الفصل 8 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل الثامن 8 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
24
كلمة
4,436
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

تسمرت قدماه على عتبة الباب. «أنت قصدك إيه يا أكمل؟ يعني إيه أخد بتاري منها؟ هب أكمل واقفاً وهو يقول بدهاء: «يعني زي ما هي داست على كرامتك قدام الناس، دوس أنت كمان على كرامتها. يمكن ساعتها تقدر تتجاوز المحنة دي وتخلص منها. وأظن أنها دلوقتي هتموت وترجعلك، يعني الفرصة جتلك على طبق من دهب.» «مش أخلاقي دي يا أكمل.»

قالها رفيق بهدوء، فحتى إن كان غاضباً وحانقاً مما فعلته به ليلى بالسابق، إلا أن أخلاقه تمنعه من الإقدام على فعل ما ينصحه به أكمل. أقترب منه أكمل وقبض على كتفه، وشد عليه قليلاً وقال: «حاول بس تسمع كلامي، صدقني كل البنات اللي من عينة ليلى وشهيرة مراتى يستاهلوا كل اللي يجرالهم.» فهو أيضاً ذاق مرارة الإهانة من زوجته، فهي لا تفوت مناسبة، إلا وتذكره بنشئته المتواضعة، وإنها هي سبيله للثراء. رفع رفيق يده

وأزاح يد أكمل بهدوء وقال: «أكمل شكلك ابتديت تخرف من اللي مراتك عملاه فيك. بطل تفكير بالشكل ده، لا أنا ولا أنت من النوع ده. ويلا بقى خليني أروح مكتبي.» تلك المرة خرج رفيق من الغرفة، فعاد أكمل وجلس على مقعده يأنب نفسه، على تفكيره بإيذاء قلوب الآخرين. فزوجته جعلته يتخلى عن المنطق السليم بالتفكير، وسمح لوخزات الشياطين أن تتملك من عقله، توسوس له بإيذاء كل من كانت تحمل دماء مفعمة بالغرور والكبرياء، كتلك المتملكة من زوجته.

*** بالمدينة الجامعية… بعد أن أنهت ليان محاضراتها، عادت إلى غرفتها. كان يمكث معها بالغرفة ثلاث فتيات أخريات، وهن أيضاً يدرسن معها بكلية التجارة، ولكن لم تكن بينها وبينهن ألفة، بل شعرت بالنفور منهن، ولكنها تحاول الحفاظ على هدوئها وهي برفقتهن قدر المستطاع. ولجت الغرفة قائلة بهدوء: «السلام عليكم.» أجابت إحدى الفتيات الثلاثة قائلة: «وعليكم السلام. المحاضرات خلصت من شوية، كنتي فين كده ده كله؟ إبتسمت فتاة أخرى قائلة بدهاء:

«تلاقيها بس لقت شاب حلو كده كانت قاعدة معاه.» تملك الغضب من ليان بعد سماع قولها، فعلا صوتها بغضب: «أنا مسمحلكيش، أنتي فاهمة؟ أنا مش بصاحب ولاد.» أجابتها الفتاة الثالثة ببرود: «مالك يا مزة بس متنرفزة كده ليه؟ ما براحتك، هو إحنا هنبقى مراقبينك؟ ما تعملي اللي تعمليه.» عقدت ليان ذراعيها وقالت:

«والله لو إنتوا مش مراقبيني فربنا مراقبني وشايفني. وعلشان نبقى على نور من أولها، أنا مبحبش الكلام بالأسلوب ده. إحنا لسه في أول السنة وعايزين الأيام تعدي على خير. وزي أنا ما بدخلش في حياتكم، إنتوا كمان متدخلوش في حياتي.» أنهت كلامها وذهبت لتبديل ثيابها، فامتعضن الفتيات الثلاث من حديثها، فقالت إحداهن: «هي مالها الحلوة دي، فاردة جناحتها علينا من أولها ليه كده؟ أخذت رفيقتها الجالسة بجانبها المرآة منها وهي تقول:

«باين عليها طالعة فيها أوي.» قالت الثالثة بما يشبه الغيرة: «هي الصراحة حلوة، بنت الـ… آية، مزة على حق.» تهكمت الفتاة الأولى وهي تقول: «وحياتك، أنتي اللي عملالنا فيها الخضرة الشريفة دي. يعدي الترم الأول وهتلاقيها بقت واخدة على الجو وتعرف بدل الواحد عشرة.» ألتزمن الصمت بعد رؤيتهن لها عائدة إليهن، بعدما أبدلت ثيابها وأدت فرضها. فاستلقت ليان على فراشها، وفتحت هاتفها لتحدث شقيقها وجدتها، فابتسمت وهي تقول:

«باسم حبيبي، أخبارك إيه؟ وحشتني أوي. وحشتني تيتة. أخباركم إيه؟ طمنوني عليكم.» رد باسم قائلاً بلهفة: «الحمد لله يا حبيبتي كويسين والدراسة ماشية كويس. ادعيلي يا ليان. مبسوط أني اطمنت عليكي، دا البيت وحش أوي من غيرك والله.» فرت دموعها رغماً عنها كحالها دائماً عندما تحدثهما عبر الهاتف، فخرج صوتها يشوبه الارتجاف: «بدعيلك يا حبيبي ربنا يوفقك يارب. اديني تيتة أكلمها.» أخذت علية الهاتف من يد باسم وهي تقول بحنان:

«حبيبة قلبي، وحشاني أوي. أنتي مش ناوية تيجي قريب؟ نفسي أشوفك أوي.» أجابتها ليان بحب: «تسلميلي يا تيتة، إن شاء الله هجي على آخر الشهر بس ادعيلي.» تهدج صوت علية بكل ما تكنه من حب لليان: «بدعيلك يا قلب تيتة ربنا يحميكي ويحفظك يارب وترجعي بالسلامة. خدي بالك من نفسك.» بعد أن أنهت مكالمتها مع جدتها، وضعت هاتفها بجانبها وأغمضت عينيها. فهي غير راغبة في الحديث معهن، ولكن التقطت أذنيها اسم ذلك المدعو رفيق عندما كن يتحدثن عنه.

قالت إحداهن بضحكة عالية: «شوفتوا دكتور رفيق ده كمان؟ دا دكتور هولاكو.» وكزتها رفيقتها بكتفها وهي تضحك قائلة: «دا كان فاضله شوية وتحسي إنه عايز يضربنا ولا يفجر المدرج بينا. دا إحنا دخلنا كذا دكتور محدش عمل زيه كده خالص.» مصمصت الفتاة الأولى شفتيها قائلة: «كأننا عملنا جريمة وإحنا مش واخدين بالنا. مش عارفة ماله ده كمان.» عضت الفتاة الثانية على شفتيها وهي تقول:

«بس الصراحة هو مز أوي، بس ياترى مين اللي غزو في وشه الحلو ده وعمله العلامة اللي فوق حاجبه الشمال دي.» سأمت ليان من الحديث الدائر بينهن، فأخذت الوسادة ووضعتها على رأسها، فغمغمت بصوت هامس: «دا إنتوا مركزين أوي معاه. ياريت بس تركزوا في دراستكم زي ما بتركزوا في حياة الناس كده.» فكرت قليلاً هل بإمكانها أن تتحمل فظاظة هؤلاء الفتيات، اللواتي يمكثن معها بنفس الغرفة؟

أم ربما ستجبر نفسها على تحمل سخافتهن، فأين تذهب هي وتترك الغرفة؟ فهي فكرت بشأن الانتقال لغرفة أخرى ولكن باء الأمر بالفشل، نظراً لتكدس الطالبات. *** يتناولون العشاء بصمت رهيب، لا يسمع صوت سوى صوت الملاعق التي تحتك بالأطباق أمامهم. فجال مالك بنظره بينهم، ولا يعلم سر ذلك الصمت المطبق عليهم الليلة، فدائماً ما تكون الجلسة بينهم ودية ولا تخلو من مزاحه هو وشقيقته رهف. فحمحم يجلي صوته قائلاً: «وحدوووه!

إحنا مالنا قاعدين ساكتين ليه كده؟ رد جميعهم: «لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله.» عاد رفيق معقباً: «علشان دي آداب الأكل يا سي مالك.» حرك مالك رأسه قائلاً: «حاضر يا ابيه، هسكت خالص. بت يا رهف، عملتي إيه في الكلية؟ نظرت لها والدتها هي الأخرى متسائلة: «أه، أنتي مقولتليش عملتي إيه؟ رجعتي من الكلية نمتي وصحيتي من شوية.» ابتسمت رهف وهي تنظر لرفيق، فأدعت الإرهاق وهي تقول:

«الحمد لله يا ماما. اتعرفت على بنوتة عسولة أوي، وحتى دخلنا دكتور حليوة النهاردة كده كان نفسه يولع فينا بجاز وبيقولنا من سوء حظكم إن أنا هدرسلكم السنة دي. وقعد يقولنا شوية تعليمات كده، كان ناقص يقولنا متتنفسوش.» لوت منى شفتيها وقالت: «يا سلام! على إيه يعني بسلامته هيدرسلكم الذرة؟ قال مالك وهو يضع من الطعام بفمه: «هو في دكاترة كده رخمين أوي وبيحبوا يزهقوا الطلبة.» رمقت منى رهف وهي تقول بثقة:

«على نفسه لو زعلك يا بت ولا عمل فيكي حاجة زعلتك، اديله على دماغه ولا يهمك.» كل هذا ورفيق يستمع إلى حديثهم، ولكن عندما سمع قول والدته رفع حاجبيه وابتسم بخفوت، وسرعان ما قال بهدوء: «تشكري يا أمي والله على نصايحك الغالية دي.» قالت منى وهي تبتسم له: «طب تسيبه يضايقها يعني؟ هو لو زعلها شوف شغلك أنت معاه، ولا هروحله أنا وأعرفه مقامه.» وضع رفيق الملعقة من يده قائلاً:

«أنتي مش محتاجة تروحي له، هو قاعد قدامك أهو. أنا أبقى الدكتور اللي الآنسة رهف بتتكلم عنه.» قالت منى بإندفاع: «وإيه يعني…» ولكن ما لبثت أن عاودت الحديث بعد فهمها قول رفيق، ففغرت فاها وقالت بدهشة: «أنت بتقول إيه، يعني أنت اللي عمالين نشتم عليه من الصبح؟ يا قلب أمك.» أماء رفيق برأسه قائلاً: «أيوة أنا يا أمي اللي هتروحي وتعرفيه مقامه وعايزة الست رهف تديله على دماغه.» نظرت له والدته بحنان وهي تقول بما يشبه الاعتذار:

«بعد الشر على دماغك يا حبيب أمك. أه منك يا سوسة، خلتيني أغلط في أخوكي.» رد رفيق قائلاً بهدوء: «وحتى لو مكنتش أنا، كل دكتور بيشوف شغله زي ما هو شايف أنه صح، يعني كل الطلبة لازم تحترم دكتورها. ماشي يا آنسة يا أم ودان مبتسمعش كويس.» ضحكت رهف وقالت: «حاضر يا أبيه، طب دا أنت شرحك جميل أوي والله ويدخل القلب قبل العقل. دا أنا عشقت كلية تجارة من أول يوم وأول محاضرة بسببك.» دبت منى على صدرها وهي تقول:

«يالهوي عليكي وعلى البكش اللي انتي فيه، واكلة عقله وبتبلفيه بكلامك في ثانية.» ردت رهف بزهو: «كده يا مامتي يا حبيبتي؟ وفيها إيه يعني لما آكل بعقل أبيه رفيق حلاوة؟ مش هيجرى حاجة يعني.» قرص رفيق وجنتها قائلاً: «أنا مفيش حد بياكل بعقلي حلاوة يا حبيبتي. أنا سيبك تعملي اللي نفسك فيه علشان أنتي قبل ما تكوني أختي، فأنتي بنتي حبيبتي.» لمحت منى قدوم الخادمة، التي تقدمت منها بتهذيب قائلة: «ست منى، الآنسة ماهيتاب جت برا.»

أشارت منى لها بأن تدعوها للدخول، فذهبت الخادمة، ودلفت ماهيتاب بابتسامة ترتسم بأناقة على شفتيها المكتنزتين، وأول من وقع عليه بصرها، كان ذلك الرجل الذي يجلس على رأس المائدة والذي لم يرفع رأسه مثل الآخرين مرحباً بقدومها. قالت ماهيتاب بصوت ناعم: «هاي، وحشتوني أوي.» ابتسمت لها منى وهي تشير لها بالجلوس قائلة: «أهلاً يا بنتي، اتفضلي معانا.» جلست ماهيتاب بمقعد مجاور لمالك وهي تقول: «أنا فعلاً جعانة أوي أوي يا طنط منى.»

تردف بكلماتها وعينيها لا تبارح وجهه، حتى خطيبها لم تنظر إليه. ولكن انتشلها صوت مالك من بحر أفكارها وهو يقول: «مفاجأة حلوة يا ماهي، نورتي البيت.» خلعت عليه ابتسامة مكرهة وهي تقول: «شكراً يا مالك، أزيك يا رفيق.» رفيق بهدوء وجفاء كعادته: «الحمد لله، أهلاً يا ماهيتاب.» وبعد ثوانٍ تعد على الأصابع نهض رفيق معلناً عن انتهاءه من تناول طعامه: «الحمد لله، عن إذنكم.» تركت رهف مكانها هي الأخرى قائلة:

«خدني معاك يا أبيه، عايزة أتكلم معاك شوية.» مد يده لها وهو يقول: «تعالي يا حبيبتي.» اقتربت منه شقيقته، فوضع ذراعه حول كتفيها بحنان، وهي تبتسم له كطفلة صغيرة، تنظر لوالدها الحنون. شدت ماهيتاب على يدها، حتى ابيضت مفاصل أصابعها، من فرط غضبها، من هذا الشخص الذي يتجاهل وجودها دائماً. أخذ رفيق شقيقته وخرج إلى الحديقة الخاصة بالمنزل، وبعد عدة دقائق كان يتبعهما مالك وماهيتاب. «انتي لحقتي تاكلي يا ماهيتاب؟

قالها رفيق وهو يضع قطعة من الفاكهة بفم رهف. وضعت ماهيتاب ساق على الأخرى وهي تقول: «أصل عاملة دايت، مش باكل كميات كبيرة.» ابتلعت رهف ما بجوفها وقالت: «ليه؟ أنتي داخلة مسابقة ملكة جمال العالم؟ وضعت ماهيتاب شعرها خلف أذنها وهي تقول بغرور: «أنا متأكدة لو دخلتها أكيد هكسب يا رهف.» ابتسم لها مالك بعشق قائلاً: «أكيد طبعاً يا ماهي، هو في حد في جمالك؟ أرادت معرفة رأيه بهذا الشأن فخاطبته بتساؤل:

«ميرسي يا مالك. وأنت رأيك إيه يا رفيق؟ لو فعلاً دخلت مسابقة ملكة جمال العالم، هكسب ولا لأ.» تريد أن تسمعه يخبرها بمدى جمالها، وأن يمدحها بكلماته التي تخرج من فمه بتلك النبرة الدافئة، التي تجعل القشعريرة تسري بعمودها الفقري. مَطّ رفيق شفتيه قليلاً، كأنه يفكر بما قالته، ولكن سرعان ما قال بعدم اكتراث: «دي حاجة أنتي تقرريها مش أنا. شوفي أنتي فعلاً جميلة الجمال اللي يستاهل ولا مجرد شكل وخلاص.»

هذا ليس مديحاً، فتلك إهانة، فهو يهينها بكلامه المبهم. فهي استشعرت من حديثه، كأنه يزدرى جمالها، فعقلها لم يستوعب سوى تلك الحقيقة، التي صار يصرخ بها الآن، من أن رفيق يهينها بكلماته، التي كانت كالسوط تجلد كبرياءها كأنثى فاتنة الجمال. فكزت على أنيابها وهي تقول: «أنت قصدك إيه بكلامك ده يا رفيق؟ نهض رفيق من مكانه قائلاً: «ولا حاجة يا ماهيتاب. عن إذنكم علشان ورايا محاضرات الصبح.» تبعته رهف وهي تنظر لمالك قائلة:

«هقوم أنا كمان أنچوي يا مالك.» ذهب رفيق تتبعه رهف، فنظراتها أصبحت كالحمم البركانية. فهي حتى لا تنتبه على كلام ذلك الجالس بجوارها، فرفع مالك يده يشير بها أمام وجهها وهو يقول: «هااااي ماهي، إيه روحتي فين؟ اكتسح الغضب صوتها وهي تقول: «هو أخوك يقصد إيه بكلامه؟ إن أنا مش حلوة يا مالك؟ قطب مالك حاجبيه قائلاً: «ليه فهمتي كلامه كده؟

هو ميقصدش حاجة على فكرة، هو أبيه رفيق صريح زيادة عن اللزوم ومبيحبش يزوق كلامه. سيبك من الكلام ده كله، أنتي وحشتيني.» أجابته ماهيتاب بإقتضاب قائلة: «وأنت كمان وحشتني.» لا تشعر بحب ذلك الشاب لها، والذي يسأل نفسه أحياناً هل تلك الفتاة تحبه أيضاً كما يحبها هو أم لا؟

فقضت ما تبقى لها من وقت بالمنزل، وهي متململة بجلستها، فهي لم تأت إلا من أجل رؤيته، وطالما هو لم يعد جالساً معهما، فلا حاجة لها بالبقاء، فهبت واقفة تخبر مالك بضرورة رحيلها، لإصابتها بألم مفاجئ برأسها، ورغبتها بأن تنال قسطاً من الراحة. *** نظرت سارة إلى الإعلان بالجريدة التي بين يديها؛ وهي تقف أمام ذلك المبنى. شعرت بالسعادة، فربما تستطيع أن تتقدم لتلك الوظيفة، وتحصل عليها لتتقاضى راتباً يساعدها على المعيشة هي ووالدتها.

فأغمضت عينيها وهي تدعو الله سراً: «يارب وفقني يارب في إني أشتغل بقى.» تحمل بين يديها أوراق السيرة الذاتية الخاصة بها، فشعرت بارتجافة قوية، كادت تجعلها تسقط الأوراق من بين يديها، فدلفت إلى المبنى وقابلت أحد العاملين، فقام بإخبارها بالمكتب، الذي ستقصده من أجل التقدم لتلك الوظيفة. قامت بطرق باب غرفة المكتب، فسمعت صوت يأذن لها بالدخول، فتحت باب الغرفة، ودلفت مغلقة الباب خلفها.

رفع أكمل نظره عن الأوراق أمامه ناظراً لها قائلاً بغرابة: «أيوة حضرتك مين؟ ابتلعت سارة لعابها عدة مرات، قبل أن تخرج الكلمات منها تحمل بعض الخوف الذي تشعر به: «أنا، أنا جاية بخصوص وظيفة السكرتيرة اللي في الجرنال ده.» أشار لها أكمل بالجلوس قائلاً: «اه أهلاً. اتفضلي يا آنسة اقعدي.» جلست سارة قبل أن تخونها قدماها، فهي تشعر بتوتر بدأ بالتأثير على أعصابها، فرفعت الملف الخاص بها وهي تقول: «حضرتك، ده CV بتاعي فيه كل الأوراق.»

تناول أكمل الأوراق من يدها يجول بنظره فيها، فعقد حاجبيه عندما رأى شهادة التخرج الخاصة بها، فقال بفضول: «أنتي خريجة كلية هندسة وجاية تقدمي في وظيفة السكرتيرة؟ ليه مبتشتغليش بالمؤهل بتاعك؟ حتى كمان أنتي جايبة امتياز، يعني المفروض تكوني معيدة في الكلية.» ابتسمت سارة بألم وقالت: «ماهو لما أكون أنا وابن دكتور من الدكاترة في نفس القسم، أكيد يعني اللي هيتعين ابن الدكتور مش بنت ناس على قد حالهم.» أماء أكمل برأسه تفهماً وقال:

«يعني الموضوع فيه واسطة وعك.» خفضت سارة وجهها وهي تقول: «يعني حضرتك مش عارف إحنا عايشين فين؟ كله بالرشاوى والوسطة بيوصل والغلبان هو اللي بيروح في الرجلين.» وكأن صوتها يحمل حزن العالم أجمع، شعر هو به. فهو يعلم ذلك الشعور، فهو أيضاً كان بيوم من الأيام مثلها، من هؤلاء الناس الذين يعيشون حياتهم في فقر مدقع. فأغلق الملف قائلاً: «أوك، ماشى. أنتي هتشتغلي هنا بس مهندسة مش سكرتيرة.» هل ما سمعته حقيقة؟

هل سيتم تعيينها كمهندسة وستعمل بمهنتها الأساسية؟ نظرت إليه بعدم تصديق. فلم يكن رده عليها، سوى ابتسامة بسيطة، فهو يعلم هذا الشعور حقاً عندما تتحقق أمنية كان يرى صاحبها أنها مستحيلة. فهتفت سارة بسعادة غامرة: «حضرتك بتتكلم جد؟ أنا هشتغل مهندسة؟ هز أكمل رأسه بهدوء قائلاً: «أيوة يا آنسة سارة، وأنتي إن شاء الله تيجي بكرة تستلمي الشغل.» استقامت سارة بوقفتها وقالت بإمتنان: «أنا بجد متشكرة جداً لحضرتك، عن إذنك.»

خرجت وهي تشعر كأنها ستطير من شدة سعادتها، فهي ستعمل بمهنة محترمة، وربما سيتحقق جزء ولو يسير من تلك الأحلام التي كانت ترسمها في مخيلتها منذ دراستها. *** منذ بدأ الدراسة توطدت العلاقة بين ليان ورهف، فدائماً ما تجلسان متجاورتان بأي مكان، وتقضيان اليوم الدراسي بأكمله برفقتهما البعض. فسمعت ليان صوت ينادي باسمها، والتفتت وجدت ماجد ينظر لها بابتسامة، فشعرت بارتباك شديد. تقدم منهما ماجد وجلس بمكان قريب منهما قائلاً:

«أزيك يا ليان، أخبارك إيه؟ أنا جيت أطمن عليكي ولو في أي حاجة محتاجاها ممكن تقوليلي وأنا عيني ليكي.» احمرت وجنتيها وهي تقول: «الحمد لله، أنا تمام. تسلم يا ماجد وشكراً على سؤالك.» أثناء مرور رفيق، لمح شاب يجلس مع تلك الفتاة وشقيقته، فعقد حاجبيه متسائلاً بقراره نفسه، لما يجلس معهما؟ فهو سيحاسب شقيقته على ما حدث، فهو يشدد أوامره لها بعدم إنشاء صداقات بينها وبين أحد من الشباب.

فمن يكون ذلك الشاب، حتى تجلس هي برفقته وبرفقة تلك الفتاة؟ فهو لمح تلك الفتاة عدة مرات مع شقيقته، ولكنه يلمحها بطريقة عابرة، حتى أنه لا يعرف ملامح وجهها جيداً. فبعد أن أنتهى ماجد من الاطمئنان على ليان، ذهب إلى كليته. فنظرت لها رهف بتعجب قائلة: «مين ماجد ده يا ليان؟ ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها وهي تقول:

«ده باباه وبابا الله يرحمه كانوا أصحاب أوي. وأنا أعرفه من وأنا صغيرة. هو من بلدنا بس عايشين هنا في القاهرة. بس مكدبش عليكي، أنا معجبة بيه ومستنياه يخلص دراسة وييجي يخطبني.» نظرت لها رهف وتساءلت: «وهو قالك كده فعلاً؟ حركت ليان رأسها برفض وهي تقول: «مقالهاش صريحة، بس هو قاللي مرة إن أنا هبقى حرم الدكتور ماجد محسن. وأنا حاسة إنه معجب بيا، بس أنا بتكلم معاه في الحدود زي ما شوفتي كده.» أخذت رهف يدها بين كفيها قائلة:

«كده أحسن، خلي الخطوة الأولى تيجي منه هو.» نظرت بهاتفها وشهقت بخفوت معقبة: «يا خبر! المحاضرة هتبدأ. يلا بينا.» ذهبتا سريعاً إلى القاعة الدراسية، فجلستا بمكانهما المعتاد، وولج رفيق للقاعة وبدأ الشرح كعادته، فكان الهدوء والصمت يعم المكان. لمحت ليان رهف تضع رأسها داخل حقيبتها تتناول قطعة من الشيكولاتة، فلم تتمالك نفسها وضحكت بصوت عالٍ، فرن صوتها في القاعة واتسعت مقلتاها مما فعلت.

ترك رفيق ما بيده، واستند بكفيه على المكتب الصغير قائلاً بهدوء خطر: «الآنسة اللي ضحكت بصوت عالٍ كده تتفضل تقوم تقف.» لم تنهض من مكانها، فشعرت بانقباض قوي وخوف أيضاً، فهي لا تريد أن تظهر نفسها، حتى لا تسمع منه كلمة مهينة أو جارحة. فأعاد حديثه ثانية: «أنا قولت الآنسة اللي ضحكت بصوت عالٍ كده تتفضل تقوم تقف، أحسن ما أخليها تقوم بمعرفتي، ومتفتكريش إني مش عارفها، أنا عارف هي مين بس أحسن ليها تقوم بنفسها.»

زاد الخوف وتملك من فؤادها، فارتعشت قدماها وهي تهب واقفة تعلن عن نفسها أمام ناظريه. فحاولت أن تقول شيئاً تبدي به أسفها، فنكست رأسها وهي تقول بندم: «أنا آسفة والله يا دكتور مش قصدي إني أضحك بصوت عالي.» صاح رفيق بصوت عالٍ قائلاً بغضب: «أنتي حضرتك فاكرة نفسك فين هنا علشان تضحكي بالشكل ده؟ هنا كلية مش كباريه.» كلمة كنصل السكين الحاد، وقعت عليها مزقت قلبها، فتلك كلمة مهينة مؤلمة جداً. فدمعت عيناها وهي تقول:

«حضرتك والله مش قصدي حاجة بس غصب عني.» عقد رفيق ذراعيه أمام صدره قائلاً بتبجح: «مبحبش الحجج الفارغة والاعتذارات اللي ملهاش لازمة. وأكيد أنتي عارفة أنا محاضرتي نظامها عامل إزاي يا آنسة؟ ولا أنتي أول مرة تحضريلي محاضرة وقبل كده مكنتيش فاضية تحضري المحاضرات؟ نفت ليان قوله وهي تقول: «لأ يا دكتور والله أنا بحضر من أول الدراسة وبحضر كل المحاضرات.» ابتسم رفيق بسخرية وقال: «ما هو واضح يا آنسة إنك عارفة النظام كويس.»

أصبحت دموعها ملحة عليها، تريد أن تخرج من مقلتيها، فهي لن تستطيع إختزانها أكثر من ذلك، ففرت دمعة ساخنة على وجنتها، وهي ترى كل الطلاب ينظرون إليها، وكأنها تم القبض عليها بجرم مشهود، وخاصة تلك الابتسامات الهازئة، التي تراها على وجه هؤلاء الفتيات، اللواتي أصبحت تتحاشى الجلوس معهن بغرفة واحدة. «يا دكتور هي مالهاش ذنب، دا غصب عنها وأنا اللي اتسببت في ضحكتها، يعني أنا اللي غلطانة مش هي.» أجابها رفيق بوحشية، صارخاً بها:

«إسكتي أنتي. حد طلب منك تتكلمي؟ بتتكلمي ليه أصلاً؟ هو أنا أذنت ليكي إنك تتكلمي؟ قالت رهف بما يشبه الذهول من حديث رفيق معها: «علشان هي مظلومة وأنا مبحبش أشوف حد مظلوم وأسكت.» «مظلومة إزاي؟ أنتي مسمعتيش صوت ضحكتها ولا إيه؟ أه أنا نسيت، أصل سمعك تقيل يا آنسة أنتي كمان ومبتسمعيش كويس.» قالها رفيق ببرود، وهي لا تصدق ما تسمعه، فهذا ليس شقيقها الذي تعرفه، فهو كأنه شخص آخر لا تعلم من يكون أو ماذا أصابه جعله هكذا؟

فمنذ متى وشقيقها يتعامل هكذا مع الآخرين؟ رأى تلك النظرة بعينيها، فهو يعلم أنها تظن به كل الظنون الآن، ولكنها لا تعلم أنه أيضاً مستاء منها، بسبب جلوسها مع تلك الفتاة وكان يجلس معهم شاب غريب أيضاً. فرفع يده يشير ناحية الباب وهو يقول بأمر: «اتفضلوا اطلعوا برا أنتوا الإتنين.»

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...