طافت عيني رفيق بالقاعة الدراسية، فالقاعة مكتظة بالطلاب، ولكنه لا يعلم لماذا يشعر بأنه على وشك ارتكاب جريمة أو افتعال شجار معهم، كأنه شخص أُكره على فعل شيء لم يكن يريده. وهذا ما كان، فعميد الكلية جاءه متحديًا رغبته في عدم تدريسه لطلاب السنة الأولى بالكلية، وأجبره على الأمر، لذلك هو هنا الآن. رفعت رهف إحدى حاجبيها تعجبًا لرؤية شقيقها، فماذا يفعل هنا؟
فظل يجول بعينيه في تلك الوجوه، حتى وقع نظره عليها، ولكنه رأى على وجهها طيف ابتسامة عدم تصديق. فنظر إليها بغضب مصطنع، محذرًا إياها من أن تفتعل أي موقف مضحك، فهو يعرفها خير المعرفة، ولما لا فهو من قام بتربيتها، فهي مدللته الصغيرة. حمحم بصوت منخفض يجلي صوته قبل أن يردف بكلماته التي ساد بعدها السكون في القاعة:
–السلام عليكم، أنا الدكتور رفيق رسلان، أنا هدرسلكم السنة دي. طبعًا في حاجات لازم تعرفوها من الأول، وهي إن أنا من النوع اللي مش بيحب الدوشة والكلام الكثير في المحاضرة. لو في أي ولد أو بنت داخلين المحاضرة وفاكرين نفسهم في الكافتيريا أو على الكورنيش، يا ريت لو هيفضلوا بالنظام ده ميحضروش المحاضرة من الأساس. الموبايلات تتقفل أثناء المحاضرة. مبحبش الاستظراف سواء من الأولاد أو البنات، الكلام يبقى بخصوص المحاضرة وبس. أثناء
الشرح مبحبش أسمع صوت في المدرج غير صوتي أنا. في أي حاجة مش فاهمينها تطلبوا بأدب وأنا هعيدلكم الشرح. وجو مستر وميس اللي كنتوا عايشين فيه في الثانوية تبطلوه، أنتوا في الكلية دلوقتي، يعني تقولوا يا دكتور. وعلشان تبقوا عارفين برضه، أنا محبش أدرس لسنة أولى، بس من سوء حظي أو سوء حظكم إن أنا هدرسلكم السنة دي.
سمعت ليان قوله فزاد ضيقها، من ذلك الشخص الذي يحدثهم هكذا؟ فمن يظن نفسه؟ فهي شعرت بالنفور ومشاعر الكره تأججت بداخلها من نبرة صوته فقط، فكيف سيتحملون عامًا دراسيًا بأكمله، وهذا الشخص الفظ يحدثهم بكل هذا الغرور. فغمغمت ساخطة بهمس: –إيه يا أختي الدكتور اللي داخل وناقص شوية ويولع فينا ده.
ارتدى نظارته الطبية، التي يرتديها أثناء التدريس، والتي لم تزده إلا وقارًا ووسامة، فخلف تلك النظارة تقبع عينان ذو نظرة غاضبة متأففة، فهو عندما تذكر حديثه مع عميد الكلية وإصرار العميد على تدريسه لهؤلاء الطلاب، وهو لا يحتمل أن يسمع صوتًا بجانبه. *** جلس رفيق على مقعد أمام مكتب العميد، فبعد انتهائه من إمضاء عدة أوراق أمامه، نظر لرفيق قائلاً بهدوء: –رفيق، أنت هتدرس لسنة أولى السنة دي.
أبدى رفيق اعتراضه على ما قاله، فرد قائلاً: –بس حضرتك عارف أنا مش بحب أدرس لسنة أولى، ثم إن الدكتور علي هو اللي كان هيدرس لهم المادة بتاعتي وخلاص، جداول المحاضرات اتعلقت على الأساس ده. خلع العميد نظارته وهو يقول: –للأسف الدكتور علي حصل له ظروف طارئة ومش هيقدر، فمفيش غيرك أنت تدرسلهم مادته. حاول رفيق أن يقول شيئًا، فلم يفسح له العميد المجال لذلك، فعاد معقبًا:
–أنا مش هقبل منك رفض، ثم أنت إيه إصرارك كل سنة إنك مش عايز تدرس لسنة أولى، إيه السبب؟ أنت بقالك كتير على النظام ده، وعلشان أنا بعزك كنت بوافق، بس المرة دي أنت مضطر إنك تدرسلهم. أومأ رفيق برأسه قائلاً: –خلاص حضرتك، ماشي، هدرسلهم. خرج من مكتب العميد، وعروق يده بارزة من شدة غضبه، فهو يقبض على يده بشدة، حتى شعر بغرز أظافره بباطنها. حاول تهدئة نفسه من تلك الذكريات، التي جاشت في صدره، من تذكره ما حدث معه منذ سنوات.
فبدأت تلك الذكريات تعود إليه كأنها حدثت بالأمس، ولم يمر عليها سنوات، خاصة عندما رأى هؤلاء الطلاب حديثي العهد بالكلية، فمن كانت السبب في ما حدث له، كانت بعامها الأول في الجامعة أيضًا، وهي من كانت السبب الأساسي في كراهيته لتدريس طلاب السنة الأولى.
بدأ الشرح فاستمعوا له بإنصات شديد، وبالرغم من امتعاض ليان من تصرفه المتعجرف، إلا أنها انبهرت بطريقة الشرح الخاصة به، فهو يشرح بسلاسة. أما رهف، فكانت تبتسم من وقت لآخر، وهي ترى شقيقها وإمارات الغضب على وجهه، التي يحاول أن يداريها بتصنع الهدوء والبرود كعادته دائمًا. فهمست لنفسها: –حلاوتها أم حسن يا محاسن الصدف، أبيه رفيق هيدرسلنا، هتبقى سنة حلوة أوي إن شاء الله، هنيالك يا رهف.
بعد أن انتهى من الشرح، نظر إليهم، وخاصة لتلك الفتاة التي لا تفارقها الابتسامة منذ أن رأته، والتي عندما يرى ابتسامتها يضيق ما بين عينيه بتحذير. فهتف بهم بصوت جهوري: –في أي حد عنده سؤال في حاجة مش فاهمينها، في حاجة صعبة أشرحهالكم تاني؟ أرادت رهف مشاكسته قليلاً، فقامت برفع يدها دليلاً على أن لديها ما تقوله، فأذن لها بالحديث، فاستقامت بوقفتها قائلة بجدية مصطنعة:
–لو سمحت يا دكتور، آخر حاجة أنت شرحتها مش فاهماها، وياريت حضرتك بس تعلي صوتك شوية علشان بس سمعي تقيل، مش بسمع بسهولة. ابتسم رفيق ابتسامة صفراء وهو يقول: –بجد ألف سلامة على ودانك يا آنسة، أوك، ماشي، اتفضلي اقعدي. أعاد الشرح ثانية، وهو يقسم أن شقيقته لم تفعل ذلك إلا لمشاكسته، فهو الوحيد الذي يعلم ما يجول بعقلها الطفولي هذا. فرمقها بهدوء قائلاً بعدما انتهى: –تمام كده يا آنسة، ولا ودانك لسه مش سامعة؟
تبسمت رهف باتساع وقالت: –لأ تمام يا دكتور رفيق، وصلت كده. *** خرجتا من القاعة الدراسية بعدما انتهى اليوم الدراسي، فنظرت ليان لرهف بتعجب، فهي لا تكف عن الابتسام، فسألتها بدهشة: –إيه الابتسامة الهبلة اللي على وشك دي من ساعة ما الرخم ده دخلنا؟ قطبت رهف حاجبيها قائلة: –أنهي دكتور ده اللي رخم؟ تقصدي مين؟ إحنا دخلنا ٣ دكاترة. قالت ليان وهي ترفع شفتها العليا باستياء: –أول دكتور دخلنا المدرج اللي اسمه رفيق ده. –دا رخم!
دا سكر محلى محطوط على كريمة، يا حلاوة نظارته. قالتها رهف بإعجاب اختلط بمزاحها كالعادة. فأبدت ليان امتعاضها من قولها وهي تقول: –على خيبة إيه ده، شكله فطران غرور وتكبر وعجرفة قبل ما يدخلنا. مطت رهف شفتيها وقالت بوداعة: –لأ والله، دا فطر مربى وجبنة وشرب قهوة. رفعت ليان حاجبيها قائلة: –ليه؟ أنتي كنتي بتفطري معاه؟ هو أنتي تعرفيه؟
فكرت رهف إنها لو أخبرت ليان بأن رفيق شقيقها، فربما سترفض صداقتها، لذلك قررت عدم إخبارها بتلك الحقيقة، فهي تريد تكوين صداقات طبيعية، ليس من أجل أن شقيقها محاضر بالجامعة، فهي ستتعامل معها كأي طالبة حتى لا تتجنبها ليان، وخاصة أنها هي أيضًا أحبت رفقتها، فهي تشبهها في بعض النواحي، وهي حب المزاح والمرح. ضحكت رهف جبهتها وهي تقول بتوتر: –أنا بس بخمن، ماهو ده الفطار اللي الناس بتفطره. قالت ليان بإعجاب:
–بس تصدقي، شرحه حلو ويدخل الدماغ على طول. قالت رهف بحب وإعجاب شديد: –فعلاً شرحه سهل وبسيط ومريح كده للأعصاب، أنا كنت هنام من حلاوة صوته. وكزتها ليان بلطف وقالت: –ما تروحي تطلبي منه يغنيلك بالمرة. ضحكت رهف وقالت: –تفتكري يعملها ولا مش هيرضى يغنيلى؟ قالت ليان بشيء من الضيق: –على فكرة أنتي عمالة تتغزلي فيه وكده، حرام عليكي يا رهف، وأنا مش بحب البنات اللي بتقعد تتغزل في راجل كده، حرام، لازم نغض البصر. تبسمت
لها رهف قائلة بوداعة: –حاضر، مش هعمل كده تاني، بس أنا والله مش من النوع ده. ربتت ليان على كتفها وقالت: –أنا علشان ارتحتلك قولتلك كده علشان صداقتنا تدوم إن شاء الله، باين عليكي طيبة أوي وأنا بجد ارتحتلك ومبسوطة إن اتعرفت عليكي. اتسعت ابتسامة رهف وهي تقول: –إن شاء الله يا ليان، وأنا كمان والله ارتحتلك، وفرحانة إن هيبقى ليا صديقة من أول يوم في الكلية، وكمان محترمة.
أُعجبت رهف بتفكير ليان وحسن خلقها، فيبدو عليها أنها فتاة طيبة ذات أخلاق حسنة، فتمنت حقًا أن تكون تلك الفتاة هي صديقتها المقربة، فرهف حتى الآن لم يكن لها صديقة بالمعنى الفعلي. ***
فتح فاروق عينيه ببطء، وضع يده على فمه متثائبًا بصوت عالٍ نسبيًا، نظر بجواره فوجد تلك المرأة مستلقية على وجهها، ينسدل شعرها على وجهها يخفي معالمه، فطافت عيناه بأرجاء الغرفة، فوجد كل شيء مبعثرًا، خاصة زجاجات الخمر. وضع رأسه بين يديه، وضغط على جانبيها، يشعر بصداع يكاد يفتك بها. أنسحب من الفراش، وأخذ رداء وضعه عليه، وشد الرباط حول خصره، فهو يحاول أن يتذكر ما حدث البارحة، ولكن ربما ما زال يقع تحت تأثير الخمر.
سمع صوتًا خلفه، يأتيه ناعمًا مختلطًا بنعاس: –صباح الخير يا حبيبي. استدار برأسه، ليرى من تكون، فزوى حاجبيه قائلاً بغرابة: –أنتي مين؟ شهقت المرأة بخفوت من سؤاله، فردت قائلة: –إيه ده، مش فاكرني؟ واحنا طول الليل مع بعض. فحقًا هو لا يتذكر من تكون؟ أو كيف قابلها؟ فأخر شيء يتذكره، عندما كان بالملهى الليلي خاصته. أقترب من الفراش وجلس بجانبها، وتفرس بملامح وجهها عله يتذكرها، لكنه قال بنفاذ صبر:
–أنا بحاول أفتكرك بس مش قادر، ولا فاكر حاجة خالص من ليلة إمبارح، فقوليلي أنتي مين وخلصيني. وضع ذراعيها حول عنقه وهي تقول بغنج: –أنا اللي جيتلك الكباريه امبارح علشان شغل، بس أنت أصرت نيجى هنا الأول، والصراحة أنت طلعت شقي أوي. –أه، افتكرتك. صاح بها فاروق، بعد تذكره لها، ولكنه تذكر أيضًا زوجته إلهام، فهي لو علمت بما يفعله، ستجعل حياته جحيمًا بمعنى الكلمة. فانتفض من مكانه قائلاً:
–يلا قومي بسرعة وامشي قبل مراتي ما تيجي، يلاااا. فمن حسن حظه، أن زوجته لم تكن بالمنزل البارحة، بل أخبرته بشأن أنها ستقضي ليلتها بمنزل إحدى معارفها من أجل زفاف سيقام هناك. انتفضت المرأة بعد صراخه بوجهها، فأسرعت بلملمة أغراضها، وارتداء ثيابها، ولكن سمع صوت باب الشقة يفتح، وإلهام تناديه من الخارج. جفت الدماء بعروقه، فسحب المرأة من يدها، وذهب بها للمرحاض، فدفعها بيده، وأوصد الباب بالمفتاح، قبل دخول إلهام.
تبسم بتوتر وهو يرى إلهام تلج الغرفة وهي تقول: –إيه ده يا فاروق، أنت كنت لسه نايم؟ وايه ده الأوضة متبهدلة ليه كده؟ أزدرد فاروق لعابه، وابتسم والخوف يسري بعروقه، فقال بتوتر: –أنتِ عارفة إن أنا مبعرفش أقعد في البيت من غيرك يا إلهام، فرجعت امبارح وفضلت أشرب لحد ما نمت ومحستش بنفسي. أرادت الذهاب للمرحاض، فجذبها من ذراعها وهو يقول: –أنتي راحة فين يا حبيبتي وسيباني؟ داعبت إلهام وجنته وهي تقول: –هدخل آخد شاور، هعمل إيه يعني؟
ظل يفكر كيف بإمكانه أن يجعل تلك المرأة بالداخل تنصرف، قبل أن تراها، فطرق على رأسه فكرة، فهتف بها: –إلهام، أنا مأكلتش من امبارح، فأنزلي هاتيلي أكل جاهز من المحل اللي على أول الشارع، بجد هموت من الجوع، وانتي لابسة وجاهزة، فانزلي اشتري الأكل وتعالي، أكون أخدت شاور وناكل سوا، وعلشان أنزل أروح المحل.
ناولها نقودًا من جزدانه الجلدي، فلم تجادله بهذا الشأن، بل أسرعت بتنفيذ ما يريد، وخرجت من الشقة. فأسرع هو بفتح باب المرحاض، وسحب المرأة من يدها بعدما ارتدت ثيابها، وخرج من الغرفة، ففتح باب الشقة، وجعلها تنصرف قبل مجيء زوجته ثانية. فبعد أن أغلق الباب خلف المرأة، استند عليه يزفر براحة، بل أنه شعر بارتخاء قدميه، فسقط جالسًا خلف الباب، فلو كانت إلهام تمكنت من اكتشاف أمره، ربما كان سيلقى حتفه، فهي إن كانت تطيعه كل الوقت، وتلك الطاعة نابعة من حبها له، فهو لا ينكر أنها امرأة ليست بالهينة، وبإمكانها أن تصبح أشد خطرًا وقتما تريد.
*** طرقت نسرين باب غرفة مكتب مالك، فدلفت تحمل بيدها قدح القهوة الخاص به، فكلما اقتربت خطوة علا صوت طنين دقات قلبها بأذنيها، ولم تنسَ ترطيب جوفها من حين لآخر وهي تبتلع ريقها، فكلما تأخذ عهدًا بالإقلاع عن ذلك الحب، تجد نفسها غارقة ببحر الأوهام والسراب أكثر فأكثر. وضعت قدح القهوة أمامه وهي تبتسم بخجل شديد: –القهوة يا باشمهندس مالك، اتفضل، أنا عملتهالك بنفسي. تبسم مالك لها وهو يقول: –مخليتش الساعي يعملها ليه وتعبتي نفسك؟
أخفضت وجهها أرضًا وقالت: –تعبك راحة يا باشمهندس، ودي مفيهاش تعب ولا حاجة، دي حاجة بسيطة. أرتشف مالك من قدح القهوة بتلذذ قائلاً: –أممم، طعم القهوة حلو جدًا، شكرًا يا نسرين. أبتسمت له ابتسامة عريضة، فلعنت دقات قلبها، التي تقفز فرحًا من رؤية ابتسامته، فقلبها سيوديها في النهاية إلى طريق التعاسة الأبدية، بسبب تعلقه بشخص لن يكون له في يوم من الأيام. فأجابته بصوت هادئ: –الشكر لله يا باشمهندس مالك، أي خدمة تانية.
أخذ عدة أوراق وناولها إياها قائلاً: –أيوة، الورق ده توصليه لمستر رفيق في مكتبه، ولو لسه موصلش، أديه للسكرتيرة بتاعته. أخذت منه الأوراق قائلة بتهذيب: –حاضر، عن إذنك. قبل أن تخرج سمعت رنين هاتفه، فوجدته يرد على الاتصال الوارد من خطيبته قائلاً بصوت مبتهج: –أهلا ماهي، أخبارك إيه؟
قبضت بيدها على الورق، تعتصره بين أصابعها، كأنها تريد أن تعتصر ذلك النابض بين ضلوعها، فهو صار يتفتت لوعة بسبب غيرتها، عندما علمت أنه يتحدث مع خطيبته، فسارت بخطوات سريعة نحو الباب، قبل أن تسمع تلك الكلمة التي تنخر في قلبها كنصل حاد، عندما يناديها بـ "حبيبتي".
أغلقت الباب خلفها، وعوضًا عن ذهابها لغرفة مكتب رفيق، جلست على مقعدها خلف مكتبها الصغير، وضعت رأسها بين يديها، وهي تحاول أن تستجمع شجاعتها، فدموعها تلح عليها، تريد الفرار من مقلتيها، فإلى متى ستظل هكذا؟
فربما من الأفضل لها، بأن توافق على الزواج من ذلك الشاب، الذي تقدم لخطبتها منذ يومين، وعملت هي على إرجاء الأمر، معللة ذلك بأنها تريد وقتًا كافيًا للتفكير، قبل إبداء قرارها النهائي، فتلك اللحظة التي ضرب سهم الحب قلبها، ما زالت تتذكرها جيدًا، كأنها حدثت بالأمس القريب، على الرغم من كونها فتاة ليست هوائية، حتى تقع بغرام كل من تقابله، ولكن لا تعلم أي سحر هذا الذي قيد به مالك قلبها، فحتى ذلك الشعور بالعذاب، بدأت تشعر بلذة منه، كأن كل ما يتعلق به، حسنًا أو سيئًا، يجعله تشعر بأنها تريد المزيد، حتى وإن أوردت قلبها مورد الهلاك، بتعلقها بحب مستحيل.
بعد أن أخذت وقتها بالتفكير، الذي لم يصل بها إلا لمزيد من الحيرة، تركت مكانها وذهبت لغرفة مكتب رفيق، ولكنها لم تجده، فأودعت الأوراق بعهدة صديقتها بسمة حتى يعود. ***
ببلدة مجاورة لتلك البلدة، التي كان يحيا بها برفقة عائلته، كان بكر جالسًا مع عدد من رفقاء السوء، بغرفة استأجرها من أجل أن يعيش بها، بعدما تم طرده من بلدته، امتلأ المكان بدخان السجائر، وبعض زجاجات الخمر، فالبعض منهم يضحك ببلاهة، من تأثير المخدرات التي يتناولوها وتتلخص بعشبة "البانجو". فغمغم بكر وهو يشعر بحالة أقرب للثمالة:
–أه يا بنت إلهام، بقى أنا تعملي فيا كده وتخليني أطرد زي الكلب ومش قادر أتكلم، بس وحياة أمك ما أنا سايبك وهوريكي. صاح به شاب آخر وجسده مترنح قليلاً ويضحك ببلاهة: –أنت بتقول إيه يا عم أنت؟ ما تسمعنا صوتك. نفث بكر دخان سيجارته وهو يقول: –أما في حتة بت محروق منها جامد وهي السبب في إني قاعد معاكم في المزبلة دي. أضجع شاب آخر على الأريكة الجالس عليها قائلاً:
–يا أخويا احمد ربنا أن في مكان يأويك، بس الصنف ده عالي أوي، جبته منين يا بكر؟ تبسم بكر قائلاً بدهاء: –ده سر بقى، بس بعد كده هتدفعوا حق اللي طفحتوه ده، ما هو أنا مش كل مرة أجبلكم على حسابي، حتى القرشين اللي أخدتهم من أبويا قبل ما أجي قربوا يخلصوا، واللي فاضل هحاول أصرف نفسي بيه. رفع الشاب الجالس بجانبه قنينة الخمر يحتسي منها وهو يقول: –يعني إيه تصرف نفسك بيهم؟ هتعمل إيه يعني يا بكر؟
–أنا اتفقت مع المعلم اللي بشتري منه الصنف أن أنا هبقى موزع ليه وهيبقى ليا نسبة، يعني بعد كده اعتبروني الدولاب بتاعكم. ضحك بكر بصخب بعدما انتهى من حديثه، فحسبما ضاق أفقه بالتفكير، وعدم وجود رادع له، فكر بالاتجار بالمخدرات من أجل الحصول على المال اللازم له. أخذ منه رفيقه السيجار، وسحب منه نفسًا عميقًا، عمل على خروجه ببطء من فمه وأنفه، فقال وهو ينظر للهيب السيجارة:
–أنت يا بني عايز تودي نفسك في داهية، يعني بدل ما تتعاطى هتاجر فيها، يعني لو اتقفشت تبقى المصيبة أكبر. دفعه بكر بصدره، فسقط الشاب على الأرضية، فلم يكلف نفسه عناء الاعتدال وظل مكانه، ولكنه سمع بكر يقول بصوت ساخط: –أنت بتفول في وشي؟ اتلم بقى، ولا أقولكم يلا كلكم امشوا، أنا زهقت منكم ومحدش ييجي هنا إلا لو كان معاه فلوس، أنا مش فاتحها تكية يا روح أمك أنت وهو.
جذبهم بكر الواحد تلو الآخر، حتى استطاع إخراجهم من الغرفة، فأغلق الباب خلفهم، وأوصده بإحكام حتى لا يقتحم أحد منهم الغرفة ثانية، فعاد وارتمى على ذلك الفراش الشبه متهالك، فصوت صريره من ثقل جسده، جعله يخشى أن يسقط به أرضًا، ولكنه ظل شارداً يحلق بسقف الغرفة، وتلك النيران التي اشتعلت بصدره ثانية من تذكره ما حدث له بالآونة الأخيرة، أحرقت كل ما تبقى له من قدرة على التفكير السليم، أو التروي بأخذ الأمور بعقلانية. ***
بعد نصف ساعة تقريبًا، وبعد انتهاء يومه بالجامعة، ولج رفيق إلى غرفة مكتب أكمل لمعرفة خط سير العمل. فرفع أكمل رأسه بعدما سمع صوت باب غرفة مكتبه يفتح، ويدلف منه رفيق، فتبسم قائلاً: –حمد الله على السلامة، يومك كان عامل إيه النهاردة في الكلية؟ أجابه رفيق بفتور: –يعني ماشي، الحمد لله. جلس رفيق على مقعد وأسند برأسه على حافته مغمض العينين، فأثار دهشة أكمل من فعله وهدوئه غير المعتاد. فسأله أكمل باهتمام: –مالك يا رفيق، في إيه؟
وشك كده باين عليه فيه حاجة حصلت، خير؟ فتح رفيق عينيه مغمغمًا: –العميد غصب عليا أدرس لسنة أولى. مط أكمل شفتيه قائلاً: –وفيها إيه؟ أنت لسه ده كله مش عايز تنسى يا رفيق؟ تبسم رفيق بسخرية وهو يقول: –أنسى! أنسى إزاي يا أكمل؟ أنسى كسرة نفسي ولا كسرة قلبي ولا الفضيحة اللي حصلت يومها واللي محدش يعرف عنها حاجة غيرك أنت، حتى أهلي ما يعرفوش. رمقه أكمل بشفقة وقال:
–أنا مقدر ظروفك يا رفيق، بس حاول تنسى، أنت مش هتفضل عمرك كده، يعني. خرجت زفراته حارة وهو يقول بأسى: –أنسى لما البنت اللي حبيتها قالت لي في وسط الكلية كلها وقدام الطلبة وهيئة التدريس، أنت تبقى مين وإبن مين، تطلع إيه أنت عشان تحبني وتحلم بيا؟ أنت ناسي أنا بنت مين؟ بص على قدك يا تربية الورش والحواري. كلامها وجعني وكسرني، لما أفضل أربع سنين أحبها وأرسم أحلام وأصحى على كابوس. قال أكمل باستياء عارم:
–هي كانت قليلة الذوق واستغلالية، استغلتك عشان كنت المعيد ومعجب بيها وكمان كنت بتذاكر لها، أخدتك سكة عشان تنجح. شد رفيق على يديه قائلاً: –أه، فضلت معشماني بوهم ولما اتخرجت واجهتني بالحقيقة، أنا أبقى فين وهي فين، وإن أنا الشاب الفقير اللي مش لازم يحلم ببنت الأكابر. ترك أكمل مقعده وأقترب منه يربت على كتفه بمواساة: –الحكاية دي فات عليها سنين، حاول تنسى بقى يا رفيق. خرجت نهدة حارة منه وهو يقول:
–مش عارف أنسى، أو بمعنى أصح، كل ما أنسى دي تفكرني بأصلي وتفكرني بمعايرتها ليا وسط الناس كلها. أشار بيده إلى تلك الندبة بوجهه، وهو يبتسم بسخرية على حاله، ولكنه يشعر كأن قلبه ينزف بقوة، حتى يكاد أن يبلغ أنفاسه الأخيرة، فتلك الندوب بقلبه رافضة أن تندمل أو أن تتركه يكمل حياته كباقي البشر، فهو كأنه بدائرة مغلقة ولا يعرف السبيل إلى الخروج منها. –ما أنت اللي رافض تعمل عملية تجميل، بس والله هي مش مؤثرة في وشك ولا حاجة.
قال أكمل عبارته وعاد يجلس على مقعده ثانية. فنهض رفيق من مكانه قائلاً: –أيوة، وحتى طلبت من مالك يعمل دراسة جدوى للمشروع، وإن شاء الله خير. –إن شاء الله، أنا رايح مكتبي، لو في حاجة بلغني بيها.
عندما هم بالخروج من غرفة مكتب أكمل متجهًا إلى غرفة مكتبه، فاليوم برمته كان مرهقًا للغاية، فأعصابه لم تعد تحتمل التظاهر بالبرودة واللامبالاة أكثر من ذلك، فهو يريد الاختلاء بنفسه قليلاً، حتى يستطيع أن يعيد إلى نفسه الهدوء الذي اعتاد الجميع أن يراه به. ولكن قبل أن يخرج من الباب، سمع صوت أكمل قائلاً: –ما تاخد بتارك منها يا رفيق، مش ليلى عايزة ترجعلك دلوقتي؟ ما تحاول تكسرها زي ما كسرتك قبل كده، يعني ردلها اللي عملته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!