الفصل 5 | من 23 فصل

رواية في قبضة الاقدار الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
169
كلمة
8,910
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

كان شفائي منك الانتصار الأعظم في حياتي! ولكنه كان انتصاراً حزيناً للغاية. فللآن ما زالت مرارته عالقة بجوفي! ولكني ممتنة وكثيراً للقدر الذي أنقذني في الوقت المناسب. فها أنا عدت للحياة مرة أخرى ولكن بقلب مصاب بداء الحذر في التعامل مع البشر والذي يجعلني في مأمن من خذلان آخر لا أملك القدرة على احتماله! وهذه هي الثمرة الوحيدة التي جنيتها من بساتين الوجع الذي خلفه غدرك بقلبي.

أن تمارس الظروف سطوتها علينا وتجبرنا على فعل أشياء لم تكن في قائمة اختياراتنا لهو أمر مقبول نسبياً برغم صعوبته. لكن عندما يجبرك أحدهم على فعل ما هو دوناً عن إرادتك مستخدماً طرقاً ملتوية لدفعك في مسار مختلف عن دربك الذي برغم صعوبته ولكنه كان اختيارك. لأمر عظيم يصعب على عقلك تحمله! هكذا كان تفكيرها منصبًا على كيفية إجباره لها على قطع وعد لم تكن لديها النية أبداً في تنفيذه أو النطق به!

فجعلها في وضع صعب خاصةً مع شقيقتها التي لم تنفك منذ البارحة في احتضانها وإخبارها بمدى امتنانها كونها ستخاطر بكل شيء وستأتي معها. وما زاد من عنائها أكثر تلك الجملة المؤلمة التي ألقتها على مسامعها وهي مستلقية بين أحضانها:

"عارفة يا فرح. أنا ما كانش هيعدي عليا يوم هناك. كنت يا أموت من الخوف يا من الوحدة يا من الضغط النفسي. أنا لما سالم بيه قال هتيجي تعيش معانا اتخيلت نفسي للحظة وسط الناس دول وفي وضعي دا بحس إني جسمي كله بيرتعش وقلبي هيقف. ده حتى حازم الله يرحمه كان بيهرب منهم بأي شكل وأهو ابنهم أومال أنا هعمل معاهم إيه؟ أنا لو قعدت أشكرك عمري كله إنك وافقتي تيجي معايا ومتسبنيش في الظروف دي عمري مش هيكفيني."

"اللعنة عليك أيها المغرور." هكذا تفوهت بداخلها وهي تقطع ذلك الشارع الطويل المؤدي للحديقة التي تقع بالاتجاه الآخر أمام البناية التي تقطن بها. فهي لم تنم منذ البارحة تفكر وتفكر ودائماً ما كان تفكيرها يأخذها في أن تنهي حياة ذلك البغيض أو تسقط على رأسه بعصا قوية علها تزيل ذلك الغضب المتقد بداخلها من هذا الوضع الذي أجبرها على القبول به ولا تعلم كيف السبيل لها في تغييره. لذا فكرت في أن تخرج لاستنشاق بعض الهواء النقي عله

يهدئ من نيرانها قليلاً ويساعدها في اتخاذ القرار الصحيح. فهمت بارتداء معطف ثقيل يقيها من برد أيام كانون التي تشبه الصقيع في برودتها ولم تهتم لجمع شعرها أو لارتداء نظارتها. وألتقطت مفتاح الشقة وخرجت بهدوء حتى لا تستيقظ شقيقتها. مندفعة إلى الخارج لتصطدم بالبرد القارس الذي لفح صفحة وجهها. فوضعت يدها في جيوب معطفها وسارت تفكر في معضلتها التي سلبت النوم من عينيها!

على الجانب الآخر كان سالم الذي وصل للتو لشركته لينهي بعضاً من الأعمال المتراكمة حتى يستثني له الذهاب إلى مسقط رأسه مدينة الإسماعيلية ليتحدث مع والدته ومن بعدها عائلته في الوضع الجديد الذي فرض نفسه على حياتهم ولكن لا حيلة لهم في اختيارات القدر. عندما كان منهمكاً في عمله أتاه اتصال من ذلك الرجل الذي كلفه بمراقبة الفتاتين فأجابه على الفور ليقول الرجل باحترام: "سالم بيه في حاجة غريبة حصلت وقولت أعرفها لحضرتك."

سالم بترقب: "حصل إيه؟ الرجل بعدم فهم: "في بنت خرجت من الشقة اللي حضرتك مكلفنا نراقبها يعني مختلفة عن البنتين اللي عايشين فيها." قطب سالم جبينه وقال باستفهام: "يعني إيه مختلفة؟ الرجل بحرج: "يعني حلوة! شعرها فاحم وطويل. ولبسها مختلف. مش البنت الصغيرة ولا البنت الكبيرة. معرفش دي مين أو جت امتى. إحنا والله مراقبينهم كويس أوي ومحدش جالهم خالص عشان كده محتار! صمت لبرهة قبل أن يقول بفظاظة: "دي فزورة ومفروض أحلاها يعني!

مانتوا لو واخدين بالكم من شغلكم تكونوا عرفتوا دي مين وراحتلهم امتى؟ تحرك الرجل حتى وصل إلى مكان قريب نسبياً منها فشعر بأنه يعرفها ولكن لا يزال حائراً. لذا قال محاولاً امتصاص غضب سيده: "والله لله يا سالم بيه عنينا ما غفلت لحظة. بس... قاطعه سالم بفظاظة: "تعرف تصورهالي؟ أجابه بلهفة: "آه طبعاً أعرف." سالم آمراً: "من غير ما تاخد بالها."

أغلق سالم الهاتف وظل ينتظر الصورة وهو يفكر في هوية تلك الفتاة الغريبة التي يصفها الحارس. وما هي إلا دقيقة وصلته رسالة على هاتفه فسارع بفتحها. وللحظة تسمرت ملامحه على تلك التي كانت مغمضة عيناها وشعرها يتطاير خلفها بجنون بفعل الرياح. فبدت كشمس حارقة متوهجة تتناقض مع برودة الطقس التي تحيط بشخصيتها الأخرى!

نعم كانت هي تلك التي تتخذ من الجليد ستاراً تخفي به ملامحها. صاعقة الجمال وشعرها الغجري الذي كانت تقمعه خلف تلك التسريحة البشعة دافنة جماله وروعة. هل تلك المرأة مجنونة أم ماذا؟ فجميع النساء لديهن غريزة إظهار جمالهن والحفاظ عليه بينما هي تقمعه بقسوة خلف تلك النظارات الطبية البشعة وذلك المظهر الذي يجعلها كعجوز شمطاء ولا يليق بسنوات عمرها التي لم تتجاوز الثمان وعشرين عاماً!

تسارعت نبضات قلبه من تلك المفاجأة وذلك المظهر الجديد الذي رآها به والذي مضت قرابة العشرين دقيقة وهو يتأمله دون أن يشعر بمرور الوقت. وكأن هناك سحر خفي سيطر عليه واختطف أنظاره.

أخرجه من تأملاته صوت رسالة أخرى ففتحها ولكن هذه المرة كانت صدمته أكبر حين كانت الصورة قريبة إلى حد ما وقد كانت تفتح عيناها الزيتونية الرائعة التي أكملت صورة المرأة الفاتنة الذي يكاد يقسم بأنها أضاعت عقلها بإحدى الطرقات حين أخفت جمالها الخارق هذا خلف مظهر تلك المعلمة العجوز! كانت عيناها برغم جمالها إلا أنها ضائعة وكأنها طفلة صغيرة ضلت طريق بيتها ولا تعلم كيف تعود!

تُرى هل كان غير منصف معها في وضعها تحت هذا الضغط وإجبارها بتلك الصورة على القبول والعيش مع شقيقتها تحت سقف عائلته؟ لا يعلم لماذا شعر بالانتشاء لتلك الفكرة؟ هناك برعم صغير نبت بداخل قلبه يشعره بالشفقة على تلك التي تدعي القوة بينما في تلك الصورة يكاد يقسم بأنها جل ما تتمناه أن تريح رأسها على صدر أحدهم! هل يمكن أن يكون هو ذلك الصدر الذي يستوعب أحزانها؟؟

عند تلك الفكرة نهر نفسه وبشدة فهي ليست نوعه المفضل من النساء كما أنه لا يحب المرأة التي تناطح الرجال ويفضل إن فكر بدخول إحداهن إلى حياته أن تكون هادئة مطيعة تكن مصدر راحة له من عناء رحلته الشاقة لا أن تكن عقبة أمامه ويخوض معها الحروب التي لا تنتهي! وهنا خطر على باله سؤال لا يعلم مصدره ولكن توقف أمامه لثوان يفكر بالإجابة: هل سيثير خضوع إحداهن شغفه مثلما يفعل عنادها؟ لا يعلم الإجابة أو يفضل تجاهلها. فقط تذكر كلمتها

التي قالتها بمنتهى الغضب: "أنت طلعت لي منين؟ توهج ملامحها في تلك اللحظة جعله يقسم بأنها النقيض تماماً من تلك الصورة الهادئة الجامدة لهيئتها التي تحاول الظهور بها دائماً. وقد أتى مظهرها اليوم ليجعله يتأكد من صدق حدسه! فجأة رن هاتفه ولدهشته وجدها هي من تتصل فارتسمت ابتسامة على شفتيه لا يعلم سببها ولم يفكر كثيراً في ذلك بل أجاب بلهجة متناقضة تماماً مع ما يعتريه في تلك اللحظة: "الو." جاءه صوتها مشتعلاً يتناسب تماماً

مع هيئتها في هذه الصور: "إحنا لازم نتكلم! يبدو أن الحظ في صفه اليوم فقد كان يتوق لرؤيتها بهيئتها الجديدة تلك ويحادثها وهو أمام عينيها مباشرةً بعيداً عن تلك القضبان الزجاجية التي تهدر نصف جمالها. جاء صوته جافاً كما العادة حين قال آمراً: "مستنيكي في الشركة بعد ربع ساعة بالضبط." جاء صوتها مستنكراً: "ربع ساعة! ده اللي هو إزاي أنا على ما أجهز وآجي فيها نص ساعة على الأقل." لاحت شبح ابتسامة تسلية على شفتيه تناقضت

مع نبرته حين قال بفظاظة: "لو حسبنا الوقت من عندك للشركة هتلاقيه في حدود عشر دقايق بالعربية! وخمس دقايق تجهزي فيهم أعتقد كدا كفاية أوي ولا أنتي من البنات اللي بتاخد وقت قدام المرايا! قال الأخيرة ساخراً ونبرته كان بها بعض التحدي فزفرت بحنق وهي تتوجه إلى سيارتها قائلة بغضب لم يخطئ في تمييزه بين كلماتها: "كفاية أوي! عشر دقايق وهكون عندك."

هكذا حسمت قرارها وقد أيقنت بأن الوقت الذي يمنحها إياه لن يكون كافياً إذا ذهبت إلى البيت لتستعد. لذا قررت بأن تذهب كما هي فلم يكن مظهرها يشغلها كثيراً في تلك اللحظة فاستيائها من وضعها هذا كان هو المهيمن على تفكيرها.

كان يقف أمام النافذة العريضة في غرفة مكتبه ويداه معقودة خلف ظهره وعلى شفتيه ابتسامة لا يعرف مصدرها ولكن كان يتأهب داخلياً لمعركة دامية وقتال عنيف بنكهة لذيذة مع صاحبة الشعر الغجري التي انطبقت صورته في مخيلته والعينان الزيتونيتان اللتان لأول مرة ستكونان أمامه بلا حصون.

أعلنت مديرة مكتبه عن وصول ضيفته المنتظرة فأمرها بإدخالها قبل أن يأخذ مكانه على مقعده خلف المكتب الخشبي الكبير ينتظر قدومها بترقب وحماس جديد كلياً عليه لتطل عليه أخيراً بمظهرها الجديد والذي خطف أنفاسه للحظة وقد كانت عيناه ترصد تفاصيلها بنظرات غامضة تحوي إعجاباً كبيراً بين طياتها نجح في إخفائه وقال بلهجة خشنة مستفسراً متعمدًا إحراجها: "آنسة فرح عمران!

على الفور تذكرت سؤاله المتعجب في المرة الأولى حين أتت إلى مكتبه فارتبكت قليلاً وخاصة حين تواجهت مع نظراته وقد شعرت بأنها مجردة أمامه من دفاعاتها وأسلحتها وشعرت بالحاجة لوقارها الذي يمدها بقوة تحتاجها كثيراً في مواجهته. فعادت إلى سبه بداخلها بكل الألفاظ التي تعرفها فهو لم يمهلها الوقت حتى تستعد لتلك المواجهة وقد بدا حنقها على ملامحها. ولكنها حاولت أن تخرج لهجتها هادئة حين قالت: "ده سؤال ولا إجابة؟ سالم بتسلية:

"الاثنين! "بمعني؟ سالم بهدوء: "سؤال إجابته جواه." فرح بسخرية: "يبقى إيه لازمته؟ تعمقت نظراته أكثر واشتد تحديقه بها وكأنه يخبرها بدون حديث بأن مظهرها الجديد هو السبب وقد جعلها ذلك غير مرتاحة وودت لو أنها لم تأت لمقابلته وقد كان هذا الإحساس دائمًا بداخلها بكل مرة تجتمع معه فتود لو أنها لم تقابله أبداً. فاجأها حديثه حين قال بجدية: "خير؟ رفعت إحدى حاجبيها بدهشة لتأتيها إجابته بلهجة ساخرة:

"إيه السبب القوي اللي مخليكي عايزة تقابليني مع العلم إننا لسه كنا مع بعض من حوالي كام ساعة! إغتاظت من وقاحته وجعلتها تستعيد قوتها التي تجلت في نبرتها حين قالت: "أولاً أنا أتحفظ على كلمة كنا مع بعض من حوالي كام ساعة دي! سالم باختصار: "ليه؟ فرح بإيجاز: "معجبتنيش! تابعت بنبرة محشوة بالغضب: "ثانياً بقي ممكن أعرف إزاي تحطني في الموقف ده؟ سالم ببراءة أغاظتها: "موقف إيه؟ أخذت نفساً طويلاً لتهدئ من روعها قليلاً

قبل أن تقول بهدوء ظاهري: "أنت عارف كويس بتكلم عن إيه! ومع ذلك حاضر هقولك. إيه خلاك تقول لجنه إني وافقت آجي معاها عندكوا؟ سالم متصنعاً الدهشة: "أنا مقولتش كده. أنتي اللي قولتي؟ جن جنونها في تلك اللحظة ولكنها بأعجوبة حاولت البقاء هادئة فأجابته: "أنا اضطريت إني أقولها موافقة بناءً على كلامك. أظن أنت فاكر قولت إيه كويس! حاول التحكم في ضحكة كادت أن تظهر على شفتيه فمظهرها وهي تحاول التحكم بغضبها كان مثيراً للغاية. ولكنّه

تابع بجدية: "فاكر كلامي كويس. وفاكر كمان إني لما طلبت منك ده رفضتيش! ففكرتك معندكيش مانع ومع ذلك طلبت من جنة تسألك وأنتي قولتي موافقة فين المشكلة؟ ستفقد عقلها من استهزاء هذا الرجل فها هو يتحدث ببراءة كأنه لم يقحمها فعلياً في هذا الأمر مستخدماً طرقه الملتوية التي جعلت الغضب يتقد في عينيها. ولكنها قالت ساخرة:

"آه صح فين المشكلة. الموضوع بسيط جداً. أنت محطتنيش في موقف صعب قدامها بعد ما عشمتها إني وافقت. تفتكر أنا كان ممكن أقول إيه وهي عاملة زي الغريق اللي كأنه ما صدق لقى قشاية يتعلق بيها! كان غضبها لذيذاً بحق وخاصة وقد تجلت انفعالاتها بوضوح في عينيها التي أضفى عليها الغضب نوعاً آخر من الجاذبية المتوهجة. وقد أصابته لعنة الاشتهاء للمزيد من ذلك التوهج المثير لذا تابع بلهجة جادة: "طب فين المشكلة برضو!

أنتي وافقتي لما لقيتي لهفتها وإنك القشاية اللي هتنقذها من الغرق أنا ذنبي إيه؟! كانت تود الصراخ في وجهه قائلة: أنت من دفعتها لهذا الاعتقاد الذي ولد بداخلها كل هذا العشم والتعلق. ولكنها اكتفت قائلة من بين أسنانها: "ذنبك إن حضرتك طلعت بالفكرة المجنونة دي وزرعت جواها الأمل إنها هتتحقق! زفر سالم بملل مصطنع يتنافى تماماً مع لذة قوية تعتريه من حربهم الخفية تلك وقام بإضفاء المزيد من الوقود على غضبها حين نظر إلى

ساعته قبل أن يقول بفظاظة: "سبق وقلتلك أنتي اللي قولتي موافقة وأكدتي على فكرتي دي يبقى المشكلة عندك! ودلوقتي أنا شايف إنك يدوب تلحقي تجهزي أنتي وهي عشان هنسافر بكرة بدري." برقت عيناها من جملته الأخيرة وقالت باستنكار: "سفر إيه اللي بكرة! أنا حتى لو وافقت فعلًا وسافرت محتاجة ييجي أسبوع على الأقل عشان أجهز نفسي وآخد إجازة من شغلي مانا أكيد مش هخسره عشان أفكار حضرتك المجنونة!

كان يعلم بأن عاصفة هوجاء ستهب ما أن يلقي بكلماته على مسامعها. ولدهشته كان يتوق لهبوبها. التفت إلى الدرج بجانبه وهو يمسك ورقة بين يديه ناولها إياها تزامنًا مع حديثه الهادئ حين قال: "إجازتك امضت خلاص تقدري تبدأيها من النهارده! لا تعلم كيف تناولت الورقة من بين يديه ولكنها شعرت بأن العالم يدور من حولها حين تأكدت من صدق حديثه فرفعت رأسها تطالعه بذهول تجلى في نبرتها حين قالت: "أنت عملت كده إزاي؟ سالم ببراءة مزيفة:

"عملت إيه؟ قصدك على الإجازة يعني! عادي صاحب الشركة بينا بزنس كتير ومامنعش لما طلبت منه ده! كان عقلها في مكان آخر حيث قالت على نفس لهجتها: "إحنا اتكلمنا في الموضوع ده امبارح بالليل والنهاردة جمعة والشركة إجازة الورقة دي امضت إزاي واتوافق عليها امتى؟ وصل إلى مركز انفجار البركان فأرجع ظهره إلى الخلف مستنداً على مقعده الجلدي وهو يقول بهدوء جليدي: "امضت امبارح الصبح! برقت عيناها وهبت من مقعدها تناظره بصدمة تحولت لغضب كبير

تجلى في نبرتها حين قالت: "يعني قبل حتى ما تفاتحني في الموضوع! ده أنت مقرر موافقتي من قبل ما أعرف! إزاي تجيلك الجرأة تعمل كده؟ علت نبرتها قليلاً فتصاعدت الأدخنة إلى رأسه فقال بلهجة جافة محذرة: "زي ما أختك جتلها الجرأة تفكر تتخلص من ابن أخويا من غير حتى ما نعرفها أنه موجود وأنتي طاوعتيها ورحتي معاها! فرح بسخط: "قولتلك مكنتش أعرف! سالم بفظاظة: "مش موضوعي!

كل اللي يهمني إني أحمي الحاجة الوحيدة اللي باقية من حازم الله يرحمه." دارت حول نفسها وقد بدأت الرؤية تتضح لها شيئاً فشيئاً وهنا توقفت لتقول بذهول واستنكار: "آه قول كده بقى! أنت كنت عارف كل حاجة وخططت كويس عشان توقعنا في الغلط بالرغم من إنك عارف بالحمل من أوله لكن سبتنا عشان أكيد كنت متوقع تصرف جنة." سالم بهدوء لم يفارقه: "حاجة زي كده! رمقته بنظرات الخسة قبل أن تقول باحتقار ممزوج بالغضب:

"بس دي طرق ملتوية وأساليب حقيرة! قست ملامحه قليلاً وقال بفظاظة وجفاء: "هعمل حساب لصدمتك ومش هحاسبك على كلامك ده! شعرت بغصة مؤلمة داخل حلقها جعلتها تقول بمرارة: "بعد موقف سليم لما قولتلي لو ليكي حق هتاخديه مني شخصياً حسيت إني واقفة قدام راجل واضح وصريح ولكن دلوقتي... لا يعلم لماذا شعر بالغضب الممزوج بالألم في تلك اللحظة فقاطعها قائلاً بهدوء: "كل شيء مباح في الحب! والحرب!

اخترقت جملته مسامعها مروراً بقلبها الذي انتفض بشدة جاعلاً من أنفاسها تضطرب داخل صدرها ولم تستطع إجابته فما قاله كان خارج نطاق توقعها لتجده يتابع بعينان مركزة على وجهها وكأنها شعاع ليزر: "زي ما أنتي بتحاربي طول الوقت عشان أختك أنا من حقي أحارب عشان أخويا أو اللي باقي منه! لا تعلم لماذا لامست الخيبة جوانب قلبها فتابعت بقهر: "بس دي أنانية! غمغم بهدوء: "سميها زي ما تسميها!

وبعدين أنتي مش خسرانة حاجة بالعكس أنا كده بحللك كل مشاكلك! كانت تتضور غضباً من حديثه لذا قالت بجفاء: "أولاً مطلبتش منك تحللي حاجة! ثانياً فين الحل لما آخد أختي ونسيب بيتنا وحياتنا ونروح آخر الدنيا عشان حضرتك خايف على ابن أخوك مننا بالرغم من إنك مراقبنا وعارف كل حاجة بتحصل! تجاهل سالم حديثها وقد اقترب من نقطة شائكة جعلته فريسة للأرق البارحة لذا قال بترقب:

"اللي أعرفه إنك أنتي وأختك ملكوش غير بعض. ومدام هتبقي معاها يبقى مفيش مشكلة. إلا إذا كان في حد معين مش عايزة تمشي وتسيبيه؟ غزت الحيرة ملامحها ولم تستوعب كلماته فقالت بعدم فهم: "تقصد إيه؟ كانت نظراته تقتنصها وتقيم جميع انفعالاتها وخرجت الكلمات بتمهل من بين شفتيه: "أقصد يمكن في حد في حياتك مش عايزة تبعدي وتسيبيه مثلاً!

هنا برقت عيناها من سؤاله الوقح الذي يغلفه بطريقة منمقة تصعب عليها إجابته بألا يتدخل فيما لا يعنيه. فقد كان كمن يتشاور معها في الوصول لحل ولكنها كانت تعلم بأنها إحدى طرقه الملتوية كالعادة لذا حاولت استعادة هدوئها ومحاربته بنفس سلاحه إذ قالت بغموض وقد بدت لمحة من الحزن على ملامحها: "أياً كان مينفعش أتخلى عن جنه. حتى لو في أي؟

اجتاحته موجة من الغضب بسبب إجابتها المراوغة والتي لم تروي عطش فضوله. فقد جمع ما يكفي من المعلومات عنها إلا أنه لم يصل إلى تلك النقطة أبداً وكانت غامضة بالنسبة إليه خاصة حين علم بأن لديها الكثير من الصداقات مع الجنس الآخر في عملها. وقد بدأ عقله في العمل بجميع الاتجاهات يفكر هل من الممكن أن تكون إحدى هذه الصداقات لها طابع خاص ولذلك حاول معرفة الأمر بطريقة لا توحي باهتمام خاص بها. ولكن إجابتها بذلك الشكل لم تزده إلا حيرة وغضباً لذا خرجت الكلمات من فمه

محملة بالاستياء حين قال: "معلش بقى. هتضطري تتنازلي عن خططك بس ده واجبك تجاه أختك ولا إيه؟ هدأت ملامحها إلى حد ما وقد بدا الغموض في نبرتها حين أجابته: "مين قال إني هتنازل عن حاجة! أنا بس هاجل مشاريع كتير كانت في دماغي لحد ما أطمن على جنة."

بالنهاية نجحت في إغضابه بطريقة لم يتوقعها أبداً وقد احتدم صراع بداخله عن كونها لا تعني له شيئاً فلماذا يريد معرفة علاقاتها الخاصة. ومن ناحية أخرى كان غضبه متقداً من احتمالية وجود علاقة خاصة تجمعها مع أحدهم وهو يقف بالمنتصف لا يملك القدرة على حسم ذلك الصراع. ولكنّه نجح بجدارة في إخفائه عن عينيها الفاتنة التي هدأت عاصفتها فبدا خضارها جذاباً صافياً كصفاء الربيع وكأن لكل شيء بها له فتنة مختلفة عن الأخرى.

وجدها تهب من مكانها تناظره بهدوء جاء في صوتها حين قالت: "أعتقد إن كلامنا كده انتهى. عن إذنك." أجابها بجفاء: "السواق هيعدي عليكوا بكرة الساعة ٩ الصبح. ياريت تكونوا جاهزين." هزت رأسها وأجابت باختصار: "عن إذنك." أومأ برأسه الذي كان يغلي من الغضب وقد كان مجرد التفكير في سبب هذا الغضب يزيده أكثر لذا انكب على الأوراق أمامه يبثها مشاعر غريبة لا يعلم كنهها ولا يرحب بوجودها! ******

في اليوم التالي وتحديداً في الصباح كانتا قد تجهزن في انتظار السيارة أن تأتي لتبدأ رحلتهما نحو المجهول! وأخذت فرح تتطلع إلى شقتهم التي عاشوا بها أجمل أيام حياتهم التي كانت دافئة يملؤها البهجة التي انطفأت فور وفاة والدتها والتي وكأنها ذهبت وأخذت بسمتهم معها.

أخبرها أبوها ذات يوم بأنها من اختارت لها اسمها والتي ضاعت معالمه مع مرور الزمن فلم يعد متبقياً منه سوى حروف خاوية كخواء قلبها. والذي بالرغم من جموده الظاهري كان له رأي آخر فهو يخشى السفر، يخشى المجهول، ويخشى شيئاً آخر تأبى الاعتراف به.

جاء السائق في موعده فساعدت جنة في حمل حقيبتها ليأخذها منها السائق الذي كان في عمر والدهما وأعطاهم بسمة مطمئنة فور أن وقعت عيناه على جنة التي كانت كالأرنب المذعور تمسك بيد شقيقتها وكأنها طوق نجاتها ومصدر أمانها في هذه الحياة. فشدت فرح على يدها واستقلوا السيارة منطلقة بهم إلى المجهول.. ******

في مكان آخر تحديداً في جامعة قناة السويس كان اليوم الأول لها في هذا المكان الغريب كلياً عليها كما أصبح كل شيء غريب عليها بعد وفاة شقيقها الأصغر!

تغير كل شيء وانمحت البسمة من على شفتيها ونُزعت الفرحة من بيتهم الذي لم تستطع والدتها العودة إليه بعد موت صغيرها وأحب أبنائها وأكثر من يشبهها. فحين انتهوا من مراسم الدفن والتي كانت في مسقط رأسهم بإحدى القرى بجانب مدينة الإسماعيلية تم أخذ العزاء وسقطت والدتها مغشياً عليها فقلبها لم يتحمل فاجعتها العظيمة. وأخبرهم الطبيب بأن حالة قلبها تسوء فأقترح أخاها الأكبر أن يستقروا في مزرعتهم حتى تتحسن حالة والدتهم ولكي يبعدها عن ذكرياتها مع فلذة كبدها الذي انتزعه القدر من بين أحضانها.

وتم نقل أوراقها من جامعتها بالقاهرة إلى جامعة قناة السويس. وعلى الرغم من انعدام رغبتها في أي شيء سوى أن تظل تبكي بين جدران غرفتها حتى تلحق بصديقها وأخاها وتؤم روحها إلا أن ما حدث هذا الصباح جعلها تود لو تهرب لأبعد مكان في العالم حتى لا تشهد على تلك المهزلة التي سوف تحدث.. قبل عدة ساعات....

اجتمعت العائلة بأكملها لأول مرة على طاولة الإفطار وكان هذا مثيراً للدهشة والألم معاً فقد كانت الوجوه قاتمة مغبرة بأوجاع لا يمكن الإفصاح عنها. وكان هذا الجمع يتكون من شقيقيها وعمتها وابنتها سما وتفاجأوا جميعاً حين شاهدوا والدتها التي تستند على يد خادمتها الأمينة نعمة. فتقدم منها شقيقاها كلٌ ممسكاً بيدها حتى أجلسوها بمكانها المعتاد وقد حاول الجميع رسم الابتسامة على وجوههم حتى ولو لم تصل لأعينهم ولكن كانت محاولة في جعلها تتناسى حزنها قليلاً..

أخيراً بدأ سالم بالحديث حيث قال بلهجة خشنة توازي هيبته التي تلازمه دائماً وتجعل الجميع يخشونه: "في موضوع مهم عايز أكلمكم فيه. ومش عايز حد يقاطعني." انتبه الجميع لحديثه والذي شرع فيه على الفور: "حازم الله يرحمه كان متجوز واحدة زميلته في الجامعة. وبعد ما اتوفى اكتشفنا أنها حامل منه! وبكرة إن شاء الله هتيجي تعيش معانا هي وأختها! وكأن صاعقة قوية ضربتهم من حيث لا يدرون!

جحظت الأعين وتسارعت الأنفاس جراء قنبلته التي ظل دويها يتردد على آذانهم وألجم ألسنتهم لوهلة. وكان أول من استفاق من صدمته هي عمته همت التي انتفضت من مكانها وقالت بصياح: "أنت بتقول إيه يا سالم؟ حازم مين اللي كان متجوز؟ وبنتي؟ وسما؟ كان بيضحك عليها؟ كان يتوقع ثورتها بل وأكثر من ذلك فقد كان هناك اتفاق أحمق بينها وبين والدته على زواج حازم وسما منذ أن كانوا أطفال!

وقد نشأت سما على حب حازم الذي لم يبادلها الحب ولو لثانية. ولكن تلك الترهات التي زرعتها والدته ووالدتها وخصوصاً عمته كانت تسيطر على عقل الفتاة ووافقتها والدته خاصة بعد ما حدث في الماضي! "أهدي يا عمتي! محدش ضحك على سما. سما وحازم مكنش بينهم حاجة مجرد كلام بينك وبين ماما ولكن مكنش فيه حاجة رسمي! همت بانفعال: "رسمي!

رسمي إيه يا ابن أخويا دي الناس كلها كانت عارفة إن حازم لسما وسما لحازم. تيجي دلوقتي تقولي ده كان كلام بينا! لا وجايب واحدة منعرفش أصلها من فصلها وتقول مرات حازم! وقال إيه حامل في ابنه دي مسرحية دي ولا إيه." قالت جملتها الأخيرة بسخرية فتجاهلها وتابع بنفس هدوءه: "لا مش مسرحية. ده أمر واقع ويا ريت تتقبليه في أسرع وقت عشان هي زمانها على وصول! صاحت همت بغضب: "مين دي اللي على وصول؟ أنت اتجننت يا سالم؟

بدأ غضبه يتصاعد ولكنّه حاول كبحه قدر المستطاع فهو يتفهم حالتها وذلك الوضع الصعب الذي أقحمهم فيه شقيقه المتوفي لذا قال بصوت خشن: "خلي بالك من كلامك يا عمتي! أنا مراعي حالتك لحد دلوقتي." تسارعت أنفاسها وابتلعت شوك الحقيقة التي تجلت في عينيه فالأمر كان واقعاً بنكهة مريرة كالكابوس المريع لذا قالت بتهكم: "وياترى الكلام ده من امتى؟ أقصد جواز البيه." سالم بجفاء وقد غلت الدماء بعروقه: "قبل ما يموت بأسبوع!

"والهانم مراته حامل في الكام؟ سالم وقد علم مرمى حديثها وقرر إيقافها عند حدها لذا ألقى إجابته وهو يناظرها بترقب: "تقريباً في نص التالت." صدحت ضحكة قاسية خالية من المرح من فمها قبل أن تقول باستهزاء: "يعني لو حسبنا هنلاقي إن الهانم حامل من قبل الحادثة بكام يوم.. بقي ده كلام يتصدق! البنت دي أكيد كذابة وجاية ترمي بلاها علينا وعلى حازم الله يرحمه. أنا واثقة إنه عمره ما حب حد غير سما." "خلي بالك من كلامك يا عمتي!

خرج صوته أخيراً متشرجاً يحشوه الغضب الممزوج بغصة قوية لا يعلم سببها فهو منذ أن علم بتلك الحقيقة المرة وقد شعر بأن الأرض تدور به! هل يمكن أن تلك الفتاة بالفعل حامل من أخاه الراحل؟ كيف يستطيع فعل ذلك بابنة عمته التي لا ترى بهذه الحياة سواه؟ كيف يستطيع الغدر بها بتلك الطريقة؟ كانت إجابة تساؤلاته

تكمن في ثلاث أحرف: "جنة". تلك للفتاة التي كانت كالحرباء لابد وأنها تلونت لأخاه حتى يقع في حبال عشقها والذي تسبب بتدمير حياته وعائلته! كانت ذنوبها وأخطاؤها تزداد يوماً بعد يوم ولكنّه كان مكملاً بأصفاد امتنان لرحمها الذي يحمل ابن شقيقه الراحل والذي من أجله فقط سيتغاضى عن كل شيء حتى يأتي وينير حياتهم من جديد.

وقد اتخذ قراراً بأن يتجنبها لحين قدومه ولكن ما أن سمع عمته تقذفها بذلك الاتهام الشنيع لم يستطع منع نفسه من إيقافها فبرغم كل شيء هي عرض أخاه المتوفي ولن يسمح بأن يتطاول عليه أحد ولابد لتلك الفتاة أن تعلم بأن أي خطأ لن يكون مسموحاً به.. نظر إليه الجميع بصدمة لم تدم كثيراً إذ تولى سالم الحديث حيث مد ساقيه قليلاً وهو يناظر عمته بجمود متحدثاً بصوت خافت لكنه مخيف: "زي ما سليم قالك خلي بالك من كلامك!

جنة مرات حازم واللي في بطنها ابنه. وأي غلط فيها مش مسموح بيه! أوشكت على الحديث فخرج صوت أمينة قوياً حين قالت بصرامة: "مفيش كلام بعد كلام سالم يا همت! مرات حازم هتيجي هنا وهنتشال على الراس هي واللي معاها. وأي حد هيتعرضلهم أنا بنفسي هقفله." صُدمت همت من موقف أمينة التي كانت تؤكد على حديث أبنائها وهي التي كانت تُمنيها سابقاً بزواج ابنتها من حازم فخرج الكلام منها بذهول: "أنتِ اللي بتقولي كده يا أمينة؟

أمينة بحزم وهي تجاهد حتى تمنع العبرات من الهطول من مقلتيها: "أيوا أنا اللي بقول كده. مستنية مني إيه أرمي ابن ابني وأمه في الشارع! بدل ما أخدهم في حضني وأحمد ربنا إنه عوضني بحتة منه بعد ما قلبي اتحرق عليه." همت بعتب ممزوج بوجع: "تقومي تحرقي قلبي على بنتي! ألقت أمينة نظرة معتذرة على سما التي كانت ترتجف بين أحضان حلا وقالت بصوت قوي:

"سما لسه صغيرة والعمر قدامها وبكرة ربنا يبعتلها ابن الحلال اللي ينسيها حازم. بس أنا قلبي هيفضل محروق العمر كله يا همت!

حين أنهت حديثها تفاجأوا بسما التي هرولت إلى الأعلى وصوت بكائها يفتك بالقلوب ولكن ما باليد حيلة فقد وضعهم القدر في مأزق لا يمكن الفرار منه حتى وإن كان بداخلهم ممتنين لإرادة الله التي بعثت نوراً من جوف العتمة التي خيمت على حياتهم منذ فراق حازم بذلك الطفل الذي أحيا الأمل بقلب والدته وجعلها تستطيع الوقوف على قدميها من جديد. هرولت همت هي الأخرى خلف ابنتها ودموع القهر تتساقط من بين عينيها وعندها هبت حلا

قائلة بصوت غاضب حد الألم: "أنا مش قادرة أصدق اللي بسمعه معقول يا أبيه الكلام ده؟ أنا مش مصدقة البنت دي. وحازم عمره ما حب حد غير سما." نظر سالم في ساعته وقال بصرامة متجاهلاً ثورتها: "يلا عشان تروحي جامعتك. السواق بره هيوصلك! اشعل غضبها أكثر وأكثر فما أن همت بالكلام حتى حدجتها والدتها بنظرة صارمة جعلتها تبتلع حروفها وقامت بالامتثال مرغمة لأوامرهم.. عودة للوقت الحالي

زفرت حلا بحدة وقطراتها تتساقط على وجنتيها غافلة عن تلك العينان التي كانت تراقب انفعالها وحزنها الفاتن بإعجاب خفي فقد كانت أول مرة يراها بالجامعة ولا يعرف هويتها ولكن ما لفت انتباهه إليها هي تلك التعابير المتغيرة على ملامحها والتي كان يتسيدها الحزن العميق. فخطر سؤال على ذهنه: "من يطاوعه قلبه على إحزان تلك العينان الفاتنة!

اقترب منها شيئاً فشيئاً ليطالعها عن قرب أكثر لم يكن ينوي التحدث معها ولكن شعر فجأة بأن عليه الاقتراب منها وما أن أصبح بجوارها حتى وجد عيناها تغلق وقدماها تتراخى وكادت أن تسقط على الأرض ولكن يداه كانت أقرب إليها فحملها بلهفة واضعاً يداً تحت ركبتها والأخرى خلف ظهرها وتوجه بها إلى مكتبه وسط همهمات من الشباب والفتيات حوله. وقام بإدخالها غرفته ووضعها على المقعد المقابل لمكتبه وخلفه إحدى العاملات التي جلبت حقيبتها ووضعتها على المكتب أمامه فأمرها بإحضار كوب ماء لإفاقتها ونظر إلى العاملة الأخرى وقال مستفهماً:

"أنتي تعرفي البنت دي؟ أجابته نافية: "لا معرفهاش؟ فنظر للأخرى والتي أجابت نفس إجابتها فنظر حوله لتقع عيناه على حقيبتها وقال لإحداهن: "افتحي شنطتها وطلعي بطاقتها نكلم أهلها يجوا يشوفوا بنتهم." ظهرت إمارات الخوف على العاملة وتراجعت للخلف فقال بإندهاش: "إيه في إيه مالك؟ العاملة برجاء: "بالله عليك يا ياسين بيه بلاش أنا أحسن تضيع منها حاجة كدا ولا كدا تتهمها فيا. أنا ماليش دعوة." ناظرها بذهول قائلاً:

"إيه الجنان ده أنا اللي بقولك افتحي شنطتها وطلعي بطاقتها." العاملة برجاء: "سايقه عليك النبي بلاش." زفر بحنق ونظر إلى العاملة الأخرى التي تحاول إفاقتها فتراجعت للخلف بذعر فتقدم مستسلماً يفتح الحقيبة ولم يلاحظ تلك التي استعادت وعيها ببطء فكان أول ما وقعت عيناها عليه هو ذلك الرجل الضخم يفتش في حقيبتها فصرخت بذعر قائلة: "حراميييييي!!!

أثناء الطريق توقف السائق أمام إحدى محطات الوقود وترجل منها بعد أن استأذنهم وغاب لبعض الوقت ثم عاد حاملاً أكياساً كثيرة بها شتى أنواع الحلوى والعصائر والمياه وناولها لهم في الخلف فشعرت فرح بالخجل وأوشكت على إخراج النقود من حقيبتها فأتاه صوته معاتباً: "بتعملي إيه يا بنتي! أنتوا زي ولادي. وبعدين حازم الله يرحمه أنا اللي كنت مربيه." شعرت الفتاتان بالخجل من كرم ذلك العجوز اللطيف وشكرته فرح بلطف فنظر إلى جنة قائلاً بحنو:

"لو حابة تقري له الفاتحة المقابر على أول البلد هنا." شعرت بخفقة قوية داخل قلبها وتدفق الدمع بمقلتيها فهزت رأسها بموافقة ويدها تحتضن بطنها المسطحة فهي لا تزال لا تصدق بأنه قد توفي. توقفت السيارة أمام مقابر العائلة وترجلت منها جنة وبجانبها فرح التي توقفت عندما قالت شقيقتها برجاء: "خليكي يا فرح. محتاجة أكون لوحدي... معاه!

قالت كلمتها الأخيرة بضعف فتفهمت شقيقتها وضعها وتركته بعد أن أرشدها السائق إلى مكان القبر فارتعش سائر جسدها حين شاهدت اسمه المدون فوق تلك اللوحة الرخامية التي امتدت أصابعها تلامسها برفق وكأنها تلامسه وتساقط الدمع أنهاراً يحفر ودياناً من الحزن فوق وجنتيها الشاحبة. ولدقيقة لم تستطع الحديث بل أخذت تبكي وتبكي وكأنها تحاول ذرف وجعها بدلاً من دموع بائسة لم تستطع التخفيف من حزنها أبداً.

"يااااه يا حازم. مكنتش أتخيل تبقي النهاية كده أبداً! خرج الكلام متشرجاً من بين شفتيها المرتعشتين والتي أضافت باستنكار وعدم تصديق: "معقول أنت هنا! خلاص ده مكانك بعد كده! يعني مش هشوفك تاني؟ سامحني يا حازم.. سامحني أرجوك."

أختتمت جملتها وأجهشت في بكاء مرير نابع من قلب محطم دهسته الحياة تحت أقدامها بلا رحمة ولا شفقة ولم تكتف بذلك فقط بل وضعتها أمام بركان ثائر يغذي الانتقام نيرانه التي كانت قادرة على سحقها في ثوان لولا وجود ذلك الجنين بين أحشائها والذي منع يد الظلم من أن تطالها ولكنها كانت توعد بإذاقتها الجحيم ما أن تضع مولودها.

هكذا كان يطالعها سليم الذي هرب من لقاءه بهم وتوجه إلى حيث يرقد أخاه الذي ترك الحياة بأكملها وذهب إلى موطنه الدائم فقد كان يخاف زيارته طوال الثلاثة أشهر المنصرمة ولكنّه الآن وجد قدماه تأخذه إليه دون إرادته وأخذ يتلو عليه ما تيسر من آيات الذكر الحكيم ويردد الدعوات بأن تتغمده رحمة الله الواسعة ولكنّه توقف إثر سماع أصوات قادمة من الجهة الأخرى وحبس أنفاسه عند سماعه صوتها الباكي وشعر للحظة بمدى معاناتها وألمها لفقده ولكن جاءت كلماتها الأخيرة لتجعل عقله يتيقظ وغضبه يستعر رغمًا عنه وخاصة حين وجدها تقول

من بين دموعها بأسف بالغ: "مكنتش أتمنى النهاية تبقي كده أبداً.. سامحني يا حازم حقك عليا. أرجوك سامحني." أنهت كلماتها وتابعت وصلة نحيبها التي يغذيها آلام الذنب والفقد والظلم! انتشلها من بئر العذاب الخاص بها صوت أقدام بثّت الرعب بأوصالها فرفعت رأسها لتصطدم ببركة من الدماء المحتقنة تحدق بها بغضب من يراها يقسم بأنها قد ارتكبت أعظم جرائم السماء وبأنها هالكة لا محالة.

تسارعت أنفاسها وهي تناظره بعينان حاولت رسم القوة بهما وإخفاء ذلك الذعر الذي اجتاح أوصالها لدي رؤيته فقد كانت تحمل هم رؤيته كثقل في قلبها الذي يؤلمه كل تلك الاتهامات التي توجهت إليه قهراً. "بأي عين جاية تزوريه! اقتحمت لهجته الباردة صراعها الداخلي فاهتزت حدقتاها لبرهة قبل أن تحاول رسم قناع القوة والجمود على ملامحها وقالت بصوت مبحوح: "وإيه يمنعني آجي أزوره؟

لاحظ محاولتها لرسم قوة واهية لا تتمتع بها وأيضاً بحة صوتها التي تظهر كم عانت حتى تخرجه وجسدها الذي كان يرتجف وكأنها ورقة شجر عصفت بها رياح خريفية فزعزعتها من مكانها. ولكن غضبه كان يطمس كل الحقائق أمام عينيه ولم ينتبه سوى لكلماتها التي جعلته يرفع إحدى حاجبيه ويقول بازدراء واضح: "تصدقي نسيت إن اللي زيك يعمل أي حاجة عادي."

كان الاحتقار الذي يتساقط من بين كلماته يقتلها فلم تكن تكفيها معاناتها وحملها الثقيل حتى يأتي هو ليزيده أضعافاً مضاعفة! لا تعلم ما مشكلة هذا الرجل معها ولكنها ستحاول مقاومة طوفان غضبه ولن تجعله يهينها أبداً. وهنا استعادت بعضاً من صوتها الهارب وقالت بجمود: "ومالهم اللي زيي! أقترب منها بخط سلحفاه وهو يتابع محاولاً تضمين لهجته أكبر قدر من الاحتقار: "ميعرفوش يعني إيه أدب ولا أخلاق ولا ضمير!

يقتلوا القتيل وييجوا يعيطوا عليه عادي! كان يقذف الكلمات بوجهها دون أن يهتز له جفن من الرحمة ولا الشفقة على ضعفها أبداً وقد بدا أمامها كمسخ مجرد من الإنسانية وظيفته إلقاء الاتهامات فقط. ولكنها لن تسمح له وهنا خرج صوتها قوياً إذ قالت بعنفوان: "لو كان ده رأيك فيا فتقدر تحتفظ بيه لنفسك أو ترميه في أقرب مقلب زبالة!

أما بالنسبة للي زيك بقى فأنا ماحبش أتعامل معاهم أبداً. ولا يجمعني بيهم طريق. لأنهم ناس معندهمش دين ولا ضمير بيرموا الناس بالباطل من غير أي ذرة ندم واحدة! لم يكن يصدق أذنيه التي التقطت حديثها الوقح وقد صدق حدسه فتلك الفتاة ليست بالملاك الحزين الذي كانت عليه يوم رآها في المستشفى فهي أفعى متنكرة في زي أنثى فاتنة!

هنا نهر نفسه بشدة على ذلك الوصف الذي لا يليق بها فهي كما ظن في البداية أفعى التفت حول رقبة أخيه حتى سلبت منه حياته لذا أقترب حتى وصل أمامها مباشرة وقال بسخرية لاذعة: "مش مستغرب أوي من كلامك! من البداية كنت عارف إن وش الملايكة ده بيخفي وراه شيطانة بس للأسف حازم مكانش شايفك على حقيقتك." خرجت الكلمات مرتجفة من بين شفتيها بينما قلبها يحترق من قسوة اتهاماته: "أنا عملت إيه لكل ده؟ إيه الذنب العظيم اللي ارتكبته؟ أعطاها نظرة

قاتلة قبل أن يقول بازدراء: "ذنبك أنتي أكتر واحدة عارفاه كويس! ومتفكريش عشان جيتي تعيشي وسطنا إنك خلاص فلتي من العقاب! اللي مانعني آخد روحك دلوقتي هو ابن أخويا اللي جواكي! ازدادت عيناه احمراراً فبدت وكأنهما جمرتان مشتعلتان بنيران الجحيم وجاءت نبرته حادة كنصل سكين حاد كان يتعمد غرزه بمنتصف قلبها حين أضاف بقسوة:

"أول وآخر مرة هحذرك لو فكرتي تعرضيه للخطر هتشوفي مني اللي عمرك ما شفتيه في حياتك وخليكي فاكرة إنك بسببه لسه عايشة وبتتنفسي! وصدقيني هييجي يوم وهتتعاقبي العقاب اللي تستحقيه على جريمتك!

هاجمها الدوار وشعرت بالأرض تهتز تحت قدميها من فرط صدمتها التي تحولت إلى رعب من هذه المرارة التي تتساقط من بين حروف كلماته المؤلمة والجارجة. وسقطت دمعتان من جانبي عينيها من فرط القهر الذي شعرت به في تلك اللحظة وخرجت الكلمات من فمها ممزوجة بوجع قاتل لامس زاوية ما في قلبه: "خليك فاكر كل كلمة قولتها دلوقتي عشان هييجي يوم وتندم عليها.."

لم تستطع إكمال جملتها فقد تراقصت الأرض بها في تلك اللحظة وتراخت قدماها ولم تشعر سوى وهي تسقط ويداه تتلقفها بصدمة من مظهرها المزري فقد شحب لونها فجأة ليجدها تترنح فلم يستطع إلا أن يمسك بها وحين لامست كفوفه الخشنة خصرها الرقيق المنحوت بدقة شعر بنبضاته تتعثر بداخل قلبه الذي دق بعنف وهو يناظر صفحة وجهها الأبيض المستدير الذي يتناقض في بياضه مع سواد أهدابها التي تظلل بحرها الأسود اللامع وكانت خصلاتها تتطاير خلفها بتمرد عنفوان وكأنها ترفض اتهاماته البشعة لها.

أخذت عيناه تبحر فوق ملامحها التي احتجزتها للحظات وقد بدت ساكنة لا حياة بها فقط شفتاها التي كانت تتمتم بخفوت مما جعله يقترب أكثر ليستمع إلى ما تقوله وهنا هبت نسائم رقيقة تحمل ريحاً عطرة حملت خصلة هاربة من خصلات شعرها الأسود لتلفح وجهه بلطف وكأنها تعاتبه فشعر بإحساس غريب في داخله لا يعرف من أين جاء؟

فقد كان كمن لا يريد تركها أبداً يرغب بالنظر إليها مطولاً وكأنه عاجز عن انتزاع عيناه عنها. ولكنّه استفاق فجأة من غمرة ذلك الشعور الغريب الذي اجتاحه كإعصار دام للحظات لينهر نفسه بشدة وود لو يتخلص منها ويلقيها من يداه ولكنها لم تكن في وعيها فتكالب عليه غضبه مع شعور عارم بالذنب فوجد نفسه يصرخ بصوت غاضب جريح: "حسااااااان!

هز صوته أرجاء المكان حولهم فوصل إلى مسامع فرح التي ارتعدت من ذلك الصوت ودب الرعب في أوصالها حين سمعت صوت حسان الذي انتفض يقول بلهفة: "سليم بيه! بلمح البرق ترجلت من السيارة لتهرول إلى مكان شقيقتها وقلبها يتضرع إلى الله بألا يكون ذلك المجنون قد آذاها بشيء! وقد ارتاعب قلبها حين وجدته يمسكها بتلك الطريقة فأمتدت يدها لتنتزعها من بين يديه وخلفها حسان السائق وقد تناست وجوده وقالت صارخة: "أنت عملت فيها إيه؟

بدا كما لو أن حديثها لم يكن موجهاً إليه وأخذت عيناه تتابع يدها وهي تحاول إفاقتها إلى أن استجابت لها أخيراً وبدأت بفتح عيناها وكانت كمن تجاهد للاستيقاظ من غفوتها وفجأة أطلق تنهيدة قوية خشنة لم يكن يعلم بأنها يحبسها داخل صدره. واستدار على عقبيه ينوي المغادرة ليأتيه صوت فرح الغاضب حين قالت: "لو شفتك بتقرب منها تاني مش هتعرف هعمل فيك إيه؟ لم يلتفت إليها ولكنّه أبطأ خطواته قليلاً حين سمع صوتها المتعب وهي تقول برجاء:

"سبيه يا فرح هو معمليش حاجة ولا يقدر أصلاً! ود لو يرجع ويوجه إليها صفعة مؤلمة على حماقتها ولكن مهلاً سيأتي ذلك اليوم الذي ستدفع ثمن كل أخطائها دفعة واحدة وحينها لن يستطع أحد إيقافه..

أخيراً وصلت السيارة أمام باب بوابة المزرعة الضخمة والتي انفتحت بمجرد أن أطلق السائق صوت الزامور لتدفع السيارة إلى الداخل وقد كانت كجنة صنعت على الأرض من شدة روعتها ولكن كان الخوف والترقب يمنع الجميع من الاستمتاع بمظهرها وخاصة عندما وصلوا إلى الباب الداخلي للقصر فوجدوا سالم وبجانبه سيدة تبدو في العقد السادس من عمرها وقد فطنت فرح أنها والدته وهنا امتدت يد جنة لا إرادياً تقبض على يد شقيقتها التي ربتت بلطف على كفها المرتعش في محاولة لبثها الأمان الذي تحتاجه.

توقفت السيارة أمامهم وترجلت الفتاتان منها فوقعت عيناه على تلك التي عاد مظهرها القديم إلى حالته وقد أغضبه هذا بشدة ولكنّه لم يعلق بل مد يده يصافحها برسمية لم تخلو من ضغطة بسيطة على كفها وقام بتعريفها على والدته التي حيتها بتحفظ: "أهلاً بيكي." ثم توجهت الأنظار إلى جنة التي كان مظهرهم يرهبها كثيراً ولكنها حاولت البقاء صامدة وهي تتوجه إليهم لتمتد يد تلك السيدة تصافحها بكفوف باردة وملامح جامدة والتي لم تقل عنها

لهجتها حين حيتها قائلة: "حمد لله على سلامتك! لم تسنح الفرصة لـ جنة أن تجيبها فجأة صدح صوت زامور سيارة من خلفهم فالتفتوا جميعاً لتتجمد جنة بصدمة حين شاهدت ذلك الشخص الذي ترجل من السيارة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...