كان ديسمبر قد حل والجو أصبح باردًا إلى حد ما، السماء مليئة بالغيوم كأنها ستمطر. استعدت سارة للذهاب إلى الجامعة، ارتدت فستانًا من القماش الثقيل باللون البني يتوسطه حزام أصفر، ولفت حول رقبتها وشاحًا من اللونين الأصفر والبني. سارة، موجهة كلامها لوالدتها: ماما، أنا رايحة الجامعة. عاوزة حاجة يا حبيبتي؟ مديحة بحب: خدي يا عمري السندوتشات اهي. تقلتي على نفسك، شكلها هاتشتي النهاردة. سارة:
آه يا ماما، تقلّت. ماتقلقيش يا حبيبتي.
توجهت سارة إلى طريقها لكي تستقل سيارة أجرة إلى الجامعة، فالقرية تبعد حوالي نصف ساعة عن الجامعة. توقعت أن تراه أمام المنزل، ولكن حمدت الله أنه ليس موجودًا. ولكن ما أن لبست ووصلت إلى مكان تجمع سيارات الأجرة، رأتْهُ مستندًا على سيارته، مرتدياً معطفًا طويلًا وبنطالًا من الجينز. والعجيب أن ملابسه من اللون البني تشبه ملابس سارة إلى حد كبير. عندما رأته، كان الصباح قد حل الآن. فقط عليه نظر إليها بإعجاب شديد، رغم حشمة ملابسها إلا أنها أنيقة جدًا جدًا. وجدته ينظر إليها، أخرج هاتفه واتصل بها.
يونس: تعالي يا سارة اركبي معايا، هاوصلك. مافيش عربيات موجودة. سارة بعصبية: إنت بتستهبل صح؟ إيه الهبل اللي بتقوله ده؟ يونس بتنهيدة: سارة، اعتبريني تاكسي يا ستي، مافيهاش حاجة. سارة: من فضلك، أعطيني المذكرة بتاعتي وكفاية لحد كده. مايصحش عمايلك دي.
رأته سارة يبتسم ابتسامة بلهاء. أغلقت الهاتف ورأت سيارة، استقلتها لتذهب إلى الجامعة. ولكن الغريب أن يونس استقل سيارته وسار خلف السيارة التي تستقلها بموازاتها. كانت تنظر إليه بين الحين والآخر وتتنهد من أفعاله. ماهذا بحق السماء الذي يفعله؟ كانت غاضبة مما يفعل وتنظر إليه بغضب، ولكنه يبتسم لها تلك الابتسامة المستفزة. وصلت سارة إلى الجامعة، التفت حولها لتبحث عنه،
إلى أن وجدت رسالة مفادها: "ماتبصيش حواليكي كتير، تعالي الكافيه مستنيكي". لم تهتم سارة إلى الرسالة، أغلقت الهاتف بغضب، ثم توجهت إلى المحاضرة، فهي كانت قد تأخرت كثيرًا ولن تستطيع أن تذهب إليه. مضى اليوم سريعًا، كان يومًا كله محاضرات، حتى أنها لم تستطع أن تأكل المأكولات التي جهزتها لها والدتها. استعدت للذهاب إلى المنزل، وجدته أمامها بجوار الجامعة يشير إليها. ترددت في البداية، هل تذهب إليه أم لا؟ ثم حسمت أمرها.
توجهت سارة بغضب إليه، وحمدت الله أنها بمفردها ولا يوجد أحد بجوارها. سارة بغضب: إنت إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي بتعمله ده؟ يونس بابتسامة هادئة: كان بينا ميعاد واستنيتك، بس إنتِ ماجتيش، حتى ما رديتيش على رسالتي ليكي. سارة بتنهيدة: وليه تستنى؟ ماتمشي. يونس وهو يعطيها الأوراق وظهر على وجهه الحزن من طريقتها معه: عاوز أرجعلك ورقك، عارف إنه مهم والامتحانات قربت. سارة وهي تأخذ الأوراق منه:
طيب، شكرًا. معلش أصل يعني ماينفعش حد يشوفنا بالمنظر ده، يفكر حاجة مش تمام. ثم أولته ظهرها لتسير. يونس بابتسامة حانية وبصوت مسموع: أنا أحافظ عليكي يا سارة أكتر من أي حد. إحنا جيران، إنتِ ناسيه ولا إيه؟ وأنا آسف إني ماقدرتش أجيبهم امبارح، كان عندنا ناس، وأسف كمان إني طلبت منك تركبي معايا الصبح، بس حقيقي نيتي كانت خير، وأتمنى تقبلي أسفي. التفتت سارة ثم ابتسمت بهدوء: متقبلة يا بشمهندس، حصل خير. يونس بهدوء: يونس.
سارة بعدم فهم: مش فاهمة. يونس: اسمي يونس، ما تقوليش ليا بشمهندس، اسمي يونس.
جاءت سارة لتجيب، ولكن انفتحت أبواب السماء للمطر الكثيف. هنا جذبها يونس من يدها وركضوا سويًا تحت المطر كأبطال ديزني الهاربين من الحكايات القديمة. لو أقسم لها أحد أن هذا سيحدث يومًا ما، ما كان صدقته. أخذها يونس إلى مكان لا يوجد به مطر، تحت مظلة. أفلتت يدها من يده، وظلوا ينظرون إلى بعضهم البعض، نظرات لا يفهمها كلاهما، نظرات ستأخذهم إلى بوابة عالم آخر، ليس له وجود سوى في قلبهم. انتبهت سارة أنها تنظر إليه وهو ينظر إليها، لم تعلم كم المدة. جاءت لتتحدث.
بادرها يونس قائلًا: أنا آسف، بس خفت عليكي من المطر. هو اعتذر بحجة أنه أراد حمايتها من المطر. نظرت إليه ولم تعلق. أخرج يونس من جيب معطفه علبة صغيرة قائلًا بهدوء: ممكن تقبلي مني دي. سارة بتساؤل: إيه دي؟ يونس بابتسامة: دي هدية، اعتبريها اعتذار عن اللي حصل مني. سارة: أنا ماقدرش آخدها، ماقدرش أقبل منك هدية، ماينفعش. يونس بحنية: لو قلت عشان خاطري، عشان ماحسش بالذنب.
سارة بتردد أخذتها منه ووضعتها في حقيبتها. كان المطر على وشك الانتهاء. سارة وهي تنظر إلى السماء: المطر بطل، أنا هامشي بقى. يونس: لو قلت لك أوصلك، هاترفضي، بس أنا ها أفضل ماشي وراكي لحد ما تركبي وتوصلي البيت. سارة بتنهيدة: إنت بتعمل كده ليه؟ يونس بابتسامة:
صدقيني مش عارف، بس اللي بيدور جواكي هو اللي بيدور جوايا أنا كمان، صدقيني دي أول مرة يحصلي كده. أنا مش شاب لعبي وعاوز أتسلى وبضحك ع البنات، عاوزك تصدقي ده. حتى لو عشت بره وشفت كتير، عمري ما حصلي اللي بيحصل ده.
نظرت له سارة ولم تعلق. استقلت تاكسي ليأخذها إلى مكان تجمع سيارات الأجرة التي تقلّها إلى بلدتها. وجدت يونس يقترب من السائق ويدفع له الأجرة. نظرت له سارة ولم تعلق. ذهبت في طريقها ويونس خلفها بسيارته. كانت تنظر من الشباك بين الحين والآخر إليه. هذه المرة ابتسمت من أفعاله ولم تغضب، بالعكس كانت تشعر بالأمان، تشعر أن شيئًا جميلًا
بداخلها وصوت يقول لها: "أطلقي لنفسك العنان". ذهبت إلى منزلها، وجدته سبقها أمام منزله. نظرت إليه بابتسامة. غمز لها بطرف عينه اليمنى، وابتسم. فتحت سارة عينيها من أفعاله ونظرت حولها، لم تجد أحدًا. حمدت الله على ذلك. ولكن ما لم تعلمه أن ميرفت تقف في الشرفة في منزلهم ورأت ما حدث من نظرات إعجاب بين الطرفين. وكأن نارًا قد اشتعلت في قلب ميرفت. هي تكره تلك سارة كره شديد. هل يحدث هذا؟ هل يوجد شيء بينها وبين أخيها؟
لا، لا يمكن. أنكرت ذلك، ولكن ما رأته يحدث من نظرات متبادلة وابتسامة أخيها العريضة. ماذا يعني؟ ذهبت سارة إلى منزلها. كان الجميع ينتظرها ليتناولوا الطعام. مديحة: يالا يا سوسو، تعالي. الأكل جهز، وانديه أخواتك دول، ياعيني مكفيين على الكتب من الصبح. سارة: أنا ميتة من الجوع يا ماما. هاغسل إيدي وأجي حالًا يا ست الكل. حاضر، هانده لهم أهو يا حبيبتي. ماهر: يالا يا مديحة، جهزي الأكل. البرد بيجوع والعيال عندهم مذاكرة. مديحة:
أهو يا حاج، جهز. أكلت سارة سريعًا وذهبت إلى غرفتها لتفتح تلك الهدية التي أهداها إليها. وجدت سلسالًا من الذهب الأبيض به قلب، والقلب يفتح ويظهر حرف S. كما يوجد وردة بيضاء ذات رائحة عطرة جذابة. ولكن تلك الرائحة هي تعلمها أنها رائحته العطرة الذي وضعها الصباح. هل عطر الوردة بعطره الخاص؟
بالإضافة إلى أكثر من نوع من الشيكولاتة الفاخرة. ابتسمت سارة ابتسامة جميلة، متنهدة بحيرة من أمرها. دقات قلبها مسموعة. تلك أول مرة يحدث لها ذلك. أول دقة قلب، أول لمسة، أول كلام مع رجل غريب، أول هدية من رجل. تلك بداية كل شيء، وكما يحدث دائمًا، البدايات تكون جميلة ورائعة ومبهرة. هو الآخر يجلس في غرفته يفكر بها. جذب هاتفه واتصل بها. يونس: آلو، السلام عليكم. سارة: عليكم السلام. يونس: عاملة إيه؟ سارة: كويسة، وإنت؟ يونس:
أنا كويس طالما إنتِ كويسة. فتحتي العلبة؟ سارة: آه. يونس: عجبتك؟ سارة: جميلة أوي، بس ليه تعبت نفسك؟ يونس: ياريت كل التعب كده. سارة: عاوز إيه مني يا يونس؟ يونس بابتسامة: أول مرة. سارة: أول مرة إيه؟ يونس: أول مرة تنطقي اسمي. سارة: طب جاوب. يونس: عاوزك إنتِ. توقفت سارة عن الكلام، فأكمل يونس. يونس: سكتي ليه يا سارة؟
والله أنا أول مرة يحصلي كده. من أول مرة شوفتك وأنا مش على بعضي، حاسس إني مش أنا، عامل زي المراهقين. مستنيكي قدام البيت. إنتِ أول كل حاجة تحصل لي يا سارة. أنا قلبي بيدق لما بشوفك وبيخرج بره سيطرتي. سارة، إنتِ كمان كده ولا إيه؟ فهميني. سارة: غلط اللي بيحصل ده، وغلط إني بكلمك كل ده غلط. هنا أغلقت سارة الهاتف، فهي كيف سمحت أن تصل الأمور أن يتحدث معها هكذا؟ أين هي وأين هم؟ هل ستوافق عائلته عن ذلك؟
تنهد يونس، علم أنه لن ينال قلبها بالسهل، فهي ليست تلك الفتاة السهلة الرخيصة التي سوف يكسب قلبها بهدية أو أموال، ولكنه أمام حقيقة الآن، وهو أنه يحبها. نعم، هو يحب سارة ولا يستطيع أن ينكر ذلك. سوف يسعى أولًا أن يمتلك قلبها، ثم يفعل الله ما يريد بهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!