هرع فارس بقلب لهيف وملامح قلقه مرتعبه نحو الطبيب الذي خرج لتوه من غرفة العمليات التي ترقد بداخلها حوريته. هتف متسائلاً بقلق: خير يا دكتور طمني ليلي فيها ايه ارجوك. تحدث الطبيب بعملية:
اطمن يا أستاذ، المدام كويسة، هي لما وصلت المستشفى كان ضغطها عالي جداً، وده كان سبب النزيف اللي حصل لها. لأنها كانت حامل في شهر ونص، وغالباً الحمل كان ضعيف عشان كده نزل ومستحملش. بس هي دلوقتي كويسة وزي الفل، هتطلع على أوضة عادية، بس هي واخدة حقنة مهدئة ومتعلق لها محاليل عشان الضغط ما يترفعش تاني، وكلها كام ساعة وتفوق وتقدروا تشوفوها. حمد الله على سلامتها، عن إذنك.
انصرف الطبيب من أمام فارس الذي كان يستمع إليه بذهول، فحوريته كانت حامل وهو لا يعرف، وعلى الأغلب هي أيضاً لم تكن تعلم. نظر بتيه وذهول إلى جواد الذي ربط على كتفه يواسيه بعدما استمع هو الآخر لكلام الطبيب: سمعت اللي قاله الدكتور. ليلي كانت حامل والجنين نزل. حامل وأنا وهي ما نعرفش. الجنين نزل قبل ما نفرح بيه، وكل ده بسبب بنت ال... الواطية اللي جت ترمي بلاها عليا. تحدث جواد مهدئاً إياه:
اهدي يا فارس، معلش مالكمش نصيب في الحمل ده، وإن شاء الله تقدروا تعوضوه تاني. وموضوع البت دي سيبهولي أنا هخلصه، خليك أنت جنب ليلي. نظر له فارس بغضب وقد ثار الموج الأزرق داخل عينيه منذرًا بعاصفة وشيكة وهتف بنبرة قاطعة: لا، الموضوع ده يخصني وأنا اللي هخلصه، ولو وقفت على موتي.
وانطلق مسرعاً خارجًا من المستشفى ينوي الثأر له ولحوريته. وجواد يهرول خلفه مسرعاً محاولاً اللحاق به خوفاً عليه من غضبه وتهوره، فعندما يتعلق الأمر بليلي يتحول فارس الهاديء المسالم إلى رجل بدائي شديد الهمجية. *** هتف جودت بصوت منخفض لتلك التي ترتجف أمامه: حلو قوي اللي عملتيه، اثبتي على كده ومهما حصل أوعي، لو ضغطوا عليكي، أوعي تغيري كلامك، انتي فاهمة. تحدثت نعيمة ببكاء:
أنا مرعوبة يا سي جودت، الله يخاليك طلعني من هنا وأنا همشي ومش هتشوف وشي تاني، انت ماشوفتش أخوك بهدلني إزاي وحابسني هنا في البدروم عندكم، والله أعلم هيعمل فيا إيه، أنا مرعوبة منه، ده شكله مش سهل خالص. أنا خلاص مش عايزة حاجة منك، واللي في بطني ده أنا هربيه لوحدي ومش هطلب منك أي حاجة ولا هتشوفني تاني، والاتفاق اللي بينا انساه خلاص، بس سيبني أمشي أبوس إيدك. نفض جودت يده التي همت أن تقبلها وتابع بنبرة غاضبة
وعينيه تلمع ببريق شيطاني: انتي اتهبلتي يابت انتي ولا إيه، اتفاق إيه اللي اتلغى؟ لا يا روح أمك ده أنا أدنك مكانك. وإذا كنتي خايفة من جواد ومن اللي هيعمله فيكي لو كشفك، فده ما يجيش واحد على مليون من اللي هعمله فيكي لو معقلتيش ونفذتي اتفاقنا للآخر. ثم تلون كالحرباء وتابع يحدثها بلطف حتى تنجح خطته:
يا نعيمة مش انتي بتحبيني وكل همك إنك تبقي جنبي ومعايا ومعانا ابننا وتبقي مراتي قدام الناس كلها، يبقى تنفذي اللي أقولك عليه كله بالحرف الواحد ومتخافيش، محدش هيقدر يقرب منك طول ما أنا جنبك، بس انتي اسمعي الكلام. نظرت له بخوف وهتفت تسأله تحاول فهم ما يرمي إليه: أيوه بس إيه علاقة اللي اسمه فارس ده باللي بينا؟ أنا عملت اللي قلت عليه وأنا مش مقتنعة، إزاي عايزني أخرب بيته عشان أعمر أنا بيتي. أجابها منفعلًا:
عشان هو ده اللي لازم يحصل، لازم يخسر كل حاجة زي ما طول عمره بياخد مني كل حاجة، حياته دي كان المفروض تبقى حياتي أنا، بس هو سرقها مني. كان سوف يتابع استرساله في الحديث لولا استماعه لصوت جلبة في الخارج فاستفاق على نفسه وأخبرها محذراً قبل أن يتركها مسرعاً قبل أن يشاهده أحد معها: أنا همشي دلوقتي واللي اتفقنا عليه يتنفذ بالحرف، وإلا ساعتها ماتلوميش إلا نفسك.
ورحل وتركها تتصارع مع أفكارها في مواجهة المجهول وهي لا تعرف أي الأقدار ستواجهها. *** ترجل فارس من سيارته وهرول ناحية سرايا الحاج مهران قاصداً القبو متوعداً بالهلاك لتلك التي تسعى لتدمير حياته. هتف جواد الذي يهرول خلفه: استني يا فارس، مش كده، الموضوع مش هيتحل بجنانك ده. نزل فارس الدرج المؤدي إلى القبو مسرعاً غير عابئ بنداء صديقه، حتى أنه لم ير جودت الذي كان يصعد الدرج في نفس الوقت من شدة غضبه.
هتف جواد متحدثاً بشك عندما وجد شقيقه صاعداً من القبو: انت كنت بتعمل إيه تحت عندك يا جودت في البدروم؟ تحدث جودت بثبات ظاهري: أبداً، أنا كنت نازل تحت في المخزن بدور على شنطة العدة بتاعة العربية. نظر له جواد بشك وقد عصفت الظنون برأسه: ولقيتها؟ هاااا، لأ ملقيتهاش، تلاقيها موجودة هنا ولا هنا، هاتروح فين يعني. أومأ له جواد هازاً رأسه والشكوك تزيد بداخله، ثم قرب وجهه منه ناظرًا في عينيه بقوة متحدثاً بتهديد صريح:
ماشي يا جودت، هعديها بمزاجي، بس أقسم بالله العظيم ورحمة أمي لو عرفت إن ليك علاقة بالبت اللي تحت دي أو ليك يد في اللي حصل ده، ساعتها ورحمة أمي ما هسمي عليك وهكشف المستخبي كله، وعليا وعلى أعدائي. أنا قلتها لك قبل كده وبقولها لك لآخر مرة، كله إلا فارس، فارس عندي خط أحمر، وأنا سكت لك مرة ومش عشانك، ده عشان أبوك، لكن المرة دي لو اللي في دماغي صح، ساعتها ماتلومش إلا نفسك. هتف جودت بنبرة شرسة وهو ينظر إلى أخيه بعداء:
وأنا مالي ومال البت اللي تحت دي، وبعدين انت بتهددني، عشان خاطر سي فارس بتاعك ده، بتهدد أخوك اللي من لحمك ودمك عشان حتة واحد صاحبك لا راح ولا جه. أجابه جواد وهو يتحرك من أمامه حتى يلحق بصديقه: أنا مش بهددك، أنا بس بعرفك باللي هيحصل لو طلع اللي في دماغي صح. وبعدين فارس مش صاحبي وبس، فارس ده توأمي. قالها وغادر من أمامه تاركًا جودت خلفه يطلق نيران من عينيه لو كانت تحرق لأحرقت المنزل بما فيه من شدتها. ***
انتفضت نعيمة فزعة عندما انفتح باب الغرفة بقوة ودلف منها فارس يطالعها بنظراته التي تطلق نيران مستعرة. ارتاعبت من منظره المخيف وأخذت تتراجع بخطواتها للخلف في محاولة منها للهروب منه. وبسرعة البرق كان أمامها يقبض على عنقها بيده القوية ويدفعها بغلظة على الجدار من خلفها بقوة حتى شعرت أن ظهرها قد قُسِم نصفين من قوة الدفعة! هدر بها بغضب أهوج وكل غضب في جسده يتنفض من شدة الغضب: يا بنت ال...
، بقي أنا متجوزك عرفي وكمان حامل مني، يا... ، انطقي يا بت مين اللي زقك عليا وحفظك الكلمتين اللي قلتيهم دول وخربتي بيتي. انطقي بدل ما أطلع روحك في إيدي. بالفعل كانت تشعر أن روحها كانت ستغادر جسدها، ليس فقط بسبب يده الغليظة التي تسحق عنقها ولكن بسبب خوفها ورعبها من هيئته المرعبة.
كانت تصارع الموت وتحاول فك يده من حول عنقها ولكنها كلما حاولت إزاحة يده، كلما زاد من ضغطه عليها حتى شعرت أنها قاب قوسين أو أدنى من نهايتها مما جعلها تستسلم وتغلق عينيها في انتظار خروج روحها من جسدها. ولكن بعد لحظة، كانت هناك يد أقوى تسحب يد فارس من حول عنقها، وصوت جواد يهدر بعنف: انت اتجننت، هتموتها وتضيع نفسك ومراتك عشان واحدة زبالة ما تستاهلش.
حاول فارس التملص من جواد والوصول إلى تلك الراقده على الأرض تشهق بعنف محاولة التقاط أنفاسها الهاربة منها: سيبني يا جواد أموتها وأشفي غليلي منها، الواطية بنت ال... ، انطقي وقولي الحقيقة، آذيتك في إيه عشان تأذيني وتهدي بيتي، أعرفك منين عشان تتبلي عليا بنت ال... أنهى كلماته وأرفقها بركلة من قدمه داخل معدتها جعلها تصرخ بشدة وتتكوم على نفسها في الأرض تبكي وتصرخ من قوة الركلة.
دفعه جواد إلى الخارج بصعوبة والآخر يعانده يريد أن يصل إليها ويفصل رأسها عن جسدها، إلى أن استطاع جواد أخيرًا إخراجه من الغرفة، ثم استدار إلى تلك المتكورة على نفسها في الأرض تئن من شدة الألم: الكلام لسه مخلصش، راجعي نفسك وفكري كويس في اللي هيحصل لك لو مقولتيش الحقيقة. ثم غادر وأغلق الباب عليها من الخارج بالقفل وأخذ المفتاح معه حتى يضمن بقاءها حتى عودته والاستفراد بها بعيدًا عن فارس، ولكن بعد الاطمئنان على ليلي أولاً.
*** كان جالسًا بجوارها يتأملها بصمت منتظراً إفاقتها بفارغ الصبر، قلبه يتمزق حزنًا عليها وعلى خسارتهم لجنينهم الأول الذي حتى لم يعرفوا بوجوده بعد. تنبهت حواسه عندما شعر بحركة بسيطة منها تنذر بإفاقتها. همست ليلي بخفوت وهي بين اليقظة والنوم: فارس. اقترب منها يمسح على رأسها بحنو هاتفاً بلوعة وهو يضغط على كف يدها القابعة في يده: قلب فارس وعمره. أنا جنبك يا حوريتي. فتحي عنيكي بقى، طمن قلبي عليكي.
فلبّت رجاءه على الفور وفتحت عينيها تنظر حولها بتشويش وهتفت بصوت خفيض متعب: فارس. أنا فين؟ أجابها وهو ما زال يمسح على شعرها: أنا هنا يا عمري. استعادت إدراكها شيئًا فشيئًا وهي تنظر في وجهه بتدقيق وطال صمتها وصور ما حدث تجول داخل رأسها. صمتها الطويل جعل قلبه يهوي بين قدميه فهو على يقين أنها بدأت تتذكر ما حدث وخوفه ورعبه الأكبر من أن تكون صدقت فيه تلك الأكاذيب. ظل يطالعها بخوف حتى تحدثت أخيرًا ببكاء: البيبي...
البيبي راح، ماكنتش أعرف إني حامل والله ما كنت أعرف. أنا آسفة معرفتش أحافظ على ابننا. تحرك مسرعاً يجلس بحوارها على السرير ورفعها يضمها داخل صدره يخبئها بين ضلوعه محاولاً تهدئتها: بس... بس يا حوريتي متزعليش نفسك، أنا عارف إنك ماكنتيش تعرفي إنك حامل، قدر الله وما شاء فعل، مالناش نصيب فيه. رفعت رأسها ونظرت داخل عينيه هاتفة ببكاء: يعني انت مصدقني ومش زعلان مني؟ مسح دموعها بطرف أنامله وهو يقبل عيونها بعشق:
طبعاً يا قلبي مصدق، وبعدين أزعل منك ليه على حاجة مالكيش ذنب فيها، ده نصيبنا وإن شاء الله بكرة ربنا يكرمنا ويعوضنا بالأحسن. ثم أردف بعدها بتوتر: انتي مصدقاني مش كده؟ والله العظيم البنت دي أنا عمري ما شفتها ولا أعرفها، دي أول مرة أشوفها. رفعت أناملها تضعها على شفتيه تمنعه من الاسترسال وهتفت تحدثه بنبرة واثقة:
انت مش محتاج تحلف عشان أصدقك، أنا بثق فيك أكتر من نفسي وعارفة إنك عمرك ما تعمل حاجة غلط أو في السر. الراجل اللي بيراعي ربنا في كل حاجة بيعملها وبيصلي الفرض بفرضه والكل بيشهد بأخلاقه مستحيل يعمل كده. الراجل اللي حافظ عليا أكتر من نفسي ومن نفسي ووقف قدام أهل البلد كلهم وقالهم دي تخصني، عمره ما يعمل كده. وبعدين البنت كانت بتتكلم وهي خايفة ومرعوبة ونظراتها زايغة، دي لو صاحبة حق كانت اتكلمت بقوة ومن غير خوف، لكن دي عارفة إنها بتكدب وخايفة لا كذبتها تتكشف، هي جاية ترمي بلاها على أي حد يشيل بلوتها وخلاص.
كان يستمع إليها وقلبه ينتفض داخل صدره من شدة تأثره بحديثها الذي أثلج قلبه وداوى روحه، فحوريته تثق فيه ثقة عمياء وتعشقه كما يعشقها. لذا لم يمنع نفسه من تقبيل تلك الشفتين الرقيقتين المغريتين التي تقطر شهداً. تفاجأت من هجومه المفاجئ على شفتيها ولكنها بادلته قبلته بشوق وعشق أكبر وأعمق. فصل القبلة بعد مدة وأسند رأسه على رأسها متحدثاً بلهث: بعشقك يا حوريتي. ***
بعقل يكاد ينفجر من شدة التفكير، كان يقود سيارته عائدًا إلى البلدة بعد أن ذهب ليقل والده الذي كان في زيارة لأحد أقاربه في القاهرة، وعلى الأغلب لم يعلم بما حدث. انقضى يومان دون حدوث شيء جديد، صمت غريب من جانب شقيقه سيصيبه بالجنون. وفارس وليلي وكأن الأمر لا يعنيهم، فبعد خروجها من المستشفى في نفس اليوم وهم مختفون في منزلهم حتى أن فارس لم يذهب لشركته مع جواد ولا أحد يعلم عنهم أي شيء، وهذا ما يزيد جنونه.
حتى نعيمة لم يقترب منها مرة أخرى حتى لا يثير ريبة جواد. جواد الذي يلعب بأعصاب الكل، فهو يعلم أن سكون شقيقه الطويل ما هو إلا السكون الذي يسبق العاصفة، ولكنه سيصمد في وجه العاصفة ويجعلها تبتلعهم جميعًا. ***
انتهزت ليلي فرصة سفر فارس لإنهاء بعض أعماله اليوم، وذهبت إلى سرايا آل مهران، تريد أن تعرف الحقيقة ومن وراء تلك الكاذبة، فهي علمت من فارس أنها موجودة في منزل جواد وأن فارس اشترط على جواد أن لا يحادثها في الأمر إلا بعد عودته، ولكنها لم تصبر وقررت الذهاب بمفردها إليها. *** دلفت إلى حجرة مكتب جواد بعدما علمت من الخادمة بوجوده بها.
أجفل جواد عندما وجد من يقتحم عليه غرفة مكتبه، ولكنه نهض على الفور عندما وجد ليلي أمامه وملامح وجهها لا تبشر بخير. خير يا ليلي، في إيه؟ أنا عايزة أتكلم مع اللي اسمها نعيمة دي. *** يومان مرا ولا تزال حبيسة تلك الغرفة، لا أحد يقترب منها، فقط الخادمة تأتي وتجلب لها الطعام في مواعيده ثلاث مرات يومياً دون أن تنبس بحرف واحد. وجودت لم يأت إليها مرة أخرى، ولا حتى شقيقه ولا فارس الذي كاد أن يقتلها.
ستموت من شدة الخوف، والظنون تعصف برأسها، هل عرفوا الحقيقة؟ هل تخلى عنها جودت؟ هل سيكتشفون كذبتها ويبلغوا عنها الشرطة أم سيقومون بقتلها ودفنها دون أن يشعر بها أحد؟ فهي مجرد حشرة سيدوسون عليها دون أن يرف لهم جفن؟ كلها أسئلة تدور في رأسها ولم تجد لها إجابة واحدة تريحها. استمعت إلى صوت المفتاح وهو يدور داخل القفل، فتعالت دقات قلبها بعنف تطرق صدرها بقوة وهي تنظر بترقب نحو الباب في انتظار معرفة من خلفه.
هدأت دقات قلبها نسبيًا عندما وجدت نفس الخادمة، ولكن عادت دقات قلبها تهدر بجنون عندما أخبرتها أن جواد يريدها فوق في غرفة مكتبه. إذاً، فقد حان وقت الحساب. *** بأقدام رخوة كهلام وجسد مرتجف كانت تدلف إلى حجرة المكتب بعدما سمح لها ذلك الجواد بالدخول. وقفت أمامه مطرقة برأسها أرضًا وانتفاضة جسدها تكشف عن مدى رعبها من القادم.
هتف جواد بهدوء بعدما كان يرصد بعينه الثاقبة كل حركة تصدر عنها ولم يخفِ عليه حركة يديها التي تفركهما ببعضهم مما يدل على توترها، ولا شحوب وجهها ولا انتفاضة جسدها. تعالي يا نعيمة اقعدي هنا، عاوز أتكلم معاكي أنا ومدام ليلي شوية. رفعت رأسها ووزعت نظراتها المتوترة بينهم وهتفت بنبرة مرتعشة: تحت أمرك يا جواد بيه. أنا قلت أسيبك ترتاحي يومين كده عشان نعرف نتكلم سوا.
أنا عايز أعرف الحقيقة منك يا نعيمة. الحقيقة هااا، فهماني طبعاً. هتفت بنبرة متلعثمة: ما أنا قلت لحضراتكم قبل كده عن الحقيقة ومعنديش حاجة تانية أقولها. ضرب جواد بيده على المكتب بقوة أجفلتهما معاً وصاح هادرًا بغضب: جري إيه يا روح أمك، انتي هتستعبطي، هتكدبي الكدبة وتصدقيها، انطقي يا بت انتي مين اللي وزك تقولي الكلام الفارغ اللي قلتيه ده لحسن وكتاب الله هدفنك مكانك. تحدثت ليلي وهي تقوم وتقترب من نعيمة تلومه
عندما وجدتها تبكي بقوة: من فضلك يا جواد، طريقتك دي مش هتنفع، كده مش هنعرف نتكلم. ثم نظرت إلى نعيمة وحدثتها بهدوء:
شوفي يا نعيمة، إحنا كلنا عارفين إنك بتكدبي وإن فارس ملوش علاقة بيكي أو باللي في بطنك. وواضح إنك ما تعرفيش نتيجة كدبتك دي هتبقى إيه لو بلغنا البوليس عنك وساعتها هما هيعرفوا يخلّوكي تتكلمي وتقولي الحقيقة. وحتى لو فضلتِ على كلامك في كشوفات تحاليل كتيرة بتتعمل نقدر نعرف بيها إذا كان اللي في بطنك ده ابن فارس ولا لأ. ده غير إن الطب الشرعي هيكشف إن إمضة فارس على عقد الجواز العرفي اللي معاكي مزورة. وساعتها الحقيقة كلها
هتتكشف وإنتي لوحدك اللي هتدفعي التمن. فياريت تتكلمي وتقولي لنا الحقيقة، وأنا أوعدك إن محدش هيقرب لك ولا يأذيكي، وأنا هقف جنبك وأساعدك وفارس وأنا هنتكفل بكل مصاريفك انتي والبيبي لحد ما تولدي وتقومي بالسلامة. بس قوليلي ليه عملتي كده وإشمعنى فارس بالذات اللي اتهمتيه بكده، ليه مش جواد أو جودت أخوه أو أي حد تاني، إشمعنى فارس؟
وإنتي عملتي كده من نفسك ولا في حد هو اللي قالك تعملي كده؟ كانت نعيمة ترتجف بقوة ودموعها تجري أنهارًا على وجنتيها وتعي حجم المصيبة التي أوقعت نفسها فيها، فهي أصبحت بين شقي الرحى.
من جهة جودت وما سيفعله بها إذا تحدثت، ومن جهة أخرى المصير المظلم الذي سينتظرها إذا كتمت الحقيقة عنهم، ولكن هل ستستطيع الصمود أمامهم طويلًا خاصة بعد حديث تلك السيدة، والتي لمست فيها الطيبة والأخلاق الحميدة وهو ما جعل ضميرها يوجعها عليها أكثر وأكثر. ابتلعت غصة مسننة تسد حلقها واختارت أن تظل على نفس كلامها، فهي لا تملك في نفسها شيئًا فنار السجن أهون من الجحيم الذي ستلاقيه على يد الشيطان جودت.
أخرست صوت ضميرها وهتفت ببكاء وهي تتحاشى النظر إليهم: أنا قلت كل اللي عندي وانتوا حرين تصدقوا ولا لأ، أنا معنديش حاجة تانية أقولها غير كده. إلى هنا ولم يستطع جواد التحكم في أعصابه أكثر من ذلك، فهو يرى كذب هذه الفتاة في كل حرف تفوهت به واستمرارها في الكذب أكد ظنونه أن شقيقه هو السبب في رعبها بتلك الطريقة، وبدون مقدمات كان يهوي على خدها بصفعة قوية أسقطتها أرضًا وهدر فيها صارخاً بجنون: انطقي يا بنت ال...
وقولي الحقيقة، مين اللي وراكي، انطقي! دفعه ليلي في صدره تبعده عنها وهي تصيح فيه بعدم تصديق أنه ضربها للتو: انت اتجننت يا جواد، إزاي تضربها بالشكل ده، دي واحدة ست وحامل ومهما حصل مش طريقة دي للتفاهم أبداً. تابع بصراخ وقد انفلتت أعصابه على الآخر مما جعل كل من في البيت يأتي على صوته حتى دانيلا التي كانت تنيم ليل في الأعلى هرولت لأسفل فزعة من صوته:
أومال عايزني أعمل إيه وأنا شايفها مكملة في كدبتها وعايزة تلبسنا العمة عشان تداري على عملتها وتلبسها لنا. ولسانه نطق بما يجول في خاطره دون تفكير: وعموماً أنا عارف مين اللي زقك علينا، جودت هو اللي قالك تعملي كده. خيم الصمت على الغرفة بعد جملته الأخيرة واكتشف هو تسرعه في نطقها خاصة عندما وجدت أربع أزواج من العيون تطالعه بذهول وعدم تصديق. نعيمة التي شحب ملامحها حتى حاكت شحوب الموتى وعرفت أنها سقطت في جحيم الشيطان.
وليلي التي تصنمت موضعها وقد تأكدت شكوكها حول جودت، فلا يوجد أحد غيره يكره فارس ويريد تدمير سعادتهم. ودانيلا التي تقف على باب الغرفة واستمعت لجملته الأخيرة وهي تدلف إليهم، والتي تصادف دخولها مع الحاج ليل والده والذي وصل للتو بعدما أوصله جودت وذهب لقضاء أمر ما وسيلحقه لاحقًا. وكان هو أول من قطع الصمت متسائلاً باستفهام: إيه اللي بيحصل هنا بالظبط وعايز أعرف جودت عمل إيه؟ *** جالسون كان على رؤسهم الطير.
لا يزالون لا يصدقون ما استمعوا له عن حقيقة جودت البشعة. كان الحاج ليل جالسًا محني الرأس بأكتاف متهدلة بانهزام وكأنه كبر فوق عمره أعوامًا وأعوامًا. وجواد الذي يلوم نفسه على فقدانه السيطرة على نفسه وتسببه في حالة والده التي شطرت قلبه إلى نصفين، فهو كان لا يريد له أن يعرف حقيقة ابنه المخجلة، فيكفيه هو معرفتها. *** قطع ذلك الصمت المهيب دخول جودت عليهم الذي اتسعت ابتسامته ورقص قلبه طربًا عندما وجد ليلي جالسة بجانب والده.
اقترب منها كالمسحور وكأن المكان خالٍ من حولهم لم يجمع إلا سواها وهتف يحدثها بحنو وهو يكاد يلتهمها بعينه: ليلي... الف حمد الله على سلامتك، قلقتيني عليكي. قصف صوت والده من خلفه دوى كالرعد بالرغم من حشرجته بحكم السن، والذي تأكد أن نعيمة لم تفتري على ابنه البكر أو تدعي كذبًا، فنظرة عين ابنه نحو ليلي ولهفته الواضحة عليها فضحت مشاعره نحوها وأكدت حديث نعيمة: جودت! حمحم جودت متنحنحًا بارتباك بعدما وعى على وجودهم حوله:
أيوه يا حج. طالع والده بنظرة لم يستطع جودت تفسيرها وهتف فيه بجمود: اقعد عشان عايزك في موضوع مهم. تحت أمرك يا حج. قالها وهو يعود بظهره إلى الخلف حتى يجلس على الأريكة المقابلة لوالده وليلي، وما إن استدار حتى تخشب موضعه عندما وجد نعيمة جالسة مطرقة الرأس تبكي بقوة وتحاول كتم شهقاتها بيدها. وهنا تأكد أن نعيمة لم تنفذ اتفاقها معه. رمقها بنظرة حارقة لو رأتها لكانت ماتت موضعها من شدة الرعب، نظرة توعد لها فيها بالهلاك.
ولكنه سيطر على ملامحه وغضبه بقوة وارتدى قناع الحمل الوديع وأردف بمرح مصطنع: اديني قعدت يا حج، اتفضل قول حضرتك عايز إيه، أنا من إيدك دي لايدك دي. تحدث والده بعد فترة وهو يحاول النطق بما يثقل لسانه: العيل اللي في بطن نعيمة ده يبقى ابنك.
ابتلع جودت لعابه بصعوبة ونظر إلى نعيمة التي تنتحب بجانبه، فهو لم يكن يتخيل أنها اعترفت عليه، تلك الغبية التي حذرها من ذكر اسمه، وأكد عليها أنه في حال تضييق الخناق عليها تذكر اسم أي شخص مجهول، لكن أن تعترف عليه هذا لم يكن يتخيله مطلقًا. نظف خلقه ومسح حبات العرق التي لمعت على جبينه وهتف متحدثاً بغضب:
كلام إيه اللي بتقوله ده يا حج، نعيمة إيه وعيل إيه، هي مش جت من يومين وقالت إن الواد اللي في بطنها يبقى ابن فارس وإنه متجوزها عرفي. فجأة كده بقيت أنا أبوه. هي معرفتش تلزق الواد لفارس فقالت تلزقهولي أنا. تابع والده حديثه بنفس هدوئه الظاهري: امممً، يعني الواد ده مش ابنك، ونعيمة مالكش أي علاقة بيها، تمام. ثم قدم له ورقة كانت موضوعة أمامه، عرفها جودت على الفور وتابع مكملاً:
طب وورقة الجواز العرفي دي مش انت اللي كتبتها وزورت إمضة فارس عليها، مش ده خطك ولا أنا كمان بيتهيألي. قالها وهو يقذف الورقة في وجهه، فالتقطها على الفور وألقى نظرة سريعة عليها. لعن غباءه وتهوره، كيف له أن ينسى ويكتب الورقة بخط يده، كيف؟ لا يا حج مش خطي، البت دي كدابة، ثم تابع بهجوم شديد وهو يشير إلى نعيمة:
البت دي دايرة على حل شعرها والكل في البلد عارف كده وريحتها فايحة، ولما اتأبست في اللي في بطنها ده وهي مش عارفة له أب قالت تلزقه لواحد من كبرات البلد يكون معاه فلوس وخلاص. صرخت فيه نعيمة بجنون وهي تنهار من البكاء: كذاب، والله العظيم كذاب، هو الرجل الوحيد اللي لمسني، واللي في بطني ده ابنه، وهو اللي قالي أعمل كده عشان عايز ينتقم من فارس عشان أخد منه حياته اللي المفروض إنه يعيشها. آآآه.
صرخت نعيمة بصوت عالٍ عندما أنهال عليها جودت يضربها بجنون وهو يسبها بأبشع الألفاظ. ولكن جواد استطاع أن يسيطر عليه ويبعده عنها وهو يهدر فيه بجنون: إيه يا أخي حرام عليك، كفاية كذب بقى، انتي إيه شيطان. دفعه جودت في صدره بقوة حتى كاد أن يسقط على الأرض خلفه وهدر فيه جودت بجنون وقد تلبسه شيطانه وظهرت شخصيته الحقيقية:
إيييييه، حرام عليا أنا ومش حرام عليك انت، طبعاً ما انت كالعادة هتيجي عليا عشان خاطر صاحبك ومصلحته ونسيت إن أنا اللي أخوك مش هو، بس هقول إيه ما انت طول عمرك كده، بتنصره عليا، بتكرهني وبتحبه هو أكتر مني. بس ولا تفرق معايا، أنا كمان بكرهك وبكرهه، بكرهكم كلكم، كلكم. ارتد وجهه للناحية الأخرى بعدما هوت صفعة قوية على وجنته من يد والده الذي أخذ يطالعه بنظرات أسف على ما آل إليه حال ابنه.
أخرس يا كلب، انت إزاي بقيت كده، إيه الحقد والسواد اللي معشش في قلبك ده، جبت ده كله منين. قصرت معاك في إيه عشان تبقى بالبشاعة دي. وانت صغير كنت طول عمرك عصبي ونفري ومش بتحب حد، قلت عيل وبكرة يتغير واتاريك كنت بتزيد وبتزداد سواد. ولما كبرت عقدة النقص جواك من إنك مكملتش تعليمك بقت بتزيد معاك وكنت بشوفها في عينيك حتى لو لسانك مقالهاش، مع إن انت اللي اخترت ماتكملش محدش أجبرك على كده. وكنت بحاول أعوضك عن ده بالشغل والفلوس
وإني أتغاضى عن تصرفاتك الغلط وأقول ده طيش شباب وبكرة يعقل ويركز. ولما قلت لي إن في واحدة معجب بيها وعايز تتجوز قلت بس الحمد لله إن هو اللي اختار اللي عايزها عشان يتلم ويتهدى، وللأسف لا اتجوزت ولا اتهديت. وبعد الحادثة اللي حصلت لك، قلت ده درس ليك عشان تتعلم منه وتقرب من ربنا، ولا اتعلمت ولا نيلة كنت بتزيد مش كفاية إنك ديلك نجس وزاني، لا كمان عينك من مرات صاحب أخوك اللي متربي معاك في نفس البيت وواكل معاك في طبق واحد،
وياريتك اكتفيت بكده، لا ده انت كمان عايز ترمي ابنك اللي من صلبك في الشارع وتنسبه لواحد تاني عشان تخرب بيته، انت إيه يا ابني شيطان.
أنهى كلماته وهو يسقط جالساً على الكرسي خلفه يلتقط أنفاسه اللاهثة بصعوبة شديدة. أسرع جواد يجلب له كوب ماء ودواء القلب حتى لا يتعرض لأزمة قلبية. تحدث بعدها بضعف: وعشان أثبت لك إني مش ظالمك ولا جاي عليك، إن لولا الدليل ده ما كنت صدقت نعيمة أبداً وكنت صدقتك أنت. ثم رفع صوته مناديًا: تعالي يا رجب.
دلف رجب ذلك الشاب البسيط الذي يعمل ساعي في شركة جواد وفارس والذي ساعد جودت في الحصول على إمضة فارس على ورقة بيضاء دسها له ضمن بعض الأوراق التي يجب أن يوقع عليها بعدما اشترى جودت ذمته بمبلغ كبير من المال والذي دلتهم عليه نعيمة. طبعاً عارف رجب ومش محتاج أقولك على وساختكم انتوا الاتنين. شعر جودت أنه محاصر من جميع الجهات وقد استطاعوا تضييق الخناق عليه فأردف ينكر مرة أخرى محاولاً التأثير على والده:
يا حج كل ده كدب، أكيد البت دي ماشية مع رجب ومتفقين مع بعض عشان يعملوا علينا التمثيلية دي، أنا مش ممكن أعمل كده، ما تصدقهمش. تابع الأب متحدثاً بمرارة:
خلاص الكلام ده معادش له لزوم، بلاش تصغر نفسك أكتر من كده وتصغرني معاك وتثبت لي إني فشلت في تربيتك. بس كل حاجة وليها حل، وانت دلعي ليك وتغميض عينيا عن غلطاتك هو اللي وصلك للي انت فيه ده، هي كلمة ملهاش تاني تاخد البت النجسة اللي زيك دي وتمشي من بيتي، أنا بيتي مايعيش فيه انجاس زيكم. انصدم الجميع من رد فعل الحاج ليل وخاصة جواد الذي تحدث معارضًا إياه: بابا حضرتك بتقول إيه، يمشي يروح فين بس.
يمشي يغور في أي حتة غير بيتي، مش الفلوس والغنى هو اللي خلاه يفجر ويفترى على خلق الله، أنا بقى هسحب منه كل حاجة كانت معاه، وخاليه ينزل يشتغل بلقمته عند أي حد عشان يتعب في القرش ويتربى ويعرف إن الله حق، ولما حاله يتصلح ويتجوز الخاطية اللي غلط معاها ويعترف بابنه اللي في بطنها ساعتها بقى أنا اللي هدور عليه وأرجعه بنفسي لحد هنا، ولحد ما ده يحصل مش عايز أشوف وشك انت والخاطية اللي معاك دي في بيتي وفي البلد كلها.
ثم استدار مخاطبًا جواد الغير راضٍ عن حديثه: وانت يا جواد، ادي رجب حسابه ومشيه من الشركة، إحنا مش بنشغل معانا ناس بتبيع ذمتها وتعض الإيد اللي اتمدت لها بالخير. وأخيرًا نظر إلى ليلي الجالسة تتابع ما يحدث حولها بصمت: وانتي يا ليلي يا بنتي، أنا بتأسف لك انتي وفارس ابني عن اللي عمله جودت في حقكم، بس لبا طلب بسيط عندك، بلاش تقولي حاجة لفارس وأنا هبقى أقول لجواد يقوله إيه. قومي انتي يا بنتي روحي لجوزك، وربنا يهدي سركم.
أنهى حديثه وأعطى ظهره لهم يخفي دموعه عنهم وتحرك مغادرًا صاعدًا إلى غرفته ينفرد بها بنفسه ويسمح لدموعه أن تخرج من محبسها لعلها تهدئ من ألم روحه على فلذة كبده. تبعته ليلي منصرفة نحو بيتها ومن خلفها جواد ودانيلا. بينما اندفع جودت خارجًا من السرايا مسرعًا وشياطين الأرض تلاحقه، ونعيمة تجري خلفه تلحق به فهم طريقهم واحد حتى ولو دون إرادته. ***
فتح باب سيارته وقبل أن يركب وقف ينظر إلى سرايا والده التي طرد منها للتو وهتف بفحيح وعينيه تومض ببريق شيطاني: مش دي النهاية، دي البداية، أنا راجع تاني، بس هرجع وهاخد حقي منكم كلكم وأولهم انت يا حج ليل. ثم ركب سيارته وانطلق مسرعاً يشق طريقه يسابق الريح وعينيه توعدهم بالكثير. وفي لحظة خروجه من القرية كان فارس يدخل بسيارته من الجهة الأخرى وكأن المكان أصبح لا يسعهم هما الاثنين معًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!