النيران من فمه. فسمع صوت طرقات على الباب، فتح الباب والماء يقطر من وجهه ورأسه. رأته ليان تعجبت من هيئته، فقميصه أيضاً مبتل وملتصق به، فكان صدره يعلو ويهبط من الغضب، كأنه كان بسباق للركض. فصاح بها غاضباً: "أفندم! عايزة إيه تاني؟ ألتوى

ثغرها وهى تقول بتأفف: "هعوز منك إيه يعني إن شاء الله؟ دي تيتة اللي قالتلي أجيبلك العصير ده عشان تبلع الأكل اللي طفحته، قصدي اللي أكلته" أنتفخت أوداجه، وأهتاج صوته قائلاً: "وده حطالي فيه إيه كمان يا آنسة يا محترمة؟ فاتها ما يلمح إليه، ليس سهواً، ولكن أدعت هي الوداعة وهي تقول: "أنت قصدك إيه؟ هحطلك إيه يعني في العصير؟ أنت عايز تتبلى عليا وخلاص؟ رفع حاجبه الأيسر قائلاً بحنق بالغ: "قصدى إيه!

قصدي على الشطة اللي كنتي حطاهالي في الأكل واللي كانت كفيلة تموتني، أنتي مجنونة؟ قالت ليان وهي ترمقه ببرود: "معلش، الظاهر زودت التوابل شوية، أصل إحنا بنحب الأكل حراق شوية، بس باين عليك فافى أوي ومدلع ومبتحبش الحراق" كز رفيق على أسنانه قائلاً بغيظ: "وهو اللي أنتي حطاه في الأكل ده اسمها توابل؟ دا أنتي ممكن تموتي حد بالطريقة دي" مطت ليان شفتيها بعدم اكتراث قائلة:

"بس أنت ماموتش ولا حاجة، وواقف قدامي كويس أهو زي الحيطة ماشاء الله" شد رفيق على شعره قليلاً، وهو يرى من فاقته برودة. فقال: "أنتي عارفة أنا طول عمري أسمع عن الفلاحين إنهم ناس يعرفوا الذوق والأصول والكرم، وأنتي بسم الله ماشاء الله شوهتيلي الصورة دي بقلة أدبك وتصرفاتك الطفولية دي يا آنسة" إهتاجت ليان من نعته لها، فصاحت بوجهه: "مش باين والله، بس معذورة لأن أنا عرفت إن باباكي اتوفى من زمان"

قالت ليان وهي ترفع سبابتها بوجهه، والدموع بدأت تتجمع بعينيها: "أنت ملكش دعوة متربية ولا لاء، ماشي، خليك في حالك أحسن" "أنتي عارفة لو أنا ليا حق أضربك مش بعيد كنت ضربتك علقة ترقدك أسبوع في سريرك عقاباً على طولة لسانك دي، يا إما كنت قطعتلك لسانك ده خالص" قال رفيق عبارته بغيظ، ومازالت عيناها ترمقه بكره خالص. فردت قائلة: "ضربة في إيدك وفي قلبك كمان، بقى أنت تضربني؟ دا أنا كنت كسرتلك إيدك" فاض الغضب بعينيه، وعندما هم

بالإقتراب منها وهو يقول: "آه يا... ولكنه لم يكمل جملته، إذ سمعا صوت باسم ينادي ليان بصوت عالٍ و بخوف أيضاً. فصاح باسم وهو يقف أمام باب المنزل: "ليان! ليان! ألحقيني تيتة أغمى عليها" ركضت ليان إلى المنزل يتبعها رفيق، فدلفا للداخل ووجدا علية مغشياً عليها على الأرض. فأقتربت ليان منها تحاول إفاقتها بدون فائدة. فبكت ليان وهي تناديها: "تيتة! تيتة! فوقي مالك يا تيتة ردي عليا"

جثى رفيق على ركبتيه بجانبها، فتحسس حرارة علية، وجد جسدها بارداً كالموتى. فقال بخوف: "إحنا لازم نوديها المستشفى بسرعة"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...